الشهر: أبريل 2008

ثقافة التعريف

والتعريف الذي أتمنى أن ننمي ثقافته لدينا ليس تعريف العمدة، تلك الورقة التي يختمها رجل كفيف أو ضعيف بصر لمجرد أن أحداً قال إنه من سكان الحي، فذلك إجراء عفا عليه الزمن وعوضتنا عنه وزارة الداخلية بتطبيق الحاسب الآلي وتقنية المعلومات حسب رقم بطاقة الأحوال .
ثقافة التعريف التي أطالب بتنميتها والتركيز عليها تتلخص في توعية كل مواطن ومقيم بضرورة أن يطلب من أي شخص يدّعي صفة رسمية أو مهنية أن يبرز بطاقته التعريفية ويتفحصها قبل تصديقه وتمكينه من نفسه، وهذه الثقافة يجب أن نغرسها في الأطفال والمراهقين والشباب والكبار نساءً ورجالاً وحبذا لو أمكن غرسها أو زرعها في حديثي الولادة فربما منعنا خطف المواليد من المستشفيات .

خلال يوم واحد تقرأ العديد من أخبار انتحال الشخصيات، فهذا بنغالي يعمل عامل نظافة في مستوصف وينتحل شخصية ممرض يعطي الحقن والمغذيات الوريدية في المنازل، وهذا مريض نفسي ينتحل شخصية طبيب نساء في مستشفى كبير ليفحص النساء ويشبع رغبة جنسية غير طبيعية، واثنان ينتحلان شخصية رجال شرطة ويرتكبان السرقة والسطو، وبنغالي آخر ينتحل شخصية رجل حِسءبَه ويستدرج حدثاً .

كل حوادث انتحال الشخصية تلك لو تم قبل التجاوب مع مرتكبيها طلب بطاقة التعريف لما تمكن هؤلاء المجرمون من التمادي في جرائمهم وحققنا خفضاً لنسب هذا النوع من جرائم الانتحال، شريطة أن تلزم كل جهة بإصدار بطاقة تعريف بارزة وغير قابلة للتزييف والتزوير والتقليد وتحمل رقم اتصال بالجهة المعنية للتأكد من صحة انتماء حاملها.

نحن في أمس الحاجة لبطاقة التعريف أولاً لحماية الناس من المنتحلين وثانياً لحماية الموظفين الحقيقيين ممن يدعون عدم معرفة انتمائهم الرسمي والأهم من هذا وذاك تنمية ثقافة طلب التعريف الشخصي قبل التجاوب مع أي شخص .

نصف المرض المهمل

مثل الأمراض العضوية، فإن الأمراض النفسية في زيادة، بل ان الأمراض النفسية تزداد وتتراكم زياداتها بشكل أكبر بكثير من الأمراض العضوية التي يشفى منها نسبة كبيرة جداً لا تقارن بالشفاء من المرض النفسي، كما أن مسببات المرض العضوي يمكن التحكم بها والحد منها فهي إما ميكروب أو فيروس أو مادة كيميائية أو إصابة، أما مسببات الأمراض النفسية فهي صدمات نفسية زادت مسبباتها ودواعيها وأصبحت خارج أطر التحكم.
لقد زاد عدد المرضى النفسيين بشكل كبير وأصبحوا يهيمون في الشوارع والأحياء ويشكلون خطراً، فأمراضهم تتفاقم ودون علاج، وتكررت الحوادث التي يتسبب فيها أناس لا ذنب لهم لأنهم مرضى يحتاجون من يساعدهم “إكلينيكياً” ونفسياً على تخطي حالة مرضية تفقدهم السيطرة على انفعالاتهم وسلوكياتهم، تماماً مثلما أن المرض العضوي يفقد المريض السيطرة على قدراته الجسدية.

أي باختصار فإن المريض النفسي لا يختلف عن المريض العضوي في الحاجة إلى علاج،بل إن حاجته أكبر بكثير وخطورته تتعداه هو وأقاربه إلى المجتمع بأسره، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا لا تولي القطاعات الصحية اهتماماً يذكر بالأمراض النفسية مثل اهتمامهم بالأمراض العضوية ؟! خاصة في التنويم والرعاية وعدد الأسِرَّة.

لماذا يتباهى المديرون للشأن الصحي في القطاعات المختلفة (ليس فقط وزارة الصحة) بافتتاح الأقسام الطبية والأجنحة وزيادة عدد الأسِرّة لكثير من الأمراض، خاصة أمراض المرفهين، ولا يولون أدنى اهتمام بالمرضى النفسيين ؟!.

ولا يمكن لأحد من القائمين على الشأن الصحي في القطاعات المختلفة أن يتحجج بالميزانية أو اعتمادات وزارة المالية في هذا الصدد لأن الدولة- حفظها الله- دعمت كل توسع صحي بدعم لا محدود، لكن توجيه هذا الدعم من قبل المسئولين أنفسهم كان خاطئاً ومهملاً للمرضى النفسيين، بدليل أننا خالفنا العالم وأصبحت المستشفيات تفتتح كليات طب وتتدخل في أمر أكاديمي تختص به وزارة التعليم العالي!!، وفي الوقت نفسه تهمل نصف مسئولياتها!! فالمعلوم أن المرض نصفان ؛ إما عضوي أو نفسي، فلماذا أهملوا تماماً نصف المرض، وانشغلوا بمشاريع شكلية تلميعية ؟! وكيف يكون شح الدعم المالي هو السبب ونحن خالفنا القاعدة فبدلاً من أن يكون لكل كلية طب مستشفى أصبح لكل مستشفى كلية طب؟!!.

الدولة تدعم وتصرف بسخاء، ولكن يبقى التنافس السطحي غير العقلاني سبباً في إهمال المرضى النفسيين والتوجه لمشاريع تنافسية، بمعنى أن هوى النفس أهمل الأمراض واهتم بالاستعراض، فأصبح هذا المستشفى يزرع الكبد لأن مستشفى آخر برع فيها مع علمنا بشح الأعضاء والمتبرعين، وأصبح لكل مستشفى جراحة قلب مفتوح مع أن مركزاً واحداً أو اثنين يعد كافيا!!، كل ذلك بسبب تنافس أشخاص، على المديح، لكن أحداً لم يدخل المنافسة على علاج الكم الهائل الهائم من المرضى النفسيين لأنهم لا يمدحون وإذا مدحوا فمدحهم كالقدح، لذا فهم لا يجدون التنويم ولا الدواء المنتظم ولا الرعاية الطبية الضرورية علاجا لهم وحماية للمجتمع وإراحة لأسرهم التي تعاني ولا تجد العون.

لقد سبق أن كررت المطالبة بأن لا يترك أمر رسم استراتيجيات الصحة لأشخاص، لأن الفرد يتأثر بالهوى والرغبة في التميز الشخصي ويفترض، في ظل ضعف مجلس الخدمات الصحية وعنايته بأمور ثانوية وعدم قدرته على فرض قراراته ورسم إستراتيجية شاملة ملزمة للجميع، أن تتولى هذه الأمور الصحية هيئة عليا.

اضرب اللبن يتأدب الرز

وجود مبرر لرفع أسعار بعض السلع أمر يمكن قبوله نسبة لسعر صرف العملة وبعض الظروف ذات العلاقة بسلعة مستوردة بعينها من بلد محدد، ولكن نسبة الارتفاع تبقى غير منطقية إطلاقا وتنم عن استغلال واضح لفرصة المبرر وعدم نشاط الرقيب، أما الأمر الأكثر وضوحا هو أن كثيراً من السلع المصنعة محليا ركبت الموجة دون مبرر، وهذه أيضا في ظروف ضعف الرقيب لا علاج لها إلا المقاطعة وفق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أرخصوها أنتم).
ونجاح مقاطعة الألبان والتي بدأت منذ مدة طويلة على أساس أنها لمدة أسبوعين ثم استمرت خصوصا بوجود صنف لم يُرفع سعره وجهت رسالة واضحة لكل من أراد الاستفراد بالمستهلك على المدى القريب أو البعيد، بأن المستهلك لديه الوعي وقادر على حماية نفسه لأن التاجر في حاجة له والمقاطعة رادع لمن لا رادع له.

ثم جاء قرار الدولة أعزها الله بتفعيل دور حماية المستهلك وإنشاء جمعية لحماية المستهلك ليؤكد الإصرار على عدم ترك المواطن والمقيم لقمة سائغة لأشكال الجشع الذي استشرى (واستسعر) سواء بالغش أو رفع الأسعار أو التلاعب بالمكونات أو العيوب التصنيعية أو الاستغلال والتحايل في التعاملات التي لا تحترم حق المستهلك في الإرجاع والاستبدال وتطبيق بنود الضمان.

مقاطعة الألبان ريثما يتم وضع أنظمة وخطوات واضحة لدور حماية المستهلك أشعرت كل الموردين والوكلاء والتجار بحقيقة أن المستهلك هو العنصر الأساسي لنجاحهم إذا ما أرادوا النجاح، وان رضاه يفترض أن يكون هدفهم الأساسي، وأن عليهم أن يضعوا ذلك في الحسبان قبل مجرد التفكير في اتخاذ أي قرار من شأنه استفزازه أو تجاهل أهمية مواقفه.

وجمعية حماية المستهلك ستعيد للجودة في العمل والتعامل هيبتهما وسيكون البقاء للأصلح والأجود من حيث التصنيع والصنيع !!.

ويفترض العقل أن يسعد كل تاجر وكل رجل أعمال وكل مصنع بموقف المستهلك وقرار الحماية لأن التاجر في سلعة هو مستهلك لسلعة أخرى، والذي يبيع اللبن يأكل الرز وإذا ضرب اللبن يتأدب الرز والعكس صحيح.

مكياج عزاء

كنت أعتقد أنني على اطلاع مقبول بتطورات ومتغيرات الصرعات والموضة في حدود ضرورة معرفة بعض الشيء عن كل شيء، لكنني تعرضت لأكثر من موقف تبين من خلالها أنني بعيد كل البعد عن اللحاق بتلك المستجدات والمتغيرات لسرعتها وليس لبطئي. أحد تلك المواقف عندما كنت ضيفاً على برنامج دوائر في الإخبارية مع أحد أطباء التجميل واتصلت احداهن لتسأل الطبيب ان كانوا يعملون “تاتو”، واعتقدت حينها أنها تقصد “جاتو” وهو نوع من الحلويات بينما كان المقصود وشماً أو كحل حواجب تضعه النساء وتكفلت به عيادات التجميل التي أصبحت تسترزق في كل شيء حتى تداخل فيها الطب مع عمل “الكوافيرات”.!!
الموقف الثاني عندما علمت أن ثمة “مكاييج” متعددة حسب الأغراض والزيارات، والهدف من الزيارة، وكان حد علمي أن هناك مكياج سوق تضعه الفتيات عندما يزمعن الذهاب للسوق مما يدل على أن التسوق هو آخر ما يفكرن فيه، وهو نفس ما يؤكد شكوى عدد من الشباب في أحد برامج قناة الرياضية السعودية للزميل عبدالرحمن الحسين منذ سنوات عندما اشتكوا أن البنات هن من يجلبن لأنفسهن المشاكل ويدخلن الأسواق للمعاكسة عوضاً عن قضاء حاجة ماسة وليس الشباب من يتعمد التحرش أو يبدأه كما يعتقد البعض.

ومقولة الشباب تلك مع “مكياج السوق” ذكرتني بحديث أحد شياب قرانا فقد كان يصف تغير الزمن والطباع فيقول: كل الأشياء تغيرت ليس في المرأة والرجل وحسب بل حتى في الحيوانات فقد كان التيس يلاحق خمساً من الماعز في الشوارع، واليوم أصبح يختبئ تحت سيارة وانيت وهن يحاولن إخراجه بوكزه من كل جانب.!!

أما الشيء الذي فاجأني وأشعرني بقصور اطلاعي هو أن ثمة مكياجاً خاصاً بالعزاء تضعه من تريد أن تذهب للتعزية في متوفى، ومن الطبيعي أن تكون ألوان هذا “المكياج” باعثة على الحزن والكآبة وتعكس شحوب الوجه الذي يفترض أنه، وفي ذلك الموقف لا يحتاج إلى تصنع واصطناع ووضع ألوان، فإما أن تتعاطف مع المحزون فعلاً ويبدو ذلك في وجهك أو أن تعينه على الصبر ببشاشة الوجه والتذكير بالاحتساب.

مكياج العزاء هذا يثير في نفسي تساؤلاً يحتاج إلى عزاء بلا مكياج “هل أصبحنا نتصنع كل شيء؟! وهل أمسينا نحتاج إلى تلوين وجوهنا ومشاعرنا في كل موقف ولكل موقف ونلبس لكل مناسبة قناعها المخادع؟!

لماذا نتصنع ولا نصنع؟! ولماذا أصبحنا نفتعل المشاعر ونفتقد للتفاعل؟!

مكياج للفرح، ومكياج للحزن، ومكياج للسوق، ومكياج لزيارة المريض، ومكياج لتهنئة الناجح ومكياج للعزاء، هل يعني هذا أن مجتمعنا برجاله ونسائه، وليس النساء فقط، يعيش في جو من التصنع والتمثيل؟

النار وقريص المستهلك

طالما أننا لا نملك القدرة على إزالة الأنا من نفوس الناس وإقناعهم بأن يكون هدفهم المصلحة العامة في كل ما يعملون، فإن علينا أن نحتاط بمنع فرص تحويل كل شأن عام إلى مصلحة خاصة، وذلك بعدم ترك الحبل على الغارب في تنفيذ القرارات لأشخاص أو لفئة مهنية، وعدم الاعتماد في تنفيذ ما يرسم من استراتيجيات على فرد أو فئة مهنية قد تتعارض مصالحها مع ما رسم ليخدم المصلحة العامة فلا تنفذه أو تؤجل تنفيذه.
لقد أصبحنا بكل أسف في زمن زاد فيه استغلال الفرص وتوظيفها لمصالح شخصية، وشاع فيه طبع (حوش النار إلى القريص) فأصبح المثل الشعبي (كل يحوش النار لقريصه) ينطبق في صور عديدة ؛ حتى أصبح من ضروب التجارة على حساب مآسي الناس ومشاكلهم والأمثلة كثيرة.

تجارة الأسهم قامت على أساس من هذا النوع حتى وصل الأمر إلى ترويج الهامور لأخبار صحفية وشائعات اجتماعية عن سهم شركة لأنه يملك جل أسهمها فإذا أراد الشراء روج الشائعات السلبية وإذا أراد البيع استخدم منصبه للترويج للسهم بكلمة أو تصريح (هذه صورة اكتشفها الناس بعد خراب بصره).

عدم قيام المستشفيات الخاصة بواجبها بتقديم العلاج الاسعافي لجميع الحالات الطارئة حسب ما نص عليه نظام المؤسسات الصحية الخاصة في مادته السادسة عشرة أهمل تنفيذه أطباء إداريون لا يخدم تطبيقه مصالح المستشفيات الخاصة التي يملكونها أو يشتركون في ملكيتها، بل إن بعض التصريحات ألغت مفعول النظام وأوجدت الحجج للمستشفيات الخاصة بتعويم الموضوع في شكل إجراءات إضافية أعدها أطباء يعتمد مستقبلهم ومستقبل أبنائهم على تجارة المستشفيات الخاصة فأصبح ضحايا الحوادث يموتون على بوابات المستشفيات الخاصة التي دعمتها الدولة ومنحتها القرض والأرض فتنكرت وسُهل لها التنكر.

عدم الجدية في محاربة ارتفاع الأسعار وترك التجار يستغلون كل تصريح وعبارة لرفع أسعار سلع غير ذات علاقة، بل استغلال حتى إعانات الدولة لبعض السلع وإبقاء الزيادة، ما هو إلا مردود لترك المتابعة للتي كانت هي الداء.

ترك الحبل على الغارب من قبل وزارة التربية والتعليم للمدارس الخاصة بعدم توظيف السعوديات والسعوديين، أو توظيفهم بأجر زهيد واستغلال حاجتهم بشروط ظالمة وعقود منحازة، دون استخدام هذه الوزارة لصلاحياتها في فرض سعودة التعليم أو ضمان حقوق المعلمة والمعلم.

لقد وصل شيوع ظاهرة (حوش النار للقريص) إلى حد جعل المواطن البسيط يدركه ويخشاه حتى أن أحد الظرفاء علق على عدم تحقق توقعات الأرصاد بسقوط الثلج في الرياض شتاء هذا العام، وهو ما راج كثيرا وخرج الشتاء دون أن يتحقق، علق بالقول: (قد تكون مجرد إشاعة من شخص اشترى له (تريلتين) حطب ويبي يبيع).

أما أنا فأقول إنه بات من المهم جدا أن لا نترك أي إجراء أو تنفيذ قرار لشخص أو فئة مهنية أو مجموعة مستفيدة إذا أردنا أن نحوش النار لقريص المستهلك سواء كان مستهلكاً لعلاج أو دواء أو غذاء أو حتى حطب.!!

تكفى يا مقرن

صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز رئيس الاستخبارات العامة والرئيس الفخري للجمعية العلمية السعودية للمعلوماتية الصحية أعاد الحياة للبطاقة الصحية الذكية، وتوحيد الملف الصحي عندما شدد على أهمية تطبيق البطاقة الذكية لكل مواطن برقم موحد يشمل رقم رخصة القيادة والسجل المدني والملف الصحي وأكد على أهمية توحيد رقم الملف الصحي وأن ذلك يعود على المريض بالفائدة الكبيرة خاصة في طريقة علاجه وعدم تكرار فحوصاته الطبية والإشعاعية والمخبرية وهو ما سيوفر في الوقت نفسه على الدولة بلايين الريالات .
البطاقة الصحية الذكية مشروع طالبت به على مدى 15عاماً لأنه يحل الكثير من مشاكلنا الصحية وخاصة القبول في المستشفيات، حيث إننا نعاني من أن بعض المرضى يفتحون ملفاً صحياً في أكثر من خمس مستشفيات كبرى ويعيد الفحوصات الإشعاعية والمخبرية وصرف الأدوية في جميع هذه المستشفيات، بينما يحرم مريض آخر من الحصول على فرصته في مستشفى واحد بسبب هذا التكرار .

ومنذ حوالي عشر سنوات أو تزيد تم إقرار فكرة البطاقة الصحية الذكية (حسب رقم بطاقة الأحوال لكل مواطن) وطلب من الجهات الصحية مجتمعة الاتفاق على الآلية المناسبة لتطبيق هذه البطاقة الصحية الذكية الموحدة، وأصبحت هذه الفكرة تتنقل من طاولة إلى أخرى وتتعرض للحفظ في الأدراج شهوراً وأعواماً، ثم نعاود المطالبة بها لتتحرك ثم تقف مع أنها من المشاريع والأفكار الوطنية التي لا يختلف على فائدتها عاقلان لما فيها من إيجابيات عظيمة على الوطن والمواطن فيكفي أنها توفر على جسد المريض تكرار الفحوص والإجراءات الطبية المرهقة للجسد، وتوفر على الوطن التكاليف الباهظة لهذا التكرار المرهق للميزانية الصحية . محاولة تأخير التطبيق كل هذه السنوات أو قتل الفكرة بحفظها في الأدراج، عزوتها شخصياً في أكثر من مقالة وبرنامج تلفازي إلى أنها تتعارض مع مصالح المستشفيات الخاصة وملاكها وشركائهم، حيث إنها ستؤدي إلى وفر كبير في فرص العلاج في المستشفيات الحكومية لأن تكرار الملفات في أكثر من مستشفى حكومي سيتوقف ويتحقق الوفر في المستشفيات الحكومية وهو ما لا يسعد المتاجر في الصحة .

ولذا فإنني ما أن استمعت إلى حديث صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز وتأكيده على ضرورة تطبيق التعاملات الإلكترونية وتركيزه على البطاقة الصحية الذكية وتأكيده على إيجابياتها المتعددة على الوطن والمواطن، حتى قلت “تكفى يا مقرن” ونحن في هذا البلد الأمين تعلمنا أننا عندما نطلب الفزعة ونستحث الهمة (ننتخي) فإننا ننادي الرجل باسمه أو كنيته وكان أجدادنا ينادون الملك عبدالعزيز رحمه الله ب “أخو نورة” وأبناءه ب “ولد عبدالعزيز” وأجزم أن البطاقة الصحية الذكية تستنجد بمقرن بن عبدالعزيز ليعيد لها الحياة كيف لا وهو رائد التقنية المعلوماتية .

تطوّر أمن الوطن وتخلّف أمن الشركات

بلا أدنى شك فقد شهدت أجهزة الأمن السعودية تطوراً سريعاً وملحوظاً في جوانب عدة سواء في القدرات كالتحري والدقة وكفاءة التنفيذ وهذه دلالاتها كثيرة وأوضحها ولعل أقواها الكفاءة العالية في محاربة الإرهاب.
وفي جانب احترام الإنسان وحفظ كرامة المواطن والمقيم فقد حققت أيضاً تطوراً موازياً لما حققته في جانب القدرات والأجمل أن تطورها في القدرات لم يكن على حساب احترام الإنسان كما يحدث في كثير من دول العالم وأمريكا تحديداً بل على العكس تماماً فقد شهدت الأجهزة الأمنية نقلة نوعية جعلت رجل الأمن يتعامل بأسلوب حضاري راقٍ يحترم إنسانية الإنسان حتى لو كان مجرماً منحرفاً متعدد الجرائم.

ومع الإعلام كانت ولا زالت وزارة الداخلية رائدة المبادرات والسباقة لكل ما من شأنه احترام دور الإعلام والإعلامي، وهذا ليس مجرد إنشاء أو مجاملة، بل هومبني على وقائع عدة فوزارة الداخلية أول من استحدث ورعى ودعم البرامج الحوارية المفتوحة في القنوات التلفزيونية، بل إنها سمحت بأن تنتقد أجهزتها كالمرور والشرطة والجوازات في تلك البرامج حيث بدأت ببرنامج العيون الساهرة ثم برنامج دعوة للحوار وأخيراً وليس آخراً برنامج (99) الرائع في القناة الرياضية والذي تميز بطرح العديد من القضايا الحساسة بمنتهى الشفافية.

إذاً فإن رجال الأمن بمختلف مهامهم ورتبهم العسكرية أصبحوا مضرب المثل في حسن التعامل واحترام الإنسان وتقدير دور الإعلام، وفي المقابل فإن ما يعرف برجال أمن الشركات أو (السيكيورتي)، وهم بطبيعة الحال مدنيون بلباس خاص، أصبح مستوى تعاملهم مع الناس في تقهقر سريع جداً، وزادت الشكوى من سوء سلوك بعضهم وهذا مرده إلى تعمد شركات الأمن توظيف نوعية من الشباب الذين لا يحملون أدنى مؤهل ولا يتمتعون بالدرجة الكافية من الوعي إذ تهدف الشركة إلى أرخص أنواع العمالة متدنية الأجر رغم حساسية أعمالهم ومهامهم ومواجهتهم للجمهور فالأسواق تشتكي من قيامهم بمضايقة ومعاكسة النساء والبنوك يشتكون من تركهم مواقع العمل واستقبال شِلل لعب الورق في موقع البنك.

تلك السلبيات كانت موجودة ومثار شكوى على مستوى التعامل بين المؤسسات وشركات الأمن، ولعل الموقف المخجل، الذي تناقلته قنوات الرياضة والقنوات العالمية، وتعرض له الزميل الإعلامي بدر رافع، جاء ليكون رب ضارة نافعة ليوجه النظر إلى أن ما تصنعه الأجهزة الحكومية وعلى رأسها وزارة الداخلية من نقلات نوعية في التعامل الإنساني تأتي شركة فتشوهه، فالتشويه الذي صاحب مشهد بدر رافع وهو يُطرح أرضاً ويضرب تتحمله شركة الأمن ورجالها المتعجرفون وتشاركهم إدارة الملعب التي أعطتهم صلاحيات غير مضبوطة ولا محدودة بحد حضاري. فمن حق رجل أمن الشركة أن يمنع مراسلاً صحفياً من دخول الملعب لأن بطاقته منتهية الصلاحية، لكن أن يسمح له بالدخول قبل المباراة ثم يتأثر بمزاجيته أو مزاجية رئيسه اثر نتيجة المباراة ويقرر سحب البطاقة المنتهية بالقوة وبتلك الطريقة المشوهة، فهذا بالتأكيد ليس من حدود صلاحياته في شيء، ثم إن البطاقة صادرة من جهة حكومية هي رعاية الشباب وهي الجهة الوحيدة المخولة بسحبها وليس رجال أمن شركة أمرهم رئيسهم بأن يشفوا غليله من شخص حتى لو كان لاسنه أو شتمه.

المشهد كان لشاب يحمل ميكرفون محطة فضائية (صحفي) يطارده عدد من رجال (سيكيورتي) وهو يحاول تلافيهم ويحذرهم بل ويرجوهم أن “يعقلوا” فيطرحونه ويركلونه، ومن شاهد وسيشاهد المشهد لن يقنعه القول بأن بطاقته منتهية أو أنه سب لأن الفعل كان أكبر من أي مبرر، وردة الفعل يفترض أن تكون كبيرة أيضاً.

ممنوعات بلا غرامات

من إحقاق الحق القول إن أمانة مدينة الرياض تنهج أسلوباً حضارياً قيادياً في كثير من تعاملاتها ومواقفها، خاصة في السنتين الأخيرتين، ولعل تقديم مؤشر أسعار السلع الغذائية ثم مؤشر أسعار سلع مواد البناء أحد الأمثلة الحديثة لنهج أمانة مدينة الرياض يضاف للعديد من الخطوات الحضارية الراقية مثل معرض الزهور واحتفالات الأعياد والأيام البيئية والصحية والرياضية التي تتميز بها مدينة الرياض عن غيرها .
مضامير المشي، خاصة ذلك المضمار المتكامل في طريق الملك عبدالله والذي بدأ مضماراً لمشي الحوامل وسمي باسمهن (شارع الحوامل) حتى أصبح مشهداً حضارياً لا يدل على انتهاج أمانة مدينة الرياض للأسلوب الحضاري وحسب بل يعكس وعي الشعب السعودي نساءً ورجالاً لأن الاعتناء بالصحة والوزن والاهتمام برياضة المشي تعكس بلا أدنى شك درجة عالية من الوعي تتمثل في تزاحم الناس في المضمار وهدوئهم وقلة مشاكلهم وهي عناصر تثلج الصدر وتؤكد، كما سبق أن ذكرت في مقال سابق أن وعي الشعب السعودي وصل درجة تستوجب إلغاء حجة الوعي كشماعة لبعض المسئولين في تبرير القصور .

هذا لا يمنع بطبيعة الحال حدوث صور نادرة من المخالفات التي تنم عن عدم تجاوب مع اللوحات الإرشادية أو النظم وتستوجب تحرير عقوبة بطريقة أو بأخرى، لأن الغرامة المادية في حد ذاتها صورة حضارية طالما تمت في إطار احترام الإنسان، أي دون إهانة أو شتم أو اعتداء جسدي .

من المظاهر الحضارية لأمانة مدينة الرياض، عبارات في مضمار المشي تقول بكل لطف ان هذا المضمار للمشي وليس للعب الكرة أو الزلاجات ..الخ وذلك بكل تأكيد للحفاظ على سلامة المشاة، لكن الملاحظ أن عدداً من الشباب يمارسون لعب كرة القدم في مواقع من المضمار، وأخشى أن يأتي يوم وتضع إحدى الحوامل حملها بسبب كرة طائشة مؤدية إلى مبالغة في تحقيق (شارع الحوامل) لهدفه، فالهدف من مشي الحامل تسهيل نزول الجنين بالرأس وليس سقوطه على رأسه في مضمار المشي. كما أن لعب الكرة في ذلك المكان الذي يعج بممارسي وممارسات رياضة المشي لا يخلو من حدوث مكاتفة غير قانونية !! أو مخاشنة غير مقصودة لبعض المارة في ظل غياب الكرت الأصفر ناهيك عن الأحمر، وهذا هو بيت القصيد .

لماذا نحن نمنع ولا نغرم المخالف ؟! فثمة الكثير من الممنوعات دون مساندة المنع بغرامة رادعة .

رمي النفايات من السيارة، البصق على الأرض، التدخين في الدوائر الحكومية والمطارات وبعض الأماكن الممنوع فيها التدخين، الكتابة على الجدران، تسرب مياه الصرف الصحي من الصهاريج أثناء السير ورشها على المارة وركاب السيارات المجاورة، وتطاير التراب والحجارة من شاحنات نقل الأتربة وأنبوب العادم (الشكمان) الجانبي للناقلات كلها صور ممنوعة منعاً باتاً ولكن لا تطبق عليها غرامات ولا رقابة صارمة مكثفة لاصطياد ممارسيها وتغريمهم فوراً ليتحقق الردع .

لو خصصنا كرسي بحث للأضرار الصحية لما يمارسه البعض من البصق على الأرض وتكلفة علاج هذه الأضرار ومنها الأمراض المعدية التي ينقلها الهواء، والجدوى الاقتصادية من تغريم ممارسها مبلغ 500ريال (في سنغافورة 500دولار) فإننا سنجد نتائج تستحق توظيف مراقب لكل باصق .