الشهر: أكتوبر 2008

الحرب الدعائية بين الأطباء

مع تحول الطب من مهنة إنسانية إلى تجارة حرة لا تخلو من الغش والخداع، فقد راج كثير من السلوكيات التي تتعارض مع أخلاقيات المهن الصحية، وأعراف مهنة الطب وقبل هذا وذاك تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف فمنها ما يدخل ضمن الغيبة والنميمة وآخر يدخل ضمن التدليس والغش.
وإذا دخلت التجارة وتغليب الربحية على الالتزام بالدين والأخلاق فلك أن تتوقع حدوث الفعل والفعل المضاد وتعدد صور المخالفات وسوء السلوكيات.

من واقع القرب من كلية الطب التي درسنا بعض مقررات الصيدلة فيها عندما كنا طلابا، ومن واقع القرب من كلية الطب أكاديميا كمحاضر في كلية الصيدلة فقد علمت علم اليقين أن من ضمن أسس الأخلاقيات التي تدرس لطالب الطب في كل مكان أنه لا يجوز للطبيب أن يحاول كسب ود المريض كزبون بأن يشكك في طبيب آخر ويدعي أن طريقته في العلاج خاطئة أو يستغل ثقة المريض في الادعاء أن طبيبا آخر سبب له ضررا أو أعطاه علاجا خاطئا ويستثنى من ذلك طبعا ما يطلب من الطبيب في اللجان الطبية وغيرها لإحقاق حق وتقرير حالة لمشتكي.

الآن شاع بما يصل حد الظاهرة انتقاص الأطباء، من نفس التخصص، لبعضهم البعض، وكثرت شكاوى المرضى من أنه ذهب إلى الطبيب الفلاني يبحث عن رأي ثان يؤكد تشخيص علته (هذا أحد حقوق المريض بل وواجباته تجاه صحته الحصول على رأي ثان second opinion) ففوجئ بالطبيب ينتقص من قدرات زميله ويسخر من تشخيصه ويطالب المريض برمي كيس الأدوية في سلة النفايات ويصف له قائمة أخرى من الأدوية.

بل الأمر تعدى مجرد غيبة طبيب لزميله الطبيب، فقد أصبح طبيب المستشفى الحكومي ينتقص قدرات مستشفاه وزملائه ويحيل المريض إلى المستشفى الخاص الذي يعمل به ضد النظام والقانون، وأصبحت مستشفيات القطاعات المختلفة تتبادل التهم والإساءات لبعضها البعض أمام المريض وأقاربه (لم تمر علي شكوى مريض انتقل من مستشفى لآخر الا كان فيها ادعاء المستشفى الثاني أن المستشفى الأول عبث في المريض أو بالعامية الواضحة لعبوا فيه).

أما أكل أموال الناس فيمثلها شر تمثيل ما يمارسه طبيب العظام عندما يحيل مريضا كسر حادثا عظامه، وكسرت الأسهم وارتفاع الأسعار قدراته، يحيله لشراء جهاز تثبيت أو جبيرة إلى متجر معين يخصه أو يخصص له نسبة فيدفع المريض لهم أضعاف القيمة الحقيقية في السوق.

هذا ما رأيناه يناقض ما شاهدناه يدرس في كلية طب جامعة الملك سعود من أخلاقيات الممارسة الطبية، أما ما شاهدناه في كليات الطب الحديثة فهو تنافس تختصر فيه مدة الدراسة، وينخفض فيه الحد الأدنى لقبول المتقدم، وتسلق فيه المناهج سلقا، ويدرس فيه من لا يمت للأكاديمية بصلة أو خبرة أو مؤهل، كل ذلك لكي يحقق أحدهم حلمه بمنصب عميد كلية بعد أن لم ينجح في كلية طب حقيقية للوصول إلى وكيل كلية.

فإذا كان خريجو الكليات العريقة حصل منهم تلك المخالفات فما عسى خريج الكلية الوهمية يفعل؟!

إنها ردة الفعل المضاد التي أخشاها فمهنة الطب إذا شابها التسابق على الكسب المبالغ فيه والبحث عن شهرة إعلامية على حساب المريض وحقوقه فقل على المهنة السلام من كلياتها إلى بروفيسوراتها.

سائح (محشور)

أكثر ما يثير الاستغراب والاستنكار أن مراكزنا التجارية مهما بلغت من الطراز العمراني الرائع والأبراج شاهقة الارتفاع، والسلالم الكهربائية المتعددة والمصاعد الشفافة الأنيقة، ومهما ارتفعت أسعار إيجاراتها وتضاعفت تبعا لذلك أسعار بضائعها ووصلت أرباحها أرقاما فلكية، وبالرغم من أن هذه المراكز التجارية تشهد اقبالا شديدا وحركة دائبة وتنوعا في مرتاديها، بين مواطن ومقيم وزائر وسائح..
أقول بالرغم من هذا كله إلا أن مراكزنا التجارية لا تعتني مطلقا بأهم النواحي الإنسانية والاحتياجات الآدمية الحضارية وفي مقدمتها توفير دورات مياه تتناسب مع روعة الطراز العمراني وأناقة المصاعد وحجم الأرباح وقبل هذا وذاك عدد الزوار.

نحن، وبكل أسف، نهمل هذا العنصر المهم حضاريا، وأعني توفر دورات مياه لائقة قابلة للاستخدام، في كل المرافق سواء البلدية منها أو التجارية أو المطاعم أو المنشآت الرياضية أو حتى المستشفيات.

نتعمد أن نضع لدورات المياه أسوأ المواصفات وأقل الأدوات وأصغر المساحات وأقبح الأثاث ولا نعتني بالنواحي البيئية التي تجعلها قابلة للدخول فيها أو استخدامها إلا في الحالات الضرورية جدا، ونتناسى أهميتها البالغة في التأثير على نفسية المرتاد والأهم من هذا أننا نتجاهل أو نجهل دورها في التأثير على سلوكيات الناس والارتقاء بشعورهم نحو الممتلكات العامة فأنت حين تحترم الحاجة الآدمية للإنسان وتوفر له أفضل الظروف وأرقاها فإنك تجبره على احترامك واحترام ممتلكاتك وعلى العكس فإنه حين لا يجد أحداً يعير احتياجاته أدنى اهتمام فإنه لا يعير اهتماماً لأحد.

حقيقة أستغرب كثيرا عدم تناسب دورات المياه لدينا مع درجة السوق أو المطعم أو المنشأة البلدية أو الدائرة الحكومية أو الرياضية فتجد المنشأة فئة خمس نجوم بينما دورات المياه في الإهمال تعوم .

ليس لدي عقدة الأجنبي ولا أرى أننا يجب أن نوفر الرفاهية من أجل السائح فقط، فالمواطن والمقيم عندي أحق وأجدر، ولكن الشيء بالشيء يذكر فأنا وبحكم عملي في المجال الصحي والأبحاث تحديدا كثيراً ما أضطر للخروج برفقة ضيف على الوطن سواء متحدثاً في مؤتمر أو باحثاً أو خبيراً جاء يعقد اجتماعا وأحرص أن أجوب به أرض وطني بما فيها من منشآت وأسواق مزهوا فخورا وأنا أطلعه على منجزاتنا المشرفة حقاً، لكنني أحرج كثيراً وارتبك أكثر عندما يحتاج الى دورة المياه، إلى أين آخذه ؟!!، هل أعيده الى الفندق أم أجعله يستخدمها فيعود إلى انطباعه القديم عنا؟!!.

أقترح أن تتدخل أمانات المدن وهيئة السياحة وتفرض على كل مركز تجاري وسوق ومطعم ومنشأة حكومية أو أهلية مواصفات ومعايير عالية لدورات المياه، وتتضمن صيانة ونظافة على مدار الساعة، شريطة أن تبدأ أمانة المدينة بحدائقها ومرافقها العامة، وأكرر ليس من أجل السائح الأجنبي فقط ولكن من أجل المواطن والمقيم والسائح من الداخل.

(دال) من لا (دال) له

جميل أن مجتمعنا بكل دوائره، وأصحاب القرار فيه وكتابه وأفراده عامة تنبهوا مؤخرا إلى أن نسبة من أصحاب (الدال) ألصقوا بأنفسهم دالا مزيفة اشتروها من ورش الشهادات المغشوشة، ولأن حفظ الحقوق الأدبية وحق السبق مطلب حضاري وحقوقي فإن من واجبنا التدوين والتأريخ بأن وزارة التربية والتعليم تحت قيادة معالي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد كانت صاحبة المبادرة في إثارة هذا الموضوع، وهي مبادرة أو سابقة محمودة كان المتوقع أن تأتي من وزارة التعليم العالي المعنية أكثر بأهمية اللقب الأكاديمي وضرورة تمحيصه.
الأهم من هذا الاكتشاف هي مدلولاته والعبر التي يجب أن نستوحيها منه ونطبقها عمليا في تقييمنا للكفاءات وفي اختيارنا لأصحاب المهمات والمناصب وأهمها على الإطلاق أن تقييم الشخص أو الخيار يجب أن لا يعتمد على لقب أو حتى شهادة بعينها لأن الشهادة وما يتبعها من ألقاب لا تعدو كونها ترميزاً اجتماعياً أو حتى أكاديمياً لتحديد الانتماء إلى درجة تحصيل دراسي أو بلوغ سن دراسية، ولا يؤكد بأي حال من الأحوال القدرة على القيام بمهام منصب أو النجاح في أداء مهمة لأن تقييم قدرة الرجال والنساء على أداء مهمة معينة يحدده امتلاك كم هائل من القدرات والتي تميزهم عن غيرهم في أداء تلك المهمة المحددة، أما الشهادة العلمية فتدل فقط على القدرة على مواصلة الدراسة أو القدرة على تزييف الشهادة والأولى، مؤشر محدد على الاستيعاب والنفَس الطويل وهذه نقطة في بحر الايجابيات أما الثانية (القدرة على التزييف) فهي ذروة سنام السلبيات لأنها تبشر بشخص قابل للغش، قابل للبيع، قابل للشراء، قابل للكسر في ضميره وقراراته.

الشهادة أو الوثيقة التي يستحيل تزييفها أو شراء مشابه لها هي مجموعة المبادئ والقدرات والإمكانات المتميزة والنجاحات المتراكمة التي تشهد لصاحبها ويشهد بها الناس، وحملة مثل هذا المؤهل لا يعنيهم مطلقا أن تضاف الدال التي حققوها إلى أسمائهم لأنهم يدركون أنها مجرد حرف في جملة طويلة من الإمكانات التي لا يغيرها حرف.

الأهم في قضية أو ظاهرة تزييف (الدال) هو سبب نشوئها، وهو بالتأكيد نحن اللذين جعلناها سلم من لا سلم له ومتطلباً أساسياً لتركيبة مجتمعنا من وظائفه ومناصبه ومجالسه ولجانه ومكانته الاجتماعية وأنت عندما تجعل المتطلب عنصرا واحدا تحدده ورقة أو ختم يسهل تزييفه، فإن عليك أن تتحمل نتائج التزييف ليس في (الدال) فقط بل في كل ما يوكل إلى (الدال).

الزميل خالد السليمان وصف الظاهرة في زاويته الرائعة في عكاظ تحت عنوان (مزور فخري) بأنها فقاعة أكاديمية شبيهة بفقاعات الأسهم والمساهمات والعقارات .. ( انتهى)، وحقيقة إنه أجمل وصف من أجمل واصف، فإذا كانت فقاقيع الأسهم والمساهمات والعقارات أدت إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ونفسية وأمنية غير محمودة العواقب، فإن الفقاعة الأكاديمية ستؤدي أو ربما أدت إلى ممارسة خاطئة في كل تخصص طاله التزييف سواء كان أكاديميا أو طبيا أو إداريا أو صيدلانيا أو هندسيا أو في السياسة أو القانون والمحاسبة، أي أننا سنكون امام نتائج متعددة السلبيات، متعددة الصور، متعددة المجالات.

الضرب بعد إفطار الوزير

سعدت كثيرا بخبر إفطار معالي وزير الشئون الاجتماعية د.يوسف العثيمين مع عدد من الأيتام في دور الرعاية الاجتماعية، فمن المؤكد أن إفطار معالي الوزير مع الأيتام، إذا ما استغله الوزير في الجلوس منفرداً مع أحدهم أو مجموعة منهم في غير حضور القائمين على رعايتهم فقد يتجرأ أحدهم ويفضفض لمعاليه ببعض همومه أو معاناة زملائه، وإن لم يتجرأ أحد فإن معالي الوزير بما أوتي من فطنة وحرص وألمعية قادر على قراءة مشاعر الأيتام من ملامح وجوههم، المهم أن الزيارة بكل المقاييس إيجابية، خاصة لو تمت دون إعلان.
و ما أن سعدنا بإفطار الوزير حتى حزنا أشد الحزن على حالة اليتيم في دار الرعاية بالمدينة المنورة، الذي نشرت جريدة الرياض خبره يوم الاثنين 29رمضان1429ه حيث تعرض للضرب المبرح من (أخصائي اجتماعي!!!) استخدم لضربه (توصيلة غاز) مما أدى إلى نزف دموي حاد من فمه وأنفه ورضوض وخدوش طالت أماكن متعددة من جسده، جدير بالذكر أن توصيلة الغاز وحسب ما نعرفه من مواصفات شركة الغاز والدفاع المدني أنها صممت على أعلى المواصفات التي تضمن صلابتها ومقاومتها وعدم تأثرها بالعوامل الخارجية ولم يدر في خلد مَنء وضَع مواصفاتها أنها سوف تستخدم من قبل الأخصائيين الاجتماعيين ولا غير الاجتماعيين لضرب الأيتام ولا غير الأيتام لا من البشر ولا الحيوانات !! فما بالك بيتيم حاز على جائزة من معالي الوزير خلال معسكر كشفي؟!!.

الأمر الذي لا يقل إيلاما من الضرب بتوصيلة الغاز هو مسارعة مدير عام الشئون الاجتماعية بالمدينة المنورة للتقليل من أهمية الحادثة رغم إجادة مراسل (الرياض) الزميل خالد الزايدي في وصف تفاصيل القصة.

أعزائي سبق أن طالبت وبشدة بحماية كل من يعيشون داخل الأسوار سواء في دور الأيتام أو دور العجزة أو دور الرعاية الاجتماعية، أو دور رعاية القصر أو حتى المستشفيات النفسية وذلك بمراقبة ما يقدم لهم من رعاية عن طريق جهة مستقلة، وكم أتمنى على وزير الشئون الاجتماعية الذي ظاهره النشاط والحرص والهمة أن يكلف جهة ترتبط به مباشرة بمراقبة ما يحدث ممن يرعون كل تلك الفئات المذكورة أعلاه داخل الأسوار، فلا بد من تجاوزات خطيرة لا نعلمها لأنها تحدث داخل الأسوار ولا يمكن أن نكتشفها حتى لو أفطرنا مع النزلاء لأن الخوف يخفيها وقد يكون حاميها حراميها.