الشهر: يوليو 2008

لا سياحة بلا تضحيات

لا أكتب عن السياحة بحكم تخصص في اقتصادياتها أو التسويق لها أو صناعة السياحة بصفة عامة، لكنني أتناولها من منطلق كوني سائحاً، ومن منظور احتياجات السائح وما هي الأشياء التي تؤثر فيه سواء بالجذب أو التنفير .
نحن لا زلنا في سنة أولى سياحة، أو على الأصح في الصف الأول تمهيدي في علم السياحة ومع ذلك فإننا نتحدث عن السياحة الداخلية وكأنها مجرد تنظيم معرض مؤقت أو حفل موسمي دون أن نشرع أو نحاول الشروع في تجهيز أهم مقومات جذب السياح وهو التيسير عليهم، وتوفير حقوقهم، وأكثر من حقوقهم، والسياح هنا هم سياح الداخل قبل سياح الخارج، فلا تفهموني خطأ، إذ سبق أن كررت أننا طالما لم نجذب السائح الداخلي ونقنعه فلن نستطيع الجذب من الخارج .

لو فتحتَ دفتر تعبير قديماً لطالب في المرحلة المتوسطة كتب موضوعا عن السياحة منذ ثلاثين سنة، فمن المؤكد أنك ستجد شيئا يتحدث عن أن المطار وسائق الأجرة هما من يخلق الانطباع الأول، ومع ذلك فإننا إلى اليوم لم نهتم بهذين العنصرين !!، لكن الوقت لم ينتظرنا فثمة عوامل عديدة استجدت وأصبحت من أساسيات السياحة المعقولة، ولا أقول الناجحة، من أهمها التعاملات النقدية السريعة والميسرة، وأبسطها توفر جهاز يقبل الدفع ببطاقة الائتمان في كل (بقالة) ناهيك عن كل مزار ومتحف ومطعم .

سهولة التنقل ومرونة استئجار السيارات وإرجاعها ومرونة التعاملات اليومية الضرورية في المسكن والملبس والاحتياجات الإنسانية كلها متطلبات أولية للسائح لم نفكر في توفيرها أو حتى التأسيس لثقافتها.

لعلنا نختصر الأمر بالقول إن أكبر أدوات الترويج للسياحة هي حديث السائح فالسائح بطبيعته يمضي جل وقته بعد عودته من الرحلة في الحديث عنها وإذا واجه صعوبات فإن الحديث عن الصعوبات هو صاحب الأولوية وسائح السنة القادمة هو أسير ما يسمع وإذا لم يسمع عن الصعوبات فلن يحضر .

علينا إذا أردنا سياحة داخلية وتنشيط مواسم السياحة في بلادنا أن نؤسس أولا لثقافة تعتمد على التضحية شعارها أن (السائح دائما على حق) وهذه تحتاج إلى تاجر واع وطني الشعور، ورقابة صارمة وعقوبات رادعة يكون هدفها الأساس إسعاد السائح من الداخل وترغيبه فإذا لم يصبر عليك أبناء بلدك فلست مؤهلا لجذب الآخرين .

غني عن القول إن أحد أهم الضربات الموجعة للسياحة في عسير وجدة هذا العام هي أزمة المياه، فهي بلا أدنى شك قد جعلت كثيرا ممن كانوا ينوون قضاء الإجازة في عسير أو جدة يغيرون رأيهم بعد العلم عن حجم الأزمة، وأنا احدهم، لكن الأكثر خطراً على مستقبل السياحة فيهما يأتي من حديث العائدين منهما، سامح الله وزارة المياه.

قدر الغذاء والدواء

معظم مشاكلنا الحالية تكمن في تعدد الجهات المسؤولة عن شأن ما دون توفر الحرص لدى كل جهة بالقيام بدورها ويتزامن ذلك مع غياب المحاسبة وبالتالي فقدان الدافع لقيام كل جهة بدورها فتضيع الخدمة.
خذ على سبيل المثال مشاكلنا مع الغذاء فإن الصورة السائدة أننا نعاني فقط من مشكلة زيادة الأسعار التي عجزت وزارة التجارة عن حلها. لكن الحقيقة أن مشاكلنا مع الغذاء لا تقتصر على الأسعار، فثمة أمر لا يقل أهمية وهو مواصفات الأغذية والتأكد من عناصرها وتركيباتها، فهذا يدعي أن ألبانه تحتوي مواد مهضمة، وآخر يكتب أن عصائره غنية بالفيتامينات والكالسيوم ومقويات العظام، وثالث يقول إنه ينتج عصيراً طبيعياً مائة بالمائة وأنت بما آتاك الله من حاسة الذوق والشم تدرك بسهولة أنه خليط من مواد ملونة!!، وهذه الادعاءات والأكاذيب تشكل تغريراً بالمستهلك واستغفالا له. وإذا استعرضت الجهات المسؤولة عن فضح هذه الادعاءات فستجد أنها أكثر من ثلاث: أولها وزارة التجارة التي يفترض أن تحلل مكونات كل مادة غذائية وترفض ترخيصها ما لم تكن مطابقة لادعاءات الشركة المصنعة، وتمنع الدعايات المضللة للمستهلك، أما الجهة الأخرى فهي هيئة الغذاء والدواء والتي يفترض أن تبدأ في ممارسة دورها بوقف هذه المهازل بأسلوب علمي يوضح حقيقة أن هذا اللبن مجرد لبن وليس إنزيمات مهضمة وذلك العصير ليس فيتامينات أو كالسيوم أو دواء لهشاشة العظام وأن العصير الطبيعي 100% ما هو إلا صناعي 99% . أما الجهة الثالثة فهي حماية المستهلك التي يفترض أن تحمي المستهلك من كل ما ذكر سواء منها الحماية الرسمية أو التطوعية .

وزارة التجارة ممثلة بالجهة المعنية بالغش التجاري تحولت مع الزمن إلى حماية للماركات التجارية.

وهيئة الغذاء والدواء رغم أنها بلغت الحلم قياسا بعمرها الزمني فإنها لا تزال تعتبر نفسها في سن الرضاعة، وتكتفي بدورها الجيد في التعليق على بعض الشكاوى، لكنها لا تزال غير مستعدة لا نفسيا ولا هيكليا لتحمل أدوار أكثر حيوية فهي لا تستعجل ممارسة صلاحياتها لا في شأن الغذاء ولا الدواء.

أما حماية المستهلك فإن تجربتنا فيها لم تنضج بعد ففي وزارة التجارة بدأت لجنة ثم إدارة عامة ثم ألغيت أعواما مديدة والآن عادت في شكل حاميتين أحدهما رسمية والأخرى تطوعية ويبدو أن كلا منهما تنتظر أن تبدأ الأخرى .

على أي حال فإن الغش في الغذاء هو مجرد مثال توضيحي، والأمثلة على ازدواجية الأدوار في شؤون الخدمات كثيرة ومتعددة ودورها في شلل تلك الخدمات يجسده المثل الشعبي (قدر الشراكة ما يفوح) .

حالة تشبث

أستغرب كثيراً لماذا يعمد بعض المسؤولين عن جانب من جوانب القصور أسلوب المسارعة إلى إنكاره تماماً عوضاً عن الاعتراف به وتبريره بأسبابه الحقيقية، خاصة أن معظم أمثلة القصور في الخدمات واضحة، تتجسد على أرض الواقع، ومرئية يصعب إنكارها أو التقليل من حجمها وأهميتها.
في عالم الطب يوجد ما يعرف بظاهرة انكار المريض لحالة مرضية يعاني منها رغم إثباتها بالتحاليل والفحوصات والأشعة التشخيصية لكن المريض يصر على إنكارها ويحاول أن يقنع نفسه ومن حوله بل وحتى طبيبه بأنه لا يعاني من ذلك المرض، ولعل مرضى السكر أكثر المرضى رغبة ومحاولة للإنكار وعدم التسليم بوجود أعراض مرض السكر، لكنهم في النهاية يستسلمون.

ترى هل ظاهرة إنكار المسؤول عن جهة خدمية للقصور في الخدمات تخضع لنفس العوامل النفسية التي يتعرض لها المريض عندما يعمد إلى إنكار المرض ؟.

بطبيعة الحال وطبيعة الإنكار، فإن ثمة فوارق كبيرة بين الحالتين، فالمريض يحاول أن يقنع نفسه ويقنعنا بأنه لا يعاني من المرض الذي يخصه هو، ويتعلق بصحته هو، وتقتصر المعاناة منه عليه هو، بينما المسؤول أو الموظف يحاول إنكار قصور يخصنا نحن، ويتعلق بنا نحن، وتعم المعاناة منه علينا جميعا، هذا من ناحية علاقة القصور والتأثر به.

أما من حيث الإحساس بالمشكلة فإن المريض ينكر شيئاً يحس به هو ولا يمكننا نحن الإحساس به، بينما المسؤول ينكر شيئاً نحس به جميعاً، بل نلمسه جميعاً.

ثم إن المريض أكثر منطقية في إنكاره، فأكثر المرضى عندما ينكر المرض فإنه لا ينكر الأعراض، لكنه يبررها ويربطها باشياء أخرى غير المرض فتجده يقول ان ارتفاع السكر كان بسبب إفراطي في أكل التمر يوم إجراء التحليل أو أن ارتفاع الضغط ليس مرضاً لكنه بسبب حالة غضب صادفت إجراء القياس، وهكذا بينما لا يصاحب إنكار القصور الوظيفي أو قصور الخدمات أي تبرير منطقي أو مقبول يحترم ذكاء المتلقي ويحسب حساباً لعقله.

خذ على سبيل المثال تبرير وزارة الماء والكهرباء لأزمة المياه في الرياض وجدة وعسير، فقد قيل إن السبب هم الناس أنفسهم فهم يتزاحمون على الصهاريج خوفاً من حدوث أزمة بينما لا توجد أزمة، فكيف بالله عليكم يلجأ إلى الصهاريج لو وجد في خزانه ما يكفيه من الماء؟!.

ونفس الشيء يقال عن تحليل وكيل وزارة الصحة الطبيب منصور الحواسي لوجود أزمة أسرة للولادة، فهو يبرر بالقول إن النساء يردن الولادة في مستشفيات معينة ذات تخصص بينما يمكنهن الولادة في مستشفيات أخرى، يقول ذلك وبعض الأزواج يجوبون بزوجاتهم شوارع المدينة بحثاً عن مسقط لرأس جنين أطل برأسه ولم يجدوا، وكلنا نعرف ذلك، لكن التبرير بلغ أقصاه حينما رآى ونحن في العصر الحديث أن بعض الولادات يمكن أن تتم في المنزل!!، وهذا معناه أننا نعاني من أزمة سرير ولادة في المستشفيات لكننا لا نريد أن نعترف.

السؤال العريض لماذا نبرر؟! هو بالتأكيد حالة تشبث بالحياة مثلما يبرر المريض، وهي حالة تشبث بالكرسي عندما يحلل الموظف.

دوائرنا وزائر الفجر

غرائب بعض دوائرنا في التعامل مع المراجعين لا تقف عند حد أو درجة تخيل، لكنها تبقى نتاجاً طبيعياً لترك الحبل على الغارب في الدائرة لكل من أراد أن يحدد صيغة هذا التعامل دون محاسبة من رئيسه، بل إن بعض رؤساء تلك الدوائر يرى أن التعامل مع المراجعين أمر يقل كثيرا عن مستوى اهتماماته.
إحدى تلك الغرائب الإصرار على تحديد الفجر موعدا لحضور المراجعين علنا وعيانا بيانا رغم أن ساعات الدوام الرسمي تبدأ بالسابعة والنصف صباحا.

في تقرير صحفي رائع نشرته جريدة “الرياض” هذا الأسبوع عن أزمة العطش في عسير، تحدث التقرير ضمن تغطيته الشاملة للمشكلة عن مطالبة مصلحة المياه والصرف الصحي بعسير للمواطنين بالحضور فجرا إذا أرادوا الحصول على رقم يضعهم في انتظار إعطائهم صهريج الماء، بل علقت ورقة رسمية نشر التقرير صورتها وقد كتب فيها (تعلن مصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة عسير للإخوة المواطنين ابتداء من يوم الثلاثاء الموافق 1429/6/13ه أنه سوف يتم توزيع أرقام صرف الكروت بعد الفجر مباشرة) وأكد التقرير على أن الموظفين في المحطة أوضحوا أن من يريد الماء عليه أن يحضر فجرا.

في مكاتب العمل سواء في العاصمة الرياض أو غيرها يُطالَب من يريد أن يحصل على (رقم المراجعة) أن يحضر بعد صلاة الفجر مباشرة (من المؤكد أن الموضوع لا علاقة له بالتشجيع على أداء صلاة الفجر مع الجماعة) وقد ارتفعت شكوى المراجعين في صفحات الصحف من تذمرهم من هذا الوضع خصوصا وأن (كرت المراجعة) إذا أعطي فجرا لا يعني إنهاء الإجراءات في ذات الوقت فالمطلوب التزاحم فجرا للحصول على رقم فقط، أما الشروع في إنهاء المعاملة فيبدأ مع الدوام وإذا نقصت ورقة واحدة فعليك البدء في فجر جديد.

في كثير من المستشفيات (المتقدمة) الكبرى التابعة لقطاعات مختلفة حدد الفجر موعدا للحصول على موعد لعيادة أو عملية جراحية!!.

لماذا يتعاملون مع المراجع بهذه الطريقة؟! وما هو السر وما هي الأسباب؟!

أما السر في ظني فهو لإخفاء مناظر التزاحم والتدافع والمعاناة عن أعين الرقيب لكن الإعلام ولله الحمد كشفها حتى وإن تمت فجرا!!.

أما الأسباب فهي كثيرة ومتأصلة أهمها كما ذكرت أن رئيس الدائرة لا تعنيه مشاكل المراجعين، إلا إذا أبرزها الإعلام لنفي صحتها كما حدث مع أزمة المياه في جدة وعسير والرياض.

ومن الأسباب عدم الوعي بأهمية التعاملات الإلكترونية كما في وزارة العمل التي أصبحت في هذا الشأن عالة على إدارة الجوازات كما سبق أن ذكرنا في مقال سابق، أما في المستشفيات فالعلة والأسباب والأهداف اكبر من أن نشرحها في مساحة ضيقة فهي متلازمة اخطر من متلازمة دارون تشتمل على انشغال ومصالح قطاع خاص ومحسوبيات وضياع إداري بحكم عد التخصص.

ضمير منفصل

التناقضات تشير دائما إلى وجود خلل في التوازن، أو ما أسميه عرجاً في التعامل مع الأشياء ذات العلاقة بالتناقض أو الازدواجية .
لمزيد من الإيضاح دعنا نستعرض تعامل أجيالنا مع (تحليل) الراتب، أي التأكد من جعله حلالاً خالصا نقيا لا شوائب فيه وسنجد أن ثمة تشددا في جانب واحد فقط هو التأكد من عدم الحصول على الراتب من جهة تتعامل بالفوائد الربوية كبعض البنوك أو عدم شراء أسهم الشركات المشكوك في تعاملها بالفوائد والربا.

التأكد من نقاء الدخل ومشروعيته أمر جيد، والالتزام بالقيم والأخلاق مجتمعة شي عظيم، لكن ثمة أمثلة أخرى كثيرة ومواقف متعددة يغيب فيها الالتزام بالقيم في هذا الصدد من نفس الشخص أو الأشخاص الحريصين على نقاء مصدر راتب الوظيفة، مثل عدم إعطاء الأداء الوظيفي حقه وتعطيل مصالح الناس، أو استخدام الوظيفة في حرمان شخص من حقه و إعطائه لآخر، أو الكذب على مراجع للتخلص منه، أو منعه من الحصول على ما يخول له النظام الحصول عليه، وسبق أن تطرقت لمخالفة مشابهة تتعلق بحرمان مستهلك أو عميل من استخدام حقه في الضمان لجهاز بادعاء الموظف أن سبب الخلل سوء استخدام وهو ليس كذلك .

هذا التناقض المتمثل في الحرص على (تحليل) الراتب، وعدم الحرص على (تحليل) السلوك الوظيفي سببه، في نظري، يعود إلى التركيز في التربية والتوجيه والنصح والوعظ في كافة المنابر سواء في المدرسة أو المنزل أو المجتمع أو المسجد على شأن واحد فقط هو نقاء الراتب من التعاملات الربوية، وذلك التركيز جاء على حساب قيم أخرى لا تقل أهمية كالتي ذكرناها آنفا، إضافة إلى سلوكيات أخرى تجمع بين عدم الاهتمام بمشروعية دخل الوظيفة وقدر كبير من القسوة والغلظة وعدم الرحمة، مثل المدير الذي يفصل موظفا فصلا تعسفيا لأسباب شخصية وتصفية حسابات، أو لتغطية فساد مالي أو إداري، فهذا جمع بين عدم نقاء الراتب وعدم نقاء الضمير وغياب الإنسانية .

ونفس الشيء ينطبق على الموظف الذي يجرؤ على حرمان مريض من حق العلاج أو الحصول على سرير، أو تفضيل مريض على آخر أو على حساب حق مريض آخر في سرير أو علاج .

وذات التناقض ينطبق على من يحرم إنسانا من الحصول على حق شرعي أو مقاضاة شخص أساء إليه أو أصابه بضرر أو حرمه حقا .

ما الذي يجعل نقاء الراتب أهم من نقاء المرتبة أو الوظيفة؟! أعتقد أنه خلل في توازن التربية والوعظ فثمة تركيز على جانب دون الآخر مما جعلنا نسير بعرج واضح ونتعامل بضمير منفصل يركز على تحليل المصدر المالي ولا يأبه بتحليل السلوكيات في العمل.

موضة جديدة لوظيفة مفصلة

العمل الوطني المخلص، الخالص لوجه الله ولرد الجميل لهذا الوطن، هو العمل الذي لا يرجى منه تحقيق مصلحة شخصية لصاحبه، ولا يصممه العامل ليعتمد على بقائه هو، وانتفاعه هو، وصعوده هو!!.
العمل من أجل الناس والوطن والمصلحة العامة يشبه كثيرا سباق التتابع، ذلك السباق الذي يبدأ بشخص يحمل عصا فيركض بجد وجهد وحماس وإخلاص، لكن هدفه تسليم العصا للمتسابق التالي في أسرع وقت ثم يخرج من مضمار السباق ليتحول إلى مشجع للمتسابق التالي يحثه على بلوغ الهدف، وهكذا مع من يليه.

هكذا يفترض بكل مسئول عن دائرة أو مدير عام لمؤسسة أو وكيل لوزارة أو وزير أن يعمل لكي يعطي بقدر ما أخذ، وينتج خلال مدة عمله ما يمكن للآخرين الانطلاق منه على أساس سليم صالح لغيره مثلما كان صالحا له ولاستمراريته لو استمر.

بعض دوائرنا لاتسير على هذا النسق بكل أسف، فقد ابتلينا ببعض المغرمين بمصلحتهم الشخصية، والشغوفين بالتخطيط للتدرج إلى أعلى على حساب الخطة، وعلى حساب المصلحة الوطنية، وخلافا للمنطق السليم للعمل الوطني المتقن.

ثمة من يصمم الإنجازات لتخدمه وظيفيا ثم لا يهمه أن تستمر أو تتوقف، يرسم الإستراتيجيات والخطط بعد أن يضع مصلحته الوظيفية هدفا أساسيا لكل ما رسم، بحيث تحمل أهداف الخطة أو الإستراتيجية إجابات لأسئلة ذاتية محددة : ما هو مسماه الوظيفي الجديد؟، ماهي مرتبته الجديدة؟، ماهي بدلاته الجديدة؟.

لماذا نتعامل مع الوطن بهذه الأنانية وذلك الجحود وتلك الجفوة؟!، لماذا نستخدم الوطن أداة لتحقيق مصالح خاصة بدلا من أن نجعل من أنفسنا أدوات لتحقيق المصلحة الوطنية؟!.

أسلوب استخدام الخطط والإستراتيجيات سلما للصعود أسلوب يمثل الكثير من الأنانية والقليل من الوطنية، لكن صوره وأساليبه كثرت وتكررت، وأخشى أن يصبح موضة وظيفية جديدة، تحل محل موضة البقاء بالتحدث عن مشروع، ثم الدعاء بالبقاء لرؤية المشروع وقد أصبح حقيقة، مع أن المشروع برمته كان حلما صدقه صاحبه و(وطني) شاهد.

إن علينا أن نحتاط من أساليب بعض الموظفين في الصراع من أجل البقاء لأن أساليبه تعددت وطرقه تنوعت، ومن أشهر موضاتها تفصيل الوظيفة للموظف بدلا من تأهيل الموظف للوظيفة، إن حق الوطن المعطاء أكبر من أن يخفيه عن قلوبنا حب البقاء الوظيفي وحب الرقي غير المستحق، لأن وطننا أحق بكل شيء.