الشهر: مايو 2008

النقيض البغيض

كثر ما يغيظ مواطناً خرج للتو من مكتب موظف عطّل له شأناً بدون حق، أو ظلمه أو تعامل معه بغطرسة وغلظة دون مبرر، أن يدير التلفاز فيشاهد ذات الموظف يتحدث عن التعامل الحسن المثالي ويطالب به.
وأكثر ما يغيظ زوجة أهانها زوجها قبل خروجه من المنزل أن تشاهده أمام وسائل الإعلام يتحدث عن احترام المرأة ويمارس التنظير حول هذا الموضوع.

وأكثر ما يغيظ مريضاً أعياه المرض وزاده إعياءً انتظار طبيب لم يحضر لعيادته لأنه يسترزق (مخالفاً) في مستشفى آخر، أن يقرأ أو يسمع حواراً صحفياً مع ذات الطبيب يتحدث من خلاله عن إنسانية مهنة الطب وتضحية الطبيب من أجل مرضاه.

وأكثر ما يغيظ موظفاً يعاني من تحيز مديره وافتقاده للعدل بين الموظفين وممارسته لصور من الفساد الإداري واستغلال السلطة وظلم الناس، أن يراه على وسائل الإعلام يحاضر عن الإنسانية والنزاهة والنجاح الإداري ويبتسم بفم مائل، لأنه مجبر على ابتسامة غير واقعية، تتجاذبها الأعصاب اللاإرادية إلى جهة الحقيقة المرة ومن جهة تجذبها رغبة التظاهر فتميل.

الظهور إعلامياً بمظهر النقيض أمر يغيظ لمن يعرفون الشخص على حقيقته، فالمراجع قد يتحمل غطرسة الموظف بما منحه الله من قوة التحمل والصبر والاحتساب وعلى أساس أنه يشفق على ذلك الموظف لافتقاده لمفهوم التعامل الحسن ولكنه حينما يراه يتحدث عن حسن التعامل بما يشبه الإدراك يثور غضباً لهذا التناقض.

والزوجة لديها قدرة عظيمة على تحمل غلظة الزوج على افتراض افتقاده لصفة البشاشة ومفهوم تقدير المرأة، تماماً مثلما تتحمل وتصبر على افتقاده لأشياء أخرى مهمة، مما يؤكد أن المرأة أعقل كثيراً من الرجل في هذا الجانب، لكنها تستثار إلى درجة فقدان العقل لو علمت أن زوجها يمتلك الشيء لكنه يعطيه لغيرها وهذا ما يحدث عندما تراه على التلفاز يتحدث عن حقوق المرأة وهو قد حرمها للتو أهم حقوقها وهو الاحترام.

والمريض الذي أهمله طبيبه طمعاً في الدنيا وبطريق غير مشروع، قد يغفر لطبيبه هذه الزلة على أساس افتقاده لنعمة القناعة والإحساس بالغيرة فيدعو له بالهداية، لكنه حين يراه يتحدث بلغة من يعلّم ولا يطبق فإنه يستثار وقد يدعو عليه.

والموظف قد يحسن الظن في مديره فيعتبر تحيزه وعدم عدله وفساده وظلمه جهلاً وقلة خبرة إدارية، فإذا رآه يحاضر عن كل هذا علم أنه ممن أخذتهم العزة بالإثم.

أما أكثر ما يستفز ويغيظ هؤلاء جميعاً فهو أن يعلموا تمام العلم عن ذلك الموظف أو الزوج أو الطبيب أو المدير العام كما هائلاً من السلبيات والنقاط السوداء ثم يأتي من يلمعه لأهداف شخصية ومصلحة خاصة فيحول سلبياته إلى إيجابيات ونقاطه السوداء إلى بياض ناصع وفشله إلى نجاح، فيذكرهم بعيوب حاولوا تناسيها، لأن الشيء بالشيء يذكر والنقيض بغيض.

لماذا لا نتعامل مع الجميع وكأنهم كتاب زوايا أو صحفيون؟!، بل لماذا لا نتعامل مع الناس جميعا وكأنهم يحملون (كاميرات) قنوات فضائية؟!

وهم الشركة الكبرى

الاعتقاد السائد أن الشركات العالمية الكبرى تكون كبيرة حتى في أخلاقياتها، اعتقاد خاطئ تدفع المجتمعات، وخصوصاً في دول العالم الثالث ثمنه باهظاً في شكل ثقة عمياء قائمة على أساس خاطئ هو أن حرص الشركات الكبرى على سمعتها ينعكس (دائما) على الصدقية والأمانة وهذا غير صحيح، أو لا يفترض المراهنة عليه، خصوصاً عندما تتعارض الصدقية مع المكاسب الكبيرة، وإليكم بعض الأمثلة والدلائل:
قبل أن يتولى الصيادلة السعوديون زمام إستراتيجية الدواء في المملكة، خصوصاً في مجال التسجيل والترخيص والتحليل، كان الاعتقاد السائد أن شركات الأدوية الكبرى لا تغش في الدواء فكانت منتجات الشركات الدوائية المشهورة، فوق مستوى الشبهة ويخجل مسؤول التسجيل أو الترخيص أن يطلب تحليل مكوناتها وتقويمها محلياً، حتى جاء عدد من صيادلة الوطن المتابعين وشمل إطلاعهم كتاباً صدر في أمريكا، بعنوان الأقراص التي لا تعمل، للمؤلف سيدني وولف الذي أفاد بأن أكثر من عشرين شركة دواء أمريكية كبرى ذكرها بالأسماء تصنع أقراصاً مغشوشة بعضها لا يحتوي مادة فعالة على الإطلاق، واطلع هؤلاء الصيادلة على فضائح الأدوية الممنوعة في أمريكا وتسوق لدول العالم الثالث وتصنعها شركات عملاقة وكبرى في كل شيء إلا الأخلاق.

ومنذ ذلك الوقت فرض الصيادلة السعوديون تحليل كل الأدوية قيد التسجيل وعينات عشوائية للأدوية المستخدمة في المملكة واشتراط شهادة الاستخدام في بلد الصنع بصرف النظر عن حجم الشركة وشهرتها!!.

وتكشف أساليب التحري والمقاضاة في الدول المتقدمة بشكل يومي أن كبريات شركات التأمين تمارس التحايل والتلاعب بالمستندات لتلافي الوفاء بالتزاماتها.

وكشفت لنا حوادث السيارات كيف أن شركات صناعة سيارات كبرى تصدر للعالم الثالث سيارات بمواصفات مغشوشة بعضها صدر لهذه الدول بدون قاعدة الهيكل “شاصيه” وهذا ما أدى إلى انقسامها إلى نصفين بعد حوادث عادية يفترض أن لا تحدث ما أحدثته.

وفي جريدة الاقتصادية عدد الأحد 1429/4/21ه نشر تقرير يوضح أن شركات الأدوية والأغذية تتلاعب بنتائج الأبحاث والدراسات.

ونقل عن مجلة “نيو ساينتست” أن شركة ميرك الدوائية العملاقة كانت على علم بأخطار عقار (فيوكس) الذي سحبته من الأسواق عام 2004م قبل سحبه بأعوام وأنها أي شركة ميرك أخفت تقرير الوفيات من دراسة على (فيوكس) أفادت بوفاة 46مريضاً ولم تقدم التقرير لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية!!.

وبعد فإن علينا في هذا الوطن الذي تقدم بسرعة وأحرز نقلات نوعية في المجالات العلمية والبحثية والطبية والرياضية أن نتخلص تماماً من مقولة إن الشركة الكبرى لا تكذب أو لا تتعمد الغش وعلينا أن لا نمنح الثقة بناءً على الشهرة وإنما على أساس الفحص الذي نقوم به نحن ونعتمد فيه على كوادرنا ومراكزنا بما يحقق الاطمئنان المبني على أساس المراجعة وليس مجرد التسليم بالأمانة، ولو أن أحداً استكثر على الصيادلة مطالبتهم بتحليل الأدوية التي أنتجتها شركات كبرى مشهورة فربما كنا نعيش الآن النتائج الخطيرة للثقة العمياء، ولذا فإنني اعتب كثيرا على من هاجم أساتذة جامعات وأكاديميين سعوديين متخصصين لمجرد أنهم انتقدوا دراسة أو بحثاً لشركة ربحية أجنبية، ثم إن من يهاجمهم لاعتراضهم أو نقدهم للدراسة إنما يناقض نفسه لأنه يصادر أراءهم ويشكك فيهم شخصيا لمجرد أنهم أبدوا وجهة نظر أكاديمية مدروسة أيضا!!.

فكفانا ثقة عمياء في الشركات المشهورة وكان يفترض أن تعرض طريقتهم ومنهجهم في الدراسة على ذات الأكاديميين السعوديين قبل الشروع بها.