الشهر: يونيو 2008

خط النهاية

ما دامت الوعود غير المحققة هي ديدن بعض الموظفين المكلفين بتحقيق طموحات الدولة وخططها وأهدافها النبيلة، فإن أفضل حل في نظري هو فرض خط نهاية لكل هدف بحيث يجب تحقيق ذلك الهدف قبل تاريخ محدد ومعلوم لا يقبل التمديد هو ما يعرف بخط النهاية أو (Dead Line) .
فمثلا لو منحنا كل دائرة حكومية ممثلة بالمسئول عنها إشعاراً أو حتى إنذاراً بأن عليها أن تطبق الحكومة الإلكترونية وتحقق الوصول إلى ما وصلت إليه وزارة الداخلية في هذا الصدد، خلال مدة زمنية محددة، وقبل تاريخ معلوم محدد وإلا فإنها سوف تعتبر مقصرة بصرف النظر عن ما تدعي إنجازه عبر الإعلام، فإننا سنحقق أحد هدفين، إما الوصول إلى استخدام أمثل للحاسب الآلي على مستوى وطني في وقت معلوم بنفس الجودة التي حققتها وزارة الداخلية بحيث لا تبقى وزارة العمل أو الصحة أو المياه والكهرباء عبئا على الجوازات مثلا وعبأ على الإجراءات الحاسوبية الميسرة، أو على أقل تقدير نعرف أن هذه الجهة لم تقم بدورها المطلوب منها فهي مقصرة حتى لو مارست ادعاء الكمال إعلامياً.

وبنفس الطريقة لو حددنا خط نهاية لحل مشكلة توفير مياه الشرب النقية بشكل منتظم لكل مدينة وقرية، فإننا نستطيع وضع وزارة الماء والكهرباء أمام المحك، فلا يمكن لإنجازات هذه الوزارة أن تبقى مجرد توزيع مرشدات.

ولو وضعنا حداً معلوماً كخط نهاية لتطبيق البطاقة الصحية الذكية والتي تم إقرارها منذ أكثر من 15سنة، ولم تر النور بعد مع أنها كفيلة بحل مشكلة تعدد الملفات الطبية للمريض الواحد وحرمان الآخر من العلاج إلا في القطاع الخاص المستفيد، لو وضعنا هذا الحد الزمني فإننا بذلك نضع حدا لمشكلة نقص الأسرة في المستشفيات الحكومية ونفتح باب القبول في القطاعات الصحية الحكومية دون حاجة للقطاع الخاص .

منجزات كثيرة كثر التحدث عنها والوعود بها إعلاميا من هواة التخدير وعشاق الأضواء ومدمني الإنجاز بالقول لا بالعمل، تلك المنجزات التي لم تر النور، لن تراه ما لم يحدد لها (ديد لاين) أو خط نهاية زمني لا يقبل بعده أي مبررات وأعذار .

حلول عاجزة

أثبتت الدلائل المتعددة أن القيادة – حفظها الله – عندما تكلف أحدا بمسؤولية تتعلق بالخدمات العامة والاحتياجات الأساسية فإن جل اهتمامها ينصب على تيسير وتسيير شؤون الناس وحل مشاكلهم وبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق هذا الهدف، وهذا ليس محض إنشاء أو مجاملة فمواقف الدولة في تحمل حل الكثير من المعضلات بالدعم والإعانة أو إلغاء الرسوم الجمركية شواهد واضحة، بل إن قرار منع تصدير الاسمنت كان قرارا شجاعا وشاهدا على ذات الهدف وهو التيسير على المواطن، ودليل على سلوك خط واضح يعتمد على أن تكون الحلول من أجل المواطن لا أن يكون المواطن حلا .
المشكلة تكمن في أن عقليات بعض الموظفين لم تتمكن من الرقي إلى مستوى هذه الأهداف فتجدها تعمد إلى جعل المواطن وسيلة لحل مشاكلها.

والأمثلة على هذا الإصرار العجيب الغريب كثيرة، وتتراوح بين إجراءات يومية بسيطة وأخرى خطيرة ذات أبعاد ونتائج سيئة، وجميعها تشترك في أنها قرارات فردية لا تحمل حتى الصفة النظامية .

في وزارة التربية والتعليم مثلا أعتقد أن من الحلول العاجزة أن تعالج قصور توفير المستلزمات الأساسية ووسائل الإيضاح بل وأجهزة التكييف بأن تجعل المعلمات يوفرنها من جيوبهن الخاصة، أو حتى أن تقبل بذلك، لمجرد أنك لا تريد أن تطلب أو تجتهد في أداء مسؤولياتك، ونفس الشيء فيما يخص تحميل أولياء الأمور مسؤولية نقل أبنائهم من وإلى مدرسة بعيدة لمجرد أنك لا تريد أن تلح في زيادة عدد الحافلات ليتناسب مع حقيقة زيادة عدد الطلاب والطالبات .

الخطوط السعودية هي الأخرى باتت تتخذ خطوات تتعدى صلاحياتها مثل الرفع المفاجئ لأسعار التذاكر والذي سبب إرباكا وصراعات ومشاجرات بين المسافرين والمكاتب السياحية لأنه تم بين عشية وضحاها بينما كان بإمكانها حل هذه المشكلة الطارئة دون استخدام العميل حلا، كما أن توجهها بفرض غرامات على المسافرين حل عاجز آخر لا تملك صلاحيته وكان بإمكانها حله عبر إدخال برنامج حاسوبي دقيق للحجز يعتمد على جهد الخطوط في متابعة تأكيد الحجز كما تفعل كل شركات الطيران الكبرى التي لا تخسر ولا تغرم .

سحب سيارات المرضى ومرافقيهم في ميادين المستشفيات الكبرى وبدون تدخل المرور، وتغريمهم مبالغ نقدية غير نظامية، اعتبره حلا عاجزاً إذا ما قورن بضرورة بناء مواقف متعددة الأدوار أو توفير مواقف قريبة وكافية بدلا من تخصيص المواقف للأطباء والإداريين القادرين على السير بعكس مريض غسيل الكلى أو السرطان أو مريض القلب والذي يعني سحب سيارته مزيدا من المعاناة .

الحل العاجز باستخدام المواطن حلا هو سمة المسؤول الذي يعتقد أنه إذا طالب فإن كرسيه في خطر، لذا فهو يطالب المواطن فقط .

دفن جثة واستخراج كنز

أستغرب كثيراً تمسكنا بطبع غريب وكأننا اتخذنا على أنفسنا نذراً أن لا نغيره !!، فنحن لازلنا نرفض الامتنان للشخص أو حتى ذكره بما يحب رفضاً باتاً حتى يموت، فإذا دفناه أخرجنا أفضاله ونجاحاته وإنجازاته الخارقة وكأنها كنز كان مدفوناً في ذات القبر وكان لزاماً علينا أن نستبدله بجثمان المتوفى في ذات اللحظة!!.
أعلم جيدا أن ذكر محاسن الموتى من السنن، لكن ذكر محاسن الأحياء (المستحقة) ليست من المحرمات.

عندما تسمع أو تشاهد أو تقرأ عن المواقف الإنسانية أو الوطنية والمميزات والإنجازات لشخص دفن للتو، تتمنى لو أنك علمت عن الكثير منها قبل وفاته لتقدم له الشكر والامتنان منك كمواطن، فيما يخص المنجزات الوطنية، وكإنسان، فيما يتعلق بالمواقف الإنسانية، لكن طبعنا الذي لم يتغير يحتم علينا التكتم على منجزات الأحياء حتى ندفنهم أولا ثم نخرج كنوزهم !!.

في المجال الوظيفي أستطيع، بحكم معايشة طويلة، أن أشخص الواقع وأستنبط الأسباب وأهمها أننا مجتمع وظيفي يسيطر فيه المدير ويعتبر أن امتداح غيره اعتداء على حقه الحصري في الثناء والامتنان، أو إنقاص من قدره بتسليط الضوء على غيره مهما صغر مركزه الوظيفي مقارنة بالمدير، أو تهديد لكرسيه الذي لا يريد لغيره أن يبدو مستحقا له إذا كان ثمة تقارب في التأهيل .

أما في مجال المجتمع أو الطبائع الاجتماعية فيبدو، وأرجو أن أكون مخطئا، أن لدينا حساسية عالية لامتداح كل شخص حي، إن لم يكن كل كائن حي، ويتضح ذلك من أن البعض وبمجرد الثناء على ايجابيات شخص يبدأ في البحث عن عيوبه، وهنا خلط واضح بين ذكر المحاسن وادعاء الكمال والكمال لله وحده، وذكر محاسن شخص لا يعني أنها منسوبة إلى تقصير غيره أو مساوئ غيره .

ربما يعود ذلك إلى ترسبات غريبة وشاذة كون بعضنا يستخدم الثناء على شخص للنيل من غيره، أو حتى امتداح أحد الأبناء لإشعار الآخر بقصوره، لكن الشاذ لا حكم له، ومثل هذا السلوك سواء كان أسريا أو وظيفيا أو اجتماعيا يجب أن يبقى نادرا وشاذا.

المؤكد أننا ومن منطلق وطني بحت يجب أن نعمل على تغيير هذه الطباع وأن يكون الوطن قدوة في تكريم من يستحق التكريم، كما أن علينا جميعا أن نسهم في رسم خطة وطنية فورية لشكر المستحقين من الأحياء، ليس المتميزين علميا وثقافياً فقط، بل كل من أبدع في أداء واجبه حتى لو صغرت وظيفته، فمثلا رجل الإطفاء المثابر يستحق التكريم الفوري، وكذا المسعف ورجل الأمن ورجل الجمارك وعامل النظافة وكل من أحسن صنعاً حتى في تأدية واجب.

أما إذا أردتم بداية موفقة وسليمة فلا يكن المدير أو الرئيس المباشر مرجعكم الوحيد في تقدير الاستحقاق لأن ثمة تعارض مصالح، أو افتراضا لتضارب مصالح تعاني منه نفسية المدير الذي أدمن التلميع.

دعوى مؤلمة

نقلت لنا الصحف الأسبوع الماضي خبراً، يعتبر في عالمنا العربي خبرا طريفا ونادرا وفي ذات الوقت مؤلما.
أما الطرافة والندرة فلأنه أمر لا يمكن أن يحدث في وطننا العربي، بكل تأكيد أما سبب كونه مؤلما فأتركه يتضح من المقارنة التالية.

يقول الخبر إن سائحا بريطانياً رفع دعوى على شركة سياحية نظمت له رحلة سياحية إلى اليونان وتحديدا إلى جزيرة كوس اليونانية وفحوى الدعوى أن الأسرة لم تتمكن من المشاركة في الأنشطة الترفيهية في الفندق لأنها كانت تعتمد فقط اللغة الألمانية، ورفع السائح البريطاني دعوى على ذات شركة السفر بتهمة انتهاك العقد بينهما مؤكدا أنه لم يتم إخطاره أن زبائن الفندق هم من الألمان فقط، وأوضح السائح بقوله (لست عنصريا ولا أحب أن أصطحب أسرتي إلى إجازة في فندق يجتاحه سياح انجليز وكذلك الأمر بالنسبة لسياح فرنسيين أو أسبان أو من جنسية أخرى)، وقد حكمت المحكمة لصالح المدعي ديفيد بارنيش على شركة السفر بدفع 750جنيها إسترلينيا تعويضا للسائح الانجليزي لمجرد أنه وجد نفسه بين عدد من السياح الألمان بفندق في اليونان.

عايشت كثيرا من أمثلة (توهيق) مكاتبنا السياحية العزيزة للعديد من الأسر الذين دفعوا مبالغ طائلة للاستمتاع بإجازاتهم خارج المملكة فتحولت الإجازة إلى خدعة سياحية، وشجار وارتفاع للضغط والسكر مع موظف الفندق المدفوع له مقدما كون ما ذكره المكتب السياحي كان غير صحيح، وغير متفق عليه مع الفندق المقصود، وإضافة إلى المعايشة والمشاهدة فقد تلقيت خلال عمري الصحفي أشكالا وألوانا من شكاوى ومواقف غريبة ومؤلمة تعرض أصحابها لجشع وخداع المكاتب السياحية في الداخل، والتي تراوحت بين مكتب سياحي وهمي لا يفتح إلا في الصيف، وينهب أموال المواطنين بدعوى التخفيضات، وهي تخفيضات في الخدمات (إن وجد خدمات) وبين مكتب آخر حقيقي ومشهور لكن موظفه نذر نفسه لإغراء الزبون بوعود من سراب!!

فكم من أسرة دفعت ثمن فطور مجاني مقدما ولم تذق طعم الفطور رغم غلاء المعيشة في البلد المقصود، وكم من أسرة حجزت فندقا على أنه خمس نجوم فوجدوه نزلاً متواضعاً وحجرات صغيرة يفتقد لأبسط الخدمات.

ومن أطرف ما شاهدته عيانا بيانا ان أحد مكاتب السياحة لدينا حجز لعائلة فندقا في غير الجزيرة الأسبانية التي قصدوها وكأنه يريد منهم أن يسبحوا من الجزيرة التي بها سكنهم إلى الجزيرة المقصودة.

ترى كم من المواطنين عانوا من مكاتب السياحة العام الماضي والذي سبقه وكم منهم سيعاني هذا الصيف ؟! لكن السؤال الأهم والذي يجيب عن سبب الألم هو لمن يشتكي السائح بعد عودته وما هو تعويضه؟!

الغريب أن احد تجار السياحة الخارجية لا يزال يلطم ويحلطم غاضباً من السياحة الداخلية بحجة أن فنادقنا لا تلتزم بأسعار عالية تمكنه من إعطاء التخفيضات التي وعدته بها!!

آفة الوزارات وكلاؤها

في معظم دول العالم الثالث، حيث لا يوجد توزيع واضح للمسئوليات، وتفويض معلن للصلاحيات، فإن اللوم الإعلامي والشعبي يقع دائماً على الوزير على أساس انه الرأس، والرأس دائماً كثير الوجع .
وإذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر شكاوي الناس عبر الإعلام تتعلق بإجراءات يومية وتفاصيل عمل يومي أكثر منها بسياسات العمل أو استراتيجياته فإن من الإنصاف أن نقول أن جل الشكوى أو الشكاوي تتعلق بتقصير من الوكيل أو الوكيل المساعد في أداء المهام الموكلة لهم أو لأقسام ترتبط بهم بناءً على الهيكل الوظيفي أو ضمن الصلاحيات المفوضة، لهذا السبب فإن من الإنصاف لوم الوكيل وتحميله مسئولية الإخفاق أكثر من الوزير نفسه (هذا فقط على مستوى الخدمات ومشاكل الناس مع الوزارة).

أما السبب الثاني فهو أن الوكيل، في الغالب، أكثر بقاءً من الوزير، وأكثر معايشة للوزارة بعيوبها وعلاتها من الوزير نفسه، فثمة وكلاء وزارات أمضوا أكثر من عشرين سنة في مناصبهم وشهدوا الإخفاق مع أكثر من وزير، وربما كانوا هم سبب الإخفاق، لذا فقد اقترحت في أكثر من مقال سابق أن يشهد منصب وكيل الوزارة حراكاً أكبر، فربما حل الكثير من المشاكل المستديمة، على أساس أن الوزير يمضي جل وقته في رسم سياسات وتخطيط استراتيجيات وإجراء إصلاحات أساسية، بينما تبقى تفاصيل القصور في العمل اليومي ملازمة لأسلوب وكيل الوزارة الذي لم يتغير ولن تتغير تلك المشاكل أو تحل بوجوده.

وكيل الوزارة في دول العالم الثالث يقبع بعيداً عن صخب المسئولية أمام الناس، خاصة الإعلام، فالنقد يوجه للوزير، لكن وكيل الوزارة إذا أراد ضوءاً إعلامياً فإنه يجده بسهولة ولو عبر تصريح غريب كذلك الذي يقول بأن الولادات الطبيعية يمكن أن تتم في البيت، فحتى على مستوى التصاريح الإعلامية، يخطئ وكيل الوزارة ويلام الوزير .

أي فضل لسحاب لا يسحّ ؟!

هذا الوطن أعطانا عطاءً مرئياً فعلياً ملموساً محسوساً محسوداً وإنني أعجب شديد العجب لمن يرد دَيءن الوطن في شكل وعود على ورق أو أقوال تطير في الهواء لأنها أخف من الهواء الخفيف.
لو حسب كل منا ما حصل عليه من هذا الوطن وما أخذه منه الوطن فسيجد أن كشف الحساب يصب في صالح وطن معطاء لم يأخذ شيئاً ولم يطلب إلا مواطناً صالحاً منتجاً أميناً على ما يؤتمن عليه .

لم ندفع له الضرائب بل أخذنا الإعانات والمؤسف أن أكثرنا أخذاً أقلنا عطاءً .

بعض المسؤولين يعتقد بأنه أنجز ما يعادل ما أخذ عندما “ينوي” عمل شيء أو يخطط له أو يعلن عنه دون تخطيط .

نحن لم نأخذ من الوطن وعوداً بل عطاءً محسوساً فما بالنا نرد الدَّيءن في شكل غير ملموس أو بما لا يرجى لمسه ؟!.

الوطن في حاجة لمن يقول له : هذا ما أنجزتُ، لا هذا ما سوف أنجز، والمليك المفدى قالها صريحة واضحة تسمع من به صمم “لا عذر لكم” فما بال بعض المسؤولين لا يزال يسير على تقليد قديم عفى عليه الزمن وهو الإنجاز بالقول لا بالعمل، والاستدلال بالورق لا بالشواهد على أرض الواقع .

التخطيط مطلب، وكتابة الخطط والأهداف على ورق ضرورة توثيقية، والحديث حول الخطط والأهداف والتحاور حولها أمر طبيعي، لكن هذا كله مكانه غرف الاجتماعات والمكاتب والملفات والأدراج، أما الإعلام فيعنى بتصوير النتائج، وزف البشرى بالإنجاز ونقل صورة للمشاهد، والقارئ لا ينظر إلى صورة اجتماع وما يهمه هو أن يرى نتائجه والفلاش الصحفي لم يقع قط على ورقة وإنما يبحث عن جدران ومبانٍ وأجهزة وعاملين، وجدير بكل مسؤول أن يدرك أن الوعود اليوم لم تعد سبباً لإطالة القعود .

نحن أخذنا من الوطن، مقدماً، شيئاً ملموساً ويجب أن نرد له عملاً ملموساً، لا قولاً معسولاً، وكفانا من مصائب الأقوال مقولة أن مخزون المياه في وطننا يعادل جريان نهر النيل مئات السنين .

نحن نعيش فترة ذهبية حبانا الله فيها كل أسباب النجاح والإنجاز وعلى رأسها ميزانية تاريخية لم تتحقق من قبل وظروف استقرار تساعد على العمل وقيادة تحثنا على العطاء وتشجعنا على الإنجاز وتقول لنا “لا عذر لكم” فإذا لم نستغل هذه الظروف لتحقيق أكبر قدر من الإنجازات الحقيقية الملموسة الباقية فإننا إنما نرتكب جرماً في حق الوطن والمواطن .

نحن ولله الحمد نعيش أجواءً تتلبد فيها سحب الخير من كل صوب وكل ما علينا هو العمل الجاد لاستمطار هذه السحب، والبرق والرعد لا يكفيان وكذا الفلاشات والجعجعة لا تمطر خيراً وليس لها فضل “أي فضل لسحاب لا يسح؟”.

عرج الحكومة الإلكترونية يُحرج الجوازات

حققت وزارة الداخلية نجاحاً باهراً ومدروساً وسريعاً (مقارنة بغيرها) فيما يخص استخدام تطبيقات الحاسب الآلي في تسهيل وتسريع إجراءات العمل، وكانت هذه الوزارة السباقة لتحويل جميع المعاملات من اليدوية إلى الآلية بنسبة تفوق (90%) في زمن قياسي مقارنة بجهات حكومية أخرى لا تزال تعتمد على أطنان من الورق لإتمام إجراء لا يقارن بحساسية وخطورة ما تتعامل معه وزارة الداخلية.
هذا الإنجاز لم يكن سهلاً على رجالات الداخلية، ولم يعتمد على الآلة في بداياته فقد أسس على قاعدة معلومات استغرق بناؤها عشرات السنين واستنزف جهداً وسكب عرقاً وقبل هذا وذاك استحضر ذهناً واعياً وعقلية طموحة تتقبل التطوير والميكنة.

من كان يراجع دهاليز إدارة الجوازات في شارع الوشم منذ 30سنة، حيث حوّل تجريب الأختام طاولات المكاتب إلى جسد تغطيه الأوشام ويستغرق استخراج الجواز أكثر من شهر يدرك جيداً حجم العمل الذي جعل الجواز يخرج خلال نصف ساعة بعد تعبئة نموذج مسؤولية وحسب، واستخراج بطاقة الأحوال شاملة المعلومات لا يحتاج لأكثر من زيارة فرع لربع ساعة، وخروج رخصة القيادة ساخنة من الجهاز ينافس في سرعته زمن تسخين شطيرة في (الميكروويف).

قد يقول قائل : إن الزمن والتقنية هما من تغيرا، وهنا يكمن الهدف من هذا الثناء الذي لم أتعوده، لأن الزمن هو الزمن والتقنية هي التقنية لكن تعامل الوزارات معها يختلف تماماً، بل إن بعض الوزارات أصبحت عالة على الأخرى في تطبيق التعاملات الإلكترونية والحكومة الإلكترونية.

إدارة الجوازات، على سبيل المثال، سجلت أرقاماً قياسية في سرعة الإنجاز والتسهيل على المراجعين ونبذ المعوقات البيروقراطية التي تعيق سير العمل الحضاري حتى إن طموحها الإلكتروني وصل حد استخراج تأشيرة الخروج والعودة أو الخروج النهائي من المنزل عن طريق الإنترنت، بل إعطاء اسم مستخدم وكلمة مرور لرب الأسرة تجعله يخول من يشاء لإنهاء معاملاته عبر النت، واجزم أن طموح الجوازات في هذا الصدد لا يقف عند حد، لكن مشكلة التطبيقات الإلكترونية أو الحكومة الإلكترونية أنها لا تستطيع السير عرجاء، بمعنى أن جهة طموحة مثل الجوازات لا تستطيع السير بنفس السرعة ما لم تواكبها الجهات الأخرى المرتبطة معها بمتطلبات، فمثلاً وزارة العمل لا تملك قاعدة معلومات ولا تملك حساً إلكترونياً يجعلها ترتبط بالجوازات إلكترونياً لذا فإنها تطالب الجوازات بعدم تجديد إقامة من لم يحصل على رخصة عمل بموجب خطاب (أي ورقة مختومة ومصدقة وما إلى طابع العمل البيروقراطي من عقد) وهذا بالتأكيد سيعيق رغبة الجوازات في القفز أو حتى مجرد السير.

نفس الشيء ينطبق على الصحة عندما تطالب الجوازات بعدم منح تأشيرة سفر أو إقامة لعامل في الصحة دون (ما يفيد) باجتيازه فحصاً ما أو عدم ارتكابه خطأً طبياً (أي أوراق لا يحبذها الإلكترون)، وفي ذات الوقت فإن وزارة الصحة لا تملك القدرة على الارتباط الإلكتروني مع الجوازات.

وتفاوُت طموح وبُعد نظر الجهات المختلفة يشكل عرجاً في تطبيقات الحاسب الآلي تعاني منه الجهة الأكثر وعياً وطموحاً.

الرواتب الحرام

لا يغيب عن الذهن أن المستهلك لم يعد بمقدوره أن يتحمل مزيداً من الاستغلال، والتحايل، وهضم الحقوق، بل ليس من المصلحة أن نفترض قدرته على تحمل المزيد من (الغبن) وأجزم أن وزر تحميل المستهلك أكثر مما يحتمل، أو أكثر مما يجب أن يحتمل، يقع على كل موظف في شركة أو مؤسسة أو متجر يسهم في تمرير إجراء فيه هضم لحقوق العميل أو (الزبون) كما يسمونه .
خذ على سبيل المثال لا الحصر، حق المستهلك في استبدال أو صيانة جهاز تعطل أثناء فترة الضمان فستجد أن الشركات تبرمج موظفيها على رفض قبول الاستبدال أو الإصلاح رغم سريان الضمان، وتدربهم على حجة لا يملك العميل إثبات عدم صحتها وهي أن العطل بسبب سوء استخدام .

ورغم قناعة الموظف بزيف الحجة إلا أنه يقف في صف الشركة التي تدفع راتبه، وهنا يتمثل لنا سؤال عريض ومحير وهو لماذا يواجه شبابنا قلقاً وحيرة وتوجساً وشكاً وريبة من راتب العمل في البنوك، وهل هو حلال أم مشكوك في نقائه كون البنوك تتعامل بالفائدة، ويبحثون عن الفتاوى في هذا الشأن، بينما لا يواجه الشاب العامل في شركة تمارس الخداع والتملص وهضم حق العميل أي قلق من مشروعية ما يتقاضاه مقابل سلب حق “الزبون” في سريان ضمان دفع قيمته من عرقه وكده واستحقه بناءً على دعاية واسعة وإغراء عظيم قبل شراء الجهاز ليجد نفسه فاقداً لحقوقه بمجرد حجة فضفاضة زائفة، تفترض شيئاً حدث في المنزل (في السر) ولا تنظر لاحتمال أكثر حدوثاً وهو العيب المصنعي .

هذا مجرد مثال، والأمثلة التي يسخّر فيها الموظف قدراته لسلب حق إنسان لصالح آخر كثيرة جداً، سواء في الوظائف الحكومية أو القطاع الخاص، وهو أمر نهى عنه الشرع الحنيف في أكثر من موقع، فما بال شبابنا يركزون على الحلال والحرام في راتب البنوك فقط ؟!.

أعتقد أنه الإيحاء والتركيز على جانب واحد فقط، و”التحسس” من مثال واحد فقط وفقدان الحساسية لأمثلة أكثر رواجاً وأكثر خطورة وأكثر ضرراً وإضراراً، لذا فإننا في أمس الحاجة إلى تنمية ثقافة رفض الإضرار بالغير دون حق مهما كان المقابل وأياً كان الطرف الآخر .

وإذا وصلنا لهذا الوعي ستجد أن موظف الشركة يقول : (هو إصلاح مشمول بالضمان شاءت الشركة أم أبت).

حصيات المرور

إحكام الرقابة على المخالفات الصغيرة وتطبيق العقوبات الفورية على مرتكبها إحدى أهم وسائل الردع عن ارتكاب مخالفات أكبر، وفي مجال المرور على سبيل المثال فإن من يوقفه رجل المرور، ويحرر له مخالفة عدم إعطاء الأولوية في الدوار، لا يمكن أن يجرؤ على تجاوز الإشارة الحمراء أو القيادة عكس اتجاه السير، لأنه يدرك أن ثمة رقابة دائمة وعقوبة فورية.
ما يحدث، في جميع مدن المملكة، هو العكس تماماً فعدم الاكتراث (من قبل دوريات المرور) بالمخالفات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة (باستثناء تجاوز الإشارة والسرعة) هو ما يؤدي إلى الفوضى المرورية وارتكاب المخالفات الخطيرة كالسرعة وتجاوز الإشارة لأن ثمة شعوراً عاماً أن الرقابة معدومة حتى بعد تطبيق مرور الرياض مثلاً للدوريات السرية فإن المخالفة، في نظر الرقيب قبل المخالف، تنحصر في تجاوز الإشارة والسرعة والتفحيط .

عدم إعطاء الأولوية في الدوار وللقادم من اليسار، وتخطي خط الوقوف عند الإشارة والتجاوز من اليمين ثم حذف السيارة على المركبة المجاورة، وعكس اتجاه السير في المسافات القصيرة وقفل الطريق بوقوف مركبتين أو أكثر للتحدث أو الاستعداد لانطلاق واحد، والخروج من شارع فرعي إلى آخر رئيسي دون إعطاء الأولوية، والانعطاف المفاجئ دون إشعار السائق خلفه بتشغيل الإشارة بمسافة كافية، هذه كلها مخالفات تحدث يومياً وباستمرار وأحياناً أمام عين رجل المرور لكنه لا يلتفت لها مطلقاً مما جعلها تشيع وتتكرر ويتربى عليها الشاب المنتمي حديثاً لفن القيادة ويعتقد بمشروعيتها السائق القادم أو المستقدم من دول العالم الثالث .

يقول أحد الظرفاء: من كثرة ما تستفزني مثل تلك المخالفات التي يرتكبها السائق بدم بارد ولا يجد من يعاقبه أو يشعره بأنه ارتكب خطأً فإنني أتمنى أن أضع بجانبي كيساً يحتوي مجموعة من الحصيات أحذف بها كل من عرّضني للخطر جراء تلك المخالفات لأن استخدام المنبه وإشارات الاستنكار لم تعد تجدي، خاصة مع بعض المستقدمين ممن لا يرى فيما فعل خطأً أصلاً فينظر إليك باستغراب وكأنك لا تقصده، فأرى أن حذفه بالحصاة نوع من التوعية .

قلت ان المنبه يستخدم في بعض الدول المتقدمة كنوع من إهانة المخالف، أما في دول متقدمة أخرى فإنه إضافة إلى الإهانة يهدف إلى تنبيه الرقيب سواء كان رجل مرور ظاهرا أو سريا لرؤية المخالفة وفي الحالتين فإن المخالف لن يفلت من العقوبة.

ولذا فإنني أقترح على مرورنا العزيز أن يشرع بتكثيف الرقابة على تلك المخالفات ويدرجها ضمن المخالفات التي تستحق عقوبة رادعة لتصبح لجميع أنظمة المرور هيبتها وليس فقط تجاوز الإشارة والسرعة، كما أن على رقيب المرور سواء كان ظاهراً أو سرياً أن يتفاعل ويستجيب لاستنجاد سائق أطال الضغط على المنبه من هول ما رأى ويقوم باستيقاف المخالف ومعاقبته في موقع الحدث، هذا إذا أردنا أن نشعر المخالفين بمخالفتهم وبوجود المرور حتى لا نضطر جميعاً إلى وضع كيس حصى للتوعية المرورية .