الشهر: سبتمبر 2002

القطاع منزوع الثقة

عدد كبير من المواطنين من غير موظفي الجهات الحكومية ساءهم ما ورد ضمن شروط التقديم على الوظائف التعليمية النسوية فيما يختص بإثبات أن المواطنة المتقدمة تقيم في نفس مقر الوظيفة المعلنة حيث جاء ضمن طرق إثبات هذه الإقامة أن يكون ولي أمر المتقدمة يعمل بجهة حكومية “بصفة دائمة”.

هذا التحديد اعتبره بعض المواطنين تفريقاً بين المواطن من موظفي الجهات الحكومية وأخيه من موظفي القطاع الخاص وتشكيكاً في أن موظف القطاع الخاص هو مواطن من الدرجة الثانية.. إلى آخر ما جاء في هذا الصدد.

والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن الأمر لا يتعلق بالمواطنة وانتماء الموظف، الأمر برمته مثال من ضمن أمثلة كثيرة على أن القطاع الخاص أو القطاع التجاري لا يحظى بثقة المؤسست الحكومية لكثرة ما يحدث منه من ممارسات ومخالفات، لكن الغريب أن الجهات الحكومية لا تثق في المستندات الصادرة من جهة تجارية أو أهلية مثل إثبات الوظيفة أو التقارير الطبية او الكفالة وخلافه لكنها في الوقت نفسه تثق في هذا القطاع ثقة عمياء فيما يخص أشياء أهم من مجرد الورق.

تثق في هذا القطاع التجاري على صحة المواطن وعلى تعليمه وتوظيفه. وهذه وربي ازدواجية غريبة.

كيف لا أثق في تعريف مستشفى بأن فلان أحد موظفيه الدائمين وأنا أمنح ثقة تامة لهذا المستشفى في علاج فلان وإجراء العمليات الجراحية له وفتح جيبه قبل بطنه؟!!

كيف لا أقبل ورقة من مدرسة أهلية بأن فلان يعمل بها وأنا أقبل بها كدار لتعليم مئات بل آلاف الطلبة مع كل ما يرافق إمضاءهم الوقت فيها من تبعات؟!!

أرجو أن لا يفهم مما ذكرت أنني أطالب الجهات الحكومية بمنح مزيد من الثقة لمؤسسات القطاع الخاص فأنا (وبحكم تجربة ومتابعة) آخر من يمكن أن يطالب بمنح مثل هذه الثقة، بدليل أنني كنت ولازلت أردد التحذير من الموافقة على إنشاء مختبرات أهلية لتحليل الأدوية الواردة إلى المملكة والتي ستصبح مرجعاً للسماح بإفساح الأدوية وهو أمر خطير لا يصح منح الثقة فيه لقطاع لا يخضع لرقابة صارمة وقوية وهو ايضاً يدرك جيداً ضعف الرقابة مما يجعل الخطر أكبر!!.

ما أود أن يفهم مما قصدته وأقصده الآن هو: لماذا نمنح الثقة للقطاع الخاص عندما نعجز عن مراقبته أو لا نملك القدرة على اكتشاف زيفه؟! وهو ما يحدث الآن من إعطائه كامل الثقة في مجالي التعليم والصحة فإذا كنا نخشى حيل هذا القطاع ولا نقبل من مستشفياته تقرير إجازة مرضية أو شهادة بأن فلاناً موظف فيه لأن هذا القطاع قد يمارس الغش أو يمنح الشهادة لغير مستحق أو الإجازة المرضية لغير مريض فكيف نمنحه الثقة فيما هو أهم بذلك وأخطر ألا وهو صحة المواطن، تعليم المواطن، تحليل الأدوية، وتوظيف المواطن.

أعلم أن الإجابة هي “لأننا لا نستطيع مراقبته في هذه الأمور ولا نستغني عنه فيها” وهنا أقل: إذاً لنعمل على تكثيف الرقابة وتشديد العقوبة فهذا هو الحل الأمثل لكل مشاكلنا في هذا الخصوص والتي تلعب فيها الثقة الإجبارية الدور الوحيد لأن جهازنا الرقابي لم يستطع مجاراة تطور القطاع الخاص الذي زاد حجمه ومهامه وأنشطته أضعافا مضاعفة بينما بقيت جهات الرقابة سواء في الصحة أو التعليم أو القطاعات الأخرى كما كانت منذ عشرين سنة، نفس الأعداد نفس القدرات نفس الإمكانات.

كل ما نمارسه الآن هو الازدواجية بعينها والتي يمكن اختصارها بعبارة “منح الثقة عند العجز، سحب الثقة عند المقدرة” والضحية لهذا الوضع هو موظف القطاع الخاص وليس المالك!!.

لتلد الحبلى في اليوم الوطني

جاء أعيان محافظة الأحساء عن بكرة أبيهم لحضور حفل افتتاح المرحلة التشغيلية الثانية لمدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني متمثلة بمستشفى الملك عبدالعزيز في الأحساء ومستشفى الملك عبدالعزيز في الدمام، وذلك الحضور المكثف ينم عن استبشار أهالي المنطقة بهذا الصرح الطبي الكبير وانتظارهم للحظة ولادته منذ بداية الحمل وهو حمل لم يطل.

كانت شاشة العرض الضوئية تتحدث بلغة الأرقام والصور عن الإنجاز الكبير، سعته، أجهزته المتقدمة، خدماته الطبية التخصصية، مختبراته، عياداته ومرافقه المساندة وكانت أعين الحضور تحدق ببريق سرور والآذان تنصت بإعجاب ينعكس في شكل ابتسامة ارتياح وهزة رأس امتنان. لم أكن أنظر إلى شاشة العرض لمعرفتي بمحتواها فقد كنت أستمتع بالتجوال في وجوه أهالي المنطقة، الوجوه المستهدفة بكل مشاريع الخير وأستمتع بالمؤشرات التلقائية للسعادة البالغة.

هكذا هي هدايا الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، تلامس الاحتياج حتى سويداء القلب، من نوعية عالية المواصفات بتكلفة معقولة، مغلفة بالصمت وعبارة إهداء مباركة “اللهم اجعل فيه الخير والبركة” وكان أجمل وصف لهذا الإنجاز وأكثره تعبيراً هو ما ورد حوله في افتتاحية جريدة “الرياض” يوم الجمعة 2002/9/20م “الإنجاز بأقل التكاليف والخدمات بأعلى المواصفات”.

إن إنفاق (700) مليون على مدينة طبية متكاملة في أكثر المدن احتياجاً في المنطقة الشرقية أمر غير مستكثر ولم يكن مستكثراً في يوم من الأيام لكن المشروع يحمل العديد من الأبعاد والدلالات ليس في حجم ما أنفق ولكن في حجم الإنجاز مقارنة بالتكلفة، وفي مَن وظف هذا المبلغ وهو الحرس الوطني الذي أراد له صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز أن لا يقتصر على مؤسسة عسكرية بل صرح طبي وعلمي وتعليمي وثقافي شامل فكان أن حمل العبء الأكبر في هذه المجالات وأصبح في كل منها أنموذجاً جديراً بأن يحتذى.

إن إنشاء مستشفى في الأحساء بسعة 300سرير قابلة للزيادة إلى 400سرير، ومستشفى آخر في الدمام بسعة 100سرير قابلة للزيادة إلى 200سرير. بكل ما تحتويه من تخصصات وعيادات وعناية مركزة للكبار والأطفال وخدمات تشخيصية عالية التقنية سواء في مجال الأشعة المتقدمة أو المختبرات وما تحتويه من مرافق وخدمات مساندة ومهابط طائرات وارتباط هذه المدينة الطبية بشبكة حاسب آلي ونظم معلومات موحدة فيما بينها ثم ارتباطها بالشؤون الصحية بالحرس الوطني في الرياض وبالمدن الطبية الأخرى في الرياض وجدة. كل هذا الانموذج الصحي المثالي لا يقتصر نفعه للمنطقة على جانب الرعاية الصحية المتقدمة بل سيساهم في توطين العديد من الوظائف الطبية والفنية والإدارية لأبناء المنطقة .. وعملية تقريب الوظيفة للخريج لها انعكاسات اجتماعية ونفسية عظيمة الأثر على سكان تلك المحافظات. وهذا هو أحد أسباب السعادة البالغة التي كانت عيناي ترصدانها وأنا أتجول في وجوه العدد الهائل من حضور حفل تشغيل المرحلة الثانية وكانت “الكاميرا” التلفزيونية الرقمية عالية الدقة والتابعة للعلاقات العامة بالحرس الوطني تحملها أكتاف شابة مخلصة تتجول في أرجاء هذا الإنجاز وتحاول جاهدة أن ترصد ولو جزءاً مما يمكن لآلة التصوير أن تعبر عنه.

تلك “الكاميرا” حبلى بشريط لم ير النور بعد وكلي أمل بأن تضع هذه الآلة مولودها أثناء احتفالنا باليوم الوطني، خاصة وأن الإنجاز يحمل اسم موحد الجزيرة العربية وعندما يعرض الشريط تلفزيونياً فإن سعادة الأعيان ستشمل كل المشاهدين في الشرقية وكافة مناطق المملكة.

إنه مجرد اقتراح أجزم أن معالي وزير الإعلام سيوليه اهتمامه المعهود المتمثل في خطواته الحثيثة على مستوى الإعلام الداخلي والخارجي.

الإعلام الغربي والأبعاد الثلاثية لفصل التوأم

عملية فصل التوأم السيامي الماليزي التي تمت بنجاح تعكس صورة ثلاثية الأبعاد كان لابد من إبرازها.

البعد الأول هو البعد الإنساني المتمثل في تبني صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز لتفريج كربة أبوين مسلمين لم يتركا بصيص أمل في أنحاء العالم لفصل توأمهما الملتصق إلا وسلكاه، لكن كل أبواب الأمل كانت موصدة إلا باب المملكة.

البعد الثاني ان سمو الأمير عبدالله حين تبنى إجراء هذه العملية، لم يكن يستند الى رصيد مالي يدفعه مقابل إجراء العملية في أي مركز في العالم وهو أمر سهل على كل من أوتي مالاً إذا توفر في المعمورة مركز قادر على إجراء العملية.

سموه كان يستند الى رصيد بشري يتمثل في كفاءات وطنية أعدها فأحسن إعدادها، وصرف على تهيئتها الغالي والنفيس، فكان استثماراً رابحاً في الإنسان، في فكره وعلمه وقدراته ووطنيته، وكون مثل هذه العملية المعقدة والنادرة تجرى على أيد وطنية أمر يصعب على اي رجل آخر مهما بلغ ثراؤه ان يشتريه بالمال، لأن العنصر الأهم هنا هو الرصيد البشري، وهذا تستغرق تنميته وقتاً وتستلزم جهداً خارقاً، خاصة عندما يكون المستهدف إنسان صحراء كانت قاحلة!!، ثم تم إحياؤها وبناؤها وتجهيزها ليجد فيها هذا الإنسان العائد من مرحلة التأهيل مناخاً وأجهزة وإمكانات ليطبق ما تعلمه ويبدع فيه، بل ويتفوق على أساتذته في الخارج، فصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز عندما وجه بتفريج كربة أبوين مسلمين من ماليزيا بفصل توأم ملتصق بصورة معقدة وقد بلغ من العمر أربع سنوات ونصف السنة وهو ما يزيد عملية الفصل صعوبة وتعقيداً، كان يحفظه الله كعادته يسخر الإمكانات البشرية والتقنية المتطورة في المملكة لخدمة الإنسان في أنحاء المعمورة وخاصة أبناء الأمة العربية والإسلامية.

البعد الثالث لعملية الفصل والذي يضاف للجانب الإنساني وجانب التطور في الإنسان والإمكانات التقنية هو دور هذه العملية النادرة في إجبار الإعلام الغربي على التوجه إلى المملكة، بل شد الرحال إليها وهذا ما لاحظته وأنا أشارك في التنسيق لتسهيل مهمة وسائل الإعلام. عشرات الطلبات عبر البريد والبريد الالكتروني والهاتف تريد السماح بالحضور لتغطية هذا الحدث، دون المطالبة بأي تسهيلات في الإقامة والتنقل أو المعيشة. كل ما يريدونه هو تأشيرة الدخول وعنوان مدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني بالرياض، وفعلاً توافد مراسلو القنوات الفضائية الغربية والآسيوية وبعض العربية وشهادة حق فإن فريق القنوات الغربية هم من دخل قبل شروق الشمس “موعد بدء الإعداد للعملية” وخرجوا بعد شروق شمس اليوم التالي “نهاية الفصل وتوجه الأطفال إلى العناية المركزة” وهم فقط من حرص على إستغلال الإمكانات التي سخرتها إدارة العلاقات العامة بالحرس الوطني من شباب متحمس وأجهزة مونتاج وكمبيوتر ونقل حي مباشر عبر الانترنت قام عليه كفاءات الحاسب الآلي في الشؤون الصحية بالحرس الوطني وهم وحدهم “مراسلو القنوات الغربية” من حرص على تصوير كل المنشآت الطبية العملاقة التي أذهلتهم وقالوا عن المملكة شيئاً أنقله لكم لاحقاً.

لقد كانت العملية بأبعادها الثلاثة حدثاً هاماً سيسهم في تصحيح الصورة التي يحاول الإعلام المضاد وخاصة الأمريكي ترويجها عن المملكة، ولكننا سنبقى في حاجة إلى ما ستنقله القنوات الغربية عن العملية لأننا على ما يبدو أكثر حرصاً منهم على النوم مبكراً قبل انتهاء الحدث خاصة إذا لم يكن حفلاً غنائياً واسألوا مراسلي القنوات الفضائية المحلية والعربية الذين خالفوا توجيهات رؤسائهم والمسؤولين عن الإعلام وغادروا قبل انتهاء العملية فجاءت الأخبار ناقصة.

الطب الوقائي ومفهوم الوطنية

لم أكن أنوي التطرق لتعقيب مدير عام الصحة الوقائية الأخ محمد الزهراني المنشور يوم الجمعة 1423/7/21هـ على مقالين كتبتهما عن مريض الإيدز والدرجة المتدنية للوعي بالمرض والتعامل معه وعدم رغبتي في الرد لسببين:

الأول ان التعقيب يفتقد للموضوعية تماماً ويتجاهل صلب الموضوع وهو مطاردة مريض الإيدز والجهل بطرق انتقال المرض إلى درجة المطالبة بحرق أدوات المريض وفراشه مع أنها غير معدية والمقارنة بين نجاح جهود كل من مكافحة المخدرات ومكافحة التدخين في تحقيق نتائج ملموسة في حين يغيب الوعي بانتقال الأمراض ومنها الإيدز بسبب غياب الطب الوقائي فالتعقيب سرد إنشائي لإنجازات وهمية لا تشاهد على أرض الواقع بل يشاهد عكسها تماماً ومن السهل على القارئ العادي كشف هذا الأسلوب ناهيك عن المتخصص!!.

أما السبب الثاني فهو ان التعقيب لا يتسم بالرزانة ويمثل رأي كاتبه فقط وأجزم أنه لم يصدر كالعادة عن إدارة العلاقات والإعلام الصحي تلك الإدارة الواعية والرزينة التي بادر معالي وزير الصحة الأستاذ الدكتور أسامة عبدالمجيد شبكشي إلى انشائها وأوكل لها التخاطب مع الإعلام والجمهور بموضوعية وشفافية ووضوح وأدب حوار مستمد من صراحة معاليه ووضوحه المعهود في احاديثه للصحافة والتلفزيون واحترامه للرأي الآخر.

لكنني رأيت ان أفوت الفرصة على الإيماءات المضللة التي يحاول التعقيب التشبث بها عندما لم يجد أرضاً صلبة يقف عليها وأوضح ما يلي باختصار:

أولاً: استخف الأخ الزهراني بذهن وذاكرة القارئ عندما أخفى حقيقة أنني ذكرت عبارة “لماذا نصر كل هذه المدة على الاعتماد في استراتيجية الوقاية على وكالة مساعدة للطب الوقائي أثبت الزمن أنها غير قادرة على القيام بأعبائها الأساسية؟!” وركز بدلاً من ذلك على ورود عبارة “إدارة الطب الوقائي” وفرح بها كثيراً للتدليل على عدم معرفة الكاتب بأسماء وطبيعة ومهام القطاع أما أنا فقد حزنت كثيراً للإستخفاف والمغالطة لكنني ضحكت كثيراً عندما مر في مخيلتي تساؤل طريف، هل لآن الصحف تكتب (إدارة بوش) يعتقد الأخ الزهراني ان بوش هو مدير عام الولايات المتحدة الأمريكية؟! ثم ان الحساس لمسميات القطاع يجدر به ان يكون حساساً للألقاب العلمية فحرف (الدال) لا يسبق اسم من لا يحمل الدكتوراه في الفلسفة!!.

ثانياً: أرفق التعقيب جدولاً يتيماً يتغنى به الطب الوقائي يحتوي على ما أسماه انخفاض نسب حدوث الأمراض الخمسة، الدفتيريا والسعال الديكي وشلل الأطفال والحصبة والنكاف وهذه الأمراض انخفضت في دول لا ينعم الطب الوقائي فيها بربع الإمكانات الموفرة له في المملكة بسخاء، وعلى أي حال، حتى في الجدول “الحجة” تم تجاهل ان الرقم في السعال الديكي والحصبة لم ينخفض بل زاد بين 1417هـ و1421هـ وهو أمر لا يفوت على القارئ العادي ثم اين أرقام أمراض هامة وخطيرة كالحمى المالطية والتهابات الكبد الوبائية والإيدز هل أهملها الطب الوقائي فعلاً أم ان أرقامها لا يحتج بها؟!.

ثالثاً: ليس صحيحاً ادعاءه ان الطب الوقائي يعمل به أو يشرف عليه خبرات سعودية مؤهلة تأهيلاً عالياً، إلا إذا كان يعتقد ان طبيب عام (GP) هو مؤهل عال ولماذا لم يرفق جدولاً بالمؤهلات العالية وهنا أحب ان أؤكد ان في وطننا الغالي اساتذة جامعات وحملة شهادات عليا وزمالة من أمريكا الشمالية وكندا في مجال الامراض المعدية فلماذا لم تتح لهم الفرصة وتم الاكتفاء بمجموعة أطباء عامين (GPS) ومن توقفوا عند بكالوريوس الطب والصيدلة منذ عشرات السنين.

رابعاً: عبثاً حاول التعقيب الربط بين النقد الصحفي ومصادرة الجهود، وهو سلاح العاجز عن العمل وسبق ان ذكرنا ان التقاعس الإداري من صغار الإداريين هو التنكر الحقيقي لكل الجنود والدعم السخي الذي توليه الدولة لجميع الخدمات ومنها الصحة وان النقد ما هو إلا عوين فعال لتحقيق الاستثمار الامثل للجهود المضنية والدعم السخي من قيادة هذا الوطن وهو خير عوين لكبار المسؤولين ومنهم وزير الصحة، المشهود له بالإخلاص والتفاني والمتابعة ووقوفه بنفسه على الخدمات في جولات مستمرة فهل يخشى الأخ الزهراني ان يكون الإعلام أحد عيون الوزير؟!.

خامساً: ليت التعقيب لم يستشهد بإنجازات على ورق في مجال التخلص من النفايات الطبية خاصة انه جاء بعد أيام من نشر الصحف لتقارير صحفية حول الوادي الذي نبتت أرضه بعدد هائل من الابر الطبية كجزء من مجموعة نفايات طبية خطرة.

سادساً: أين التقارير السنوية التي لا يحمر لها الوجه من الجدول اليتيم الذي توقف عند عام 1420هـ بينما نعيش في منتصف عام 1423هـ؟! لماذا لم تفِ وطنك حقه من تقديم المعلومة الصحيحة المحدثة؟!.

سابعاً: لو لم أكن متابعاً للنشرة الوبائية السعودية لما علقت على تقريرها الخطير عن انتقال الأمراض عبر عيادات الأسنان الذي لم يجد الطب الوقائي رداً عليه وأحب ان أنقل أمنياتي بأن لا يزيد تأخرها عن تسعة أشهر حتى لا تكون سنوية!!.

أخيراً لأخي محمد الزهراني أقول ان القلم الذي تتوهم أنه يهدف لمهاجمة الطب الوقائي هو أول من برأ وزارة الصحة من دم حمى الوادي المتصدع ودافع عنها لقناعته ببراءتها ولعلي أختلف معك في مفهوم الوطنية وحسن النية وأمانة القلم وهو اختلاف أفخر وأعتز به كثيراً.

المستشفيات ‘الماصة’!!

في الحقيقة لقد أصبح من الصعب جداً إيجاد تفسير لتمادي المستشفيات الخاصة في خرق كل النظم والأخلاقيات المهنية دون تدخل يوقف هذه الممارسات التي تتزايد وتتنوع وتشتهر دون رادع.

هل غياب العقاب لأن كل مشتكٍ وكل ناقد ينفخ في قربة مشقوقة فعلاً؟!، أم أن القربة مطاطة الى درجة تقطع نفَس النافخ؟!.

هل إمكانات الجهات الرقابية محدودة فعلاً إلى درجة عدم التحرك المطلق؟! أم أن المصالح تقتضي غض الطرف!!.

أسعار الكشف غير المحدودة، الإعلان عن الأطباء المخالفين لأخلاقيات المهنة، تحميل المريض تكاليف فحوص غير ذات علاقة بالمرض، رفض علاج حالات الطوارئ، التعاقد مع أطباء وطبيبات مطرودين من مستشفيات حكومية لقصور مهني وأخطاء طبية وممارسات لا أخلاقية والإعلان عنهم ببجاحة والدفاع عن بعضهم بأسلوب أشد بجاحة، كل هذه غيض من فيض جعل الشكوى من المستشفيات الخاصة قضية اجتماعية كبرى تتعالى فيها الاصوات فلا تجد المجيب غير صدى الاصطدام بصخرة ساكنة لا تعرف لسكونها تفسيراً!!.

في السابق وعندما كانت ابواب المستشفيات الحكومية المتقدمة مفتوحة للجميع كان جزء من اللوم يقع على المريض نفسه في شكل تساؤل “ولماذا تعالج في مستشفى خاص؟” أما اليوم وبعد أن أصبح كل مستشفى متقدم لا يقبل غير منسوبي القطاع فإن المواطن مجبر على المستشفى الخاص ومن حقه علينا على اقل تقدير حمايته.

آخر تقليعات المستشفيات الخاصة وضع تسعيرة لكل طبيبة نساء وولادة بناء على الاسم وحجم الإقبال الذي هو انعكاس لعدد الاعلانات عنها، جميعهن استشاريات نساء وولادة ولكن فلانة رسم الكشف عندها بـ 250ريالاً وعلانة بـ 200والثالثة بـ 150(حتى الورش والمشاغل والكوافيرات لم تصل الى هذا الحد من المهازل!!).

ليس هذا وحسب بل ان التسعيرة تتغير دون إنذار، وقريباً فإن الحوامل سوف يتسمرن امام احدى الفضائيات لمتابعة أسعار الطبيبات!!.

هل يعقل أن نصل إلى هذه المرحلة من التطور الطبي الحكومي والتقهقر الرقابي على القطاع الخاص؟!.

إحداهن كانت تصرخ بشكوى لا تنقصها البراءة والبساطة “هل تعلم أن سعر القيصرية واقامة خمس ليال في المستشفى الفلاني هو 12000ريال سواء كانت الطبيبة عليك أم عليهم؟!!” ولأنني لا أقلّ عنها براءة وثقة لم أفهم، لكنني صعقت حين علمت أن الحامل يمكن أن تتفق مع أية طبيبة من مستشفى آخر أو مستوصف حكومي أو أهلي لتجري لها عملية قيصرية في المستشفى الخاص بمبلغ يتراوح بين 5000الى 7000ريال هذا خلاف ما يتقاضاه المستشفى وهو 12000ريال سواء كانت الطبيبة من المستشفى أو من الحامل!!.

المسكينة كانت مقهورة من ثبات السعر اياً كان مصدر الطبيبة، على وزن “القماش عليك والا علينا” بلغة الخياطين اما انا فصعقت لأنني أفكر في أمر المضاعفات والأخطاء الطبية من سيعالج الأولى ومن يتحمل الثانية خاصة حين علمت ان الطبيبة تحضر الولادة ثم تختفي!! من سيتابع المريضة ويعالج مضاعفاتها؟! بل أي طب وأي وزارة وأي بلد يقر هذه الممارسات التي لا تحمد عواقبها؟!.

ولأن الموضوع يطول الى درجة الملل خذوا هذه الوقفات المختصرة جداً والمسؤول بالإشارة ربما لا يفهم!!.

– إحداهن دفعت (4000) لطبيبة تعمل في مستوصف خاص لتولدها في مستشفى خاص، وولدت بعد حضور الطبيبة بعشر دقائق. هذه الطبيبة راتبها الشهري في المستوصف أيضاً (4000) ريال حصلت على مثله في عشر دقائق فكم “زبونة” تولدها في الليلة؟!.

– مستشفى خاص يحدد ساعة الدخول في التاسعة صباحاً حتى يحسب اليوم بيومين لأن احتساب اليوم يبدأ بعد الثانية عشرة ظهراً وموظف الاستقبال الذي نصح مريضة بالحضور بعد الظهر لتلافي احتساب يومين مهدد بالطرد!!.

– سيدة تلد بالقيصرية بسبب مستديم وتتعرض لمضاعفات رفض طلبها في الحصول على صورة من الملف رفضاً قطعياً لكن موظفاً صغيراً في المستشفى الخاص صور لها الملف كاملاً!!.

– لأن الحاجة هي أم الاختراع فقد توصل عدد من النسوة الحوامل في الرياض الى ان أفضل وسيلة للجمع بين الولادة على يد طبيبة سعودية والإقامة الفندقية هي أن تلد في قسم الولادة بمجمع الرياض الطبي وتخرج على الفور الى مستشفى خاص.

– طالما أن منع زيارة الأطفال في المستشفيات الحكومية يعود الى حمايتهم من العدوى فلماذا يسمح بها في المستشفى الخاص؟!

– قيمة الإعلان عن الطبيب أو الطبيبة في الصحف تضاف مباشرة على المريض في شكل رفع لرسوم الكشف ولا تخفيض لحامل الإعلان.

– غض الطرف عن ممارسات المستشفيات الخاصة يثير علامة استفهام كبيرة وحائرة واذا استمر الوضع فمن الضروري سد الأنف لأن الرائحة قوية.

– هذه حال المستشفيات التجارية، فهل من المعقول ان تكون مختبرات تحليل الأدوية تجارية ايضاً؟!.

حدث في المستشفى الجامعي!!

أرجو أن لا يعزو القائمون على مستشفى الملك خالد الجامعي التقصير الذي توضحه القصة التالية إلى قلة الإمكانات المالية لأن تلافيه لا يحتاج إلى أكثر من تطبيق نظم وإجراءات تعتبر أساسية في مجال الطب، ويجدر بالمستشفى الجامعي التعليمي أن يكون أنموذجاً يحتذى به في مجالات عدة منها النظم والإجراءات الإنسانية والطبية الصحيحة وتطبيق حقوق المريض وأقاربه.

تقول إحدى بنات المريضة (أحتفظ بالاسم وتاريخ الدخول) إن والدتي أدخلت مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض تعاني من جلطة ولأنها لا تستطيع الحركة أو العناية بنفسها، كنتُ أنا وأخواتي نتناوب على مرافقتها والعناية بها، وتنظيف قروح سريرية وجروح مدمية دون قفازات على مرأى من الممرضات والأطباء وإحدانا مصابة بفشل كلوي ويجري لها غسيل كلوي في أحد مستشفيات الرياض.

ولأن والدتي لا تتحكم بوظائف الإخراج فقد كنت أقوم بتنظيفها كل مرة، وذات مرة لاحظت وجود خراج في المنطقة بسبب تعرض تلك المنطقة للاتساخ والرطوبة، وأثناء قيامي بتنظيف الخراج انفتح وخرج منه الصديد فمسحته ونظفته، وكانت والدتي أيضاً تعاني من الدرن وتخرج إفرازات كثيرة تستلزم أن ننظفها بالمناديل ونرمي كماً كبيراً من هذه المناديل في سلة النفايات في الغرفة، مثلها في ذلك مثل كل الأدوات التي نستخدمها في التنظيف. وكان كل هذا يتم على مرأى من الممرضات وأحياناً الأطباء السعوديين وغيرهم، واستمر ذلك على مدى ثمانية أيام.

وتسترسل في الحديث وهي لا ترى في كل ما تعمله هي وأخواتها أدنى غرابة ولا تقصد لوم التمريض أو المستشفى على ترك العناية بالمريضة للمرافقات فهي وأخواتها يشعرن بسعادة إزاء العناية بوالدتهن ورد للمعروف وبر بالوالدة وطلب للأجر والثواب من الله وما تريد هذه المرافقة أن توصله أكثر وأخطر مما كنت أتوقع!!.

تقول: كنا خلال هذه المدة لا نكف عن السؤال عن حالة والدتي سواءً للأطباء السعوديين أو الممرضات أو كل من يدخل الغرفة وللأسف لم يكن أحد من هؤلاء يجيب على سؤال واحد بل تشعر وأنت تسأل انه لا فرق بينك وبين الكرسي فكلاكما لا يستحق التحدث معه حسب تفكير الأطباء والممرضات!!.

بعد ثمانية أيام كتب خروج لوالدتي من المستشفى وسألت طبيبها السعودي الاستشاري في الأعصاب عن حالتها، فقال بالحرف الواحد: “كل شيء ممتاز وأكثر من ممتاز”، وخرجت ثم أصبحنا نحضرها للعلاج الطبيعي، وعندما شاهدت إحدى الطبيبات ملفها الطبي وشاهدتني أنظفها كالعادة بدون قفازات كانت المفاجأة المذهلة ليس فيما حدث أو قد يحدث فكل شيء بيد الخالق سبحانه ونحن بقضائه مؤمنون، ولكن الذهول كان بسبب عدم اكتراث الأطباء والممرضات بما كنا نفعله دون قفازات كل تلك المدة في حين يستعملون هم القفازات والأقنعة!!.

قالت لي تلك الطبيبة أن من المفترض أن لا تنظفين الوالدة دون قفازات لأنها مصابة بالتهاب الكبد الوبائي من نوع (c) وهو يعدي عن طريق الإفرازات!!.

على الفور تذكرت أن أخصائية العلاج الطبيعي وهي باكستانية رأتني أثناء وجود والدتي بالمستشفى أنظف والدتي ذات مرة بدون قفازات فقالت: “ليش ما في كويس فيه مشكلة دم”، ولم أفهم ما تقصد وعندما سألتها ما المشكلة في الدم قالت: “أنا ما فيه إنجليزي” وذهبت!! تذكرت هذا الموقف وما أعقبه وسبقه من أسئلة للأطباء والممرضات وكانت تقابل بالتجاهل!! لماذا لم يخبرنا أحد؟! على الأقل حتى لا نعدي غيرنا!!.

انتهت شكوى المواطنة المندهشة وأسئلتها المنطقية التي تبحث عن إجابة في شكل إجراء حازم يوقف جوانب التقصير وهي جوانب لا علاقة لها بالدعم المادي الذي يتشبث بنقصه بعض القائمين على المستشفى الجامعي، وأعتقد جازماً أنه تقصير مرتبط بما حذرنا منه سابقاً، وهو انشغال نسبة كبيرة من رؤساء الأقسام والأساتذة والاستشاريين بعملهم الجزئي في المستشفيات الخاصة، مما أفقد صغار الأطباء وجهاز التمريض الحماس أو ربما القدرة على تطبيق أساسيات الطب التي كان هذا المستشفى أحد منابعها النقية قبل تسرب كوادره بطريقة تفتقد للانضباط!!.

كان من حق أقارب المريضة والمتعاملين معها معرفة إصابتها بذلك الفيروس حتى وإن كان الفيروس من نوع (c) قد لا ينتقل إلا بالانتقال المباشر لسوائل الجسم وإفرازاته ولكن احتمالات انتقاله عبر طرق تعامل المرافقات المذكورة وارد بدرجة كبيرة ثم ماذا لو كان بالأيدي جروح وانتقل مباشرة للدم؟؟ وماذا لو كانت المرافقة التي تغسل الكلى قد التقطت الفيروس؟؟ ألن يكون إهمال الجامعي سبباً لانتشار الفيروس في أبرياء عدة في المملكة لمجرد التقاعس عن الكلام؟!!.

أقراص الموت.. حذار من المختبرات التجارية

رفعت وزارة الصحة للمقام السامي مقترحاً بتشديد الرقابة على الأدوية في المملكة وكان تجاوب مجلس الوزراء سريعاً وداعماً لهذا التوجه مؤكداً على تفعيل النظام الرقابي على الأدوية أثناء تسويقها وسرعة إكمال برنامج جودة الدواء المعني بمتابعة الدواء أثناء تسويقه والتأكد من جودته وصلاحيته والتأكيد على ضرورة تحليل عينات عشوائية منه قبل وصوله للمستهلك وعدم التوسع في فتح المنافذ التي يسمح من خلالها بدخول الأدوية والمستحضرات الصيدلانية بكميات تجارية، وكشف معالي وزير الصحة عن مشاركة جهات رقابية إضافة لوزارة الصحة للتصدي لظاهرة الأدوية المغشوشة عالمياً متمثلة في وزارة التجارة والداخلية وهيئة المواصفات والمقاييس والجمارك ووزارة المالية. هذا حسب ما ورد في خبر نشر في جريدة “الرياض” يوم الخميس 7جمادى الآخرة 1423هـ.

وموضوع الغش في الأدوية، خاصة من حيث نقص أو انعدام المواد الفعّالة مشكلة عالمية تتصيد فيها الشركات الكبرى والصغرى على حد سواء الدول الفقيرة أو تلك التي لا تملك خطوط دفاع قوية وفعّالة لكشف هذا الغش. وعندما أؤكد على أن الشركات الكبرى تمارس هذا الغش رغم شهرتها فهو أمر ليس بالجديد فقد فضحت عدة إصدارات وكتب شركات كبرى ومشهورة تروج لأدوية لا تحتوي على المادة الفعّالة بالتركيز المطلوب أو لا تحتويها مطلقاً، ولعل أحد أشهر هذه الكتب كتاب يؤكد على أن أكثر من عشرين شركة كبرى أمريكية تمارس هذا الغش بأدوية لا تعمل مطلقاً.

لسنا في صدد البعد الصحي أو الاقتصادي لخطورة هذا الغش فالحديث فيه يطول ولكن ما يهمنا هنا هو كيف نحصن أنفسنا ضده؟!

إن خط الدفاع الرئيس والأمثل والمقلق لكل شركة أو وكيل تسوّل له نفسه الغش في الدواء هو المختبر المركزي بوزارة الصحة وأول الخطوات الجادة لوقف هذه الممارسات هو دعم هذا المختبر بأكثر من ثلاثة أضعاف إمكاناته المالية والبشرية والآلية ليصبح قادراً على تحقيق طموحات القائمين عليه لكن الإمكانيات الحالية لمختبراته لا تكفي للقيام بالعبء الحالي الذي يشكل ربع الحلم.

جميل أن تتكاتف الجهات الحكومية ممثلة في الجهات التي ذكرها وزير الصحة للحد من دخول أدوية مغشوشة ولكن حذار من فكرة مختبرات تجارية تحلل الدواء!! وهو ما شاع مؤخراً وأرجو أن لا يكون صحيحاً لأن الغش في الدواء أخطر وأكثر هدراً صحياً واقتصادياً من أن نعهده إلى “تاجر” ويكفينا ما يحدث من ممارسات تجارية في مجال المستشفيات رغم وضوح قواعد وأسس أخلاقيات مهنة الطب والقسم العظيم ورغم كونها تمس جسد إنسان فما بالك بمن يتعامل مع الجماد.

إن الغش في مجال الدواء إذا أوكل كشفه لجهة تجارية معتمدة فإنه سيصبح غشاً تحت مظلة قانونية وعندها ستكون الخطورة أكبر وأمن العقوبة هو السائد وخط الرجعة صعب للغاية.

قد يقول أحد المتأمركين أن المختبرات في أمريكا وأوروبا تجارية وهنا يجب أن لا ننخدع بالمقلد الأعمى فهذه دول لديها بنية تحتية صلبة من الجهات الرقابية التي تسلط مجاهرها على تلك المختبرات ولديها عقوبات صارمة لا تعرف التستر والرأفة والاستثناءات، وقد نحتاج إلى أضعاف مضاعفة من المبالغ والكوادر والأجهزة والنظم والإجراءات لكي نقلدها وهنا فإنه من الأجدى لنا أن نوظف هذه المبالغ والجهود في تطوير مختبرنا الحكومي ونقوي شوكته وإمكاناته ليصبح قادراً على تحليل عينات عشوائية من كل دواء أو مستحضر طبي يدخل المملكة وليس فقط الوزارة أو المناقصات الحكومية ونضاعف العقوبة عند كشف الغش وعندها فقط ستحسب الدول ألف حساب لما يُصدَّر إلى هذا الوطن.

الصناعة بمفهوم الدجاج!!

نحن بلد حقق نقلة نوعية سريعة في مجال الصناعة بما فيها صناعة الدواء والغذاء، وهي نقلة تحققت بفعل الطفرة، لكننا على ما يبدو لم ننجح في ترسيخ مفاهيم أساسية لا بد أن تصاحب أي تطور صناعي ومن أهمها مفهوم أن الصناعة كجهد بشري مهما بلغت من الدقة والميكنة لا بد أن تكون عرضة للعيوب الصناعية في أي وقت من الأوقات، بمعنى أنه لا بد لأي مصنع أن يتعرض لفشل في إحدى التشغيلات يستلزم سحب التشغيلة من الأسواق.

هذا القصور في الفهم لا يقتصر على المستهلك بل يشمل الجهات الحكومية والقائمين على المصنع وهم أساس ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ لدى المستهلك باتباع سياسة التكتم والتستر على العيوب إلى حد جعل فشل تشغيلة واحدة أو منتج واحد يصنف على أنه فضيحة كبرى تستدعي التكتم شفقة على المنتج ومالك المصنع وأن الإعلان عنها يعني إعلان نهاية المصنع!!.

هذه إحدى السلبيات العديدة لغياب الشفافية في هذا الصدد!! وهو أمر خطير جداً تنطوي عليه أخطاء أكبر تهدد صحة وحياة المستهلك خاصة في مجال الغذاء والدواء.

ما قيمة المواصفات والمقاييس والرقابة النوعية وعلامة الجودة إذا لم يصاحبها اقتناع بإمكانية حدوث الخلل ومخالفة المواصفات؟!.

إننا نتوجه وبقوة نحو الصناعة الدوائية “أكثر من سبعة مصانع كبرى تنتج مئات الأصناف وربما الآلاف” وقطعنا شوطاً كبيراً في مجال الصناعات الغذائية بأنواعها “مئات المصانع وآلاف المنتجات” فهل من المعقول أن لا يصاحب هذا الكم الكبير في المنتجات الدوائية والغذائية فشل في تشغيلة واحدة يستلزم التنويه والتحذير والسحب من الأسواق؟! وإذا حدث هذا الفشل وهو أمر طبيعي ومتوقع، فهل سوف نمارس نفس أسلوب التستر البغيض الذي حدث مع الدجاج المسموم أو عبوات الماء؟!.

إن بلداً أصبح صناعياً مثلنا لا بد أن يغير مفاهيم القرن الماضي في هذا الصدد وأن تكون البداية الأهم في تصحيح الخلط لدى المسؤولين بين حماية المنتج والتستر على إحدى التشغيلات!! وتصحيح ترتيب الأولويات بين حماية التاجر وحماية المستهلك!! بل تصحيح الخطأ الشائع في الاعتقاد بأن الإعلان عن فشل تشغيلة يعني الحكم على المصنع بالإفلاس.

لو تعوّد المستهلك في الداخل والخارج على سحب تشغيلة “أو حتى منتج كامل” والتحذير منها مع استمرار تشغيلات أخرى مشابهة أو منتجات أخرى لنفس الشركة فإننا سوف ننمي لديه مفهوم الاحتمال الكبير في فشل كمية من منتج وأن هذا لا يعني فشل الجميع أو مقاطعة كل منتجات المصنع وفي الوقت ذاته نكوّن لديه الثقة في أن صحته وسلامته هي الأهم من كل اعتبار آخر وبالتالي فإن أي منتج لم يعلن عن فشله هو في الواقع مأمون وصالح للاستخدام.

أما بالمنظور الحالي أو ما أستطيع تسميته التعامل بمفهوم الدجاج أو بنفس أسلوب التعامل مع الدجاج والمياه المعبأة فإننا سنخسر ثقة المستهلك في الداخل والخارج وسوف نسبب الضرر لكل المنتجين بسبب منتج واحد أو صنف واحد ونترك “الساحة” لرواج الشائعات وسنجعل التاجر أو المصنع يعمل في أمن تام من التشهير بمنتجه مهما حدث وسط شعور عام بأن سمعته أهم من سلامة المستهلك الأمر الذي يجعل الرقابة الذاتية ورقابة جودة المنتج هي آخر اهتمامات المصانع.

والأهم من هذا وذاك هو أننا سنبقى نشعر بأننا نعيش بمفاهيم عفا عليها الزمن مما يوحي بأن تطورنا لم يشمل الإنسان نفسه.

أرقام الفضائيات الهابطة أولى بالحجب

كنا نعتقد أن أهم سلبيات بعض القنوات العربية الفضائية من فئة (مين معانا) أنها مجرد صور فاضحة متحركة للإعلان عن جسد شبه عار لفتاة عربية تسوق نفسها من خلال برنامج على الهواء تمارس من خلاله استعراض الجسد في أشكال مختلفة تحت ستار ما يطلبه المشاهدون من أغنيات وفيديو كليب أقل ما يقال عنه أنه تصوير حي لانحطاط الأخلاق واتهام مقصود للعرب بأنهم ظاهرة جنسية!! عبر تمويل عربي جاهل بعواقب الكسب غير المشروع.

ما تسمى تجاوزا بمذيعة البرنامج تتفنن في استعراض ما تعتقد أنه مفاتن من زوايا مختلفة في إعلان واضح عن جسد أجوف منزوع الدسم ومنزوع الحياء والقيم، والبرنامج ملك للمذيعة بدءاً بالاسم وانتهاء بنتائج ومكاسب التسويق!!.

في القنوات الغربية الجادة يستحوذ الصحفي على مسمى برنامجه بحكم تميزه وعمق تجربته وخلفيته الثقافية وقدرته الفريدة كمحاور استناداً إلى رصيد هائل من المعرفة، خذ على سبيل المثال استحواذ لاري كنج على مسمى برنامجه المباشر في شبكة cnn وإن كانت المقارنة هنا ظالمة للاري كنج، بل ان ثمة تناسب عكسي ففي الوقت الذي تتشبث فيه المحطة الجادة بالمذيع كلما كبر في السن فإن فضائيات “مين معانا” ترمي بالمذيعة قبل ظهور التجاعيد.

ما يهمنا كعرب هو أن هذه “الفضائحيات” تسيء لنا كثيراً وتخدم أعداء العرب بتمويل من العرب أنفسهم.

وبالإضافة إلى الهم العربي فإن ثمة هماً إضافياً يخصنا كسعوديين وهو أمر الاتصال بهذه القنوات من قبل فئة مستهترة تحت مسمى “اتصال من السعودية” يقوم من خلاله المتصل بتقديم اهداءاته إلى ألفاظ شوارعية بذيئة على أنها أسماء لأشخاص أو عائلات وبطبيعة الحال فإن المذيعة لا تفهم معاني تلك الألفاظ البذيئة لأنها صفات أو أفعال شوارعية تستخدم محلياً أو خليجياً على مستويات دنيا فيتلذذ المتصل ومن حوله بترديدها على الهواء مباشرة وهو أمر فيه إساءة واضحة لكل منتمي إلى هذه البلاد من قبل قلة تعاني أمراضاً نفسية وسلوكيات غريبة.

الإساءة للكل عبر تصرفات البعض يجب عدم التقليل من أهميتها ففي السابق كانت الإساءة تأتي من بعض المسافرين إلى الخارج، مما رسخ صوراً كان من الصعب تصحيحها لأن قادماً من السعودية مارس سلوكاً مشيناً، والمتصل من السعودية لا يقل تأثيره بل يزيد لأن القادم يتصرف على مرأى من قلة أما المتصل فيتحدث على مسمع من كثير بعضهم يعرف مغزى تلك الألفاظ.

أنا لست مع حجب أرقام الاتصال بقنوات الرأي الجاد حتى لو اتصل بها صاحب وجهة نظر تخالف الإجماع فهذا رأيه وحده ويمثله فقط ومن حقه التعبير عنه ولن يضير المجتمع ذلك في شيء.

ولكن وقياساً بسطحية قنوات الفن تلك وتدني برامجها واقتصار من يتصل بها على طلب إهداء أغنية أو تقديم التحية لمذيعة مع ما يصاحب ذلك من استغلال يسيء للوطن فإنني أتمنى أن يكون لدى الاتصالات القدرة على حجب الاتصال بتلك القنوات فور إعلان رقم الاتصال وأرى أنه أهم كثيراً من حجب مواقع على الشبكة العنكبوتية وربما يكون أسهل تقنياً خصوصاً أن تصفح موقع هابط يسيء للفرد المتصفح فقط أما الاتصال الهابط بقناة هابطة وترديد ألفاظ بذيئة تحت عنوان “اتصال من السعودية” يسيء لنا جميعاً وهو في نظري أجدر بالحجب!!

القصيم للسعودة أحلى

هذا العام قررتُ أن تكون سياحتي داخلية كالعادة ولكن هذه المرة قريبة جداً، في المنطقة الوسطى وتحديداً بين سدير والقصيم.

قد تكون شهادتي في سدير وخاصة مدينة جلاجل مجروحة عند البعض لاعتبارات المنشأ أو مسقط رأس الأب والأجداد، لكن القصيم شأنها شأن كل شبر في هذا الوطن لا تبعد عن قلبي أكثر من جلاجل فالقصيم كانت ولازالت قادرة على كسب القلوب أرضاً ورجالاً.

على أي حال أيا كان الشاهد أنا أو غيري فلا خلاف على أن نظافة جلاجل ملفتة للنظر بمثل نقاء هوائها وهدوئها ولعل الجامع الجديد بمئذنته المتميزة التي تصور مئذنة الطين القديمة التي أصابنا الحزن كثيراً على هدمها كإجراء احترازي محزن، ذلك الجامع المتميز الجديد هو ثمرة جهود وتكاتف الأهالي ورئيس المركز وأهل الخير حيث تعمل اللجان بنشاط ملحوظ ينبئ بمستقبل زاهر وتطور سريع نرجو أن يجد الدعم المعتاد.

في الطريق إلى حوطة سدير تمر بالتويم وهو توأم لجلاجل تستشعر بمجرد المرور عليه صفات الجد والكرم والالتزام وفي الروضة تشعر أنك تدور داخل لوحة بالغة الجمال فالروضة فتاة تعرف كيف تتجمل وترتدي الحلل. حوطة سدير مدينة تعج بالنشاط والحيوية وتوفر الخدمات وهي قلب نابض قريب من كل جسد سدير وأستغرب كثيراً لماذا لا تكون حوطة سدير محافظة فهي أكبر من أن تبقى مركزاً؟!!

لنعد إلى صلب الموضوع أو صلب العنوان ألا وهو القصيم، في القصيم قضيت نصف الإجازة متنقلاً بين محافظات متقاربة لكل منها طابعه الخاص ولا أعتقد أن القصيم في حاجة إلى أن أصفه تفصيلياً لكن الملفت للنظر هم أهل القصيم، شباب القصيم وشيّابهم، انهم في نظري الأجدر بتوطين الوظائف. أقولها شهادة حق أن الوظائف يجب أن تذهب “للقصمان” في ديارهم لا أن يخرجوا هم بحثاً عنها!!

لأول مرة أرى سعودة حقيقية لكل فئات الوظائف، ليس لأن السعودة نشطة في القصيم ولكن لأن شباب القصيم جادون في الحصول على العمل “هذا تفسير شخصي”، في بعض المدن الرئيسية في كل أنحاء المملكة تبحث الصحف عن السعودي الذي يعمل في مطعم وجبات سريعة لتجري حواراً معه لندرته، بينما في القصيم يكاد أن يكون الآسيوي هو النادر في المطاعم!! لم أجد ألذّ من الأكل في مطعم يعمل به شباب سعوديون، حتى الطلب له نكهة خاصة ممتعة، كنت أقول: هامبرجر دجاج بالحبحر بدلاً من (سبايسي شيكن) من فرط الفرحة لأن شباباً يعمل في المطاعم سيقبل العمل في التمريض والمختبرات والورش والمصانع.

في ملاهي القصيم لا يكتفي الشباب بالعمل في الإشراف أو الإدارة مثلما يحدث في مناطق أخرى حيث يتسكع السعوديون إداريون فقط!! في القصيم يندر أن تجد لعبة يشغلها عامل آسيوي أو غير سعودي. دخلت ملاهي “دريم لاند” العائلية في عنيزة فوجدت أنها تجربة فريدة في المنطقة الوسطى جديرة بالتعميم ولا أدري لماذا لا تعمم؟!!

نحن مجتمع برز منا أطباء وصيادلة ومهندسون لكننا نبقى شغوفين دائماً بسماع اللهجة المحلية في الأعمال الأخرى لأننا نفتقدها رغم حاجة شبابنا لها وهذا الشغف الشديد أشبعته في القصيم حيث كانت كلمات “خلوه يلعب” أو “ركبوه بالقارب” تطربني كثيراً لأنها تعزف ألحان الجد والثقة بالنفس والوعي، كان ذلك في الملاهي أما في الورش والمطاعم والمصانع وأماكن البيع فإن الظاهرة الإيجابية الملفتة للنظر والمتمثلة في إقبال الشباب على العمل أعم وأشمل.

ان من الإجحاف ألا يكون في القصيم سوى شركة صناعية كبرى واحدة هي الدوائية ولا أجد عذراً لهذه الشركة وغيرها إن لم تسعود جميع فئات الوظائف.

قد يقول قائل إنك رأيت من يعملون في العطلة الصيفية فقط وهذا قول في صالح ما أدعو إليه فشباب يقضي الاجازة في مثل هذه الأعمال جدير بأن ترحل له الوظائف الدائمة فنحن هنا يهمنا الوعي والقبول بأداء نوعية من الأعمال وليس توقيت الوظيفة كما أن معظم من قابلتهم يعملون بصفة دائمة أو ليس لديهم الممانعة في الانخراط في هذه الأعمال.

إن القصيم وقياساً بالكثافة السكانية والوعي والجدية والرغبة في العمل مع الحرص الشديد على البقاء في المنطقة جدير بأن يكون المكان الأمثل للسعودة وان يحتضن المصانع والشركات الكبرى ويجب أن تخضع الشركات والمصانع المقامة فيه برقابة أكبر على التجاوب مع السعودة لأن عذر عدم الاقبال على الوظائف مرفوض جملة وتفصيلاً في منطقة أهلها بمثل وعي وحماس وجدية أهل القصيم وقد تتوفر هذه الخصائص في منطقة لم أتشرف بالبقاء فيها بنفس المدة. أرجو أن تكون كل مناطقنا قصيم.