الشهر: أبريل 2003

سريّتنا المستباحة

كتبتُ منذ عدة سنوات عما يحدث- ولو نادراً- من تسريب بعض صغار الموظفين لمعلومات تفصيلية عن المتعاملين معهم عندما تطلب عن طريق شخص تربطهم به علاقة صداقة وثقة، وهو أمر يتنافى مع ضرورة حفظ سرية المعلومات الشخصية التي تقدم بناء على طلب جهة خدمية تعتبر بالنسبة للجهة ضرورية لكن حفظها يعتبر أكثر ضرورية.
في ذلك الوقت استشهدت بالهاتف السعودي “آنذاك” كونه من أولى المنشآت الخدمية التي أدخلت الحاسب الآلي وسهلت ادخال المعلومات وسهل مع الزمن إخراجها.

أما اليوم فإن الحاسب الآلي أصبح شبه معمم على جميع الجهات والإدارات وأصبحت المعلومات التفصيلية، ذات الخصوصية، أكثر تواجداً في الحاسبات والوصول إليها عن طريق موظف عادي أصبح هو الآخر أكثر سهولة ويسراً.

أيضاً يفترض ألا نظلم أنفسنا ويجب أن نؤكد أن مفاهيم إنسانية كثيرة أصبحت راسخة في أذهاننا بحكم الوعي بحقوق الإنسان وحقوق الحريات الشخصية وحق حفظ المعلومات سرية قدر الامكان وأصبحت المطالبات بالحقوق الفردية أكثر إلحاحاً بناءً على تنامي الوعي العام بحق الفرد!!

ما بقي هو ضرورة ترسيخ مفاهيم حفظ الحقوق والمعلومات الشخصية في شكل قوانين صارمة وعقوبات محددة ومشددة ومعلنة على كل من تسوّل له نفسه تسريب معلومات يفترض انه اطلع عليها بحكم عمله ولا يحق له تسريبها لكائن من كان غير الجهة التي يعمل بها والتي حصلت على المعلومات بتفويض شخصي من صاحبها الذي يفترض الكثير من الثقة.

لابد من تحديث نظم عقوبات تسريب المعلومات، إن كانت موجودة أصلاً، وتفعيلها بما يتواكب مع التطور الكبير في مجال توفر المعلومة وسهولة الحصول عليها بطريقة آلية.

لم يعد الهاتف هو مرجع المعلومات التفصيلية، فقد أصبحت بمجرد معرفة رقم لوحة السيارة قادراً عن طريق أصغر موظف في المرور الوصول لمعلومات هامة عن مالكها، ونفس الشيء ينطبق على الرقم الطبي في المستشفيات ورقم بطاقة الأحوال والرقم العسكري والمعاملات في هيئة التحقيق والادعاء العام بل والحسابات البنكية.. كل تلك نوافذ يسهل اختراقها إذا وجدت علاقة أو مجرد معرفة بموظف مستهتر وضمير مستتر.

الخصوصية مطلب لكل المجتمعات حتى تلك المجتمعات الإباحية ومجتمعنا يتميز بحساسية أكبر للخصوصية في مجال المعلومات الشخصية والأسرية (إلى وقت قريب جداً كنت لا تأمن لكمة خطافية إذا قلت لشخص ما اسم أمك؟!) فما بالك بمعلومات أكثر تفصيلاً عن الأسرة أو أرقام الهاتف والجوالات خاصة النسائي منها وعن الرصيد وعنوان المنزل ناهيك عما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية والصحية والقضايا وتفاصيل التحقيق وخلافه من معلومات نحن الأكثر حرصاً على سريتها ويفترض أن نكون الأكثر تفعيلاً لضمان هذه السرية والأكثر تفاعلاً في شكل عقوبات صارمة على من يسربها!!

لقد كان لي شرف اقتراح ربط الرقم الطبي برقم بطاقة الأحوال تلافياً لازدواجية الملفات الطبية في أكثر من مستشفى لنفس الشخص وهو اقتراح درس لكنه وحسب تعقيب سابق منذ حوالي سنتين لمدير الخدمات الطبية بالأمن العام د. محمد مفتي أحيل إليهم للدراسة ويبدو أنه ينتظر دوراً يطول فلجانهم كثيرة أعانهم الله وبرغم حسرتي على تأخر مثل هذا المشروع الوطني الهام إلا أنني أرجو ألا يرى النور إلا بعد أن نفعل ترسيخ مفهوم الالتزام بسرية المعلومات لأن المعلومات ستكون أكثر وأكبر والوصول لها سيكون أسهل.

تجربة الصحة متى توقظ المعارف؟!

القياس مطلوب رغم اختلاف التخصص إذا كانت الحيثيات والبيئة والمعطيات واحدة، وعلى هذا الأساس يجوز لنا أن نقيس المدارس الأهلية بالمستوصفات الأهلية.

إذا كان تكثيف الرقابة في المجال الصحي قد كشف عن ممارسات لا أخلاقية كثيرة تتنوع من توظيف سباك على وظيفة طبيب وممارسته العمل إلى إجراء عمليات غير مرخص لها أصلاً “توليد، إجهاض، تنظيف خزانات بشرية.. إلخ” فإن غياب الرقابة على المدارس الأهلية هو السر في عدم الكشف عن سباك يعمل معلماً أو تغيير نتائج أو تسريب أسئلة وإعطاء دروس خصوصية وممارسة تعذيب جسدي لأطفال لا حول لهم ولا قوة من قبل عناصر تم التعاقد معهم كمعلمين من خارج الوطن وبالتحديد من مجتمعات تعاني من ضغوط واضطهاد وعقد نفسية وتتعمد تفريغ تلك الضغوط والعقد في فلذات أكبادنا!! مع كامل تقديرنا واحترامنا للمعلم المتزن الذي يعمل محترماً أخلاقيات مهنته، لكن الأمر الذي يحدد النسبة والتناسب هو أمر الرقابة المعدومة في المجال التعليمي إذا ما قورن بانتفاضة الرقابة الصحية حسب نشاط مدير الشؤون الصحية في منطقة محددة!!

ثمة عنصر آخر هام يصب في مصلحة الصحة ويؤكد مزيداً من افتقار التعليم لعنصر اكتشاف الممارسات الخاطئة ألا وهو عنصر نوعية متلقي الخدمة ففي حالة الصحة فإن التعامل يتم مع أب أو أم أو شخص بالغ عاقل يستطيع (إذا أراد) أن يشتكي ويفضح الممارسات الخاطئة بينما في وضع التعليم خاصة في المراحل الأولية فإن الضحية هو طفل أو طفلة لا يجرؤ على الشكوى بل لا يستطيع التفريق بين ما هو نظامي وما هو ممارسة خاطئة!! قد يعتقد طالب صغير أن ضرب رأسه في الحائط بعنف هو من صلاحيات المعلم!! وقد يعتقد آخر أن ضرب عينه بقطعة خرطوم “ليّ” جزء من العملية التربوية!! وربما اعتقد ثالث أن ضرب أنفه في حافة الطاولة أثناء تركيعه لإخراج الكراسة يأتي بناء على طلب الوزير!!”.

صحيح أن وزارة المعارف تعيّن مدير المدرسة من المواطنين لكن ضعف الشخصية مع غياب الرقابة الخارجية وعدم قدرة الضحية على الشكوى واقتصار توظيف المعلمين على عناصر غير وطنية زهيدة الأجر ومتدنية التأهيل ومن مجتمعات تعاني عقداً نفسية يجعلها تمارس رد ما تعرضت له من تعذيب واضطهاد في صورة قسوة على أطفالنا كل هذه العناصر تجعل وظيفة المدير لا تمنع الممارسات الخاطئة وتؤكد أن فلذات أكبادنا أثناء تواجدهم في المدارس الأهلية لا يتمتعون بحماية الوزارة بكل أسف!!

قد أكون ركزت على العنف لكن الممارسات الخاطئة كثيرة ولا يمكن أن يتم تقليصها دون دخول العنصر الوطني في ميدان الممارسة وليس خلف المكاتب فتجربة المستشفيات والمدارس الحكومية أثبتت أن المهازل تخرج بمجرد دخول العنصر الوطني إلى عمق المعمعة وهذا جانب هام يؤكد أن أهداف “السعودة” لا تقف عند حد توفير الوظائف وتقليص البطالة بل تتعداها إلى فرض رقابة ذاتية من الداخل. وحقيقة أقف مثل كثيرين غيري مندهشاً لعجز وزارة المعارف عن فرض توظيف المعلمين والمشرفين والوكلاء على المدارس الأهلية والتعامل بمنتهى الحنية والهشاشة والمجاملة لملاك المدارس إلى درجة المشاركة في راتب المعلم الوطني وكأن كل هذا الكم الهائل من المدارس الأهلية لا تحقق ربحاً!! بينما الواقع يبدو “والله أعلم” أن الملاك والمراقبين هم وجهان لعملة واحدة!! نسأل الله أن يكون الفرج قريبا!!

أسماء الناجحين

علاقة جيلنا والجيل الذي سبقنا بسنوات قليلة مع شغف انتظار إعلان الأسماء قديمة وجميلة وذات ذكريات ومدلولات أكثرها إيجابي ويصب في ميزان تميز ذلك الجيل عن الجيل الجديد من شباب الخدم والحشم والسائقين والهمبرجر والتفحيط.

جيلنا عايش انتظار أسماء النجاح في جل مراحل حياته ان لم يكن كل تلك المراحل.

كنا ننتظر إعلان أسماء الناجحين عبر جهاز المذياع في جميع مراحل الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية. “الراديو” كان مكانه ثابتاً في المنزل قرب مصدر الكهرباء وكأنه مستقبل القنوات الفضائية “الرسيفر” اليوم، وكنا نعلن حالة التسمر أمامه بمجرد مرور أسبوع على انتهاء الامتحانات وكان المذياع وحده هو من يعلن حالة الفرح والسرور أو حالة الإحباط والذهول في نواحي المنزل الصغير.

في المرحلة الثانوية بدأت الصحف تنافس المذياع وتنشر اسماء الناجحين، لكننا لم نكن ننتظر طلوع شمس صباح النشر، كنا نريد تلقي خبر الفوز قبل نشره وأنه لا يوجد هواتف متعددة للجريدة ولا تحويلات يرد عليها أهل الفزعة مثلما هو الآن فقد كنا ننصب الكمين لمراسل الجريدة القادم من مقر لجنة الامتحانات.

أذكر أننا طلاب ثانوية الرياض نصبنا كميناً لمراسل جارتنا في المرقب جريدة “الرياض” بينما كان يعود على دباب “سراطوقه أحمر” وهجمنا على أوراقه بعد طمأنته بأن كل ما سنأخذه مجرد نتيجة ثانوية الرياض وسنعيدها سليمة وفعلاً لم نمزق أو نخرب او نحنث بوعدنا، حتى من رسب لم يمارس عملاً انتقامياً بتقطيع الورق “هذا اعتراف قد تقاضينا به الجريدة التي أعمل فيها وأعتز بها ولكن أرجو ألا يطلب مني إحضار الرفاق لأن عهودنا نرعاها!!”.

جيلنا كما قلت استمر في معايشة انتظار إعلان الأسماء في كل مراحل حياته، كنا ننتدب من قبل آبائنا لصندوق التنمية العقاري ننتظر إعلان الأسماء ثم نحضر “فجرا” لمكتب شرطة الاسمنت بشارع الخزان ننتظر صدور الأسماء وحتى الآن لا أدري لماذا فجراً، كنا ننوب عن الأب في كثير من المراجعات خلاف جيل اليوم الذي أصبح فيه السائق هو الابن البار للوالد، يحجز حتى مواعيده في المستشفى ويرافقه ويعتني به.

جيلنا توقفت به نشوة انتظار إعلان الأسماء مع دخول الجامعة فلم تكن هناك أزمة قبول لا في الكليات العلمية ولا العسكرية.

الجيل الذي سبقنا بسنوات قليلة استمر معه شغف انتظار الأسماء ولكنها أسماء إعلان حصاد جهد العمر وعلاقاته، أسماء التشرف بحقيبة وزارية أو شورى أو منصب آخر مرموق.

الفرق بين نجاح الدراسة ونجاح المنصب هو في العلاقة مع الصحف والنشر ففي أمر الدراسة كان النشر يأتي بعد النجاح أما في الأخير فإن النشر يكون قبل دخول الامتحان ظناً أنه من سبل النجاح.

فساد طبي

إذا كان الفساد الاداري يمارس في الخفاء ومع أكبر قدر من التكتم، بحيث لا يعرفه إلا من يسعى حثيثاً إلى كشفه ويدس أنفه في ثنايا تعاملات المجتمع ليعرف أن مشروعاً وهمياً رسي على شركة أبناء المسئول أو أن المتعهد الفلاني ما هو إلا الوجه الآخر للمدير أو ظل الوزير أو ثوب وكيل الوزارة.

وإذا كان الفساد الاداري يشمل الأمور الطبية بصورة خفية أيضاً لا يعرفها إلا عدد من صغار الموظفين الموالين للمدير كأن تؤثث مستوصفات مسئول الخدمات بأجهزة طبية تخص المستشفى الحكومي على أساس ان من “أمن” العقوبة “عام” فساداً.

فإن الدولة سدد الله خطاها رسمت وتنفذ استراتيجية جادة وحثيثة لمحاربة الفساد الاداري تبناها صاحب السمو الملكي ولي العهد مثلما تبنى محاربة الفقر وتحدث عنها صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز في أكثر من مؤتمر صحفي بما يطمئن ان البقاء سيكون للأصلح وأن الممارسات غير المشروعة مهما خفيت سوف تنجلي.

هذا فيما يخص الفساد الخفي في المجالات الادارية المختلفة ومنها الادارة الطبية.

ثمة فساد طبي معلن مسئوليته تقع على وزارة الصحة لكنها لا تعيرها أدنى اهتمام، لذا فقد استشرى حتى أصبح يمارس على صفحات الصحف دون حياء ولا خوف على أساس أن من “أمن” العقوبة “أساء” الأدب.

الدعاية للأدوية عبر وسائل الإعلام ممنوعة نصاً وأخلاقاً في أسس أخلاقيات مهنة الصيدلة، ومع ذلك تتنافس المصانع الدوائية المحلية للأسف في ممارسة هذه الدعاية عبر قنوات الفضاء والصحف بطرق مباشرة. وقد قبلنا ذلك على أساس انه إذا غابت الوزارة إلعب يا تاجر.

الآن لننظر كيف وصل التمادي حداً يسيء للوطن ودراساته واحصاءاته وحماية مرضاه من التمادي في الفساد الطبي:

يريد طبيب أمراض الذكورة والعقم في أحد المستشفيات الأهلية أن ينشط مبيعات “الدواء” ،وأن يبالغ في إثبات ولائه للشركة المنتجة والوكيل فيقوم بنشر تصريح صحفي مخادع في احدى الصحف على انه خبر مدعياً أن زيادة الاصابة بمرض السكر في المملكة أدت إلى زيادة الحاجة إلى عقار الضعف الجنسي محدداً “النوع” موهماً جميع مرضى السكر بأنه يؤدي إلى ضعف جنسي “دون أن يحدد أي مراحل المرض ومتى؟ وكيف؟ لأنه يعلم أن النسبة قليلة!!” ثم يدّعي بأن المملكة العربية السعودية من أكثر الدول إصابة بهذا الداء، ولذلك تأتي الحاجة إلى عقار الضعف الجنسي في “المقام الأول” وأن الانتصاب من “أبرز” المشاكل التي يخلفها هذا المرض ثم يهيم في مديح للعقار بجمل تنم عن استهتار وعدم إكتراث بالانطباع الذي سيأخذه عنه زملاؤه كونه تحول إلى مندوب دعاية للعقار وكأنه شريك في المبيعات ولعله كذلك. ويختم تلك “الوقاحة الطبية” بالقول أن الفياجرا يعمل على إلتئام الخلل الذي يمكن أن يحدث داخل الأسرة!!

هذا الفساد الطبي المعلن من سيوقفه إذا لم توقفه وزارة الصحة التي تعلم ما لا تعلمه الوسيلة التي نشرته وهو أن مراحل السكري التي تشتمل على ضعف الانتصاب محدودة، وليس كل السكري وأن الدواء ليس مأموناً كما ذكر وان الاحصاءات التي أوردها عن المملكة لا تستند إلى مرجعية غير التغرير بمرضى السكر في المملكة وإيهامهم انه لن يتحقق لهم إلتئام أسري بدون هذا العقار، في حين أن الواقع انه لن يسافر مع أسرته إلى جنيف على حساب شركة ما لم يتحول إلى مندوب دعاية!!

أما وقد اقترب (سارس)

أنصح بأن لا نجازف بالاعتماد على الوكالة المساعدة للطب الوقائي بوزارة الصحة في تولي أمر الاحتياط والوقاية من عبور فيروس الالتهاب الرئوي (سارس) إلى بلدنا الحبيب، لأن الموضوع أكبر وأخطر من أن نجازف فيه بالاعتماد على وكالة مساعدة تجتهد اجتهاد المقل وتحاول محاولة غير المؤهل وامكاناتها الفنية والبشرية والمعلوماتية لا تؤهلها للتعامل بالقدر المطلوب والجدية الضرورية مع مرض ينتشر بمثل سرعة وخطورة وتعقيد هذا الفيروس الخطير.

الأولى أن تتكاتف الجهات الصحية في القطاعات المختلفة كالحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران والجامعات والأمن العام بل وحتى المستشفيات المتقدمة في القطاع الخاص، وتعمل بشكل جماعي مع وزارة الصحة لرسم استراتيجية وطنية محكمة للاستعداد لهذا الوباء الخطير بكل الوسائل الممكنة (غير النفي أو التجاهل أو المكابرة) لأن هذه العناصر هي الوسط المناسب لانتشار المرض!!

وتلافيا للهيمنة المكتسبة للعناصر الأقل تأهيلا فإن تشكيل هيئة وطنية للطب الوقائي بات مطلبا ملحا وعاجلا طالما ان وزارة الصحة لا تنوي، أو ربما لا تستطيع في الوقت الحاضر، تغيير دم الطب الوقائي بحقن دماء شابة، مؤهلة ومواكبة للمتغيرات في مجال محاربة انتشار الأمراض المعدية والوبائية، رغم حماس واخلاص معالي الوزير!!

الفيروس يقترب بسرعة فائٍقة ولا يفصلنا عنه سوى المسافة الزمنية بين اقلاع وهبوط طائرة من أي دولة اعترفت باكتشاف المرض لذا فان هذه الهيئة يجب أن تشكل سريعا وان يتم اختيار رئيسها وأعضائها بواقعية وموضوعية وأن تمنح صلاحية واسعة لفرض الاحتياطات المطلوبة ويخول لها أمر النطق الرسمي في هذا الخصوص ورسم استراتيجية التوعية والارشاد والوقاية وتفعيلها مباشرة!

إن هذا الوباء الفيروسي ليس حمى مالطية أو قلاعية أو ملاريا أو حمى واد متصدع وأقصد أنه لا يمنح وقت يسمح بالمجاملة وتطبيق بنود البيروقراطية والنقاش المتشنج حول (هذه صلاحياتي وتلك حدودك)! وهو ما يحدث في اجتماعات اللجان المشتركة في الطب الوقائي حيث اعداد وتعديل واعادة تعديل محضر واحد أكثر من شهرين ثم يخرج حسب هوى الوكالة المساعدة!! (يحتاج سارس لينتشر في مئة شخص زمنا اقل مما تستغرقه طباعة محضر!!)

إن لنا في تجربة الحمى المالطية المستعصية أوضح مثال، فالطب الوقائي بوزارة الصحة من الطراز الاداري الذي يصعب عليه القبول بحقيقة عدد حالات المرض أو تفاقم الخطر بل ويستحيل عليه قبول الرأي الآخر لأنه يري في ذلك اعترافا بالتقصير فيتخذ موقف المدافع ضد كل احصائية أو دراسة تؤكد ازدياد عدد الحالات وتسارع انتشار المرض بينما يري الباحثون المتخصصون في مجال الطب الوقائي أو الأمراض المعدية أن الواقع يختلف كثيرا عما يمكن للطب الوقائي بوزارة الصحة قبوله أو الاعتراف به بناء على نظرة، لا أقول متفائلة، ولكن تخشى الاعتراف بالواقع وتفضل دس الرأس في الرمل على مواجهة الحقائق والأرقام.

إن بلادنا تزخر ولله الحمد والمنة بالكفاءات المؤهلة تأهيلا عاليا في تخصص الأمراض المعدية والوبائية ويتواجد في مستشفياتها المتقدمة أطباء ممارسون لم تشغلهم المناصب الادارية عن متابعة مستجدات التخصص وهؤلاء وأن كانوا بقوا في معزل عن صنع القرار في مجال السياسة الوقائية لأن الوكالة المساعدة تريد أن تستفرد بالقرار دون قدرة، فان الوقت والظرف الحالي لا يسمح بمزيد من تجاهل تلك الخبرات الوطنية ويحتم الرجوع اليهم ومنحهم فرصة انقاذ ما يمكن انقاذه قبل وقوع مزيد من الفؤوس في الرأس!! فالعالم اليوم يخوض حربا ضروسا مع فيروس يسابق عقارب الساعة وفي وقت الحرب لا بد من تجنيد كافة الامكانات واعلان حالة تأهب قصوى لا ينفع فيها الا صاحب علم نافع وفكر ناضج وقرار نافذ وتحرك سريع.

وعطوان لماذا اختفى؟!

دروس كثيرة يفترض أن نستفيد منها كشعوب عربية مما حدث قبل وأثناء وبعد غزو العراق.

ودروس أكثر يجدر بالحكومات في العالم الثالث الاستفادة منها وأظنها سوف تستلهم العبر شاءت أم أبت ويكفي درس ضرورة مد جسور حب ورضى الشعب كعنصر هام للبقاء وليس العكس.

الدروس كثيرة والموضوع طويل وأرى أن أركز على واحد من الدروس الهامة لنا كمتلقين أو متلقفين للإعلام العربي الفضائي.

ألا تلاحظون أن ظاهرة الاختفاء لم تقتصر على رئيس وأعضاء القيادة العراقية؟! بل شملت ضيوف القنوات الفضائية المؤيدين للنظام مثل عبدالباري عطوان وغيره، أين من نصبتهم بعض القنوات الفضائية خاصة قناة الجزيرة خبراء في كل شيء، خبراء في السياسة وخبراء في الشئون العسكرية وخبراء في الشأن العراقي فكان صراخهم وتنظيرهم ومحاولاتهم المستميتة لإقناع الناس بأن أي مبادرة لتلافي الدخول في الحرب تمثل رأياً جباناً يستخف بقدرات القيادة العراقية.

أين هؤلاء بعد أن سقطت بغداد بين عشية وضحاها وخرج المكابرون إما عن العراق أو الدنيا ولكن بعد خراب بصرة بل العراق كله؟!

أنا لا أقول لماذا أخطأوا أو أفرطوا في الثقة بالنظام العراقي ولكن لماذا يختفون فجأة لمجرد أن رأيهم جانبه الصواب؟!

السبب واضح لا يحتاج لكثير ذكاء ولكن هل نستفيد مستقبلاً من هذا الوضوح المدعم بمثال حي.

السبب أن هؤلاء هم مجرد أدوات وحديثهم أحادي الاتجاه ليس جدلاً أو حواراً يحاول الوصول إلى حقيقة ولكن محاولة دائمة للوصول إلى غاية واحدة تبرر الوسيلة وتستخدم عدة وسائل ومناسبات ولذلك فإنه ما أن تنتهي الوسيلة يختفون بانتظار مناسبة أخرى.

من يتوفر لديه رأي وفكر وخبرة يمكن أن تفيد فإنه لا يختفي لمجرد أن توقعه جانبه الصواب، بل يتواجد ويوضح كيف سارت الأحداث خلاف ما كان يتوقع. ولعلي بكل هذه الحيثيات أحاول الوصول إلى الدعوة لوضع حد للتأثر بمثل هذه الآراء والاستفادة مما حدث في معرفة أهداف أصحابها وعدم الانجراف مع أحاديثهم مهما بلغت من ادعاء الحماس تمثيلاً وتصنعاً. كما أن على القنوات العربية التي أثبتت قدراً كبيراً من المهنية على مستوى تغطية المراسلين أن تحاول تحقيق نفس القدر على مستوى الضيوف.

شخصياً لا أُؤيد شن حملة نقد على شخص بعينه لأنها تعطيه أكبر من حجمه ولذلك فلم أكتب مطلقاً عن عبدالباري عطوان مثلاً، لكنني أرى أنه مثال جيد لمن أقصدهم هنا فأين عبدالباري عطوان في قناة الجزيرة منذ أن أُسقط تمثال صدام وحتى اليوم؟! لماذا اختفى هو الآخر ولم يخرج ليبرر خطأ حساباته عندما شن حرباً بذيئة على كل من يدعو لحقن الدماء بمجرد اقتراح توفير ملاذ آمن لصدام وتنازله عن السلطة معتبراً أنه يعرف العراق ويعرف نظامه ويجزم أن الحرب ستطول وأن صدام سينتصر؟! عطوان لم يبق منه ولا “عطو” واحد.

أعتقد أنه اختفى لأن دوره أنتهى بسقوط النظام فلم يكن يعبر عن وجهة نظر أو يطرح رأياً قابلاً للجدل بل يستغل مناسبة لمداعبة مشاعرحتى لو كانت ضد قناعاته.

في المقابل لابد من إنصاف الدكتور ظافر العاني فهو الوحيد الذي كان متحمساً ومتفائلاً بقوة العراق قبل الحرب وبقي يحلل أسباب سقوط بغداد وكيف حدث بطريقة خالفت توقعاته معبراً عن ألمه في أن يظهر على الشاشة وخلفه حاملة جنود أمريكية.

لماذا اختفى عبدالباري وبقي ظافر العاني؟! أمر يتعلق بالفرق بين الزبد وما ينفع الناس!! أما نحن فيجب أن نستفيد من تجربة العراق أشياء كثيرة منها أن لا ننساق وراء رجل مناسبات لا يلبث أن يختفي!!

مجلس المحافظة يحتكر الهواء!!

يبدو ان بعض المحافظات لم تستوعب الأهداف الوطنية الحكيمة من نظام المحافظات وتعتقد خطأً ان تبعية عدد من المراكز للمحافظة معناه أن تبقى هذه المراكز دون تطوير وأن تستحوذ المدينة مقر المحافظة على كل الخدمات والمؤسسات الحكومية بصرف النظر عن المصلحة العامة وكثافة شريحة السكان المستهدفة بالخدمة.

هذا المفهوم الخاطئ يعاني منه ممثلو المدن المصنفة كمراكز عند انعقاد اجتماعات مجلس المحافظة، فكل جهود رؤساء المراكز ونشطاء أبناء المدينة المصنفة كمركز في مراجعاتهم ومطالباتهم بل وأحياناً تبرعاتهم لوضع نواة لخدمة و مؤسسة حكومية تصطدم بعقبة تحيز رؤساء الدوائر في المحافظة أو بعض النافذين فيها للمدينة المصنفة كمحافظة وإصرارهم على أن المشاريع والمؤسسات التعليمية والصحية والخدمية الأخرى هي حكر على مدينتهم، أما بقية المراكز فيجب أن تبقى كما هي تابعة لمقر المحافظة ليس إدارياً وحسب بل في كل المتطلبات الأساسية للسكان والأنشطة الضرورية والترويحية، فلو أمكن لبعض المتعصبين أن يتركز الهواء في مقر المحافظة ويقصده سكان المراكز الأخرى للتنفس ثم العودة فإنه لن يتردد في معارضة انتشار الهواء!!

المحافظ نفسه حتى وإن كان محايداً وواعياً بدوره وواجبه في العمل على تطوير كافة المراكز التابعة له ووضع المنشأة في المكان الأكثر مناسبة حسب توسطه في الموقع الجغرافي أو حسب عدد الشريحة السكانية المستهدفة ، فإنه يصطدم بمعارضة غير مبررة وغير منطقية ممن يشكلون قوة عددية في المجلس ويستغلون موقعهم كرؤساء فروع للوزارات فيعارضون كل مشروع تحتم الحاجة الفعلية والجدوى إنشاءه خارج مقر المحافظة.

إنهم يتجاهلون أن تطوير جميع المراكز التابعة للمحافظة هي مسؤولية أساسية للمحافظة ككل ، وان سكان تلك المراكز دون تمييز هم أمانة في أعناق المحافظ وأعضاء المجلس بصرف النظر عن المسافة التي تفصلهم عنه، وأن تركيز مواقع الخدمات الأساسية في مدينة واحدة بعيدة عن كل المراكز وغير متوسطة الموقع لمجرد أنها صنفت محافظة فيه تعريض سكان بقية المراكز لأخطار التوجه يومياً لمدينة بعيدة عن الكل وفيه دعوة لنزوح السكان والانتقال للسكن في مدينة المقر وشل بقية المراكز وإنهاء كل الآمال في تطورها وتحولها في وقت قصير إلى محافظة ، ولعل هذا ما يخشاه بعض المتعصبين ممن ينظرون إلى الوطن بعين القرية ومسقط الرأس.

اننا في أمس الحاجة للالتفات إلى معاناة ممثصلي المراكز في مجالس المحافظات وإلى حساب ألف حساب لتمحيص تقارير تحديد مواقع الخدمات والتأكد من عدم تأثرها بعنصر التعصب للمدينة الواحدة والخدمات المركزية وإلا فإن علينا أن نعيد النظر في عملية اختيار المحافظة نفسها لتكون في موقع متوسط بين المراكز التابعة لها لا أن يكون التصنيف مبنياً على مساحة المدينة أو عدد الخدمات الحالية أو نفوذ بعض أبنائها لأن الوطن هو الأهم من كل هؤلاء.

المواجهة المعكوسة

في قانون الملاحة الجوية لا يحق لقائد الطائرة مغادرتها مهما كان الخطر المحدق به الا بعد مغادرة آخر راكب، والشيء نفسه ينطبق على قبطان السفينة، فعند حدوث كارثة لا يحق له ترك السفينة إلا مع آخر راكب!!

في سفينة السياسة وتحديدا في قاموس الأنظمة الدكتاتورية المستبدة فإن القبطان يهم بالهروب اثناء انشغال العدو بقتل ركاب السفينة ويختفي اثره عندما يصبح الجميع اثرا بعد عين!

الصورة تكررت كثيرا وفي حروب عدة كان فيها الشعب يقاتل فداء لكرامة قائد ما يلبث ان يختفي!! واحدثها ما حدث في العراق تاركا العديد من علامات الاستفهام في ذهن كل عربي ومسلم!

طالما أن رئيس النظام واعوانه أكثر الناس معرفة بقدرة قواتهم على الصمود أو الانهيار السريع فلماذا تم الزج ببلد وشعب وسيادة وحضارة بأنانية مفرطة من أجل تجهيز أجواء مناسبة للاختفاء وسط أمواج الدم!؟

نعم لعدم الرضوخ للطرف المعتدي المستبد حتى وإن كان الأقوى لتصبح قدوة لغيرك ويصبح عبرة لغيره هذا اذا كانت النية هي النصر أو الكفاح حتى الاستشهاد على ثرى الوطن بكبرياء وعزة وعدم الهروب بذل وهوان، اما وقد كانت النية مبيتة للهروب بناء على علم بعدم القدرة على الصمود فان الخروج قبل اعطاء الفرصة للعدوان ولو بتمثيلية وطنية توهم بأن الخروج بناء على رغبة الشعب كان سيعد أكثر حكمة وأكثر عزة من الهرب اثناء ذروة المعركة بعد التضحية بآلاف أجساد الرفاق من أجل أن تشتعل لتحدث ضوءا شديدا يبهر نظر العدو ليساعد القبطان على الاختفاء.. يالها من أنانية توهم بالتضحية وجبن يوهم بالشجاعة!

النصر الذي يزهو به بوش وبلير اليوم كان من الممكن أن يصبح هزيمة قاسية لو نزع فتيل الحرب ولجمت شهوة القتل بالتنحي المبكر طالما ان التنحي سيحدث وذلك وان كان انهزاماً للارادة لكنه لا يمكن أن يقارن بهزيمة الفرار من الوغى وخذلان الشعب والأمة.

السؤال الآخر المحير هو لماذا نحن العرب شغوفون بالانتقام من الجماد؟! لماذا نحب أن نفرغ جام الغضب على الصورة الجامدة أو التمثال الاسمنتي أو علم من قماش؟! هل تلك عقدة نفسية مثلما يقضم الطفل المعقد اظافرة؟! تلك سيكولوجية عربية تجدر دراستها وسيكون نشر نتائجها ممتعا وذا فائدة للمستقبل.

يكبت الشعب من قبل الديكتاتور سنوات ويجامل ويهان ويسكت ثم يكفيه لتفريغ كل ذلك الضغط المتراكم ضرب صورة او كسر تمثال أو حرق علم!! لا بل ويرافق ذلك احتفالية انتصار كبيرة مع ان ما تحقق لا يعدو كونه اشباع عاطفة والتنفيس عن كبت، لكن ثمة فرق كبير بين منطق العقل ومنطق العاطفة فمنطق العقل يحتم ضرورة العمل لاسترجاع أشياء محسوسة مثل اموال نهبت أو ملاحقة قانونية بدلا من النيل من صورة مثلما كان يفعل ذلك المكلوم الذي انتزع صورة الرئيس من قصره المرصع بالذهب وراح يوسع الصورة ضربا بحذائه لساعات طوال وسط شمس حارقة .

النفي والنفي الآخر

بشاعة صور الحرب لا تقتصر على القتل العشوائي دون هوادة والتخلي عن كثير من المبادئ والقيم الإنسانية بقصد، كون ظروف حالة الطوارئ تستدعي ذلك، أو بدون قصد لأن حالة الحرب تحفل بالأخطاء.

بشاعة الحرب تشتمل على صور قبيحة أخرى غير القتل ومنها شيوع حالة الكذب على مدار الدقيقة والافتقاد للمصداقية وهي صورة من صور التخلي عن المبادئ تبرز في ظروف الحرب، ولكن هذا لا يعني أن هذا الطبع أو الممارسة لم تكن موجودة في حالة السلم وقد يكون الفرق الوحيد بين الكذاب في السلم والحرب هو أنه في وضع السلم أكثر قدرة على حبك الكذب عنه في وضع الحرب.

الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في صناع السياسة الأمريكية كانت الأكثر براعة في حبكة الكذب مستعينة بآلة إعلامية خارقة القدرات يديرها اللوبي الصهيوني وهو كبيرهم الذي علمهم الكذب، ولم يزل الكذب يسود شعارات عدة حتى صدقها الأمريكيون بسذاجتهم المعهودة ثم صدقها المغتربون في أمريكا رغم انهم يندرجون من أصول تتميز بالفراسة والذكاء والفطنة، ثم صدقها المقيمون والدارسون والزائرون لأمريكا والمتأثرون بالإعلام الأمريكي.

موجة التصديق تلك كانت نتيجة لإجادة الكذب في وقت السلم والذي بلغ من الدقة في التنفيذ درجة جعلت الكاذب يصدق نفسه.

في حالات الشدة أو أوضاع الحرب تكشفت حقائق كثيرة غيرت القناعات التي رسختها الآلة الإعلامية الأمريكية في مجالات شتى مدعية المثالية فمثلاً في مجال الحقوق الخاصة وحرية الفرد، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11سبتمبر أسوأ صور المداهمة دون تهمة والاعتقال والسجن دون محاكمة لأعداد من المواطنين الأمريكيين أو المقيمين فيها. وفيما يخص حرية الرأي فإن حالة العدوان على العراق صاحبها ممارسة الدولة الديمقراطية حجب مواقع في الانترنت وحجب أخبار مراسلين بل وفصل المراسل بيتر أرنيت لأنه ذكر فشل أمريكا في الحرب كرأي شخصي أو مشاهدة مراسل.

أي أن الولايات المتحدة الأمريكية ومع أول اختبار حقيقي أثبتت انها لا تختلف عن أي دولة من دول العالم الثالث التي تهمل الحقوق الخاصة وحقوق الإنسان وحرية الرأي ولعل الفرق أن أمريكا لم تختبر فعلياً إلا في القرن الجديد بتوالي الأزمات عليها بدءاً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ثم الحرب في أفغانستان وغزو العراق.

في التسابق على النفي والنفي الآخر وحرب التصاريح العسكرية على هامش الحرب الضروس في العراق خانت الأمريكيين قدراتهم المعهودة في السلم فكانت تصاريحهم وبياناتهم العسكرية متناقضة ومهزوزة واكتشف الصحفيون الأمريكيون أنفسهم أن مؤسساتهم الإعلامية العملاقة التي تدعي أنها تقدم رسالة إعلامية هادفة ومحايدة إنما هي تخدعهم مثلما يخدعهم السياسيون أنفسهم، وكشفت الأزمات ان الواقع يختلف عن الادعاء وأن هذه المؤسسات تدار بخفية ربما لا يدركها كثير من المراسلين.

الأمريكيون ينوعون المتحدثين باسم قياداتهم لكن السمة المشتركة أن كلاً منهم يواجه حرجاً شديداً أمام الأسئلة البريئة لأن الجواب لا يمكن أن يكون بريئاً!! فالحقيقة صعبة وتتناقض مع وعود رامسفيلد وستثير حفيظة المواطن الأمريكي الذي بدأ يساوره الشك بعد أن كان يصدق بالعنقاء والخل الوفي وكل ما يصدر عن رئاسته!!

ضحايا تفسير النظام.. قصة واقعية

في كل دائرة حكومية تجد واحداً أو أكثر من واحد وقد نصبوا أنفسهم مراجع للنظام ليس لحفظه فقط بل ولتفسيره والإفتاء فيه، وبالرغم من أن هؤلاء هم مجرد قلة قليلة كلفوا أنفسهم بقراءة النظم، ربما دون فهم، وتميزوا عن زملائهم في العمل بأنهم اطلعوا على النظام في وقت تكاسل الآخرون عن مجرد قراءة النظم واعتمدوا تماماً على تلك (المسجلات) البشرية لتصبح مراجع النظم والإجراءات وتم ربط مصالح الكم الهائل من المراجعين وأصحاب الحاجات بموظف واحد صغير اكتسب صفة الملم بالنظام وأصبح له هيبة يخشاها رئيسه بل ومدير مديره!!

تخطئون إذا اعتقدتم أن هذه القضية لا تشكل مشكلة تستحق الإسهاب في طرحها لأنها في الواقع السبب الحقيقي لغالبية ما تتعرض له مصالح الناس من إعاقة وتأخير وحكم خاطئ وأغراض شخصية ونفوذ للواسطة وأصحاب النفوذ فذلك الموظف الصغير الذي نصب كخبير منفرد بالاطلاع على النظم والإجراءات هو في الغالب موظف واحد، ومن هنا يأتي التأخير، ويتميز بالحفظ دون ذكاء، وبذلك يخطئ في تفسير النظام، وهو صغير الرتبة يحكم في أمور كبيرة، فلا يخلو من التأثر بهوى النفس والحسد، وهو بشر واحد فلا يسلم من ضغوط وشفاعة وتوسط يخضع له بسرعة بحكم صغر مركزه فيعطي تفسيراً للنظام يخدم مصالح من يريد!!

السؤال الذي يطرح نفسه طالما أننا من أكثر الناس إصداراً للنظم والقرارات وأقلهم تطبيقاً وتفعيلاً لها بالشكل الصحيح فلماذا لا يتم توضيح هذه النظم للناس أجمع؟! ولماذا لا يطالب جميع الموظفين بقراءة تلك النظم الجديدة واختبار فهمهم لها وتفسيرهم لفقراتها وتصحيح هذا التفسير بدلاً من ترك مصالح الناس ضحية للسيد مفسر النظام؟!

الأمثلة هي أفضل السبل لتفسير النظام وهي أنجح الوسائل الإيضاحية، لذا فإنني أتوق إلى الأمثلة، دعوني أروي لكم موقفاً مر عليه أكثر من عشرين سنة، وأجزم أن الوضع رغم مرور ذلك الزمن الطويل لم يتغير على الأقل في أمر التفسير الخاطئ للأنظمة والقرارات أو تفسيرها تحت التأثر بضغوط مشاعر خاصة مثل الحسد أو النظرة الشخصية الضيقة وهذه القصة شهدت تفاصيلها ولم ترو لي!!

عندما صدر قرار منح خمسين ألف ريال لكل خريج تم تعيينه منذ عام 1401هـ منحت هذه المكافأة لجميع الذين تعينوا في الصحة أو وزارة الدفاع أو الحرس أو أي جهة أخرى بما فيها الجهات التي تمنح بدل سكن!! (ضع عشرين خط). في جامعة الملك سعود كان آنذاك ثمة مدير عام شئون موظفين ممن تعتبرهم الجامعة أرشيفاً في النظم وكان يعاني من عقدة مؤهله ومصدر شهادته وسط جامعة تعج بخريجي أمريكا وأوروبا. عندما تقدم المعينون كمعيدين في الجامعة بطلب الحصول على مكرمة وطنهم شأنهم شأن بقية زملائهم وهي إعانة على الحياة رفض ذلك المدير مشترطاً أن يتنازل المعيد عن بدل السكن إذا رغب في المكافأة. وقد فعل المعيدون ذلك مرغمين لأن بدل السكن أقل من المكافأة وبعد أن وقعوا التنازل صرفت لهم المكافأة وقد خصم منها بدل السكن لسنتين كانوا قد تسلموها قبل صدور المكافأة، ولم تؤخذ موافقتهم على هذا الخصم!! بينما استلم زملاؤهم في الجهات الأخرى الخمسين وبدل السكن!!

وكيلا الجامعة لم يقتنعا مطلقاً بذلك التعسف لكن قناعة وكيلي الجامعة لم تنفع، وما نشر في الصحافة آنذاك من تصاريح وإيضاحات بأن المكافأة هي إعانة على بدء الحياة الاجتماعية والزوجية ولا علاقة لها بتوفر سكن أو بدل سكن أو سيارة أو خلافها لم تشفع ونفذ مدير شئون الموظفين قناعته الخاصة!!

كان ذلك مثالاً مضت عليه سنين عديدة وهو يشرح جيداً ما ذهبت إليه ومن المؤكد ان الوضع يزداد سوءاً في هذا الصدد مع زيادة كسل بعض الموظفين وانتهازية الآخر وعدم مطالبة الجميع بمعرفة نص وتفسير النظام الذي استغرق إعداده وقتاً وبذلت جهود خبراء ومختصين لتحقيق شموليته وسد ثغراته وحظي بمناقشة مستفيضة وجدل هادف وخرج بعد جهد جهيد ليحقق أكبر درجة ممكنة من الوضوح، ثم يترك عرضة لسوء الفهم أو مزاجية مفسر مع أن إجبار أكبر عدد ممكن من الموظفين على فهم النظام واختبار فهمهم له أقل كلفة وأقل ضرراً.