الشهر: نوفمبر 2007

مَن للمتعففين؟!

في كل دول العالم المتقدمة والنامية والمتخلفة يوجد المشردون ويطلق عليهم صفة “هوملس” أي “بدون مأوى”، لكن التعامل معهم يختلف من دولة لأخرى، ونحن بكل المعطيات الدينية والاجتماعية والمالية والإنسانية ودعم القيادة الحانية أولى منهم جميعاً ولكن أين الموظف الذي يعمل للوظيفة المكلف بها وليس لنفسه فقط؟!
وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الأخ محمد العقلة قال في حوار تلفزيوني مع قناة الاقتصادية الفضائية ما نصه : إن الوزارة تطبق البحث الآلي عن الفقراء وبذلك قلصت مدة البحث من ستة أشهر إلى 15يوماً)، وعندما سألناه على الهواء أين البحث الآلي من أحد المحتاجين الذي اتصل من جدة بل أين البحث الآلي ممن يكتب عنهم الزملاء مناحي الشيباني و صالح الجميعة وسالم الكنعان يوميا في هذه الجريدة ومن يكتب عنهم في صحف غيرها؟!، استدرك وقال :(إن البحث الآلي لا يشمل الجدد وإنما يشمل المسجلين في الضمان سابقا)، وهذا يؤكد أن الشؤون الاجتماعية لدينا لا تزال تفتقد لآلية الوصول للمتعففين ومن لا يسألون الناس إلحافا.

إلى متى لا ترى وزارة الشؤون الاجتماعية إلا من تنشر عنه الصحف، ولا تتفاعل إلا مع من تفضح صوره قصور أدائها، ولا تتحرك مشاعرها إلا بعد أن تهتز مشاعر القراء، خوفاً من بعضهم؟!

أي عمل هو من صميم عمل هذه الوزارة (بعد فصل العمل عنها) أهم من إيواء المشرد وكفالة اليتيم وسد عوز الفقير؟!

إلى متى ووزارة الشؤون الاجتماعية تعتقد أن الميدان ليس من شؤونها وتصر على الاعتماد على سياسة موظف الكرسي الذي ينتظر توافد المحتاجين له وتوسلهم إليه ومع ذلك لا يتأثر إلا بما ينشر؟!

لماذا يكون النشر في الصحف حلقة أساسية في سلسلة تعامل وزارة خدمية مع المستفيدين من خدماتها، ولماذا لا تكون لوزارة الشؤون الاجتماعية عيونها وكشافوها الذين يعملون بستر وجدية ويتم التعامل مع تقاريرهم بمثل التعامل مع التقارير الصحفية بدءاً بأعلى هرم الوزارة وانتهاء بأصغر منصب فيها؟!

الشورى والضيف القادم

يجب أن نفخر كمواطنين بما وصلنا إليه فنحن نتطور بسرعة جيدة ومتزنة، والقناعة كنز لا يفنى، ويجب أن نتفاءل بأن القادم يحمل الكثير من البشائر فنحن نسير في الطريق الصحيح بخطى واثقة ورزينة، فكيف كنا؟ وأين أصبحنا؟!.
وصلنا مرحلة يناقش فيها مجلس الشورى الوزير عن هموم المواطنين وعن أمور دقيقة، ثم أصبحت هذه المناقشة تنقل لنا عبر التلفاز، وسبق أن وعد معالي الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى عبر الصحف بنقل مباشر للتحاور مع الوزراء وهذا جيد وتقدم كبير وسريع ورزين، ويدل على اهتمام كبير تلقاه هموم المواطن، وهذا مريح.

بكل فخر واعتزاز بما يقدمه مجلس الشورى أتقدم كمواطن فخور باقتراح متواضع: أقترح أن لا ترتبط الاستضافة بحدث ما أو ظاهرة اجتماعية، لا في التوقيت ولا في حدود المساءلة، مثلما حدث في مناقشة وزير التجارة عن ارتفاع الأسعار، كما أتمنى أن لا تقتصر فقط على الوزراء بل كل من يرتبط بمصالح المواطنين ويتضررون منه حتى لو كان أقل من مرتبة وزير.

ولمزيد من الوضوح أقول بأن على مجلس الشورى أن يستبق حدوث بعض المشاكل ويسائل المعنيين بها بناءً على ما يعلمه المجلس من قصور لابد وأن يؤدي إلى شكوى أو معاناة قادمة حتى قبل أن تحدث، فمثلاً إذا وجدت وزارة أو إدارة تعاني من غياب النظم والإجراءات والضوابط التي تحكم سير العمل، أو توجد بها الضوابط ولكن على ورق، فلا تحظى بالاحترام، فإن من الطبيعي جداً أن تعمها الفوضى وتزداد مشاكلها ومن ثم الشكوى منها وبالتالي فإن من الجيد أن يتنبأ المجلس باحتمال حدوث مشكلة على أساس أن “البعرة تدل على البعير” ويبدأ في مساءلة المسؤول عن غياب الأنظمة أو الفوضى الإدارية وكل ما قد يسبب أو سبب حدوث مشاكل قبل تفاقمها.

أيضاً الوزراء ليسوا هم فقط المعنيون بكل هموم المواطن فثمة مسؤولون مراتبهم أقل لكن صداعهم أكبر، والمتضررون من سوء إدارتهم أكثر، فإذا كان لهم ارتباط مباشر بمصالح الناس وخدمتهم ورعايتهم فلماذا لا تتم مساءلتهم؟!.

أجزم أن مجلس الشورى بفضيلة رئيسه العدل وأعضائه المخلصين قادرون على تلمس احتياجات المواطنين وتتبع شكواهم وقبل ذلك التدقيق في بوادر القصور لدى بعض الإدارات حتى قبل أن تفوح رائحتها في شكل ضرر ومن ثم مساءلة القادم عليها بحيث لا نشعر من هو الضيف القادم للمناقشة أو المدير الذي سيمثل أمام المجلس قبل أن يستفحل خطره وظلمه وضرره.

فينا واحد يلعب

أشكال المعاناة التي يعاني منها مجتمعنا مثل خسائر المواطنين في سوق الأسهم، ومقاومة القطاع الخاص لخطوات السعودة ومشاكل تعيين المعلمات السعوديات في مناطق نائية بينما توظف المدارس الخاصة متعاقدات في المدن الرئيسية لأنهم لا يريدون توظيف السعودية إلا بأجر زهيد، وارتفاع الأسعار، وأشكال وممارسات القطاع الصحي الخاص، وحيل مكاتب الاستقدام، والغش التجاري بجميع صوره وأشكاله، والمخالفات الشنيعة للمطاعم واستخدامها لأغذية فاسدة وأماكن تحضير مقززة، وتحايل العقاريين في المساهمات العقارية، جميعها صور تدل على أن فرص الكسب التي يتيحها الوطن بسماحة وحرية ويسر تُستغل أسوأ استغلال من قبل بعض أو معظم التجار.
لقد اتضح جلياً أن الوطن يعطي بسخاء وهؤلاء يأخذون بشراهة ونهم وغياب ضمير، صحيح أن معاناة المواطن أو المستهلك في هذا الوطن المعطاء لا تقارن بغيره من دول العالم الثالث، وأن من الإنصاف القول إننا أفضل حالاً من كثير من مواطني دول أخرى، لكن يسر الحلول وسهولتها وكونها في متناول اليد يجعلنا أكثر إلحاحاً وأكثر مطالبة.

معظم المشاكل يمكن تلخيصها بالقول إن “فينا واحداً يلعب وفينا واحداً يعاني”، فالتاجر يلعب والمستهلك يعاني مع أن كل الظروف والمعطيات والأجواء مهيأة لأن يربح التاجر دون أن يلعب ويستفيد المستهلك دون أن يعاني!! وكل ما نحتاج إليه هو سرعة تفعيل أوامر ملك تخالط هموم شعبه أنفاسه، ويجري حبهم وعطفه عليهم في دمه.

ولعل أوضح الشواهد صدور باقة متكاملة من الأوامر الملكية بإنشاء هيئة حكومية لحماية المستهلك ولجنة مشابهة من الأهالي وفي نفس الوقت إعادة لهيكلة القضاء ومحاكم متخصصة وكل ذلك يصب في صالح الكسب دون لعب والاستفادة دون معاناة.

كل ما أتمناه واستناداً إلى التاريخ والتجارب السابقة والمشابهة أن لا يتدخل التجار في تشكيل وعمل لجنة حماية المستهلك لأن التجار إذا دخلوا لجنة أفسدوها ولأن ثمة تضارب مصالح واضحاً بين التاجر والحماية.

المجرم الحقيقي طليق

ماذا نتوقع من إهمال المرضى النفسيين في مجتمعنا، وحرمانهم من الرعاية الصحية الحقيقية المتخصصة (ليس مجرد احتجاز المحظوظ منهم في مصحات غير مهيأة لعلاجهم)؟! هل نتوقع أن نصبح على حادث لمريض نفسي يطعن والده ونمسي على حادثة مريض نفسي يقطع رأس ابن أخيه، كما نشر في هذه الجريدة يومي الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع قبل الماضي (حادثتين دمويتين في يومين!!).
وقبل ذلك نشر عن حادث مريض نفسي يقتل أخاه ذا التسع سنوات بدم بارد في حريملاء، وآخر يحرق سيارته في أحد شوارع أبها، أو ذلك الذي خلع ملابسه وتعرى عند اشارة مرور مقابل مبنى مجلس الشورى، وقد كتبت حينها أنه ربما أراد بعث رسالة للمجلس الموقر علّه يلتفت للمرضى النفسيين.

مسكين هذا المريض النفسي، لا يقدر على الشكوى بلسان فصيح ولو اشتكى بلسانه فحجته ضعيفة فهو مجرد مختل عقلياً أهمله مختل إدارياً.

لاحظ أنني لم اسمِّ أياً من الحوادث التي استشهدت بها “جريمة” بل “حادثة” لأن ما يرتكبه المريض النفسي حادثة مجرمها الحقيقي طليق.

أتساءل دائماً: لماذا يقتصر التقرير في شأن وطني حساس، لشرائح كبرى من المجتمع، هم المرضى، على مديرين لا يملكون غير تأهيل طبي نحترمه ونقدره لكنه لا يعطي صاحبه خاصية “الجوكر” العالم بكل شيء، فالطبيب الناجح، مثل المهندس الناجح والمحاسب الناجح، لا يفترض بالضرورة أن يكون مدركاً لخطورة قراره الإداري بإهمال شريحة من المجتمع حتى لو كانوا مرضى!! فما يربطه بهم هو قدرته على تشخيص مرضهم وعلاجهم فقط، إذا كان ضمن مجال تخصصه.

إذاً وما دام التخصص بهذه الدقة والانتقائية فإن من الظلم أن يتولى الطبيب منصباً إدارياً يخوله لتقرير مصير شريحة كبرى من المجتمع في شأن خدمي يتعلق باستراتيجية الدولة في رعاية مواطنيها وشمولية الرعاية والتخطيط لها وتنفيذها، فالطبيب يتعامل مع المرضى لكنه قد لا يدرك خطورة عدم انشاء مستشفيات تستوعب كل المرضى النفسيين لأن رسم الاستراتيجيات لاستيعاب شرائح كبيرة من المجتمع ليس من تخصص الأطباء، ولأن استشعار المخاطر الاجتماعية والنفسية والأمنية لإهمال شريحة كبرى ليس ضمن قدراتهم.

عجباً يا وطني كيف نتقيد بالتخصص الدقيق جداً في علم الطب الذي درس الدارس عمومه وتخصص في فروعه وننسى بأن الإدارة والتخطيط والاقتصاد تخصصات لا يجيدها الطبيب ولم يدرس مقرراً واحداً منها؟!!

اقتراح للوطن عبر وزارة البترول

منذ حادث تفجير العليا عام 1996م والحوادث الإرهابية التي استهدفت بعض الأجانب في المملكة وتضخيم الإعلام الغربي لهذا الاستهداف وادعاء حدوث فجوة بين السعوديين وضيوفهم من الأجانب العاملين في المملكة رجالا ونساء، وادعاء الإعلام الأمريكي أن العاملين الأجانب في المملكة غير مطمئنين ويغادرون بأعداد كبيرة ، منذ ذلك الحين وأنا أرى بأن جولة أي وفد غربي يزور المملكة ،خاصة الوفود الصحفية، يجب أن لا تركز على المباني والمنشآت والمواقع التراثية وأسواق الذهب بل علينا أن نركز على كل ما يدحض ادعاءات الإعلام المعادي ويوضح حقيقة عقلية الإنسان المسلم السعودي المحب لغيره والإطلاع المباشر على أحوال ونفسيات العاملين الأجانب وخاصة الأوربيين والأمريكيين في المملكة لتكون شهادة من شاهد منهم بأن إعلامهم لا يعكس واقع المملكة وأنه حتى الصحف الأمريكية والأوروبية التي يعملون بها (بالنسبة للوفود الصحفية) ليست أهدافها نزيهة ولا نهجها محايداً عندما يتعلق الأمر بالمملكة .
وكنت ولا زلت أرى أن عقد لقاءات وحفلات عشاء أو غداء تجمع تلك الوفود مع أبناء جلدتهم العاملين هنا ومع أبناء المملكة للتحاور والنقاش وتبادل الأحاديث بل وحتى (النكات) أهم من مجرد الإطلاع على مشاريع وأسواق بيع الذهب .

طبقت هذا المفهوم أول مرة منذ عدة سنوات عندما زار المملكة وفد من الكتاب والصحفيين الأمريكيين قوامه 25رجلاً وامرأة، وكان ضمن برنامج الوفد زيارة الشئون الصحية بالحرس الوطني، وكلفني معالي الدكتور فهد العبد الجبار ،المدير العام التنفيذي آنذاك، بتولي برنامج الجولة ، وهو رجل إذا كلف موظفا لا يتدخل في عمله ولا يتردد في محاسبته إذا تهاون قلت له: لا جولة لهم عندي، وليس أبلغ من أن نجعلهم يستمعون إلى أبناء جلدتهم وأبنائنا في جلسة شاي وقهوة في المقهى المفتوح في المدينة السكنية وندعهم يسألون عما يريدون، وبذلك سوف يتجولون جولة سمعية يصف خلالها حكم من أهلهم وأهلنا ما يجده في هذا البلد الأمين بما يصحح نظرتهم، لكنني لا أعدك بأنهم جميعا سيكتبون انطباعهم وإن كتبوا فقد لا ينشر ولكنه انطباع سيبقى وينتشر في المجتمع الغربي رغما عن صحفهم!! ، وجاءت موافقته في شكل ابتسامة ونظرة إخلاص وطني لم يعقبها شرح (حسب النظام) أو إحالة إلى لجنة.

وفعلا تم اللقاء في الهواء الطلق ودون تكلف وعلى طاولات مقهى أشبه بمقاهي خان الخليلي وطلب الضيوف تمديد اللقاء ساعتين على حساب مدة الزيارة التالية .

أقترح على وزارة البترول والثروة المعدنية أن تستغل مناسبة انعقاد قمة أوبك الثالثة في تنظيم لقاءات مشابهة خاصة للوفود الصحفية مع الكوادر السعودية الشابة ومع العاملين في المملكة ، في حفلات شاي بسيطة غير مكلفة ولا متكلفة في أجواء الرياض الرائعة هذه الأيام وستكون أجمل لو تمت في المزارع أو الصحراء حول النار(نار تدفئ المشاعر ولا تحرقها)، فالطابع الشاعري لبعض اللقاءات تجعله لا ينسى .