الشهر: ديسمبر 2006

يا وزير التجارة لو (عشان) السياحة

مقولة قديمة متجددة كنا نرددها ومفادها أن أول انطباع يسجله السائح عن البلد يبدأ من سائق سيارة الأجرة وموظف الفندق.
الآن ثمة عوامل كثيرة تؤثر في الانطباع، سواء الأول أو الأخير للسائح ، فالسائح لم يعد مجرد ضيف يدور في سيارة (تاكسي) ، ويسكن فندقاً.

على أي حال ، وهذا رأي شخصي، أنا أرى أن إراحة المواطن والمقيم أهم من مجرد العمل على تلميع صورة البلد لدى السائح، أي أن المواطن والمقيم (ألزم) عندي من الزائر، ثم إنك إذا احترمت هؤلاء (المواطن والمقيم) وحققت ما يريحهم تحسنت الصورة تلقائيا أمام الزائر والسائح والعالم أجمع.

لكن دعونا نشفع ونحتج بالسائح لنقول إننا نهمل كثيرا، ونتساهل كثيرا في خدمات أو احتياجات نعتقد أنها ثانوية وهي أساسية وتؤدي إلى مشاكل من شأنها أن تشغل كل الأجهزة الحكومية ، وتثير أعصاب المستفيد وتؤدي إلى الفوضى العارمة، بينما كان بالإمكان تلافي ذلك بفرض متطلبات من مقدم الخدمة تضمن تقديمها بالشكل الحضاري، المريح والمشرف للوطن.

خذ مثالاً للقياس، ويهم السائح كثيرا جدا ، ويتمثل في مكاتب تأجير السيارات فهناك شركات تأجير مشهورة عالميا ولها أنظمتها وتعاملها الذي يحكمه التنافس ولا بد أن يكون في مصلحة العميل لجذبه، وإن كانت عندنا لا تقدم كل ما في جعبتها من عناصر الراحة للعميل مثل مرونة التسليم في أي مكان والاستلام في المطار والنقل من المكتب إلى المطار والتخفيضات وخلافه، وهذه تأتي إن شاء الله عندما نكون بلدا سياحيا.

المشكلة أن ثمة مكاتب تأجير سيارات يمنح ترخيصها لأشخاص، وهؤلاء يعتبرونها وسيلة لتحقيق أعلى ربح بأدنى جهد، وهي أقرب للتعامل مع المستأجرين للتفحيط وليس للأهداف الحضارية.

تخيلوا أن مكتب التأجير عبارة عن دكان به عامل متعاقد واحد فقط إذا ذهب لمراجعة الشرطة (وهم يتعاملون كثيرا مع الشرطة لكثرة مشاكلهم) فإن الدكان يقفل فلا تستطيع إرجاع السيارة في وقتها، وتضطر لانتظار الموظف، ربما إلى اليوم التالي (تخيل أن لديك رحلة طيران وأنت تريد إرجاع السيارة) وعندما يحضر الموظف يضطر للتوسل إليك باحتساب يوم الزيادة عليك ، حتى وإن كان هو السبب، أما لماذا فلأن الكفيل لن يقبل خصم اليوم ويعتبره سرقة من الموظف الوحيد، والكفيل مواطن كسول نائم حتى العصر !!.

المضحك : أنه سُجل كثير من حالات الشجار عند تلك الدكاكين لأن الزبون أعاد السيارة ويريد استرجاع مبلغ التأمين، لكن الموظف يعتذر بأن الصندوق خاو فالكفيل أخذ الغلة ومعه التأمين فيرجوك الموظف أن تنتظر إلى أن يحل زبون ورزق جديد !!. ويحلف لك باليمين الغليظ أن (ما معيش فلوس).

أنا أريد من وزير التجارة والصناعة وكل مسؤول عن السياحة أن يتخيل معي حجم العناء الذي تسببه هذه الدكاكين لأجهزة الدولة ممثلة في الشرطة أولا وسيارات الإسعاف والمستشفيات والجهات الحقوقية والمحاكم عندما يحصل الشجار، أما انطباع السائح وتضرر المواطن والمقيم فيحتاج إلى خيال واسع لاستيعابه.

تأجير السيارات مثال واحد فقط للقياس وارجو ان لا يقال تعامل مع الشركات المشهورة واترك هذه للمواطن الضعيف لأنني أريد حماية هذا الضعيف.

قريص الوطن

ما هي علتنا الحقيقية في تعاملنا مع وطن معطاء؟! لماذا يحرص كثير ممن يتولون المسؤوليات على الاستفادة من المنصب بدلاً من إفادة المنصب؟! لماذا يعملون من أجل البقاء وليس من أجل العطاء.
إذا كانت هذه مشاعر وسلوكيات جيل أنتجته الطفرة في السبعينيات والثمانينيات الميلادية، أي انه نعم بخيرات هذا الوطن في أفضل أحوالها (قبول ميسر في المدارس والجامعات، وتوظيف سهل في أي مكان يشاء، وابتعاث بأعلى المميزات والبدلات، ورسوم رمزية على الخدمات وأسعار زهيدة، وخدمات صحية مجانية مع مواعيد قريبة وتنويم ميسر)، فكيف ستكون حال جيل الصعوبات التي فرضتها الأزمات الاقتصادية؟!.

ثمة بصيص أمل أن الوطنية ستكون أفضل في جيل الصعوبات على أساس مشاهدة سلوكية تقول إن الابن غير المدلل، أو من يمر بالصعوبات وقسوة الظروف أكثر براً بوالديه وأكثر نجاحاً من شقيقه المدلل!!.

لكننا لا يجب أن ننتظر طويلاً إلى أن يتخرج الجيل الحالي، جيل الصعوبات، ونراهن على صحة تلك المشاهدة والاستنتاجات.

لا بد أن نعمل كل ما من شأنه تحقيق استفادة المنصب والوطن من الموظف وليس العكس، ويكون ذلك بفرض المحاسبة الدقيقة والمراقبة الصارمة لإنتاجية المسؤول وزيراً أو محافظاً أو مديراً عاماً تنفيذياً قياساً بالإنجازات الحقيقية الملموسة لإدارته وليس ما تدّعيه العلاقات العامة أو يردده هو.

لا بد أن نغير ثقافة اعتبار المنصب تشريفاً و (برستيجاً) لأن المفترض أن يكون تكليفاً وتحميلاً لمسؤوليات جسام، ولو نجحنا في تحويل ثقافة التشريف إلى ثقافة التكليف فإننا سنتوقف عن حمى التهنئة بالمنصب ونتحول إلى عبارة “شد حيلك والله يعينك”.

أيضاً علينا، إذا أردنا، عملاً من أجل الوطن أن نغير مسار المناصب ليصبح ذا اتجاهين بدلاً من الاتجاه الواحد إلى الأعلى، فمن يبدع يستحق الأعلى، أما من يخفق فيجب أن يشعر انه أخفق، وإلا فإن عنصر الأمل بالثواب والخوف من العقاب سيغيب وذلك لا يخدم الوطن.

أؤكد لكم أنني لم أضع نظارة سوداء قط في حياتي، لكنني ألاحظ أن المثل الشعبي (كلٍ يحوش النار لقريصه) يتجسد لدينا كثيراً وبشكل لا ينم عن وطنية وإخلاص للوطن، لذا فإن علينا أن نعمل ونفرض كل ما من شأنه أن نحوش النار لقريص الوطن والوطن فقط!!.

رسائل حوار الفقيه

حلقة مليئة بالفخر والعبر والثقة، تلك التي استضاف فيها برنامج الإخبارية (رجال في الذاكرة) رجلا كانت له الريادة بصمت في عالم الجراحة هو الدكتور محمد بن راشد الفقيه.
لن استطيع أن الخص ما جاء في الجزء الأول من البرنامج فقد كان غنيا جدا، لكن لابد من التأكيد على ما يعد بحق دروسا لغيره من الأطباء والمهنيين.

الرجل كافح في تعليمه أثناء كفاح والده طلبا “للرزق خارج الوطن وتحديدا” في الزبير، لكن الولاء كان واستمر للوطن!!، وكافح في اختيار أصعب مجالات الجراحة وأقلها فرصا للنجاح فحقق لوطنه (وليس لشخصه وحسب) فخر الريادة وبتدريبه عشرات الخلفاء في مجال التخصص حقق استمرارية النجاح حتى بعد تركه جهة عمله، ولم يتركها إلا “متفرغا” لنفس المجال، وهذه رسالة لمن يجمعون بين العمل الحكومي والخاص ويضيعون مرضى الطرفين!!.

الدكتور محمد الفقيه لم يبحث عن بهرجة الإعلام وشخصنة الانجازات في الإعلام الداخلي، وعمل بصمت، لكن أصحاب الاختصاص الجراحي عالميا عرفوه فبحث عنه الإعلام العالمي قبل الداخلي.

عندما سئل ما إذا كان قد سعى للشهرة والكسب المادي، قال لن أتحدث عن الشهرة وأترك أمرها للناس أما الكسب المادي فلو سعيت له لما عملت 26سنة براتب ديوان الخدمة بينما أجر عمليتين في القطاع الخاص يساوي راتب شهر ويمكنني أن أجريهما في يوم واحد، لكنني لم أفعل، وهذا جوابي.

قال إن شهرة الطبيب يحددها أهل الاختصاص بناء على نوعية العمليات ونتائجها وعددها (أي ليس بأحدها فقط)، وقال أيضا إن الطبيب الذي لا يستمع لمريضه ولا يمنحه الوقت الكافي ولا يتابعه بدقة في جميع المراحل، لا يمكن أن يتطور بل الأقرب أن يتخلف ويتقهقر بسرعة لأن سماع شكوى المريض أهم عناصر الإلمام بحالته (وهذه رسالة لمن يديرون ظهورهم لمرضاهم بحجة التعالي على المريض).

وفي حكمة قل من يتحلى بها رد على سؤال حول الموقف مع المريض حينما يكون شخصية هامة مثلما حدث مع رئيس وزراء إحدى الدول أو شخصيات سياسية عربية فقال إننا لا نغير أسلوبنا اليومي أيا كان المريض فلو فعلنا ذلك لحصل الخطأ الطبي نتيجة التغيير عن المعتاد.

الفقيه ذكر اسم أحد الفنيين الذي ساعده بتحريك الآلة بإصبعه عندما انقطعت الكهرباء خلال إحدى العمليات منذ أكثر من 26سنة، وهو سعيد الزهراني، فلا يزال يذكره، وذكر اسم من فتح الصدر وأغلقه في عملية رئيس الوزراء العربي وهو الدكتور يحيى الفرائضي وكان الفرائضي متدربا آنذاك (وهذه رسالة لمن يحجب من يعملون معه وله!!).

الدكتور محمد بن راشد الفقيه هو رائد جراحة قلب الأطفال عربيا، وبدأ قبل غيره منذ عام 82م، وهو جراح القلب الذي أجرى أكثر من 6000جراحة قلب (العملية الأخطر)، وعمليات زراعة قلب ناجحة، وهو رئيس هيئة تحرير مجلتي جراحة قلب الأطفال في ايطاليا وأمريكا بترشيح منهم لتميزه، وهو عالميا من طور عملية إيقاف الدورة الدموية لدى الأطفال بالتثليج.

هذا الرجل قدرته القيادة ورجالات الوطن ومنح إمكانات النجاح ونجح نجاحا مميزا حقا ومفخرة لمملكة الإنسانية، لكن إعلامنا المحلي لم يسلط عليه الضوء المستحق، فمعظم ما أنجز لم يذكر ناهيك عن أن يبهرج ويبهر.!!

شجعوا التشغيل الذاتي لمستشفياتنا

خطوة وزارة الصحة بالتحول للتشغيل الذاتي بدلاً من التشغيل التعاقدي لمستشفياتها، خطوة تستحق التشجيع والمساندة من كل من لديه حس وطني وحرص على إنسانية المواطن والمقيم بالمحافظة على صحته وتقديم الرعاية الصحية التي لا تشوبها حمى المصالح الذاتية، والأنانية، والرغبة في تحقيق الفوائد من مصائب الآخرين.
يريد مني البعض أن أقارن التشغيل التعاقدي للمستشفيات بالتشغيل الذاتي من منطلق ممارستي واطلاعي المباشر على الخدمات الصحية، وهنا أجد لزاماً عليَّ أن أذكر بأن التشغيل التعاقدي تم اللجوء إليه كوسيلة لتلافي أمرين كانا مستعصيين: الأول التحرر من محدودية عدد الوظائف في القطاعات الصحية والتي لا يكفي المخصص منها ربع احتياج الجهة الصحية، والثاني ممارسة المرونة في تحديد الرواتب والمميزات بما يحقق الجذب للعمل بساعات عمل المستشفيات، وهو ما لا يحققه التقيد بسلم الرواتب الحكومي.

كانت تلك هي الميزة الوحيدة للجوء للتشغيل التعاقدي، أما عيوبه فحدث ولا حرج فإذا أردتم عصارة تجربة وممارسة واطلاع مباشر فقد كنا كمواطنين (نحب هذا الوطن حتى النخاع) نتألم ونحزن عندما نرى أن متعاقداً مفصولاً من مشروع أحد المستشفيات، لسبب أخلاقي، أو مهني خطير، يتم توظيفه في المستشفى الآخر كتعاقد جديد، لمجرد أن المقاول المشغل للمستشفيين الحكوميين واحد، ولأنه يريد أن يستفيد من أجور ونسبة (كمسيون) التعاقد دون جهد بل عن طريق اجترار موظف فاشل مفصول!!

كان التعاقد مع العجائز والمتقاعدين من كندا وأمريكا وأوروبا برواتب خيالية، وبدلات فلكية سمة المشغل بالتعاقد لأنه يستفيد من نسبته من التعاقد، والمصاريف معوضة، والخاسر هو الوطن والمريض، فبعض المتعاقدين من العجائز يحتاج أصلاً إلى رعاية طبية يتلقاها بموجب العقد على حساب المستشفى الحكومي، ولو كان أجره مجرد تلك الرعاية لكان أجراً كافياً لشخص مسن تقاعد في بلده وأحضر ليجد راتباً عالياً وسكناً فخماً ورعاية صحية مجانية، كنا (نعضد) لبعضهم لنعينهم على الحركة لأداء أعمالهم!!

المشغل المتعاقد، لم يكن يهتم بقيمة الجهاز، مهما ارتفع سعره، ولا بضرورة توفيره من عدمه، ولا بالجودة النوعية، ولم يكن يعنيه أمر التدريب للسعوديين، بل لم يكن يسعده!!

كل الأدوار الأساسية يقوم بها شباب سعودي مؤهل تابع للجهة الحكومية مباشرة بصفة مشرف، بينما موظفو الشركة المشغلة مجرد عقارب الساعة التي تشاهد وهي تدور بجهد تروس وطنية تعمل وهي مختفية تحتها (تحت المينه) وخلف الكواليس.

التشغيل بالتعاقد يلغي الاستقرار تماماً بسبب تغير المشغلين، ويتنافى مع التخطيط السليم طويل الأمد لأنه حل وقتي بعقد لا يتعدى ثلاث سنوات، والمقاول باختصار كان وسيلة للحصول على عدد الوظائف ومرونة الرواتب وهذه أمور حققها التشغيل الذاتي مع تلافي كل تلك السلبيات المذكورة آنفاً.

الملاحظ أن تدليل هذا الوطن المعطاء للمستثمر جعل الأخير يتمادى كثيراً في التدلل والأنانية، وتبرر الغاية عنده كل الوسائل، فهامور الأسهم يريد أن يترك ليقتات على الصغار وإلا فإنه سيدمر السوق!!، ومقدم الخدمة الصحية لا يريد أن تنافسه الحكومة بعيادات تجارية تتقاضى رسوماً أقل!!، والمقاول المشغل يحتج على التشغيل الذاتي، ويطلب دعمه بدعوى الوطنية وهو يهدد الوطن بالنزوح للخارج !! عجبا من هؤلاء!!

انتحار الموظف والمراجع

ليس من المصلحة الوطنية أن تتراكم المعاناة وتزداد أعداد المتضررين مع بقاء قنوات الشكوى ضيقة ووعرة، وليس من مصلحة سمعة الوطن أن تكون وسائل الإعلام (صحف، قنوات فضائية، وكتاب) هي الملاذ الوحيد لمن يريد لشكواه أن تجد صدى واستجابة وأن تذهب في النهاية لغير (الخصم الحكم) فيحصل على حقه أو جزء منه.
نحن لا نتحدث هنا عن ظلم سلطة أو تسلط على مستويات عليا، كما حدث ويحدث في كثير من دول العالم الثالث، بل على العكس تماما، نحن ننعم ولله الحمد بقيادة غاية في الإنسانية والعدل والحنان الأبوي، وعندما تصل الشكوى إلى كبار المسئولين فإنها تجد أذنا صاغية وعاطفة جياشة وتفاعلا إنسانيا، وقد يكون هذا أحد أسرار نجاح الشكوى عبر الإعلام لأنها تصل إلى كافة المستويات وتجد التجاوب من أعلاها.

مشكلتنا تكمن في المسئول الضعيف الذي بلغ من الضعف مبلغا يجعله لا ينجد المظلوم ولا يقوى على الظالم ولا يريد لصاحب الحق أن يتخطاه إلى غيره، لأنه يرى في ذلك جرأة ممن يراه ضعيفا فيستقوي عليه، ويشبعه ظلما وقسوة وتهديدا بأن شكواه أينما ذهبت ستعود إلى هذا المدير وسيكون له الويل والثبور.

معظم الشكاوي التي نتلقاها ككتّاب أو تصل للإعلام كقناة وحيدة، إن لم يكن جميعها، هي لشخص أو مجموعة أشخاص بلغ بهم اليأس من مديرهم مبلغه فقرروا اللجوء للإعلام مع انهم يعتبرون ذلك انتحارا وظيفيا، فإما الحياة و إما الردى لأنهم بذلك (يقامرون)، أو (يراهنون) على مستقبلهم فلا ثالث لخيارين إما أن يعلم المسئول فينصفهم أو تحال نفس الشكوى لنفس الظالم فيزيدهم ظلما وفي كلتا الحالتين تم نشر غسيل الجهة الحكومية لأن مديرا، ضعيفا مع كبار موظفيه، مُستضعفاً لصغارهم وللمراجعين يدافع بشراسة عن كرسيه وكرسيه فقط.

لابد من قنوات شكوى فعالة وأكثر سرعة وديناميكية تعنى بمشاكل الموظفين والمراجعين مع مدير ضعيف ودائرة ضائعة، لأن ديوان المظالم ينظر في قضايا متعددة ومتشعبة تستغرق وقتا طويلا، ولا يمكنه عمليا أن يغطي العدد الكبير من قضايا تظلم المراجعين والموظفين الذي تستقبله الصحف ووسائل الإعلام الأخرى بصفة يوميه.

الأهم من قنوات الشكوى هو معالجة أصل المشكلة عن طريق تحري الدقة والخبرة والتأهيل والتخصص فيمن يكلف بالإدارة، مع ضرورة فرض نظم وإجراءات واضحة للتعامل مع الموظف والمراجع لا تقبل الاجتهادات والظلم.

اكتشف الأخطاء السبعين

نشرت صحيفتا “الرياض” و(الجزيرة) يوم الأحد الماضي خبراً وتغطية لاستقبال معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع لعدد من مرضى الإيدز ولا شك أنها خطوة إنسانية يشكر عليها معاليه فقد استمع وزير الصحة (لشكاوي) ذات علاقة بعمله مثل من تعرض للمرض بسبب نقل الدم بمستشفى الملك خالد الجامعي أو من أشعره مجمع الرياض الطبي عند تبرعه بالدم انه مصاب بالإيدز ثم غيروا رأيهم ولكن بعد أن فصل من كلية المعلمين بتبوك وأصيب بحالة نفسية سيئة، ولعل هذه الرسائل تحرك شيئاً في ما يخص وزارة الصحة نحو المرضى والمرض .
الملفت للنظر والمحزن إلى درجة البكاء على واقعنا هو أن جل مشاكل مرضى الإيدز تخص وزارات أخرى لم تتحرك ولم تحضر اللقاء وأهمها وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية فالحديث والشكوى تناولت نبذ مريض الإيدز أسرياً واجتماعياً نتيجة مفاهيم خاطئة، وعدم تمكنه من الزواج ولو من مصابة بالمرض، بل ورد وعلى لسان الدكتورة سناء فيلمبان أن مستشفى الملك سعود نسق تزويج 6مصابين و 6مصابات العام الماضي (المستشفيات تقوم بعمل وزارة الشئون الإجتماعية، هذه الوزارة التي تعتقد أن دورها فقط هو الضمان المالي الاجتماعي وتعمل على هذا الأساس بدليل إهمالها للمعلقات والمطلقات والمدمنين والمشردين والمتعرضات للإيذاء الجسدي من الأزواج والأسرة عامة).

وزارة الشئون الاجتماعية تعاني على ما يبدو من سوء فهم لوظيفتها بدليل إهمال الإدارة العامة للأسرة دون ارتباط في هيكلها الوظيفي ودون تفرعات في الهيكل والحديث عنها يطول.

ذكرت أيضاً قصص عن فصل من العمل نتيجة الاعتقاد بإنتقال الإيدز بالمصافحة، وهنا تساؤل لوزارتي العمل والخدمة المدنية: ( بأي ذنب فصلوا) وعلى أي أساس نظامي أو مادة قانونية تم فصل موظف من عمله لمجرد انه مصاب بمرض لا يعيقه عن العمل خاصة في مراحله غير المتقدمة ؟! وأين دور وزارة العمل في الدفاع عنهم وردهم إلى عملهم ؟! فهل يجب أن يكون المصاب خادمة أو بائعة ملابس نسائية لتهتم وزارة العمل بأمره ؟!.

ثم أين وزارة التربية والتعليم من أمر فصل طالب لمجرد اشتباه إصابته بالمرض ؟! ونفس التساؤل عن المسوغ النظامي لفصله يوجه لوزارة التربية والتعليم ؟!.

ألم أقل لكم مراراً وتكراراً أن مشكلتنا الاجتهاد في اتخاذ قرارات غير مبررة نظاماً أو عدم وجود أنظمة وإجراءات تحكم سير أمورنا وسلوك وزاراتنا ؟!.

لقاء وزير الصحة مع ضحايا الإيدز لم تحضره الوزارات الثلاث المعنية، وحضره مشكوراً أعلام الصحافة والعلاقات العامة ورئيس نادي الأهلي وواعظ، ومعالي وزير الصحة وعد بالسعي لتوظيف مرضى الإيدز وإعادتهم للكليات وربما تزويجهم عبر جهود المستشفيات كما حدث مع ستة منهم !!.

الصورة فيها سبعون خطأً أترك لكم أمر اكتشافها ولا أعد بجائزة للفائز فمشاكلنا جلها من الوعود !!.

الأطباء والتفرغ

أورد الزميل محمد الحيدر في جريدة “الرياض” يوم الجمعة 3من ذي القعدة 1427ه خبراً حول تحرك المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة نحو منع الأطباء الحكوميين من العمل في هذه المستشفيات خوفاً من العقوبات التي تطبقها لجان المخالفات الطبية وكذلك اعتذار بعض الأطباء الحكوميين عن الاستمرار في عياداتهم في القطاع الخاص المخالفة للنظام خوفاً من الغرامات، وهو خبر يصف تحركاً فعلياً حاول الزميل النشط، الحريص على التثبت والقريب من الوسط الصحي محمد الحيدر أن يكمله بتصريح مسؤول رسمي باسمه أو وثيقة خطية، لكنه لم يجد على ما يبدو، وهذا يعكس عدم الشفافية التي تحيط بالتعامل مع هذه المخالفة الصريحة والواضحة جداً للعيان والتي تعتبر دون خلاف أحد أهم أسباب تزايد الأخطاء الطبية “الهم الوطني القلق”.
قبل نشر الخبر بحوالي أسبوعين سمعت عن هذا التحرك من قبل القطاع الخاص والأطباء الحكوميين المخالفين، ولأنني كنت استعد لحوار إذاعي حول الأخطاء الطبية، الذي أجزم أن سببها الرئيس انشغال الأطباء الحكوميين بالعمل في القطاع الخاص، فقد أردت التثبت عن سبب ذلك التحرك، وصحة ما “أشيع” أن معالي وزير الصحة بعث بخطاب شديد اللهجة للمستشفيات والمراكز الطبية الخاصة التي تأوي هؤلاء الأطباء الحكوميين، فاتصلت برجل العلاقات العامة المميز والمتميز الدكتور خالد مرغلاني المشرف العام على الإعلام والتوعية الصحية بوزارة الصحة فأفادني “وسمح لي بأن أصرح” بأن عدداً من ملاك المستشفيات الخاصة كتبوا لمعالي وزير الصحة يطلبون السماح لهم بتشغيل الأطباء الحكوميين إلا أن معاليه خاطبهم بخطاب صريح وواضح بأن ذلك مخالف للنظام ويعرضهم للعقوبة (أ. ه).

وحقيقة فإن تلك الخطوة من الملاك تبدو أقرب للمناورة فهم يعلمون جيداً، والأطباء كذلك، أن المنع جاء بقرارات سامية ونبّه إليها تكراراً ومراراً في بيانات مجلس الوزراء ونص عليها نظام الخدمة المدنية، وأخشى ما أخشاه أن يكون قفل العيادات الذي أشار إليه الخبر مجرد تهدئة وتخدير للوزارة والقطاعات الحكومة الأخرى المحتجة على عمل أطبائها في القطاع الخاص ريثما يتم سحب “البروشورات” التي تجاهر بالمخالفة والتحول من العمل “عيني عينك” إلى العمل “عيني عيني” بسرية أشد وهذا أخطر!!.

أما ما أشار إليه الخبر من قلق وتباكٍ على المرضى بحرمانهم من فرصة الاستفادة من أطباء الحكومة في القطاع الخاص، وبمواعيد قريبة، فإن في ذلك مغالطة واضحة، فتفرغ الطبيب الحكومي لعمله في المستشفى الحكومي سيجعل المواعيد في الحكومي أقرب، وأسهل، ويقلل من الأخطاء الطبية، ويزيد من فرص استفادة أطباء الامتياز والأطباء المقيمين من الاستشاري السعودي، فتعود درجة التعليم الطبي إلى مستوياتها التي أنجبت أطباء أفذاذ، وتعود هيبة الطب في المملكة إلى عهدها الزاهر حينما كان الطبيب متفرغاً لعمله، والقطاع الخاص يدفع لمن يتفرغ له.

أرجو أن يتنبه جهاز وزارة الصحة، والقطاعات الصحية الأخرى، وكل من يهمه الوطن، وكل من تهمه مهنة الطب “وليس مصلحة الطبيب وتجارته وحسب” إلى تلك الحركة من أناس يعرفون من أين تؤكل كتف المريض بدلاً من علاج خلع الكتف!!.