الشهر: يونيو 2002

الإعلام يظلم عسير

أكاد أجزم ان من كتبوا او رسموا الكاريكاتير ملمحين الى غلاء السكن أو عدم توفر المساكن في مصايفنا وبالذات في أبها، هم ممن لم يزوروا المصايف الداخلية واذا غلبنا حسن الظن فهم ممن اعتمدوا على السماع دون الممارسة وقد سمعوا من مُبالغ او من غير مؤيد للسياحة الداخلية.

أمضيت صيف العام الماضي متنقلاً بين عدة مصايف داخلية ومستقراً في ابها، وتعمدت تنويع السكن دون سابق حجز فوجدت عكس ما كنت اقرأ من مقالات توحي بغلاء السكن او رسومات تسخر من عدم توفر المساكن وغلاء الايجارات مما يهبط همة من ينوي قضاء الاجازة في مصايفنا..

حصلت على اجازتي العام الماضي فجأة دون سابق تخطيط لظروف عملي وحجزت على الخطوط السعودية لثمانية افراد الى أبها فلم أجد أدنى عناء، ووصلت ابها دون ان احجز مسكنا فلم أجد أدنى مشقة في العثور على سكن رائع في فلل قرية سياحية في السودة، “أجمل بقاع الدنيا مناخا صيفيا” باسعار يومية تتراوح بين 250و 400ريال حسب عدد الغرف وهذا المبلغ يعتبر معقولا للغاية مقارنة بسعر سكن فيلا او حتى غرفة مفردة في فندق في اية منطقة جذب في العالم فأين الغلاء؟! وأين شح المساكن؟! “البعض صور شح السكن الى درجة اضطرته للسكن في مستشفى!!

بعد الاستقرار لعدة ايام والاستمتاع بخدمات ومرافق القرية السياحية، غلبت عليّ ميولي القروي فقررت الاستمتاع بالريف في مسكن منفرد في نفس المنطقة شاهقة الارتفاع فكانت الخيارات متعددة من المنازل الجميلة المفروشة والمؤثثة بكل الاحتياجات الاسرية ولم يتجاوز ايجار اي منها مائتي ريال يومياً مع ان العقد يحدد ان الماء والكهرباء على المالك واخترت منزلا جميلا يقع منفردا في قمة جبل تلامسه السحب من كل جانب ويصل اليه الطريق المعبد حتى عتبة الباب بايجار يومي قدره مائة وخمسون ريالا علما ان قيمة صهريج الماء الذي يتكفل به المالك متى شئت هي مائة ريال!! فما عساه يوفر؟! واي غلاء يتحدثون عنه؟

في ذلك المنزل امضت الاسرة أسعد 30يوما صيفيا لم تجدها في اي مصيف آخر من قبل (لا أحب الحديث عن تجارب الذات ولا اقولها تباهيا ولكن توثيقا واداء شهادة حق وحتى لا يقول قائل، هذا ماشاف عيشه، فقد قضيت اجازات صيف في اورلاندو وباريس وماليزيا ولندن ولم اجد امتع ولا أجمل ولا ارخص ولا آمن من عسير).

كان السحاب يحتضن المنزل الصغير من كل جانب حتى لا تكاد ترى من حولك، تنام على صوت زخات المطر وخرير الجداول وتصحو على نغمات حبات البرد تطرق الباب الحديدي الآمن فأي سعادة اكبر ينشدها السائح!

ما الذي يريده الهارب من حر الصيف اكثر من نسمات باردة وظواهر طبيعية فريدة وتحليق فوق السحاب وتجوال في منتزهات طبيعية بكر “بأمان تام لا غريب ولا مستغرب” وبين مواطنين قمة في الكرم وحسن التعامل..

اين يجد رب الاسرة نظما واجراءات تصون حرمة العائلة وتمنحها الميزات والاولوية (العائلة في مصايفنا هي بطاقة التسهيلات الذهبية) هذه الميزة لا تشعر باهميتها الا عندما تفتقدها في الخارج باستثناء من لا يهمهم تقديم التنازلات من بند العادات والتقاليد والأخلاق والقيم..

البرفسورالوحيد

البرفسور لقب علمي بحت يفترض أن يتداول في الأوراق البحثية المتخصصة وفي المجلات العلمية والمؤتمرات إذا لزم الأمر، لأن مولد هذا اللقب يتم في أروقة الجامعات ويمنح لكل من وصل إلى درجة أستاذ، بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه وتدرج في سلك التعليم الجامعي وترقى بموجب أبحاثه وتحقيقه لمتطلبات الترقية حسب اللوائح من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك ثم أستاذ.

أعداد من حصلوا على هذا الشرف من أساتذة الجامعات لدينا كثر بل هم كثيرون جداً، لكنهم لا يستخدمون لقب “برفسور” في غير محله وأعني مثلاً في الإعلام!!

ولأن لكل قاعدة شواذ فإن قلة قليلة يحرصون على ترسيخ هذا اللقب عند ظهورهم الإعلامي، حتى أصبح يتكرر في الإعلام المقروء والمرئي والمسموع عن شخص أو اثنين، وكأن هذا البلد الزاخر بالمؤهلات والقدرات ليس فيه إلا برفسور واحد.

هذا السلوك لا ننتقده لأننا نمقت حرص البعض على استغلال غفلة الإعلام لتزيين ذاته بألقاب يرفض غيرها استخدامها في غير محلها كما يفعل هو، ولا نستنكر هذا السلوك حسداً لمستخدمه، لكننا نرى في هذا الاستغلال لسطحية بعض الإعلاميين إضراراً بالصورة العامة للوطن لأن ما يحدث يصور الوطن وكأنه “وحيد البرفسور” وهو ليس كذلك، ويميز شخصاً على أقرانه ممن هم أقدم منه في هذا الشرف لمجرد أنه خالف القاعدة ونجح في استغلال الغفلة لإيهام الآخرين بتميزه وهو غير مميز!!

تلك ليست هي الأسباب الوحيدة، فالموضوع تعدى مجرد إرضاء هوى النفس بإشباع رغبة التزين بالألقاب إلى الحصول على مميزات مادية مصدرها إيهام الناس بالتميز، ففي هذا الزمن تتسابق المستشفيات الخاصة مثلاً على استقطاب بعض أساتذة كليات الطب، ورغم أن عدداً كبيراً منهم هم في الواقع سواسية في مجال اللقب العلمي “أي أنهم أساتذة جامعة، استشاريون في مجال تخصصهم الطبي” إلا أن استخدام قلة منهم لكلمة “برفسور” إعلامياً يجعل إقبال المستشفيات الخاصة على هذه الفئة أكبر بكثير ويغدقون عليهم في العطاء ليس جهلاً بحقيقة أنهم سواء مع غيرهم في هذا اللقب، ولكن لعلمهم أن استخدامه إعلامياً مصدر جذب للمرضى الذين لا يدركون حقيقة غياب التميز، وبذلك فإن هذا الاستخدام غير المنطقي يطال ضرره العامة في شكل استغلال واضح وتغرير يسهم فيه الإعلام بشكل كبير.

الطريف أن تعريب هذا اللقب هو “الأستاذ الدكتور” ويرمز له بـ(أ.د) لكن هذا التعريب لا يشبع رغبة الباحث عن البهرجة الإعلامية لأن كلمة “أستاذ” اشتهر استخدامها الخاطئ في الإشارة إلى كل (مدير) أو (أديب) أو (كاتب) فأصبحت أقرب إلى غير المؤهل أكاديمياً منها إلى ما بعد الدكتوراه!!، لذا فإن ارتداء حلة “البرفسور” أحب إلى من يحب نفسه من نفسه!!

المستشار المنشار

وعدت في مقال السبت الماضي أن أتطرق لبعض الصور السلبية لعمل المستشار غير المتفرغ في الجهة التي طلبته “للاستشارة” وذلك بعد أن عرجت على بعض الممارسات في الجهة الأصلية حيث أهمل بعض أساتذة الجامعات وظائفهم الأساسية وتفرغوا لجهة الاستشارة وظاهرة تعدد الاستشارات لشخص واحد.

في بعض الوزارات التي تستعين بمستشارين من الجامعة تحدث ممارسات غريبة أستغرب السكوت عليها كل هذه المدة بل من المضحك المبكي انها تحدث أصلاً رغم وضوح الهدف والوصف الوظيفي للمستشار!!

في بعض الوزارات يقوم المستشار غير المتفرغ بمهام تنفيذية ويتمتع بصلاحيات اتخاذ قرار تنفيذي، كان من المفترض ان يتخذه الوزير أو وكيل الوزارة أو المديرون التنفيذيون في الادارات المختصة، مما جعل بعض المستشارين غير المتفرغين في وزارة ما أهم بكثير من وكلائها وأكثر انشغالاً منهم وأعم صلاحيات، وهو أمر له خطورة بالغة لأن المستشار في هذه الحالة يتمتع بصلاحيات ليست من حقه ولا ضمن صميم عمله كمستشار ومعفى تماماً من مسئولية القرارات التي يبت فيها تنفيذياً لأنه لا يتبع لتلك الوزارة. فهو داخل في الأهمية والصلاحيات خارج من المسئولية والمحاسبة.

المستشار من المفترض أن يقدم استشارته وآراءه بحكم تخصصه للجهة المعنية في الوزارة لكنه لا يدخل في النواحي التنفيذية ولا يحتك بالمراجعين وأصحاب المصالح ولا يصرح للصحف ويقرر ما يعتمد وما يرفض في معاملات المراجعين.

ما يحدث في بعض الوزارات ان مستشارين غير متفرغين من أساتذة الجامعات مثلاً هم أهل القرار فيما يخص مصالح شريحة عريضة من الشركات والمؤسسات والوكلاء وملاك منشآت خاصة ذات علاقة مباشرة بالناس، وهؤلاء الملاك يهمهم من يملك القرار في شأن منشآتهم، ولذا أصبح بعض المستشارين أهم من وكلاء الوزارة أنفسهم!! والأهمية كشخص ليست العنصر الوحيد الحساس هنا ولكن تحديد المسئولية فيما قد يحدث من سلبيات في أمور حيوية!!

الأدهى والأمرّ أن بعض المستشارين غير المتفرغين هم أعضاء فاعلون في لجان تنفيذية في الوزارة تتعلق بمصير ومصالح شركات أو مؤسسات وفي الوقت ذاته هم مستشارون في بعض هذه الشركات أو أعضاء مجلس ادارة في شركة مصيرها مرهون بقرار تلك اللجنة فكيف يسمح بذلك؟!

أليس لدينا في هذا البلد إلا هذا الولد لنسمح له بأن يكون عضواً في لجنة تنفيذية ونحن نعلم أنه مجرد مستشار؟!، ثم إذا علمنا أنه عضو في مجلس ادارة أو مستشار في شركة تدخل ضمن تخصص الوزارة وأعمالها مرهونة بهذه اللجنة فلماذا يستمر عضواً في قرار تنفيذي يتعلق بنفس المجال؟!

الكثيرون من أساتذة الجامعة المثاليون أو الملتزمون بالحد المقبول من الابتعاد عن المحاذير يرفضون وضع أنفسهم في مثل هذا الحرج!! فإذا وجد من لا يهمه التقيد بمثل هذه الأخلاقيات فلماذا نسمح له أصلاً؟!

خلاصة القول في مقال السبت الماضي وهذا اليوم أن موضوع المستشار غير المتفرغ يحتاج إلى إعادة نظر ومحاسبة وتدقيق بما يخدم الصالح العام ويدرأ الشبهات حتى لا يصبح المستشار كالمنشار!!

المستشار غير المتفرغ لعمله

هذه السطور لا تلغي إجلالنا وثقتنا الكبيرة في معظم أساتذة الجامعات بل هي حماية لسمعة الأستاذ الجامعي الرمز.

المفترض نظاماً أن يعمل المستشار غير المتفرغ لجهة ما حوالي 15ـ 20) ساعة أسبوعياً خارج وقت الدوام الرسمي لجهة الاستشارة وأن يبقى جل وقته لصالح عمله الرسمي في جهته الأصلية. وأن تكون الاستشارة لجهة واحدة فقط.

ما يحدث الآن من ممارسات من بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات ممن يعملون كمستشارين غير متفرغين لوزارات أو قطاعات أخرى أنهم يعملون جل الوقت أو كله لصالح جهة الاستشارة تاركين أعباء التدريس والدروس العملية لبعض المساعدين من المتعاقدين.

البعض أصبح يكلف الفنيين للقيام بأعبائه الأساسية في الكلية ويتواجد في جهة الاستشارة صباحاً وظهراً، ولا يكاد “يزور” جهة عمله الأساسية إلا لحضور اجتماع القسم او الكلية أو إعطاء أقل من الحد الأدنى من المحاضرات وفي هذا إجحاف في حق زملائه المخلصين والحصول على مميزات غير مستحقة نظاماً وتسهيلات لا تقرها اللوائح ولا تدخل ضمن أهداف الاستشارة بدون تفرغ.

المستشار غير المتفرغ أصبح موظفاً متفرغاً لجهة عمله الأصلية وهذه الظاهرة لها تبعات خطيرة على مستوى أداء الجامعات وحق الطالب في الاحتكاك بأستاذه والنهل من نبع علمه ومبادئه وأخلاقياته.

ليس هذا فحسب بل إن بعض المستشارين ونتيجة انصرافه نحو اعمال الجهة التي استشارته وتراكمها عليه أصبح يستغل بعض الفنيين في الكلية للقيام ببعض أعباء أعماله كمستشار فيكلفهم بأعمال خارجة عن حدود عملهم ولجهة أخرى هو المستفيد منها.

هذا السلوك استشرى وتمادى بعد الغاء التفرغ الكلي في الاستشارات فأصبح المستشار المتفرغ جزئياً هو في الواقع متفرغا كلياً بل عبء على الجامعة أو الكلية.

ليس هذا فقط بل إن البعض وفي مخالفة صريحة شائعة للنظام يعمل مستشاراً غير متفرغ لأكثر من جهة وبمعدل ثلاث استشارات للأستاذ الواحد في الوقت نفسه!! فأين عدم التفرغ هنا؟! وأين التركيز؟! وأين الفائدة الوطنية أو المردود الإيجابي في هذه الحالات؟!

تبعات هذه المخالفة الصريحة لا تنحصر في فقدان الثقة والكسب غير المشروع، وهضم حقوق المخلصين وأصحاب المبادىء الثابتة بل إن عنصر القدوة الحسنة أصبح مهدداً بالاهتزاز فأساتذة الجامعات الجدد ونعني الأستاذ المساعد اصبح يفتقر للقدوة الحسنة بعد أن تفشت هذه الظاهرة، فهو أمام خيارين أحدهما مثالي لكنه مر وهو أن يتمسك بمبادئه ويتحمل التبعات في شكل ضغط العمل والإرهاق لمصلحة غير مشروعة للآخرين أما الخيار الآخر فهو أن ينجرف مع التيار المخالف فيعم الفساد!!.

أما إذا أردتم المضحك المبكي لتأثير هذه المخالفة غير اللائقة بصروح العلم الشامخة فإنه المتمثل في تحول الكليات إلى “أقلمة” ذاتها مع هذا الوضع الخاطىء فالكلية أصبحت تضع جداول المحاضرات العملية والنظرية لتنتهي الساعة الثانية عشرة ظهراً وذلك لتناسب “السادة المستشارين” وهذا يعتبر من أخطر أنواع التأقلم مع الأخطاء!! ومن دلالات تفشي الظاهرة.

وإذا صح لنا أن نقترح الحلول فإنني أعتقد أنها سهلة وممكنة ومنها نبذ المجاملات وفرض اللوائح والأنظمة دون تراخٍ والتأكيد على ضرورة الالتزام بإرسال خطاب من الجهة الراغبة في الاستشارة ولا أعتقد أن البجاحة ستصل إلى حد إحضار الشخص لثلاثة خطابات من جهات مختلفة!! وبذلك نقضي على تعدد الاستشارات!!

ويجب أن يوقع المستشار المتفرغ تعهداً بأن هذه الاستشارة هي الوحيدة وأنه ملتزم باللوائح وشروط التفرغ الجزئي يؤسفني أن يطلب من أستاذ الجامعة توقيع تعهد، لكن هذا ذنب من يسيئون إلى المهنة!!.

كما أن من الضروري فرض المزيد من الرقابة الذاتية داخل الجامعات والرقابة الإدارية من جهات خارجها بما يضمن أن تكون صروح التخريج على درجة من الانتظام لنضمن أخلاقيات منتجاتها.

هذا فيما يخص صور إساءة استغلال الاستشارة مع عدم التفرغ في الجهة الأصلية للعمل. أما الصور الغريبة الملتقطة من الجهة “المستشيرة” فإنها مثيرة ونتطرق لها لاحقاً.

المنصب عبر الإعلام

لا يوجد أدنى شك بأن الإعلام لدينا هو القناة الأولى التي تؤهل للمنصب وتفتح الأبواب أمام الفرص الذهبية، أو قل الإعلام هو أهم القنوات السريعة للوصول إلى مواقع المسؤولية عندما يتوافر الحد الأدنى من التأهيل العلمي، ويأتي بعد الإعلام عوامل أخرى كالعلاقات الشخصية والخاصة وفصاحة اللسان والشخصية “الذربة”!!

لا تحتاج إلى كثير لتدرك ذلك. ولذلك فإن الكثيرين ادركوا هذه الحقيقة فوجدوا أن أسرع السبل هو الإعلان عن الذات.

أصحاب المبادئ والأفكار المثالية يراوحون مكانهم لأنهم كما ذكرت سابقاً كالدر المكنون يحتاج إلى من يكتشفه ويرفض أن يعلن عن نفسه.

أين الخلل؟! الخلل بطبيعة الحال في إعلامنا المرئي والمقروء والمسموع، لأنه وبكل بساطة وطيبة سريع الاقتناع والتصديق لمن يزكي نفسه مدعياً أنه المتخصص الوحيد أو الفلتة في مجال تخصصه أو فيلسوف زمانه، فيفتح أمامه كل النوافد ويصبح هدفاً يبحث عنه كل مراسل صحيفة أو معد برنامج تلفزيوني أو إذاعي حتى يصبح “عكوزاً بكوز على أنتلمركوز”.

لماذا؟! لعدم توافر التخصص في مجال الإعلام وغياب العناصر القادرة على فرز الصالح من الطالح، إلى جانب الكسل الإعلامي الذي يجعل المراسل أو المعد يبحث عن أقرب هدف خصوصاً ذلك الهدف الذي يعلن عن نفسه ويبدي استعداداً للظهور.

هذه وربي ليست مشكلة سطحية وعابرة فقد أصبحت أم المشكلات وأساس المعاناة، لأن الإعلام يبرز، والبارز يرشح، والوظيفة حيوية ومهمة، والنتائجوخيمة تقع على رأس المستفيد من الخدمجة، هذا هو الملخص البسيط أو المبسط لهذه المشكلة والخافي أعظم.

في الدول الأخرى التي تعدت هذه المرحلة وتعلمت الدروس الواحد تلو الآخر تجد أن الشخص لا يصل إلى الإعلام والظهور إلا عبر الناس فعندما يتحدث عنه رجل الشارع أولاً ويصبح حديث الناس يصل إلى الإعلام الذي يحاول جاهدا للحصول على حديث قصير معه فقد يكون هو سبب لشهرة القناة الإعلامية ومصداقيتها وليس العكس ثم إذا قبل بالمنصب وصل اليه بعد أن عبر بنجاح كل تلك الطرق الوعرة والصعوبات فيمارس مسؤولياته وهو يعلم أن امتنانه للناس أولاً فهم من أوصلوه إلى ما وصل إليه.

عندما يحدث العكس فهو يصل للناس عبر الإعلام، فقد كان نكرة وأصبح معرفة، ثم يبقى متعلقاً بالإعلام ولا أقول ممتناً له ولكن شاعراً بكل جوارحه أن بقاءه مرهون برضاء الإعلام فيسعى جاهداً الى مواصلة التغرير بالإعلام ليواصل تصديقه.

إننا مجتمع غني بالكفايات زاهر بالقدرات المعدة اعدادا سليما وبحارنا المتمثلة في الجامعات والمعاهد والوزاراتوالمؤسسات تزخر بالدرر التي تحتاج إلى من يكتشفها لأنها لا تعلن عن نفسها ولا ترى ذلك أسلوباً صحيحاً أو منهجاً تقبله المبادئ وبعضها قد يكون محجوباً، واكتشاف مثل هذه الكفايات يحتاج إلى بحث مضن ومعايير دقيقة وحوارات مفتوحة وفتح العديد من القنوات العلمية المقبولة نفسياً لإبداء المكنون، والله أعلم.

التوظيف الجزئي الاجباري

في ظل الاوضاع المالية الصعبة لكثير من الشباب خاصة في مراحل الدراسة الثانوية والجامعية، حيث تزداد الالتزامات وتقل المخصصات، اعتقد انه آن الأوان لفتح الباب على مصراعيه للعمل الجزئي خاصة في القطاع الخاص “شركات ومؤسسات ومتاجر ومطاعم”.

في كل انحاء العالم يعمل الطلاب جزئياً في الشركات والمؤسسات بل والمطاعم حتى ان كثيرا من الطلاب العرب اثناء دراستهم في الخارج يحصلون على قوت يومهم من العمل على غسل الاطباق او ممارسة عمل “النادل” الى جانب المنح الدراسية العربية التي كثيراً ما تخذلهم في امكانية استكمال الدراسة او تكون غير كافية.

وفي بلادنا يفترض ان لا توجد حاجة لمثل هذا العمل اثناء الدراسة، لكن الواقع يقول خلاف ذلك فكثير من الاسر غير قادرة على مجاراة احتياجات الشاب اثناء الدراسة، رغم مجانية التعليم، بل ثمة شباب يعولون اسرهم وهم طلاب ويحتاجون الى مصدر رزق ثابت. وليس ادل على ذلك من سلوكهم لمختلف الطرق لكسب العيش، ابتداء بالبيع على الطرقات وقرب المساجد والتجمعات ولجوئهم للعمل على سيارات الاجرة وتأجير السيارات الخاصة ولكنها جميعاً اساليب تصطدم بادعاء مخالفتها للانظمة!!، وكأن القنوات البديلة موفرة بنظام واضح!!

طالما ان القطاع الخاص يقاوم باستماتة توظيف السعوديين بطريقة التفرغ الكلي متشبثاً بحجج قديمة وواهية رغم كل الضغوط التي تفتقر للمتابعة، فلماذا لا يجبر على التوظيف بتفرغ جزئي اثناء العطل ووقت الفراغ فلعل القائمين على هذا القطاع يغيرون نظرتهم للشاب السعودي من حيث الجدية والانتظام والقدرات.

واذا تم هذا وعبر متابعة جادة فإنه لابد اولاً من تحديد الحد الادنى للاجور في هذا الصدد، وقد يستغرب البعض اقتراح اجبار القطاع الخاص على التوظيف الجزئي وهنا لابد من التذكير بأن هذا القطاع لازال يأخذ بشراهة ويعطي بشح غريب، فهو حظي بالتسهيلات والدعم والاقراض الحكومي والاعفاء من أي ضرائب، ولازال يطلب دون استعداد للعطاء.

ان فتح باب التوظيف الجزئي المنظم والمراقب يستبعد حجج عدم توفر الوظائف وارتفاع تكلفة الموظف السعودي وصعوبة التخلص منه اذا لم يكن ملتزماً، كما انه سبيل لتجربة هؤلاء الشباب وتغيير الصورة القديمة التي يركز عليها البعض ولا يقبل تغييرها والمتمثلة في عدم اقبال الشباب السعودي على بعض الاعمال او عدم جديته.

كما ان الاقبال على هذه الوظائف ولو لوقت جزئي سيعطي دلالة واضحة وعملية من ارض الواقع على ان تكاليف المعيشة في بلادنا اكبر من امكانات كثير من فئات المجتمع وأكثر مما يتوقع كثير من المقتدرين!!

الحمل خارج المنهج

مشاهدات كثيرة توضح بجلاء أن السمة العامة للتعليم لدينا هي سمة التعليم بالتلقين، وان هذه العلّة المزمنة في تزايد مستمر ولم يطرأ عليها أدنى تحول رغم الدفاع المستميت الذي تمارسه وزارة المعارف أمام شكوى المجتمع من النتائج الوخيمة لهذا الأسلوب، والتي تتمثل في شكوى الاستاذ الجامعي من ضعف الأرضية المعلوماتية لخريج الثانوية بل عدم قدرة الكليات العلمية على اعتبار التميز في مرحلة الثانوية العامة مقياساً لإمكانية الاستيعاب في الجامعة وان كان هو للاسف المقياس الوحيد، وشكوى الجهات التي توظف خريج هذه المرحلة من عدم قدرته على استعادة مادرسه في شكل تطبيق للمعلومات على ارض الواقع العملي، وما تبع ذلك من شكوى إعلامية من هذا المرض المزمن والتي تُقابل بادعاء صوتي فقط من وزارة المعارف بأن أسلوب التلقين قد ولّى أو هو في طريقه إلى الزوال.

هذا العام برز شاهد جديد من أهل التعليم ومن فصول الدراسة نفسها بل من فصول تقييم التحصيل أو ما يسمى بقاعات الاختبارات التي هي في الواقع قاعات امتحان!!.

أعداد من الطلاب أسقط في يدها واعداد اخرى سقطت مغمى عليها بسبب ما أسموه بخروج الاسئلة عن المنهج، حتى إن الطلاب المتميزين اثناء الامتحانات الشهرية وأعمال السنة شهدوا بأن الاسئلة خارج المنهج.

الوزارة نفسها “دخلها الماء، كما يقول المثل الشعبي” وصدقت ان الأسئلة يمكن ان تكون من خارج المنهج!! لماذا صدقت الوزارة؟!! لأنها لا تريد ان تصدق ان التعليم لديها لازال تلقيناً!! وان المشكلة ليست في من وضع الاسئلة ولكن من وضع المعلومة.. كيف؟!

مدرس المادة يملي المعلومات إملاءً والطالب يحفظها عن ظهر قلب كما وردت حرفياً دون فهم للمعلومة أو استيعاب لتطبيقاتها.

ومدرس المادة هو من يضع الاسئلة الشهرية وهو من يعرف كيف يضع السؤال الذي يحدد للطالب أي معلومة محفوظة يريد منه المعلم ان يعيد سردها فيفعل.

تماماً مثلما يتم تشغيل جهاز تسجيل عن طريق الشفرة أو عن طريق البحث عن معلومة محددة على اسطوانة ليزر “أعطني اسم الملف صحيحاً أسرد لك المعلومة، وأي تغيير ولو بفاصلة في اسم الملف سيرد الجهاز ان المعلومة غير موجودة”.

ما حدث في “الامتحانات” النهائية ان من وضع الاسئلة ليس ممن لقنوها، وقد كان يبحث عن معلومة “مفهومة” ولم يجد الا معلومات محفوظة ولم يكن يعرف كيف يدخل الشفرة!!

إن مجرد تحوير السؤال قد يجعل الطالب الملقن تلقيناً يجحظ بعينيه ويخرج لسانه معتقداً ان هذا السؤال خارج المنهج ولو كان قد استوعب المعلومة وفهم تطبيقاتها فلربما أبدع وأضاف لها جديداً لا يعرفه استاذه ولا يمكن لطالب مثل هذا ان يعتقد بالخروج عن المنهج!!.

وفي المقابل وعلى العكس تماماً، فإن فن اختيار المعلومة يتيح للمختبر ان يفرز الطلاب المتمكنين عن غيرهم عن طريق اختبار الكتاب المفتوح حيث يلعب فهم السؤال دوراً كبيراً في الحصول على المعلومة الصحيحة إلى جانب القدرة على البحث في الكتاب.

مختصر القول ان قضية خروج الاسئلة عن المنهج والتي طال النقاش حولها بين الوزارة وطلابها لا تعدو كونها قضية “اللامنهج” وهي شاهد من أهل الوزارة على ان مشاكل “التلقين” في تزايد.

‘طلة’ الوزير

تابعت أوضاع عدد من الشباب الباحث عن مصدر للرزق، ممن لم يتمكنوا من الحصول على وظائف إما لشح الوظائف أو تملص القطاع الخاص وعدم توفر الشفيع في القطاع الحكومي أو لنقص بعض المتطلبات المؤهلة للحصول على وظيفة تحقق دخلاً كافياً للعيش.

فوجدت أن الواحد منهم إذا قرر مزاولة تجارة بيع الخضار “أول عمل حظي بالسعودة الجادة ويكاد يكون الوحيد”، فإنه يجد أن الطيور قد طارت بأرزاقها فالمتبقي من المباسط يقع بعيداً عن واجهة السوق ونصيب الأسد في البيع يكمن في دكاكين الواجهة والأمانة ترفض مقترحات من يعانون من الكساد والمتمثلة في وضع سياج يجبر الزبائن على دخول السوق من العمق لتتساوى الفرص في إقبال الزبائن.

وإذا قرر تاجر الخضار ممارسة البيع على جانب بعض الطرق فإن مراقب البلدية له بالمرصاد حيث تصادر بضاعته ويدفع غرامة مجزية تفوق ما سيدفع أحد غير السعوديين ممن يمارس تخزين الأدوية في “شنطة” سيارته في الحر الشديد ثم يوزعها على الصيدليات!!.

أحدهم قال لي إن مراقب البلدية والجندي المرافق كانا على وشك إعفائي من سحب البضاعة ودفع الغرامة عندما كنت أمارس “جريمة” بيع الخضار على جانب الطريق الرئيسي مقابل فندق الشيراتون بالرياض وذلك إشفاقاً على حالي ورحمة بأبنائي واستجابة لتوسلاتي، لكن المراقب غيّر رأيه فجأة قائلاً “أنظر الوزير يطل من الشباك، ويقصد وزير الشؤون البلدية والقروية” وتمت مصادرة البضاعة ودفع الغرامة وتركت هذا العمل!!.

قلت له: يبدو أنك منحوس الحظ فيا أخي بع أمام إحدى المدارس أو أحد المستشفيات أو مكاتب الضمان الاجتماعي أو الطرق السريعة أو المشاريع الضخمة علها تحظى بإطلالة وزير!!.

وإذا اتجه الشاب الباحث عن الرزق للعمل في “الليموزين” فإن النساء تركب معه وإذا اكتشفت أنه سعودي نزلت!! مما رفع سعر زيت الشعر والبنطلونات فقد أصبح الشباب يعمدون إلى التنكر بشخصية سائق آسيوي ليضمن الزبائن أو على الأصح “الزبونات” وأجزم أن خلف هذا الرفض للسعودي سراً يحتاج إلى دراسة “عميقة”!! وعلى أية حال فإن البنطلون والشعر المدهون حيلة لا تنطلي على رجال المرور فبطاقة الأحوال لا يمكن دهنها، فالغرامة والمنع حاصل لا محالة.

يشتري الشاب سيارة خاصة بالتقسيط ويقف أمام بوابات المطار ويهمس “سيارة أجرة يالحبيب؟!” باحثاً عن مصدر للعيش، وهؤلاء أعشق الركوب معهم، وأقولها جهاراً إنه رغم كرهي لمخالفة النظام إلا أن هؤلاء، أشعر بلذة تشجيعهم، لأن أحداً لم يوجد لهم حلاً بديلاً. ليس هذا هو السبب الوحيد ولكن لأنني مدين لزملائهم في اليونان حيث يتكرر إضراب سيارات الأجرة المرخصة، وقد بقيت تحت المطر قرابة الساعة إلى أن رحمني الله بواحد ممن يؤجرون سياراتهم الخاصة وتكرر هذا الموقف أكثر من مرة خلال ثلاثة أيام، كنت أعتمد فيها على أمثالهم فكلها سيارات وكلهم بشر أما الناحية الأمنية فإن رش المخدر حدث من “ليموزين” وليس سيارة خاصة!!.

هؤلاء الباحثون عن مصدر رزقهم أمام بوابات المطار يتعرضون أيضاً لحجز سياراتهم وتغريمهم.

إذا أوصدت أمام الشباب أبواب التوظيف الحكومي والأهلي وباب الخضار والبيع على الأرصفة والطرقات وحاربتهم سيدات المجتمع “ليموزينياً” ومنعوا من تأجير السيارة الخاصة ورفضهم الضمان الاجتماعي وأرهقتهم فواتير الخدمات والتقسيط والدائنين ولم تُوفر لهم حلول بديلة لكسب الرزق نظامياً، فأين تتوقع أن يتجهوا؟!.

إن انتشالهم من هذه المآسي في أمس الحاجة إلى “طلة” أكثر من وزير!!.

ندفع ونعاني

أن يدفع المواطن مقابل خدمات يفترض أنها مجانية أسوة ببلاد أقل منا إمكانيات أمر مقبول على مضض، وكلنا أمل أن ينفرج بنظرة واقعية وبتعامل مماثل لما هو عليه في تلك البلدان. واقصد هنا خدمة مثل الإنترنت التي تقدم دون رسوم في اندونيسيا ومصر ودول اخرى بينما ندفع مقابلها فواتير عالية إضافة إلى فواتير شركة الاتصالات والمكالمات الهاتفية.

ومع أننا ندفع إلا أننا نعاني من ضعف استعداد مقدمي الخدمة وانقطاعها المتكرر دون تعويض أو مجرد عذر فمصير المستفيد رهن مزاج مقدم الخدمة، وما يتعرض له المشترك من انقطاع وما يترتب عليه من أضرار غير قابلة للتعويض أو حتى النقاش.

الأدهى والأمر ان المواطن في تعامله اليومي مع الخدمات المدفوعة مثل الإنترنت والاتصالات والكهرباء والاشتراكات في الفضائيات بل حتى في تعامله مع البنوك بالرغم من انه يحلب حلبا، وهو أكثر من يدفع مقارنة بغيره فانه لا يحصل إلا على الحد الادنى من الخدمات ولا يحضى باحترام مشاعره أو وقته ومواعيده، ويتم التعامل معه على انه اليد السفلى، فقد يتم تقليص المميزات أو إيقاف بعض الخدمات دون الرجوع إليه كصاحب حق!! خذ مثالا على ذلك إلغاء البنوك لتسديد الفواتير عن طريق البنك بصورة مفاجئة وما سببه ذلك من عناء المشترك المسكين وتكبده ضياع الجهد والوقت وحرق الأعصاب لكي يدفع فواتير عالية!! تصور.. إرهاق وجهد مع انك ذاهب لتدفع لا لتأخذ!!.

منذ عشرات السنين كنا نرى طوابير المنتظرين منذ ساعات الفجر حتى اذان الظهر أمام مداخل صندوق التنمية العقارية ومكاتب تسليم العادات السنوية والمنح ومكاتب شراء الأسمنت وأبواب أقسام الضمان الاجتماعي وكان ذلك المنظر في حينه مقبولا لانها بداية الطفرة وانطلاقة التنمية، وتلك كانت مكاتب منح وإعطاء تسهيلات حكومية ومع ذلك كنا نتمنى أن تكون منظمة بما يريح المستفيد ويحفظ وقته وكرامته وقد حدث هذا التنظيم والراحة في بعض المجالات المذكورة والبقية في طريقها إلى التنظيم الذي يحفظ ماء الوجه بإذن الله.

على النقيض فإن الخدمات المدفوعة والتي تقدمها شركات تربح من مص جيوب المشترك تشهد تراجعا كبيرا في موضوع احترام وقت ومشاعر المشترك ومراعاة حقوقه، والمشكلة الأكبر انه لا توجد قنوات لمقاضاة وشكوى مثل هذه الشركات الخدمية مما جعلها تمارس اشد أنواع الاستهانة بحقوق ووقت وكرامة المشترك في ظل غياب المحاسبة.

يكفي أن تمر هذه الايام في احد شوارع السليمانية المشهور بشارع الفضائيات لترى مثالا واضحا ونموذجيا لكل ما ذكر اعلاه من استهانة بالحقوق واهانة للإنسان الذي دفع ماله ليحصل على خدمة، وإحدى أسوا النتائج المتوقعة لغياب قنوات الشكوى واستعادة الحقوق.

جموع من البشر، استجابوا للدعاية والإعلان المكثف للاشتراك في القناة التي ستنقل لهم كأس العالم ودفعوا ووقعوا عقودا على امل مشاهدة المونديال، وفوجئوا بأن البطاقات لا تعمل، فبدأت أشرس أنواع المواجهات بين جمهور متعطش لمتابعة مباريات الكرة أثناء فراغ العطلة وعدد من العمالة التابعين لمقدم الخدمة الذين لا حيل لهم ولا صلاحيات ولا قدرة على امتصاص الغضب.

منظر غير حضاري يشتمل على صراخ وشتم، ومشاجرات، ثم تطور ليلا إلى تكسير احد المحلات مما يعكس شعورا بالإحباط ولده عدم وجود سبيل آخر لاسترداد الحق، أو جهة تنصف في هذا الصدد.

لماذا علينا أن نتكبد العناء والبحث والملاحقة لخدمات ندفع مقابلها مبالغ عالية، في وقت أصبح الإنترنت هو وسيلة تقديم الطلبات والهاتف المجاني وسيلة المتابعة؟!.

السبب في نظري هو ان الشركات التي تقدم الخدمة ومثالها هنا محطة فءُّ لا تجد داعيا لإجراء الدراسات ومعرفة الاعداد المتوقعة للمشتركين لخدمتهم بالطريقة المستحقة وفي نفس الوقت لا تخاطر بعمل حساب لعدد أكبر من المتوقع وإنما تجازف بالورقة الضعيفة وهو المشترك الذي لا يتمتع بأي حماية فلا توفر سوى أقل من العدد المتوقع وتجعل التوسع مشروطا بضمان المشترك واستلام أمواله ثم تركه ينتظر ويتكبد عناء المراجعات وتمارس بحقه المماطلة والتسويف وبدلا من أن يشاهد ركل الكرة فإن الأقدام تتشاوته يمنة ويسرة. كل هذا يحدث الآن من أمن العقوبة أساء الأدب.

مخالفة صحية معلنة

حسبما أعلم أن الدعاية للأدوية والإعلان عنها للعامة في وسائل الإعلام أو اللوحات الإعلانية ممنوع بأمر النظام وبهدف المصلحة العامة والحفاظ على صحة المواطن والمقيم ومنع تزايد عمليات الوصف الذاتي للأدوية بمعنى معالجة النفس دون معرفة التشخيص.

وحسب علمي أنه لم يستجد شيء في هذا الخصوص ولم يتغير هذا المنع ولم يصدر سماح أو استثناء لهذا النظام، فلماذا إذاً انتشر الإعلان عن المستحضرات الدوائية خاصة الوطنية فأصبح يملأ الشوارع في لوحات الدعاية ويتخلل البرامج في القنوات الفضائية ويتصدر المجلات غير العلمية؟!

هل ثمة مخالفة أوضح من مخالفة معلنة في لوحات الإعلان وهل يمكن أن تعزى هذه المخالفة لضعف إمكانات الرقابة أو الجهاز الرقابي في وزارة الصحة هي مخالفة تعلن عن نفسها وتقول هأنذا مخالفة معلنة ولم أجد رادعاً!! فكيف سيكون الحال في المخالفات الخفية.

إن الإعلان عن الأدوية والدعاية لها مسموح في المجلات الطبية والصحية المتخصصة والتي تخاطب الأطباء والصيادلة والمتخصصين بهدف تعريف هذه الفئة بالدواء ومن ثم استقاء معلومات مفصلة من المصادر العلمية المحايدة لمعرفة الجوانب الأخرى التي قد لا يظهرها الإعلان وذلك حماية للمريض.

وعلى هذا الأساس كان المنع عن الإعلان للعامة والذي بلا شك سيؤدي إلى سوء استخدام الدواء. فلماذا أصبح هناك تهاون شديد في هذا الصدد.

بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون السبب هو مجاملة الصناعة المحلية لأنه لا يمكن أن تجامل الصناعة على حساب الصحة بدليل أن الصناعة المحلية لم تحظ بالمجاملة في مجالات أخرى داعمة للصناعة وإن كان ثمة شعور بأن بعض المصانع تجامل على حساب الأخرى لكن هذا ليس موضوعنا الآن.

قد يقول قائل إن السبب يعود إلى عدم امكانية الجهات الرقابية بوزارة الصحة في التحكم بالقنوات الفضائية غير المحلية التي بدأت الإعلانات عن الأدوية السعودية وغيرها تظهر فيها ومن ثم بدأت في الظهور على لوحات إعلانات الشوارع وخلافه، وحجة عدم التحكم في القنوات الفضائية غير المحلية مردودة على أصحابها فبإمكان الوزارة أن تتحكم في هذا الأمر عن طريق المعلن نفسه فأي مصنع أو وكيل لمصنع يرجع بطريقة أو أخرى إلى وزارة الصحة وتستطيع الوزارة أن تفرض عليه أنظمتها بصرف النظر عن الموقع الذي سيعلن فيه هل هو محلياً أو خارجياً.

ملخص القول إن الإعلان عن الأدوية للعامة مخالفة صريحة للنظام كان يمكن السيطرة عليها والتحكم بها لو وجد الحرص على تطبيق الأنظمة وإصدار الغرامات والجزاءات بحق من يمارس هذه المخالفة المعلنة وإن استمرار هذه المخالفة “المعلنة” والسكوت عليها مدعاة لمخالفات من نوع أخطر وأخفى والله أعلم.