الشهر: أكتوبر 2002

العقوبات يا أولي الألباب

من المستغرب كثيراً والمحير جداً أن تأخذنا الشفقة بمرتكبي جريمة تغيير تواريخ الأدوية منتهية الصلاحية وإعادة توزيعها على أنها أدوية جديدة صالحة للاستعال وهي ليست كذلك.

الزميل خالد أبا الخيل بمفرده وهذه الجريدة “الرياض” على وجه الخصوص نقلت لنا عشرات الحالات من مداهمة أوكار تزييف تواريخ الأدوية لآلاف الأصناف من الأدوية الأساسية والتي يفترض أن تنقذ الحياة لو كانت سليمة ومن شأنها القتل أو إهدار صحة المريض وانتكاسها تماماً طالما أنها غير فعالة.

الغرامات ما زالت تحوم في فلك عشرات الآلاف، لكن الغرامة لا يمكن أن تقارن بحجم الجريمة ولا حتى بحجم المكاسب غير المشروعة عند ارتكابها، أي أن كل المعادلات الحسابية تصب في صالح استمرار تفشي هذه الظاهرة الخطيرة التي أصبحنا نطالع ارتكابها مع كل مطلع شمس مما يؤكد أن العقوبة ليست رادعة ولا مجدية ولا تستحق الجهد والمخاطرة التي يبذلها رجال وزارة التجارة الأشاوس.

عندما يتم القبض على مروج البيض الفاسد والذي كان يوزعه على مطاعم العاصمة قال ما كنا نحذر منه منذ سنوات.. رد على فريق المداهمة قائلاً “ماذا ستفعلون؟! تسفرونني إلى أهلي؟!، لقد حققت في ثماني سنوات من بيع البيض الفاسد أموالاً تكفيني بقية حياتي وسيكون التسفير على حسابكم!!”

هذه عينة من بقية إنسان أشد فساداً وأخطر من البيض الذي روَّجه لمدة ثماني سنوات.. ومروجو الأدوية الفاسدة هم أشد خطراً وأقل إنسانية،ف فماذا تأخذنا بهم الرأفة التي تؤكدها تلك العقوبات المتراخية، المشجعة، المطمئنة لهؤلاء المجرمين؟

أمقت أن نحسب كل خسائرنا بلغة المال لأن تنغيص الصحة على إنسان أهم من أي منظور مالي. ومع ذلك دعوني اقترح على معالي وزير الصحة وهو غني عن شهادتي له باحساسه الإنساني المرهف ووطنيته وحماسه، اقترح أن يقتطع يومين فقط من عمل عدد من الأطباء السعوديين الممارسين المشهود لهم بخلفية أكاديمية بحثية وعدل في إجراء الدراسات وربط النتائج ويطلب منهم تقريراً علمياً محايداً عن أثر جريمة ترويج أدوية غير فعالة أو فاسدة على الاقتصاد الصحي وأقصد هنا تكلفة تنويم وعلاج ورعاية وإعادة تأهيل مريض انتكست حالته الصحية وتدهورت بسبب انقطاعه عن الدواء الفعال بتناول دواء منتهي الصلاحية. لا أطالب أن تشكل الدراسة الأثر على إنتاجية الفرد وعمله وحالته النفسية ووضع أسرته ثم وضع المجتمع ككل فهذا شأن وزارة الشؤون الاجتماعية.

دعونا نقصر الدراسة على حساب تكلفة محاولة تصحيح آثار الجريمة من منظور صحي وسنجد أن الغرامة لا تعادل تكلفة يومين في العناية المركزة لمريض سكر او ضغط عانى من تناول دواء غير فعال.

جميل أن نبدأ فعلياً في تطبيق عقوبة التشهير في الصحف والأجمل أن لا يعفى من هذه العقوبة كائناً من كان. أما الغريب فهو ان يطول انتظار تطبيق عقوبة السجن الطويل لهؤلاء المجرمين وأن يطول انتظار تطبيق غرامة المليون ريال على كل من ارتكب هذا الجرم مهما كانت الكمية المضبوطة.

فقط تذكَّر كلمات التهكم من مروج البيض الفاسد وستجد أن العقوبة الحالية ليست مطمئنة للمجرم وحسب بل مشجعة لغيره من ضعاف النفوس. هل تريدون الأغرب من هذا وذاك؟ الأغرب أن تحديد العقوبات يتأخر كثيراً ويسبقه أخذ ورد يطول، بينما ترتفع فواتير الخدمات بين عشية وضحاها وكلاهما مصدر دخل وطني.

اجترار الكفاءات

واقع حالنا يشير إلى أنه ما من سبيل لبروز المزيد من الكفاءات الإدارية القيادية في وزاراتنا وإداراتنا ومؤسساتنا العلمية والفنية.

ذلك أن الأسماء التي تدور في فلك البروز إلى الساحة تبقى ثابتة سنوات عديدة لعدم توفر فرص البروز لغيرهم، فالفرص تكون ضيقة للغاية، إما عبر تزاحم المرافق للخروج إلى الناس من إحدى قنوات الإعلام والتعريف بالنفس والمؤهل وبعض الأفكار أو من خلال ترشيح خِلّ وفيّ أضحى نادراً هذه الأيام لأن “كل يحوش النار على قريصه” والقريص هنا أصبح لا يعدو الابن أو الصهر في الحالتين يقف خلف الترشيح امرأة، إما أم أو زوجة!!

أحد أهم أسباب هذا الخلل، كما أعتقد، هو أن كل صاحب منصب لا يتيح أدنى فرصة لغيره لأن يبرز بل يحاول جاهداً أن يحيط نفسه بمجموعة من المقربين ممن لا يخشى من بروزهم، إما لعدم تأهيلهم أو عجز قدراتهم الذهنية عن تحقيق إبداع يبرزهم أو للضعف الشديد في شخصيهم الإدارية وسهولة السيطرة عليهم!!

وفي كل الحالات تلك تعاني الوزارة أو الإدارة أو المؤسسة من ضعف المراكز التي يفترض أن تكون قوية ونشوء مركزية قاتلة وضعف في معظم أركان الإدارة لأن المدير أراد أن يكون القوي الوحيد، الحاضر في كل صورة.

والأخطر من هذا كله هو شعور خاطىء بندرة الكفاءات والمبدعين وهنا لا يصدق قول الشاعر (وتسابقت عرج الحمير فقيل من قل السوابق!!) لأن السوابق موجودة وكثيرة لكن المدير لا يريد أن يدخلها إلى مضمار السباق خوفاً من أن تسبقه هو.

حتى فرص البروز الطبيعية يصر بعض المديرين على حجبها تماماً عندما يتقدم الموظف المبدع بذاته بتقديم فكرة خارقة إبداعية، لكن المدير يرفعها باسمه هو بدلا من اسم الموظف المبدع، وكم من مدير سرق إبداع موظف ليس بهدف السرقة ولكن منعاً لبروزه!!.

كيف للكفاءات الوطنية والدماء الشابة أن تصل، وتبرز، وتكتشف إذا كنا نقفل كل سبل البروز ونقصرها على من وصل بطريقته الخاصة؟!

أقترح أن نسارع في إيجاد سبل لاكتشاف القدرات الإدارية الكامنة أو المكتومة عنوة بإرادة ورغبة وأنانية صاحب المنصب وأن نبحث عنها ونتيح قنوات عديدة لوصولها دون تدخل المديرأو رئيس الموظف.

ما لم نفعل ذلك فإننا سنبقى نجتر الكفاءات أو أصحابها اجتراراً وكأنه لا يوجد في هذا البلد إلاهذا الولد.

جواب كومبيوتر المعارف

تطرقت في زاوية يوم السبت الماضي إلى ما أسميته الأفكار الاستفزازية التي يسبق القول فيها العمل وذكرت على سبيل المثال فكرة وزارة المعارف في تعميم استخدام الحاسب الآلي في المدارس بنين وبنات قبل تحقيق أولويات هامة يجدر بأي مبنى مدرسي قابل للتسمية أن يحققها ومنها على سبيل المثال لا الحصر درجة حرارة مناسبة للبقاء ناهيك عن التركيز وأعني أن يكون الفصل باردا صيفاً دافئاً شتاء زجاج نوافذه سليمة تمنع دخول الغبار والهواء الحار في الصيف شديد البرودة في الشتاء وأحسب أن دورات المياه الصحية هامة أيضاً.

ويبدو أن وزارة المعارف لم تتحدث عن تطبيق نظام الحاسب الآلي لتؤمن متطلباته لتكون على حساب الأساسيات الهامة. بل إن الأمر أخطر من ذلك بكثير فهي جادة في الحلم بإدخال نظام الحاسب الآلي دون توفير أبسط المتطلبات وإليكم بعض الأمثلة.

عمّم تعليم البنات على المدارس بضرورة إدخال الحاسب الآلي في أعمال المدارس بدأ بالفصل الدراسي الأول لهذا العام “الفصل الحالي الذي مضى منه أكثر من شهر” على أن تصدر الشهادات وتدخل المعلومات عن الطالبات ابتداء من هذا الفصل.

أين أجهزة الحاسب الآلي؟! وهل استحدث وظائف جديدة لمدخلة المعلومات أو مشغلة كمبيوتر؟! وكيف حال التدريب على استخدامات الحاسب الآلي؟!

الأجوبة مضحكة بل مبكية وإليكم بعضاً منها:

على المدرسة أن تؤمن أجهزة الحاسب الآلي التي ستحتاجها وذلك من ريع “المقصف” والمقصف ربما نسي تعليم البنات أن الوزارة أوكلته إلى شركة وأن نصيب المدرسة منه نسبة ضئيلة لا يتعدى ريعه الشهري ما معدله 5000ريال “شهرياً” وهذا المبلغ لا يكفي لشراء جهاز واحد تايواني مجمع مع مستلزماته..

والموظفات أن يجمعن قيمة الأجهزة التي يحتاجها تنفيذ التعميم من جيوبهن الخاصة بنظام “القطة” وبعض المدارس بدأن هذا الأمر بالفعل. مسكينة هذه المعلمة هل ينهبها الزوج أم تتبرع للوزارة؟! “تهرب من الفار فتحجرها القطة”!!.

بخصوص إدخال المعلومات فلم تستحدث في المدرسة أية وظيفة مدخلة بيانات ولا وظيفة مشغلة حاسب آلي وعلى المراقبات أن يقمن بهذا العمل دون الحصول على بدل العمل على الحاسب الآلي (20%) بالمناسبة هذا البدل تستلمه ناسخة الآلة!! ولم يصدر من الوزارة ما يشير ولو إشارة إلى احتمال دفعه للمراقبة أو الإدارية التي أوكل إليها إدخال بعض المعلومات.

أما التدريب فقد أمنت الوزارة مدربات في إحدى المدارس ليقمن بتدريب الإداريات والمعلمات على إدخال المعلومات واستخدام برنامج جديد “اسمه برنامج وزارة المعارف” بعد أن عمم عليهن في العام المنصرم استخدام برنامج “طالبات” أو “مستكشف” أو “خلايا”!!.

الأدهى والأمر أن على المعلمات أن يتدربن على إدخال المعلومات مقابل تقليص النصاب التدريسي وبطبيعة الحال فإن معلمة أخرى سوف تتحمل عبء تقليص النصاب عن زميلاتها أما الطالبات فسوف يتعرضن لتغيير المعلمة للمادة الواحدة وسيتحول الفصل الدراسي إلى “كومبارس” يردد أغنية “ماما فين” (أعرف أن الأصل “بابا فين” وسيحدث هذا تلقائياً عندما تكون أنوفهم مزكومة من البرد والاستغراب)!!.

أما حال التدريب فهو ساعتان يومياً لمدة أسبوع (كان التدريب منذ سبع سنوات يوما كاملا لمدة أسبوعين) يبدو أن إستعجال الوزارة لا ينطبق على التصاريح فقط!!.

السؤال العريض هو كيف للتعليم بشقيه أن يحلم بإدخال تقنية الحاسب الآلي في جميع المدارس دون أن يتكفل بشراء الأجهزة ولا توظيف مدخلي المعلومات ولا تطبيق نظام تدريب طويل الأمد في الموقع المستهدف ويريد لكل هذا أن يتم خلال هذا الفصل الدراسي مع تقليص النصاب على المتدربات من المعلمات وبنفس عدد الإداريات.

الحاسب الآلي نفسه لن يستطيع فهم ما يحدث ولكنه سيجيب على هذا السؤال العريض بكلمة تحذيرية واحدة “د ف ن س هـ”.

الافكار الاستفزازية

تكون الفكرة مقبولة لدى الناس “كل الناس” عندما تعالج احتياجا قائما ماسا يصنف ضمن اهم الضروريات ويقع في مقدمة قائمة الاولويات.

قائمة الاحتياجات لدينا طويلة جداً كوننا وطنا طموحا شاسع المساحة يهدف الى تعميم الخدمات ونشرها على مساحة كبيرة جداً ليتحقق ولو الحد الادنى من الفقرات الاولى علي قائمة الاولويات في كل مكان ثم ننتقل الى مرحلة اخرى اكثر اهمية من التي تليها وكانت اقل اهمية من سابقتها في ترتيب الاولويات.

تلبية تلك الاحتياجات ذات الاولوية والاهمية يحتاج الى جهد ووقت ودراسة متأنية واهم من هذا كله يستلزم ان يكون هدف الوزير المعني بالامر هو تلبية الاحتياج حسب اهميته لا حسب اضوائه، والشروع في المشروع مهما استغرق تنفيذه من الوقت بالطريقة الصحيحة ليكون بنية تحتية صلبة. لا ان يتم التركيز على افكار براقة ولكنها غير ممطرة، رعدها يهز الارض ولا يسيلها.

هذه الايام يكثر البعض او قلة منهم من الحديث عن افكار رنانة يستحيل تنفيذها وليست ضمن القائمة رقم (100) من الاولويات، ويسبقها (99) قائمة اساسية لا يمكن تجاوزها الى تلك الاحلام الاعلامية.

تستفز الانسان الجائع عندما تطلب منه ان يأكل “الكيك” اذا اشتكى من قلة الخبز.

وتستفز الطالب وولي امره والمعلم عندما تتحدث عن تعميم شبكة الحاسب الآلي او برنامج وطني ومبنى المدرسة حار صيفاً، بارد شتاءً، رياحه جنوبية شرقية مثيرة للاتربة والاوراق لأن نوافذ الفصل بلا زجاج.

المشكلة تكمن في استعجال كسب الرضى بعرض خطط وافكار اشبه بالاحلام واستعراض القدرة على التفكير مع وقف التنفيذ.

ولعل السبب في هذا الاستعجال هو الافتقاد الى انكار الذات، لان المشاريع الاساسية الواقعية يستغرق تنفيذها وقتاً طويلاً لا يتحمله من يستعجل تسجيل الحضور والاستمرار فيه.

اصحاب الافكار السريعة التي لا يسبقها إلا الاعلان عنها يذكرونني بمطاعم الوجبات السريعة حيث يكون “الهمبرجر” شهي المنظر يسيل له اللعاب مليئ بالمشهيات ومحسنات الطعم لكنه عديم القيمة غذائياً، ينهى عنه الاطباء، وتغطي الافق لوحاته الدعائية، سهل الاعداد، عسير الهضم.

صاحب مطعم الوجبات السريعة لا يأكل منه مطلقاً وهذه حقيقة لانه اول من يدرك انه “جنك فود” لا ينفع إلا علاجاً سريعاً لاشباع رغبة نهم وجوعة مدلل، وكذلك هي الافكار الرنانة الاستفزازية.

عيب يحرج الآخرين

رغم أن موضوع إعلان الطبيب عن نفسه كُتب عنه الكثير داخلياً ورغم أنه على المستوى الخارجي أمر مفروغ منه من حيث الرفض التام له ضمن أُسس أخلاقيات المهنة ونظم وقوانين المؤسسات المهنية والعملية والتي تركز على أنه لا يحق للطبيب أن يغري العامة بالإعلان عن نفسه أو أن تعلن عنه المؤسسة أو المستشفى الذي يعمل به.

رغم كل هذه الحيثيات إلا أن الإعلان عن الطبيب عندنا يأخذ أشكالاً وصيغاً وتعداداً غريباً غير مسبوق يفوق الإعلان عن أي سلعة أو منتج من حيث التعداد وصيغ المبالغة.

إذا قلنا إن الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة الصحة تجد لنفسها الأعذار من ضعف الإمكانات الرقابية وتلك المعنية بالمتابعة فأي رقابة وأي متابعة تحتاجها مخالفة معلنة تتصدر صفحات الصحف والمجلات والمتمثلة في مستشفيات خاصة أو عيادات تعلن عن اطبائها من الداخل والخارج وكأن الواحد منهم فريد زمانه في مجال تخصصه دون رادع أو رقيب؟!.

الموضوع برمته شاهد أكيد على أن المشكلة لا تكمن في ضعف الإمكانات البشرية أو المادية بل إن مربط الفرس هو في عدم الرغبة أو بصورة أوضح غض الطرف عن تلك المخالفة!!.

الطريف المحزن في الموضوع أن ضرر هذا السلوك المشين لم يقتصر علينا نحن وعلى مرضانا بل تعدى ذلك ليصبح مشكلة تؤرق المؤسسات والجهات التي جاء منها ذلك الطبيب سواء من الداخل أو الخارج فالطبيب أصبح يرفق الإعلانات المبالغ فيها ضمن سيرته الذاتية رغم ما فيها من مبالغات وخداع وإطراء يعلم الطبيب نفسه وهو أول من يعلم أنه غير صحيح لكنه يستخدمه ضمن ملف السيرة الذاتية لإحراج الجهة التي يعمل فيها أو التي سوف ينتقل إليها للاستجابة لطلباته كشخص أصبح “فلتة زمانه” في نظر المملكة بل في نظر تجارها ووزارة الصحة فيها.

ولأن المملكة من الدول المشهود لها بتقدم مهنة الطب والسبق في مجالات عدة فإن من الصعب أن تقنع كائناً من كان أن هذا البلد متقدم في مجال الرعاية الصحية والإجراءات الطبية لكنه متأخر جداً إلى درجة التخلف في مجال النظم الطبية!!

من الصعب جداً أن يتخيل شخص ما أن البلد الذي أصبح مرجعاً طبياً في فصل التوائم وجراحة القلب المفتوح لا يستطيع الفصل بين الإعلان التجاري وإعلان الطبيب عن نفسه ولا يستطيع فتح قلب أخلاقيات المهنة ليصلح العديد من الانسدادات في شرايينها!!

لقد أصبحنا نبهر الناس في الخارج بإنجازاتنا الطبية ونحيرهم بإهمالنا لمتطلبات أساسية يفترض أن تسبق تطور الطب ومن اهمها تطبيق أُسس وأخلاقيات المهنة.

الغريب أنه رغم قدم الطب لدينا وتجربتنا الثرية فيه إلا أننا مازلنا لا نعير اهتماماً لإعلان الطبيب عن نفسه، وفي المقابل فإنه رغم حداثة تجربتنا مع المحاماة إلا أن أبرز نقاط هذا النظام كانت تنص على أن المحامي لا يحق له الإعلان عن نفسه.

وأترك لكم الحكم على الفرق من حيث قدم الممارسة والخطورة في المخالفة وأثر كلا الإعلانين على “الزبون” وعلى سمعة البلد.

ثوبها والأعطاف مشلحه والأكتاف

الغيرة المهنية ظاهرة جديرة بالدراسة المتأنية والأهم من دراستها ان نأخذها في الحسبان قبل سماع رأي شخص في زميل عمله وأن نضعها نصب أعيننا عندما يتحدث احدهم عن الآخر بشيء من الذم أو التقليل من الأهمية أو يغتابه.

أنا هنا لا أقصد الغيرة على المهنة على وزن الغيرة على الحبيبة والتي يقول فيها الشاعر:

أغار عليها من أبيها وأمها

ومن دورة المسواك اذ دار بالفم

وأحسد أقداحاً تقبل ثغرها

إذا أوضعتها موضع اللثم في الفم

ولا أقصد غيرته على حبيبته حين قال:

أغار على أعطافها من ثيابها

إذا لبستها فوق جسم منعم

تلك هي (الغيرة على شخص) وهي غالبا محمودة إذا لم تصل الى حد الوسواس والعياذ بالله.

ما أقصده هي “الغيرة من زميل ناجح” وهذه أم المشاكل وواحدة من أخطرها خاصة اذا حدثت في مواقع عمل هامة يعمل فيها اناس يفترض انهم على درجة من الوعي ورقي الفكر والعلم.

ومكمن الخطورة هنا هو ان هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا اليه الا لأنهم اذكياء فإذا ما وقع ذكاؤهم تحت سيطرة قوى الغيرة من نجاح الآخرين فإن هذا الذكاء يمكن توظيفه للضرر أكثر من النفع.

أحاول القول إن حسد أو غيرة الذكي أخطر بكثير من حسد الشخص العادي، تماما مثلما أن المجرم المثقف أو المتعلم أخطر بكثير من المجرم متوسط الثقافة أو التعليم.

هذا ما أحاول قوله.. أما ما أطالب به بقوة فهو أن نتنبه جيدا إلى وجود هذه العلة النفسية وألا تغيب عن أذهاننا عند محاولة تفسير بعض السلوكيات أو التلميحات أو تقييم شخص لآخر وألا نكون (طيبون) جدا الى حد استبعاد أن يحدث هذا النوع من الغيرة في مواقع عمل يفترض أن ترتقي عن هذه السلوكيات.

علينا أن نتذكر أن الانسان كائن بشري قد لا يحدث التعليم ولا المنصب تغييرا يذكر في مشاعره، فهو يحب ويكره ويغار والمفترض ألا تتحكم هذه المشاعر في سلوكياته وتحدد مواقفه لكن هذا يحدث للأسف وعلينا أن نعترف بذلك ونحسب له الحساب.

الغيرة من نجاح زميل مهنة شعور لا نعترض عليه مطلقا لكن هذا الشعور يفترض ألا يتحكم في ردة الفعل تجاه ذلك النجاح فتتحول الى عدائية واذا حدث هذا في مواقع عمل نخبة المجتمع من وزراء أو أساتذة جامعات أو رجال فكر أو أطباء (وهو يحدث عيانا بيانا) فإن علينا أن نحسب له ألف حساب في حكمنا على شخص من واقع لسان شخص آخر.

وفي رأيي المتواضع أن خطر الغيرة يتناسب طرديا مع المنصب بمعنى أن الطالب أو موظف الارشيف أو موظف السنترال حين يغار من زميله فإنه يحاول أن يصبح مثله وهذا محمود.. أما أستاذ الجامعة أو الطبيب أو المهندس أو الاداري الكبير أو صاحب المنصب حين يغار من مثيله فإنه يحاول التقليل من شأنه وهذا هو الخطر الذي أنبه الى ضرورة التعامل معه بحكمة وحذر.

واذا كان الشاعر يغار على الأعطاف من الثياب حبا فإن الحاسد يغار من الأكتاف على المشلح كرها.. والله أعلم.

الشفافية عدو ‘النت’

عربياً وفي الماضي القريب كانت الشائعات وأحاديث المجالس هي المصدر الأول والوحيد للأخبار وكانت الساعات التي تسبق دخول الضيوف لصالة الطعام في أي مناسبة أو ساعات السمر الطويلة حول النار هي منتديات تحليل الشائعات وتفسيرها.

كان لذلك الزمن ولتلك المنتديات أسماء لامعة في مجال خلق الشائعة وأسماء أخرى متخصصة في تحليلها وإعطاء التفسيرات والمبررات، لم يكن هناك ثمة متطلبات أو مؤهلات لكي تصبح سيد مجلس والصوت الرنان فيه سوى أن تكون قريباً أو جاراً لسائق هام أو حامل دلة “قالط” وأن تجيد تصفيف الكلام ولديك خيال واسع يجيد نسج الأحداث، ثم الربط بينها ونسبها إلى مصدر مسئول.

كانت تلك الأحاديث وجلسات السمر هي التي تؤجج المشاعر وتنشر الشائعات وتحور الأخبار وتحدد موقف الأفراد والجماعات من شخص ما أو حكومة عربية.

استغرق العرب أو بعضهم وقتاً طويلاً جداً لكي يدركوا أن الشفافية والوضوح والمصارحة أولاً بأول هي العلاج السحري السريع والفعال لقطع الطريق أمام شائعات وتحليلات المجالس ونقل التحكم بمشاعر الناس وردود أفعالهم من فرسان المجالس إلى مجالس الفرسان.

بل إن بعض العرب تأخر كثيراً في إدراك أهمية الشفافية عبر الإعلام الرسمي أو الإعلام النظامي المصرح له إلى أن جاء إعلام “الإنترنت” بمئات المواقع وآلاف الفرسان وأصبح هو سيد المجلس.

أصبح الخبر يرد في “الإنترنت” أولاً ويتم تداوله والتعليق عليه ثم يفكر صحفي رسمي أو محترف في إيراد سؤال للتأكد من صحة مايشاع، وإذا جاءت الإجابة “بنعم” فإن مواقع “النت” التي أوردت الخبر أو ناقشته تكسب ثقة آلاف المتصفحين.

هذه المرة إذا لم يتم التعامل مع شائعات “النت” بضخ قدر كبير من الشفافية والوضوح ومسابقة مواقع الشبكة في إيراد الخبر بصورته الصحيحة دون انتظار لحظة واحدة، ثم تعليله والتعليق عليه ومتابعة ماتم حوله أولاً بأول، فإن مواقع الشبكة العنكبوتية سوف تصطاد آلاف المتلقين الواثقين والذين يصعب تغيير انطباعهم عن الشبكة حتى لو ورد فيها مايصعب أو يستحيل تصديقه.

إن الشفافية والمصارحة دون تحفظ هما السلاح الوحيد لكسب الحرب مع الشائعات والحد من اللجوء إلى منتديات ومواقع الشبكة بحثاً عن الخبر اليقين.

القطاع منزوع الثقة

عدد كبير من المواطنين من غير موظفي الجهات الحكومية ساءهم ما ورد ضمن شروط التقديم على الوظائف التعليمية النسوية فيما يختص بإثبات أن المواطنة المتقدمة تقيم في نفس مقر الوظيفة المعلنة حيث جاء ضمن طرق إثبات هذه الإقامة أن يكون ولي أمر المتقدمة يعمل بجهة حكومية “بصفة دائمة”.

هذا التحديد اعتبره بعض المواطنين تفريقاً بين المواطن من موظفي الجهات الحكومية وأخيه من موظفي القطاع الخاص وتشكيكاً في أن موظف القطاع الخاص هو مواطن من الدرجة الثانية.. إلى آخر ما جاء في هذا الصدد.

والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن الأمر لا يتعلق بالمواطنة وانتماء الموظف، الأمر برمته مثال من ضمن أمثلة كثيرة على أن القطاع الخاص أو القطاع التجاري لا يحظى بثقة المؤسسات الحكومية لكثرة ما يحدث منه من ممارسات ومخالفات، لكن الغريب أن الجهات الحكومية لا تثق في المستندات الصادرة من جهة تجارية أو أهلية مثل إثبات الوظيفة أو التقارير الطبية أو الكفالة وخلافه لكنها في الوقت نفسه تثق في هذا القطاع ثقة عمياء فيما يخص أشياء أهم من مجرد الورق.

تثق في هذا القطاع التجاري على صحة المواطن وعلى تعليمه وتوظيفه. وهذه وربي ازدواجية غريبة.

كيف لا أثق في تعريف مستشفى بأن فلاناً أحد موظفيه الدائمين وأنا أمنح ثقة تامة لهذا المستشفى في علاج فلان وإجراء العمليات الجراحية له وفتح جيبه قبل بطنه؟!

كيف لا أقبل ورقة من مدرسة أهلية بأن فلاناً يعمل بها وأنا أقبل بها كدار لتعليم مئات بل آلاف الطلبة مع كل ما يرافق إمضاءهم الوقت فيها من تبعات؟!.

أرجو ألا يفهم مما ذكرت أنني أطالب الجهات الحكومية بمنح مزيد من الثقة لمؤسسات القطاع الخاص فأنا (وبحكم تجربة ومتابعة) آخر من يمكن أن يطالب بمنح مثل هذه الثقة، بدليل أنني كنت ومازلت أردد التحذير من الموافقة على إنشاء مختبرات أهلية لتحليل الأدوية الواردة إلى المملكة والتي ستصبح مرجعاً للسماح بإفساح الأدوية وهو أمر خطير لا يصح منح الثقة فيه لقطاع لا يخضع لرقابة صارمة وقوية وهو أيضاً يدرك جيداً ضعف الرقابة مما يجعل الخطر أكبر!!.

ما أود أن يفهم مما قصدته وأقصده الآن هو: لماذا نمنح الثقة للقطاع الخاص عندما نعجز عن مراقبته أو لا نملك القدرة على اكتشاف زيفه؟! وهو ما يحدث الآن من إعطائه كامل الثقة في مجالي التعليم والصحة.. فإذا كنا نخشى حيل هذا القطاع ولا نقبل من مستشفياته تقرير إجازة مرضية أو شهادة بأن فلاناً موظف فيه لأن هذا القطاع قد يمارس الغش أو يمنح الشهادة لغير مستحق أو الإجازة المرضية لغير مريض فكيف نمنحه الثقة فيما هو أهم من ذلك وأخطر ألا وهو صحة المواطن، تعليم المواطن، تحليل الأدوية، وتوظيف المواطن؟!

أعلم أن الإجابة هي “لأننا لا نستطيع مراقبته في هذه الأمور ولا نستغني عنه فيها” وهنا أقول: إذاً لنعمل على تكثيف الرقابة وتشديد العقوبة فهذا هو الحل الأمثل لكل مشاكلنا في هذا الخصوص والتي تلعب فيها الثقة الإجبارية الدور الوحيد لأن جهازنا الرقابي لم يستطع مجاراة تطور القطاع الخاص الذي زاد حجمه ومهامه وأنشطته أضعافاً مضاعفة بينما بقيت جهات الرقابة سواء في الصحة أو التعليم أو القطاعات الأخرى كما كانت منذ عشرين سنة، نفس الاعداد، نفس القدرات، نفس الإمكانات.

كل ما نمارسه الآن هو الازدواجية بعينها والتي يمكن اختصارها بعبارة “منح الثقة عند العجز، سحب الثقة عند المقدرة”.. والضحية لهذا الوضع هو موظف القطاع الخاص وليس المالك!!.

فساد الجلد الأملس

نخطئ كثيراً في جهودنا لمكافحة الفساد إذا قصرنا تعريف الفساد الإداري على أنه الاختلاس أو قبول الرشوة أو هدر المال العام فقط.

الفساد الإداري يتجسد في صور عديدة بعضها واضح وضوح الشمس في رابعة النهار ولا يحتاج لكثير جهد لكشفه وإيقافه، وهذا أولى بأن يحارب لأن تركه يعني انتشاره إلى درجة الاستباحة.

الموظف الحكومي ممنوع بحجة النظام من ممارسة نشاط تجاري مؤسسي أي لا يمكن له الجمع بين العمل الحكومي وامتلاك مؤسسة أو حتى محل تجاري.

الهدف من هذا المنع أعمق من مجرد تحقيق التفرغ للعمل الحكومي ويتعداه إلى منع ما قد تسوِّل به النفس من استغلال للمنصب في تسهيل مهمة العمل التجاري!!

عندما تستباح مخالفة النظم فإن الضمير بطبيعته المطاطية يزداد مرونة لتقبل المزيد من المخالفات.

استغلال المنصب لتسهيل مهمة النشاط التجاري الشخصي ليس هو الأمر الأكثر إزعاجاً أو الحد الذي تتوقف عنده المخالفة، ولو كان الأمر كذلك لكان أخف وأسهل ولا أقول أكثر قبولاً لأنه مخالفة وحسب.

الطامة الكبرى عندما يصل التمادي إلى مرحلة استغلال إمكانات وموارد وكوادر مستشفى حكومي مثلاً أو خدمات طبية حكومية لخدمة مستوصف أو عيادات خاصة تعود ملكيتها للقائم على المستشفى أو الخدمات الطبية، أو عندما يغض الطرف عن المدارس الأهلية في مخالفاتها للأنظمة أو رفضها للسعودة لأن أحد أو بعض موظفي التعليم يمتلك مدارس خاصة أو يشارك فيها.

هذه مجرد أمثلة من خدمات أساسية وحساسة قد تتأثر كثيراً بالاستغلال السيئ للسلطة الإدارية وتوظيف قوتها “دون خجل” لخدمة الذات، وهي بالتأكيد ليست الأمثلة الوحيدة، لكنها من أكثر الأمثلة وضوحاً وتأثيراً في العاملين خاصة عندما تخرج من حيّز السرية والخفية إلى نطاق المجاهرة إلى حد يجعل عامل الصيانة في خدمات طبية مثلاً يعلم أن أجهزة المستشفى الحكومي تستخدم في تأثيث عيادة خاصة أو أن بعض الجهاز الطبي أو التمريض الذي عين في المستشفى الحكومي يعمل جل وقته أو كله في مستوصف خاص.

نفس الافتراض ينطبق على أي مهنة أخرى أو مشروع يساء استخدامهما في تحقيق مصالح شخصية في أي شكل من الأشكال.

تلك الممارسات لا تحتاج إلى جهد كبير لكشفها لأن داء “استملاس الجلد” يسهل مهمة الكشف، وهو بالمناسبة داء غير معد ولكنه ينتشر بالتقليد، وأستطيع تعريفه بأنه التعود على ممارسة الممنوع إلى درجة اعتباره مباحاً، يقال “استملس” جلد الشخص أي أصبح أملساً لا يحس بالمؤثرات من حوله ويمكنه بسهولة “الإجحار” في أي جحر دون إحساس، وبالتالي فإنه لا يرى غضاضة في معرفة الآخرين بما يفعل ولذا فإنك ستجد كثيراً من موظفيه صغاراً وكباراً يعلمون أن ذلك المستوصف له وتلك العيادة لأحد شركائه وأن أجهزة “تتبع” للجهة الحكومية لكنها “تقبع” في عياداته!!

غني عن القول أن “استملاس” الجلد يمكن تصنيفه ضمن عوامل “التعرية” لأنه يتكون بفعل الزمن فكلما بقي الشخص مدة أطول في وظيفته كلما كسب مزيداً من الخبرات، تأتي من ضمنها خبرات إساءة استخدام الإمكانات وتزايد الاطمئنان مع الإمعان.

ويجدر بنا الإشارة إلى أن هؤلاء قلة ولا يشكلون رقماً يسيء للعموم لكن توجّه الدولة حفظها الله في مكافحة الفساد يجعل من الضروري التنبيه إلى صوره المتعددة.