الشهر: فبراير 2007

ماذا يريد الأطباء؟

تعد مخالفة أطباء المستشفيات الحكومية لنظام الخدمة المدنية بالعمل في المراكز الطبية الخاصة أشهر، وأوضح، وأطول حالات الخروج على النظم والقوانين، وأكثرها إضرارا بالناس وأكثرها إمعانا في تحدي الأنظمة وقرارات مجلس الوزراء والإيضاحات والتحذيرات اللاحقة بل والفتاوى والملاحقة.
ما يميز تلك المخالفات ويجعلها الأكثر، هو أنها تحدث من فئة صرف على تعليمها الكثير، ومن مهنة يفترض أن لا يمتهنها إلا شخص راق في تعاملاته وإنسانيته وأمانته وتقديره لخطورة الانشغال عن مرضاه وطلبته والمتدربين على يده، خصوصا إذا كان الانشغال مخالفاً للنظم والقيم و أخلاق المهنة، والآن وبعد صدور فتوى مفتي البلاد بعدم جواز هذا العمل فقد أضيف إلى ما ذكر أنها مخالفة للشرع، وكانت الفتوى قد صدرت نتيجة لانتشار وشيوع هذه الممارسات الخاطئة وتضرر العباد منها، وشكوى الجهات الحكومية من نتائجها الخطيرة، وجاء نشر الفتوى في الصحف ليقطع الطريق أمام كل عذر ولكن لا حياة لمن لا ضمير له.

يكفي عن كل ما ذكر أعلاه أن انشغال أطباء المستشفيات الحكومية بالعمل في المراكز الخاصة جعل الأخطاء الطبية تصل أرقاما كبيرة وتصبح سمة واضحة بعد أن كنا الرواد في مجال الطب، و أن متدرب وطالب الطب أصبح يفتقد للمرشد والموجه ويضطر للعمل منفردا على حساب المريض، فيزيد الأخطاء الطبية أخطاء والضحية المريض البريء، الذي لا حول ولا قوة له فيما يحدث، فإن كان ضحايا الأسهم مثلا لهم دور في وقوعهم في براثن الاستغلال، فإن ضحايا الأخطاء الطبية والإهمال الطبي الحاصل من الأطباء هم ضحايا أبرياء، مجبرون على الثقة وتسليم أنفسهم وحياتهم لمن لم يقدر ما قدمه له الوطن من تعليم مكلف ورواتب عالية ومزايا وبدلات سخية منها بدل تفرغ، تميز به عن غيره، وخالفه دون غيره، وطمع في المزيد.

هذه القضية، التي تصنف كأشهر مثال للمراوغة بناء على الحيثيات المذكورة آنفا، تخرج كل يوم بجديد من الاستنكار ولكنها تستمر، وجديدها اليوم طرفة مفادها أن المستشفيات الخاصة الكبرى تناشد وزارة الصحة وقف هذه الظاهرة، لأن المراكز الطبية الخاصة والتي تعتبر مجرد عيادات أصبحت تشغل الأطباء الحكوميين الذين يظهرون إعلاميا فتجذب (الزبون) عن تلك المستشفيات الكبيرة التي صرفت مبالغ على التعاقد مع أطباء متفرغين!!.

أمر محزن جدا أن يصبح المريض مجرد (زبون) يتنافس عليه المستثمرون، ويصبح الطبيب مجرد (عامل مخالف)، يتخاطفه المشغلون، ونضطر الى صحافة وفتوى وخطابات سرية من اجل وقف مخالفة صريحة في وضح النهار.

إن الخوف من انتقال الأطباء الحكوميين للقطاع الخاص لن يحدث لأنهم لا يثقون إلا في الوظيفة الحكومية، ويعتبرونها مصدر امن حتى للمخالف!!، أما التهديد بالنزوح للخارج فمجرد مناورة لأن قسيمة الجزاءات في الخارج لا ترحم كما يفعل الوطن، كما أن الزبون عدديا لا يقارن بهذه البلاد.

الحل لا يخرج عن عبارة قالها الطبيب يعقوب المزروع وكيل وزارة الصحة للطب العلاجي وهو مسؤول مخضرم شغل أكثر من منصب في الوزارة قال: من يرد القطاع الخاص فعليه أن يتفرغ له، ومن يختر العمل الحكومي فعليه الالتزام بأنظمته، ثم أردف قائلا (ما يحدث خيانة للأمانة).

(المشاطة)

المسئول في هذا الوطن المعطاء وفرت له اليوم كل السبل لأن يكون جميلا.
جميل في انجازاته للمؤسسة التي يرأسها، وليس لنفسه، جميل في عطائه لوظيفته منذ أول يوم يتولى مسئولياته أيا كان مستواها، جميل في تعامله مع المواطنين والمراجعين والمستفيدين من عمله الحالي وليس العمل الحلم، جميل في التخطيط والبناء لمنصبه الحالي لأنه أمانة منذ أول يوم حمل فيه الأمانة.

ما بالنا إذن لا نتزين إلا قبل ربيع الأول بأيام أو أسابيع أو حتى أشهر؟!

لماذا لا تكون كل سنوات عملنا ربيعا حقيقيا، وليس فقط ربيع التجمل ووضع أصناف الأصباغ غير الحقيقية لنخرج في أبهى صورة لا تعكس الوجه الحقيقي.

هذا الوطن بقادته المخلصين وأرضه المعطاء وبيئته الخصبة التي توفر كل أسباب البذل، من مميزات الممتازة وبدلاتها وإغداقها على المسئول، إلى منح الثقة والتشجيع والصبر، تهيئ كل الظروف والإمكانات المادية والمعنوية والنفسية للموظف لكي يكون جميلا في كل الأوقات والشهور، فلماذا لا يكون جميلاً فعلاً؟!

نحن لدينا، أو لدى بعضنا، طبع قديم بأن لا نتزين إلا في المناسبات، ولا نرتدي أجمل حللنا إلا قبلها بساعات.

حتى قبل زمن (الكوافيرات) وصالونات التجميل كان أول وآخر عهد العروس بالتزين هو ليلة الزفاف، فقد كانت (المشاطة) في قديم الزمان هي صالون عصرها، لكنها لا تمشط إلا شعر العروس ولذلك جاء المثل الشعبي ذو المدلولات القوية والمعبرة ألا وهو (مداحتها أمها والمشاطة)، أي أن من يمدح المخطوبة إما والدتها أو المشاطة أو هما معا فقد لا تكون بذات الجمال لكنها تصور كذلك.

نفس الشيء فإن الموظف إذا طمح أو طمع في ترقية أو منصب أفضل فإنه يسخر (مشاطة) إعلامية تزين صورته قبل موعد الزفاف، مع أن من حق هذا الوطن المعطاء علينا، ومن حق قادته علينا أن نكون في قمة جمالنا في كل الأوقات بأفعالنا، بذمتنا بوطنيتنا، بإخلاصنا وباحترامنا للمسئولية والوظيفة، وليس بطموحنا لأفضل منها دون عمل حقيقي يؤهلنا.

لنعمل للوطن ولتكن (مشاطتنا) أعمالنا وحسب، وبذلك فإنه لن يكون ثمة داع لحمى التزين والتسابق قرب خط النهاية التي نشاهدها الآن.

ملك الإصلاح

من صور الجمال الإعجازي الذي يميز لغتنا العربية أن الكلمة بنفس تهجئتها وطريقة كتابتها ونطقها قد تؤدي إلى أكثر من معنى، ومما يميز قائدنا الملك عبد الله بن عبد العزيز أن أفعاله شملت كل المعاني الجميلة للكلمة .
الإصلاح، كلمة يمكن أن تعني محاربة الفساد في الوطن وإصلاح حاله وتصحيح ما اعوج من مساراته.

والإصلاح أيضا كلمة قد تعني إزالة الخلاف بين طرفين وإصلاح ذات البين بين متنازعين وتحويلهما من افتراق إلى اتفاق.

عبد الله بن عبد العزيز أبى إلا أن يحمل هم أبناء شعبه وأبناء الأمة العربية والإسلامية ، ليكون الرجل الصالح في نواياه وفي أحاسيسه وفي أفعاله ويصبح الاسم الصالح لإتمام كل جملة تدخل فيها مفردة (الإصلاح) بكل معانيها ودلالاتها، وبذلك فإنني لا أجد حرجا لغويا من تسميته (ملك الإصلاح) لأن تعدد معاني الكلمة لا يفوق تعدد صفات وخصال الملك.

من خصال عبد الله بن عبد العزيز أنه فارس يعشق اعتلاء صهوة الفرس الجموح صعبة المراس مستحيلة (العسف)، فيعسفها.

احتواء خادم الحرمين الشريفين للمأزق الفلسطيني فروسية نادرة ، فالخلاف بين المجاهدين والمناضلين عندما يصل حد الاقتتال العلني وسيل الدماء ، ليس بذلك الخلاف الذي يسهل إعادته إلى اتفاق ، فهو يفوق في خلفياته وترسباته ، وآثاره ، ومنعته وشراسته الخلاف التقليدي الذي يحدث بين طرفين متعاديين لأسباب حدودية أو جغرافية وعادة ما تكون سطحية وبسيطة وقعت أصلا نتيجة رغبة للخلاف لدى الطرفين المتحاربين وبالتالي فإنها أكثر قابلية للتنازلات ويسهل حلها.

الخلاف بين حماس وفتح وصل ذروته ببطء وبعد نفاد كل سبل الإصلاح ولم يصل حد الاقتتال بين الإخوة المجاهدين إلا وقد بلغ حداً يستعصي على الإصلاح لكن فارس الإصلاح كان بإخلاصه ونيته الصادقة قادراً على عسف الفرس القموص .

إذا كان الشعب الفلسطيني بل شعوب الأمة العربية والإسلامية قد نعمت بإحدى معاني كلمة الإصلاح لدى خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز في شكل اتفاق سيرهب الأعداء ، فإن شعب المملكة قد نعم بكل معاني الكلمة لديه يحفظه الله ، فنحن نسعد يوميا بخطوات إصلاح داخل الوطن وسعدنا بنجاح إصلاح ذات البين في الوطن الكبير والأمة العظيمة وأصبح مصدر فخر لنا.

ستبقى يا وطني مملكة الحكمة ، مملكة الإنسانية ، تحت قيادة ملك الإصلاح ، ملك الإنسانية.

الجذب الإعلامي المعاكس

ندوة تأثير القنوات الفضائية على الثقافة العربية أكدت على أننا في الوطن العربي ندرك جيداً ما يحيط بنا من خطر أو أخطار البث الفضائي، ولا تنقصنا مطلقاً القدرة على التعبير عن قلقنا من هذا الخطر ولا نفتقر للمفكرين في هذا المجال ولا لاقتراح الحلول لما نعلمه من خطر قادم يفوق كثيرا ما نعايشه اليوم، لأنه خطر يتزايد ليس كل يوم ولكن كل دقيقة .
ما ينقصنا حقا هو قدرة المفكرين على إقناع أصحاب المصالح وأصحاب القرار أن الخطر على الأمة يفوق كثيرا المكاسب الشخصية، ولا يقارن بها على الإطلاق.

الشيء الآخر أو السبيل الآخر غير الإقناع هو أن تكون لدى الأمة العربية الجدية والصرامة في أن تجبر ملاك القنوات ومنافذها على تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية، تماما كما ذكر أحد المتحدثين في الندوة وأعتقد أنه الدكتور عدلي رضا (ان امتلاك القناة الفضائية لا يعطي مالكها الحق في أن يفعل ما يشاء) .

الإعلامية والمذيعة خديجة بن قنة ترى أن حرية المشاهد ورقابة المشاهد على نفسه ومن هم تحت وصايته هي المحك فالمشاهد هو من يركب الصحن الفضائي وملحقاته وجهاز الاستقبال وهو من يحرك جهاز التحكم عن بعد (الريموت كنترول) فهو المسئول عما يختار لنفسه وأسرته من القنوات، أما الأستاذ حمدي قنديل مقدم برنامج (قلم رصاص) في قناة دبي الفضائية فقد تحدث عن إيجابيات مرحلة الفضائيات مقارنة بما قبلها، لكنه أبدى استغرابه وامتعاضه من انتشار قنوات الميوعة والخلاعة والمجون التي تطلق بدعوى أن (الجمهور عايز كده) مع أن وادي الغناء والرقص والطرب هو وادي مختلف عن الوادي الذي نعيش فيه كعرب !! وتساءل عن أي نوع من (الشيزوفرينيا) (فصام الشخصية) الذي يجسده التناقض بين الإعلام والأمة وبين وادي الانبساط والفرفشة والواقع المناقض الذي نعيش فيه؟.

تساؤل الأستاذ حمدي قنديل منطقي جدا ويبرئ ساحة المشاهد لأن بعض قنوات الفضاء تفترض واقعاً أو وادياً غير الوادي الذي نعيش فيه .

أما أنا فأعتقد في رأيي المتواضع أننا وفي ظل استحالة فرض آلية عربية تغلب المصلحة العامة للأمة على أهواء قنوات الفضاء، ليس أمامنا إلا نهج أسلوب الجذب المعاكس للمشاهد عن طريق إشباع رغباته الواقعية وجذبه أو إشغاله عن قنواتهم بدعم القنوات المهنية سليمة المقاصد والهادفة البناءة في أي مجال كان.

القنوات الرياضية لو مارست مهنية عالية كفيلة بجذب أكثر من مجرد فئة الشباب ولديها هامش أوسع للتفاعل وقضايا ذات جذب حميد وممتع.

القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبرامج النقد والتحاور وسيلة جذب أخرى لا تقل متعة ومتابعة إذا اتسمت بالمهنية وهامش أوسع من الشفافية والإثارة المحمودة التي تنعكس على المجتمع العربي بإيجابيات عدة تجمع بين الإصلاح والجذب والإشغال عن توافه الأمور.

فتح باب التعبير والمطالبة والتفاعل بين القنوات الهادفة ومشاهديها سيقطع الطريق أمام قنوات الرسائل النصية (sms) الهابطة لأن الشاب والفتاة سيتحول إلى التفاعل مع مجتمعه بدلا من الاختباء خلف اسم مستعار ليملأ فراغه بمداعبة مفاتيح جهاز الهاتف النقال لإرسال مشاعر نحو مجهول على الطرف الآخر للقناة.

التقدير بالعقوبة القاسية

جهد كبير ويستحق الشكر ذلك الذي تقوم به قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض في المتابعة الدقيقة والمتأنية لكل فعل إجرامي يهدد أمن السكان أو أخلاقيات هذا البلد الأمين، والذي أصبحت نتائجه تلمس بشكل يومي أو أكثر من مرة في اليوم الواحد في شكل عمليات قبض بالجرم المشهود وبكامل الأدلة والشهود وهذا النوع من الإنجاز الأمني هو من أصعب وأدق الإنجازات وأكثرها حاجة للجهد والصبر والحكمة والمتابعة الدقيقة والتحري الذكي .
التحري الدقيق والصبور الذي يؤدي في النهاية إلى الإيقاع بالمجرم وهو يمارس الجرم المشهود، لا تتوقف إيجابياته عند حد تسهيل إثبات الجريمة وسهولة إصدار الحكم بل ان له دوراً كبيراً وفاعلاً في الردع وهو الأهم .

خذ على سبيل المثال ذلك العامل البنجلاديشي الذي نشرت هذه الجريدة خبر القبض عليه في عدد الأربعاء 15محرم 1428ه رغم أنه كان يتنقل من حي إلى آخر ومن سكن إلى آخر وتحصن بعدد من العيون التي تخدمه في المراقبة وتشعره بأي مراقبة، إلا أن قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض أطاحت به وهو يمارس إدارة وكر للدعارة يستدرج فيه الخادمات الهاربات ليمارسن الدعارة مع عمالة مختلفة مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 150- 300ريال مما جعل دخله الشهري يصل إلى ثلاثين ألف ريال، وهو ما يزيد من احتمالية تحصنه وحيطته باستخدام عدد أكبر من المستفيدين والعيون وأدوات الإنذار البشرية، سواء تلك الحريصة على المال أو على المتعة المحرمة، لأن سقوطه يعد خسارة كبيرة مالياً للعيون المراقبة وجنسياً للزبائن وهذا أحد أشد أشكال المجرمين منعة وصعوبة لكنه وقع ووقوعه يعني للعديد من المجرمين أو المقبلين على ممارسة عمل مشابه رادعاً قوياً وسبباً في التوقف أو النزوح عن البلد غير مأسوف عليهم.

ذلك كان مثالاً فقط لأنه يحمل كل أسباب وعناصر ومغريات الاختباء لكنه وقع فأصبح أوضح أمثلة الردع، إلا أن الرادع في نظري لن يصبح كاملاً وقوياً ما لم تكن العقوبة صفعة حياة وليست مجرد صفعة عمر، لأن التسفير ليس عقوبة، والسجن لأقل من سبع سنوات لا يعتبر رادعاً كافياً، وطالما كررت أن لدينا تجربة فريدة وناجحة عالمياً تتمثل في عقوبات التهريب والترويج للمخدرات وكيف أصبحت سبب ردع حقيقي لأن المجرم هنا يراهن على حياته وليس على جزء من عمره أو مجرد عودته سالماً غانماً لبلاده.

إن جهود رجال الأمن تستحق الإشادة والتثمين، وأحد طرق تثمينها عقوبة رادعة للمجرم تقطع دابر شره .