الشهر: يناير 2008

فوبيا المواجهة

ونحن نمضي مسرعين، إن شاء الله، في طريق الإصلاح وحلحلة الكثير من أسباب المشاكل التي يعاني منها المستفيدون من الخدمات والمواطنون والمقيمون بصفة عامة، فإن علينا أن نشرع في الأخذ في الحسبان شخصية الموظف المسؤول عن الخدمة سواء كان مديراً أو أقل أو أعلى.
أحياناً لا ذنب للنظم والإجراءات ولا التشريعات فيما يحدث من قصور وإنما يعود القصور كبيره وصغيره لخلل في طباع وشخصية وسلبية المدير.

خذ مثالاً للتوضيح فقط وطبقه على ما شئت، فها هو مدير إحدى المدارس المتوسطة انقطع الماء عن المدرسة التي يديرها لعدة أيام ونظراً لطيبته الشديدة “السلبية” وعدم رغبته في إزعاج المسؤولين في وزارة التربية والتعليم، لكيلا يكون مديراً مزعجاً، كلف المعلمين بإخراج كل طالب يحتاج لدورة المياه إلى دورات مياه مسجد الحي، ولكم أن تتخيلوا ما يمكن أن ينجم عن هذا التصرف من أخطاء وأخطار وكلفة على المعلمين والطلاب وربما أولياء الأمور لو حدث مكروه أو مكروهات لطالب أو أكثر. بل دعونا نتخيل ما سيحدث للمدير نفسه جراء ذلك وهو بالتأكيد أشد وأقسى مما سينتج عن إزعاج رؤسائه لكنها “فوبيا الرئيس” التي يعاني منها بعض الموظفين وتؤدي إلى معاناة المجتمع بأسره.

ومن خلل شخصية المدير أن يكون مسالماً أكثر مما يجب وتواقاً للبعد عن كل خطوة تحقق مصلحة العمل أو مصلحة وطنية لكنها تحتاج إلى قوة شخصية ومواجهة ومحاولة إقناع، وفي هذا الصدد أذكر مقولة لأحد المثقفين الهنود حاورته في هذا الموضوع “المدير السلبي”، فأجابني بمثال لا يخلو من حكمة الهنود، وبلاد الهند معقل للحكمة ودقة الاستدلال، فقال: عندما يكون الجار بديناً وشرساً ويتعمد رمي أوراق الأشجار ونفايات حديقته في حديقة جاره فتغضب زوجة الجار وتطلب من زوجها أن يكون رجلاً ويتحمل مسؤولياته بمنع ذلك الجار الشرس من هذا السلوك وإجباره صاغراً على إزالة ما رماه، فإن الزوج عندما لا يكون قادراً على المواجهة سيقول لها حسناً حبيبتي لا عليك أنا سوف أتولى “كنس” الأوراق بنفسي دن مشاكل وكلانا سيتحقق له ما يريد هو يمارس لذته برمي نفاياته على منزلنا وأنت تسعدين بأن النفايات أزيلت وأنا أسعد بتلافي المواجهة.

قلت له يا صاح هذا يصح على المستوى الشخصي أما على مستوى أداء الوظيفة فإن كل ما يفعله المسالم جداً هو ركن أوراق الشجر والنفايات في زوايا الدائرة ليعاني منها الجميع وسيتحمل عبء إزالتها من يأتي بعده.

إذاً فإن شخصية الموظف من أهم عناصر الاختيار.

الأمراض السبعة

تحدثتُ كثيراً وخاصة في القنوات الفضائية عن ما يوفره الوطن للمواطن من حق علاج الأمراض السبعة في أي مستشفى متقدم دون قيد أو شرط أو خطاب استثناء، طالما أثبتت تقارير طبية أو فحوصات إصابته بأحد هذه الأمراض .
وكثيراً ما سئلت عن ماهية هذه الأمراض السبعة مما يدل على أن الكثير من حقوق المواطن أو الفرص التي يوفرها الوطن للمواطن يجهلها الكثير من المواطنين، رغم أهميتها ومساسها بعنصر مهم جداً وحساس وهو الصحة .

هذا الحق بالعلاج في أي مستشفى متقدم في المملكة، جاء بناءً على نظرة حانية ورعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين مباشرة ودون أدنى تأخير عندما رفع له المخلصون بهذا الشأن وأوضحوا له مضاعفات وطبيعة وخصوصية هذه الأمراض وحاجتها للعلاج المكثف والمتقدم وطويل الأمد .

خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه لم يتوان لحظة واحدة عن الموافقة على هذا المقترح، ويجدر بكل من له علاقة بعلاج مثل هذه الأمراض أن يتفاعل بنفس النظرة الثاقبة والشعور الإنساني والعاطفة الأبوية الجياشة التي تقدر معاناة المصابين بهذه الأمراض وذويهم .

وأرى أن التعريف بهذا الحق أهم كثيراً إعلامياً من مجرد عرض بعض الإنجازات الطبية أو الإدارية التي تهدف إلى إبراز جهود شخص أو عدة أشخاص رغم أنه دورهم وواجبهم فتوعية المواطن بحقه الذي قد لا يعرفه أكثر أولوية في نظري من إطلاعه على إنجازات يمكنه رؤيتها على أرض الواقع، ولكن من المؤسف أن هذا التعريف بالحق لا يتم بالطريقة المفترضة والتي تقارن بالتعريف بالإنجاز، بل إن ثمة مفاهيم خاطئة تواجه المريض أو قريب المريض تتمثل في ضرورة حصوله على خطاب استثناء لعلاج هذه الأمراض، مع أنه ليس في حاجة لغير إثبات الإصابة بهذا المرض بتقرير طبي من المستشفى الذي أحاله سواء من قريته أو هجرته أو مدينته ويفترض أن يُقبل مباشرة دون تعجيز، فكم من مريض أو قريب مريض اضطر إلى مصاعب كثيرة للحصول على خطاب علاج رغم أنه يعاني من أحد تلك الأمراض السبعة .

ولعلي أبدأ مسؤولية القصور بالتعريف لهذه الأمراض بشخصي ككاتب فالبرغم من أنني تحدثت عن الحق بعلاجها دون خطاب استثناء في أكثر من مقال ومناسبة تلفزيونية إلا أنني قصرت بعدم تعدادها ولعلي أعالج هذا القصور وبسردها الآن وهي: أمراض السرطان وأمراض الكبد والكلى والقلب وشلل الأطفال والإيدز والأطفال حديثو الولادة وبهم عيب خلقي أو تشوه .

حليمة عادت يا معالي الوزير

خلاف الكثير من الأطباء الإداريين اتخذ معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع موقفا إيجابيا حازما تجاه الأطباء الاستشاريين السعوديين الحكوميين الذين يخالفون أنظمة البلاد بالعمل في عيادات القطاع الخاص تاركين مرضى المستشفيات الحكومية للأطباء المتدربين والمتعاقدين مما أشاع الأخطاء الطبية وحرم المتدربين من الاستفادة من الاستشاري.
قام معاليه في بداية العام المنصرم بتجنيد المخلصين في وزارة الصحة بمتابعة هذه المخالفة الصريحة للنظام وأخلاقيات المهنة وتطبيق غرامات كبيرة على المستشفيات الخاصة التي تتيح للطبيب المخالف ممارسة هذا العمل في عياداتها، وأمام تلك الحملة أشاع بعض الأطباء وقف عياداتهم في المستشفيات الخاصة.

في مقال سابق خشيت بأن يكون التجميد مجرد مناورة وقتية لتهدئة الأمور من الطرفين الأطباء والمستشفيات والمراكز الخاصة، وفعلا عادت حليمة إلى عادتها القديمة وعادت شكوى المرضى في المستشفيات الحكومية من هروب الاستشاري أثناء الدوام الرسمي ومتابعة المرضى بالجوال، وعادت شكوى العديد من الأطباء المقيمين (المتدربين) من غياب الاستشاري الموجه والمرجعية العلمية وعادت الأخطاء الطبية الناجمة عن مزيج من انشغال وإهمال الاستشاري وقلة خبرة البديل.

أعان الله معالي الوزير والمخلصين في وزارة الصحة فليس أصعب من أن تتعامل مع ممتهن تفرض فيه الشعور بالمسؤولية والنضج المهني، وتفترض طبيعة مهنته أن يتعامل مع المستفيد في معزل عن الأهواء والرغبات والجشع ودون حاجة للتوجيه والرقابة اللصيقة خصوصا في مهنة إنسانية الطابع كالطب.

وسبق أن ذكرت في مناسبة إعلامية أن اليد الواحدة لا تصفق لكنها (تصفق) أي تصفع وأنا على ثقة أن معالي الوزير سيعيد صفع هذه الظاهرة التي من شأنها تشويه جمال الرعاية الصحية في وطننا الغالي التي كانت وستبقى إن شاء الله شاهداً حضارياً على تطور هذا البلد الأمين.

غياب المفاهيم

أجنبية، لكنك تستطيع تأهيله وتنمية الحس الوطني لديه بحيث يكون حديثه واقعيا ومشرفا وقبل هذا وذاك يخدم صالح الدين والوطن.
في ظل تكاثر الفضائيات وانتشار مراسليها في أرجاء المعمورة فإنك بالتأكيد لن تستطيع منع شاب أو شايب أو فتاة أو عجوز من التحدث للفضائيات بما يسيء للوطن بقصد أو بدون قصد، فزمن المنع ولى وحل زمن تأهيل المواطن ليكون مواطنا يمثل وطنه خير تمثيل، وهذا الدور أهمله التعليم ولا يزال يهمله، بالرغم من إدخال التربية الوطنية كمقرر شكلي يدخل ضمن حقبة (جعجعة التعليم) لأن الهدف منه كان تجملا وليس جمالا، وتصنعا وليس صناعة، وحب ظهور وليس مظهرا.

تألمت كثيرا وأنا أشاهد حوارا أجرته قناة (فوكس نيوز) مع شاب سعودي في الرياض وكان يصف لها حيل الشباب في مغازلة الفتيات عبر رمي الأرقام (ما يسمى بالترقيم) وعبر خاصية (البلوتوث) في الجوال ويبدو من مخارج اللغة الإنجليزية التي تحدث بها أن الوطن كان قد ابتعثه إلى أمريكا للدراسة فعاد ليرد دين الوطن بالإساءة إليه وبواسطة نفس اللسان الذي منحه الوطن فرصة تعلم لغة جديدة !!.

نحن لا ننكر ان ثمة شباباً (صيّعاً) همهم مغازلة الفتيات والعكس صحيح، ولكن هل هذه هي الصورة السائدة لعلاقاتنا الاجتماعية أو هي الماركة المسجلة لمجتمعنا، لكي نصفها لمراسلة قناة أجنبية يتابعها ملايين البشر في أنحاء العالم ؟! ثم هل يدرك أبناؤنا أن مجتمعنا المستهدف في دينه وأمنه وتماسكه لديه من الأعداء إعلاميا من تكفلوا بالإساءة إليه يوميا حتى ينضموا هم إلى ركب الأعداء في أقرب فرصة ظهور إعلامي ؟!.

وإذا كان تحدُّث الشاب عن الترقيم والغزل نتيجة سذاجة، فإن ثمة من نذروا أنفسهم لتصيد أخطاء المجتمع، وتحوير حيثيات الأحكام القضائية النبيلة، وتشويه أهدافها ونقل كل ذلك للقنوات الفضائية المعادية أو لسفارات الدول التي تتحين الفرص من أجل النيل من هذا الوطن.

شخصيا أنا أحمل مسؤولية هذين (السلوكين)، السلوك الساذج والسلوك الشاذ لزيد وعبيد إلى القصور في التربية الوطنية في مراحل التعليم وغرس ثقافة حماية سمعة الوطن في المنزل وفي الحارة وفي مقر العمل وذلك لأننا نفتقد للمنهج وللقدوة.

أما على مستوى الشعور الفردي الأناني فإنني أجزم أن مراسلة (فوكس نيوز) لو سألت ذلك الشاب سؤالا يفترض أن تسأله لو كانت تتمتع بالحياد، لو سألته هل تعتقد أن أختك على الجانب الآخر من الطريق تستقبل الأرقام وتغازل؟! أجزم أن المراسلة لن تسمع الإجابة ولكن سوف تشمها شما من قبضة يد !!.

إذا أردت أن تعرف درجة تدني الحس الوطني لدى شبابنا والخلل في التربية الوطنية وثقافة الدفاع عن السمعة، فما عليك إلا أن تقارن بين السذاجة والخنوع عندما يتعلق الأمر بالوطن، والفصاحة والذكاء وقوة الحجة عندما يتعلق بتشجيع فريق رياضي على آخروستجد أن القصور يكمن في غياب غرس المفاهيم والصقل أيضا.

زودوها يا وزير العمل

طالبنا كثيراً وزارة العمل بتحديد أطر واضحة وجديدة لتعامل الموظف السعودي مع رب العمل من القطاع الخاص.
جديدة ومحدثة لكي تتعامل مع العديد من المستجدات التي شهدتها خطوات “السعودة” بما حملته من عزم الدولة على فرض السعودة كمطلب وطني ، واجتماعي ، واقتصادي ، وأمني ، وما قابله من مقاومة بعض التجار وملاك القطاع الخاص بعدة صور وممارسات وتكتلات وخطط تشتمل على إجراءات(تطفيش) وتعجيز وتحايل على خطط السعودة ، وحملات إعلامية طالت وزير ومنسوبي وزارة العمل ، ومثل تلك الممارسات يفترض أن تقابلها الوزارة بتحديث الأطر التي تحكم العلاقة بين الموظف والقطاع الخاص ، وذلك اضعف الإيمان ، لكنه لم يتحقق.

فيما يخص حقوق الموظف السعودي على القطاع الخاص وتحديد أطر واضحة تحكم تعامل رب العمل مع الموظف لم يجدّ جديد يذكر ، مقارنة بما حدث مع العمالة المنزلية المستقدمة والتي حظيت باهتمام وامتيازات تخدم العمالة على حساب المواطن ، مما يشير إلى أن ضغوط المواطن كرب عمل أو مالك قطاع خاص على الوزارة أقوى من مطالبات المواطن كرب منزل.

الجديد من ممارسات القطاع الخاص والذي أتمنى من الوزارة الوقوف ضده بقوة لأنه يتنافى مع كل أعراف وقوانين العمل هو رفض بعض الشركات والمؤسسات والبنوك إعطاء الموظف شهادة خبرة أو ما يثبت أنه أمضى في الشركة عدداً من السنين و لا يزال على رأس العمل ، وهو حق نظامي وأدبي من حقوق الموظف لا يختلف عليه اثنان.

قد يكون السبب وراء هذه الممارسة المجحفة هو تشبث الشركة أو البنك بالموظف لتميزه ومحاولة الحيلولة دون حصوله على فرصة عمل أخرى ومن ثم انتقاله ، وهذا خطير ، لأنه يعني أن الموظف السعودي الجاد والمتميز يُحتكر دون مميزات بل بطرق غير مشروعة فلا هم براحميه ومشجعيه بمنحه المغريات ولا هم بتاركيه لمن يقدره حق قدره !!.

ولا شك أن نسبة من هذه الممارسة تحدث بسبب مواقف شخصية وتعنت وممارسة فوقية في ظل غياب الحماية. وفي كل الأحوال فهي غير منطقية ولا مشروعة ، خصوصاً وأن الخبرة هي من أساسيات عناصر الرغبة في المتقدم ، ومن الطريف أنها من أهم حجج التجار المتقاعسين عن السعودة ، والتي يكررونها في كل محفل ، وكنا نقول كيف للشاب الخريج أن يحصل على الخبرة وهو لم يحصل على فرصة التوظيف ، والآن حق لنا أن نقول كيف له أن يحصل على شهادة الخبرة ورب العمل يرفض إعطاءه هذه الشهادة المستحقة.

أما الأكثر طرافة وقهراً فهو أن بعض موظفي القطاع الخاص الممنوعين من شهادة الخبرة يلجأون لمؤسسة التأمينات الاجتماعية للحصول على تقرير التأمين لإثبات أنهم عملوا وهي حيلة من لا مرجعية له.

على حساب الفقراء

لم أكن قط مؤيداً لاستخدام البديل التقني أو “التكنولوجي” لإنجاز الواجبات الشرعية والاجتماعية أياً كان السبب، وأقصد مثلاً الاكتفاء بشراء بطاقة أضحية بدلاً من شراء الأضحية وذبحها أو حضور ذبحها على أقل تقدير، ونفس الشيء ينطبق على الصدقة أو إطعام المساكين أو كفالة اليتيم فيجب أن تمارس بتثبت ومباشرة وإشراف ذاتي من المتصدق.
وطبيعي لمن لديه مثل هذا الشعور أن لا يؤيد تحويل مصارف وقنوات الصدقات إلى الخارج عبر حسابات بنكية، لأن الأقربين أولى بالمعروف خصوصا أن لدينا من المحتاجين أعداداً أكثرمما يتخيله من يصدر الصدقة للخارج، هذا سبب، والسبب الثاني غياب عنصر التثبت والوقوف على وصول الصدقات للمستحقين فعليا ومثل هذا الضمان لا يتحقق إلا بالوقوف على التسليم والتثبت منه!!، وأذكر غير مفاخر ولا شامت أنني سبق أن كتبت ناهيا عن تحويل قنوات الصدقة من الداخل إلى الخارج للأسباب نفسها قبل عدة سنوات وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر والإرهاب، وغضب علي أحد منسوبي جمعية خيرية تصدر الصدقات للخارج، وعقب بما يعكس انفعاله وعندما تكشفت الأمور اتضح أن بعض الصدقات لبعض الجمعيات لم تذهب لفقراء مال إنما لفقراء عقل!!.

بطبيعة الحال فإن رأيي هذا ينطلق من رؤية اجتماعية بحتة وليس بناءً على علم شرعي فالشرع له علماؤه وللفتوى أهلها، لكن من وجهة نظر اجتماعية اعتقد أننا نتكاسل كثيراً وندّعي الانشغال غير المبرر إذا أردنا أن نوفر الجهد على حساب الدقة والفاعلية وأن نرفع رصيد ساعات الراحة بالتحويل من حساب أعمال الخير والقيام بالواجبات الشرعية، فثمة أعمال أخرى كثيرة يمكننا إيكالها للغير والاستفادة من وقتها في راحة لا تؤثر على الأساسيات ومن أهم الأساسيات في نظري التأكد من وصول الصدقة للمستحقين وأداء الشعائر بالطريقة الصحيحة المضمونة وبإشراف مباشر من الشخص نفسه لأن في ذلك لذة وراحة نفسية تفوق كل راحة.

أنا لست ضد التسهيل في الإجراءات والتيسير على الناس فقد أعدّ ضمن أكثر المطالبين بالحكومة الإلكترونية واستخدام التقنية والحاسوب في التسهيل على الناس ولكن هذا ينطبق على المعاملات والإجراءات النظامية، أما ما يتعلق بأعمال الخير، كالصدقة وكفالة اليتيم وإعتاق الرقاب ومعالجة المرضى والتسديد عن السجناء والصرف على الأسر المحتاجة فإنني أرجو أن لا نعتمد فيها على الغير وعلى عروض الإجراءات الميسرة وشراء البطاقات مسبقة الدفع لأن من سيعاني هم الفقراء الحقيقيون محليا.

رقيب لا يقرأ

أوضح الأدلة على وجود النظم والإجراءات والقنوات النظامية الكفيلة بحل مشكلة ما أو إتمام إجراء معقد هو حلها فورياً عندما تطرح إعلامياً، أي أن سبل الحل كانت متوفرة وسهلة وممكنة لو رغب الموظف في حلها أو لو شعر بأن أحداً سيحاسبه على قصوره وتخاذله بينما بقيت لعدة أشهر أو عدة سنوات عالقة عندما كانت متابعتها تتم بعيداً عن عين الرقيب وبالتعامل مع موظف أو مدير أو مدير عام في معزل عن أي عامل من شأنه هز الكرسي.
أقصد أن مشاكلنا لا تكمن في غياب النظم والإجراءات على الدوام، بل تتمثل في عدم توفر الحماس والإخلاص في إنجاز معاملات الناس وحل مشاكلهم والتعامل مع احتياجاتهم النظامية كلها وكأنها جميعاً نشرت في صحيفة أو تابعها وسيط عزيز أو حاول دفعها شفيع نَفيع.

إذاً فإن المشكلة تكمن فينا نحن وليس في النظم والإجراءات وما دام الأمر كذلك فإننا، أو غالبيتنا، نعاني من نفس المشكلة كمراجعين، ونمارس نفس الخطأ الفادح كموظفين، إلا من رحم ربي ورزقه الإحساس بأن الوظيفة أمانة، وأنه أمام معاملات ومصالح الناس راعٍ ومسئول عن رعيته من المراجعين، ويفترض أن يتعامل مع كل معاملة أو مصلحة أو مشكلة لمواطن في يده حلها وكأنها نشرت في الصحف اليوم، ولو طبقنا ذلك فإن النسبة العظمى من مشاكل الناس التي تسبب الاستياء والشكوى سوف تنتهي تماماً دون ضجة إعلامية أو شكوى في الصحف.

في الوقت الذي أؤكد فيه أن الحل الفوري للمشاكل المنشورة يدل على أن العيب في المدير أو الموظف وليس النظم والإجراءات، وأن السبب في سرعة وقوة التفاعل هو الخوف من إطلاع الرقيب على القصور المنشور، فإنني أنصح بأن لا نعتمد على النشر كوسيلة حل، وأتمنى أن نفعل دور الرقيب دون نشر، الرقيب الذي ليس بالضرورة أن يقرأ في الصحف ليتفاعل وإنما يتفاعل حتى لا يقرأ شيئاً سلبياً في الصحف.

لعبة الكراسي الطبية والدوارة

لفت نظري عنوان في صفحة المحليات في هذه الجريدة يقول (مواطن مصاب بالقدم لم يتم منحه كرسياً متحركاً والكراسي المكتبية تحل بدل الطبية في مدينة الملك فهد)،
اعتقدت للوهلة الأولى أن العنوان يشير إلى أن الكراسي المكتبية أخذت نصيب الكراسي الطبية من الميزانية، وهذا هو الواقع في كثير من الدوائر، ولعلنا نذكر الموقف الشهير عندما كان د. غازي القصيبي وزيرا للصحة وسأل مدير الشؤون الصحية في المنطقة الوسطى آنذاك عن سبب تواضع غرف المرضى وأسرّتهم وحجرات الانتظار المخصصة لمرضى العيادات فكان رد المدير بأنه يعود لشح بنود الميزانية وعندما دخل مكتبه وجد اثاثا فاخرا ودورة مياه تصلح مكتبا فاتخذ الوزير موقفا حازما تجاه المدير وحدد درجة ونوعية اثاث المكاتب.

ونلاحظ كثيرا هذه الأيام على المستشفيات الحكومية عدم وجود تناسب بين التقتير على المرضى والبذخ على الأثاث المكتبي، فيتم التقتير على المريض ومطالبته بالدفع أو الشراء من السوق بحجة شح الموارد وهو ادعاء غير صحيح بدليل أن تكلفة الديكورات الخشبية “السنديانية” وتزيين المكاتب الفخمة لبعض الموظفين تكفي لتوفير احتياجات مئات المرضى من الأجهزة والأدوات الطبية والكراسي المتحركة في حين نجد أن غرف الطوارئ لا تتوفر فيها كراسي متحركة لنقل المرضى من سياراتهم!!.

أعود للخبر فعندما نظرت للصورة المرافقة للخبر وجدت أن العكس هو ما يحدث في مدينة الملك فهد الطبية، فقد استخدمت كراسي الموظفين الدوارة لنقل المرضى بدلاً عن الكراسي المتحركة وهذا أيضا يعكس سوء ادارة وسوء تقدير للاحتياجات وإهمالاً لسلامة المريض أثناء النقل، وان كان لا يعكس استغلالا للميزانية في الصرف على أثاث المكاتب على حساب الرعاية الصحية.

شخصيا ليس لدي اعتراض على أن يكون مكتب الموظف مهيئا ومجهزا لقيامه بمهامه الوظيفية، وجميلا يمنحه الجو النفسي للعمل، ولكنني ألحظ مبالغة كبيرة في تأثيث بعض المكاتب، وترك ذلك لهوى الموظف احيانا مما يثير حزازات بين الموظفين وتفرقة محبطة، والمؤكد لدي بحكم تجربة طويلة ورصد دقيق أن ثمة علاقة عكسية بين قدرات الموظف و أثاث مكتبه، فكلما كان الموظف اكثر تأهيلا وأكثر تمكنا وأكثر ثقة في قدراته كان مكتبه أقل كلفة، والعكس صحيح فالمبالغة في تأثيث المكتب وتزيينه بالديكورات المكلفة ترتبط ارتباطا مباشرا بضعف الثقة بالنفس ونقص المؤهلات والقدرات ولذا فمن غير المنطقي ترك الأمر للموظف أيا كانت درجته.

دعونا معا نجرب وندون ملاحظاتنا على العلاقة بين كفاءة الموظف و أثاث مكتبه، ونربط بينهما وإن كان الأهم أن تكون العلاقة بين الصرف على الأثاث المكتبي الترفيهي والصرف على الخدمات الأساسية ومنها خدمات المرضى متوازنة والأولوية فيها للخدمة الأساسية التي تمس المواطن أو المقيم.