الشهر: مارس 2009

ارحموا عزيز طب أدار

أود أن أتناول موضوع إدارة الأطباء من وجهة نظر مختلفة وبالاستشهاد بمثال تقشعر له الأبدان يجعلنا نتنبه إلى أن التأثير العكسي لتولي الطبيب للإدارة قد يجعله يتخلى حتى عن حسّه الطبي الإنساني وقد تطغى سيطرة البيروقراطية حتى على معلوماته الطبية.
سائق سعودي يعمل في إحدى المنشآت الصحية التي يديرها طبيب ، أصيب بمرض السرطان في الغدد الليمفاوية ، حماكم الله وإيانا وشفاه ، مما استدعى علاجه بالعلاج الكيميائي المكثف الذي أدى إلى مضاعفات كثيرة معروفة منها سقوط عدد من أسنانه فما كان منه بعد إتمام مراحل العلاج ،وتحديداً في عام 2007م ، إلا أن طلب من المدير العام التنفيذي للمنشأة ،وهو طبيب، الموافقة على تركيب أسنان بديلة للأسنان التي فقدها فقوبل برفض الطبيب حيث أفاده بأن علاج الأسنان ليس ضمن حقوقه كموظف وأن عليه إذا أراد تركيب الأسنان أو زرعها أن يدفع التكاليف لمركز الأعمال من حسابه الخاص.

دعونا من عدم قدرة سائق براتبه الزهيد على دفع تكاليف علاج الأسنان، ودعونا من أمر أحقية موظف المستشفى، وهو مواطن، في علاج أسنانه في المنشأة التي يعمل فيها، ودعونا نركز على ما نسيه الطبيب عندما انشغل بالإدارة !!.

علاج الأمراض السبعة حق من حقوق كل مواطن ضمنته له الدولة أعزها الله و مرض السرطان هو أحد وأهم هذه الأمراض السبعة التي تطرقت لها في أكثر من مقال سابق، وما نسيه الطبيب الماهر هو أن علاج مضاعفات المرض، أو مضاعفات أدويته هو جزء من علاج المرض، أي أن ذلك العلاج الكيميائي لو أدى إلى تكسر خلايا الدم وهبوط الهيموجلوبين فإن المريض من حقه الحصول على الدم ، ولو أدى إلى إنهاك أحد أعضاء المريض أو تلفه فإن علاج هذه المضاعفة استمرارية لعلاج المرض، فلا يمكنك أن تقول للمريض عالجت مرضك وعليك بتولي علاج المضاعفات ، ومثل ذلك فإن سقوط أسنانه لم يكن بسبب إهماله تنظيف أسنانه ولكنه نتيجة معروفة للعلاج الكيميائي لأحد الأمراض السبعة، فإعادة الأسنان لهذا المريض لوضعها قبل إصابته بالمرض حق من حقوقه لا يحق لإداري كائن من كان أن يحرمه إياه ، ولو كان هذا الإداري إدارياً مؤهلاً متخصصاً في الإدارة لما حرمه هذا الحق لأنه سيكون ملماً بالأنظمة والقرارات والحقوق ومهيأً نفسياً للاستنارة بالرأي الطبي، أما وأنه طبيب يفترض أن يشغل الطب والجراحة كل ذهنه فقد جاءت الإدارة لتستحل أهم جزء من هذا الذهن وهو المتعلق بالجوانب الإنسانية ، ففقد إنسانية مهنة الطب ولم يتقن فن الإدارة، وإنني لأعجب أشد العجب ممن يجرؤ على حرمان مريض سرطان من مواصلة العلاج وكيف لا يتذكر قدرة الله عليه؟!!.

ولأن المرض الإداري كالمرض العضوي تنتقل عدواه مع ناقل المرض فإن قرار إعادة تشغيل مراكز الأعمال في وزارة الصحة أحد الأعراض، لذا فإنني لا أخشى فقط عودة إشغال الأسرة بزبائن مراكز الأعمال على حساب المواطنين من المرضى المستحقين للعلاج المجاني ، بل إن الأمر قد يصل إلى تحويل المستحق للعلاج المجاني مثل صاحبنا هذا إلى مركز الأعمال ، ففقدان الحس الإداري لا يقل خطورة عن فقدان الحس الإنساني وإذا فقدا معاً فتوجه بالدعاء إلى الله فهو خير من يعوضك ويقتص لك .

لنحتفل بإتلاف المخدرات

بكل المعادلات الحسابية ،وبكل المقاييس سنجد أن نجاح الجهود الأمنية في إحباط عمليات تهريب كميات كبيرة من المخدرات إلى هذه البلاد يساوي نجاحاً كبيراً في درء العديد من الأخطار والخسائر الصحية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن أن تقدر بثمن أو تُقيّم برقم ، وهذه قبل كل شيء نعمة من الله سبحانه وتعالى تستحق الشكر والامتنان والمزيد من التوجه للعزيز الجبار أن يحمي هذه البلاد من أعدائها .
تلك الكميات الكبيرة والمتنوعة من المخدرات فيما لو مرت فإن كل حبة أو ذرة منها كفيلة بإنهاك صحة مدمن وإعادته إلى حالة اللاوعي التي تؤدي بدورها إلى تحطيم أسرة أو قتل فرد أو جماعة آمنين وما ينتج عن ذلك من ضياع ويُتْم وحزن وأمراض نفسية وتفكك وانحلال أسري وشيوع للجريمة .

هذا ما سينتج من تعاطي فرد واحد فما بالك بالمئات أو الآلاف التي تكفيهم الكميات المضبوطة لتعاط طويل ، ثم كم سنصرف على علاج كل تلك التداعيات الصحية والأمنية والاجتماعية وعلى مدى عمر مجتمع بأكمله وعبر أجياله؟

إذاً فإن رقم النجاح الذي حققته تلك الجهود رقم فلكي لا يمكن كتابته بالقيمة الحسابية فقيمته تفوق كل الحسابات ولذا فإن تقدير مثل تلك النجاحات يفترض أن يكون كبيراً بحجم وفاء هذا الوطن لأبنائه المخلصين .

أنا أقترح بعد أن نؤدي واجب الحمد الدائم للخالق المنعم صاحب الفضل والمنة أن نحتفل بهذا النجاح بصورة تليق به ولعل أكثر الصور إسعاداً لمحبي هذا البلد الأمين وأكثرها قهراً لمن يستهدفونه وأعداءه أن يتم الاحتفال بحرق أطنان المخدرات المصادرة في ساحة عامة وبطريقة لا تضر بالبيئة ولا تلوث الأنفاس الزكية للناس ، وهي طرق متوفرة حالياً للتخلص من النفايات الخطرة وأي نفاية أقذر من هذه السموم ؟!.

إن حرق تلك الكميات المهولة أمام أعين التائبين والمدمنين والمتضررين والأسر التي تعاني من ويل هذه المخدرات هو خير وسيلة لشفاء صدورهم وأكثر الصور بقاءً في المخيلة ، مخيلة الأطفال والشباب والكبار وهي من أكثر الصور قهراً وردعاً لمن صدّر هذه الكميات فالحرق يرمز بقوة للنهاية الأبدية ففي الحقائق العلمية أن المادة لا تفنى ولا تستحدث لكن احتراقها يحولها إلى هباء أشبه بالفناء ، كما أن احتفالية حرق أطنان وكتل من المخدرات سوف يستهوي قنوات الفضاء لتصوير الحدث فتسهم مملكة الإنسانية في إسعاد محبي الخير وقهر دعاة الفساد والإفساد .

أتمنى أن تتم هذه الاحتفالية في أجواء انتصار كبير وإجراءات تليق بالمناسبة ويجرى خلالها تكريم رموز هذا الإنجاز وما سبقه ، تكريم لا يخل بالسرّية التي يستدعيها استمرار نجاحهم ولا يقل عن ما يستحقونه كأبطال حقيقيين يستحقون أن يفخر بهم وطن تعود على تكريم أبنائه في مجالات عدة تكريماً سخياً ولا أعتقد أن مجالاً أخر سواء كان طبياً أو هندسياً أو رياضياً يمكن أن يقارن بما ينجزه رجال الأمن على كل صعيد ، حفظهم الله ، وحفظ وطننا بشريعته والتزامه وصدق نواياه .

طائرة الجامعة

منذ حوالي ثلاثين عاماً وأثناء دراستي بكلية الصيدلة كنت أحد طلاب النشاط الثقافي بجامعة الملك سعود، وكان طالب النشاط في ذلك الزمن يتمتع بحظوة وتقدير حتى لدى مدير الجامعة (د.منصور التركي آنذاك) فمدير الجامعة كان مهتماً بالنشاط الجامعي لا يفوض غيره لحضوره ولا يغيب عنه، وأذكر أنني كنت أذيع حفل ختام أنشطة الجامعة بحضور معاليه وكان الحفل اجتماعياً رياضياً أخوياً بحق وغير متكلف، فكلّ يحضر ببذلة رياضية ليشارك في مباراة بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب (كان أعضاء هيئة التدريس يتواجدون ومتفرغين زمنياً وذهنياً ونفسياً لمشاركة طلابهم لا تشغلهم هموم التجارة والاستشارة لدى المؤسسات والشركات ولا يفصل بينهم وبين طلابهم حاجز الغطرسة).
وأنا أعلق على المباراة كان الجو لطيفاً مثل نفسيات الطلاب وأعضاء التدريس والإدارة، ومائلاً للبرودة مثل علاقة الطالب بالأستاذ اليوم، وممطراً برذاذ يزداد تارة إلى درجة لا يتحملها من لم يتعود البرد مع المطر، وأذكر أنني قلت عبارة لم أظنها خطيرة قلت : الأجواء سوف تثبت أيهما أقوى تحملاً من الأساتذة، خريجو أمريكا أم خريجو بريطانيا فجاءني الدكتور أسعد عبده أمين الجامعة ممازحاً وقال “انتبه الموضوع حساس جداً” وكان يعني المقارنة بين من حصل على الدكتوراه من أمريكا ومن حصل عليها من بريطانيا، فأهل أمريكا يزعمون أنهم أفضل (الآن التنافس أصبح بين من شهادته حقيقية ومن شهادته تحتمل التزوير فقد انخفض معيار المقارنة بشكل كبير جداً!!).

وبالمناسبة منذ ذلك الوقت لم أسمع عن منصب أمين الجامعة ولم نسمع عن إلغائه فماذا حدث لذلك المنصب الرنان ؟! أما الأهم فهو أن الدكتور أسعد عبده، رغم أستاذيته وأنه أمين الجامعة وصاحب حضور مميز على عدة أصعدة، فقد كان يمازح طالباً ويوجهه أما اليوم فإن الطلاب يشتكون من غطرسة أساتذتهم وتوجيه عبارات مهينة لهم ناهيك عن هضم حقوقهم مما دعا مدير الجامعة د. عبدالله العثمان لإنشاء لجنة تعنى بحقوق الطلاب،

وأحسب أن أحد أهم وأكثر الشكاوى التي تستقبلها اللجنة هو التصحيح العشوائي لأوراق الطلاب حيث يتحدث كثير من الطلاب عن “قرعة” غريبة تحدد أوراق الناجحين والراسبين والتقديرات لعدم توفر الوقت لدى الأستاذ للتصحيح !!.

لم يكن للجامعة آنذاك إلا وكيلان وكيل للشؤون الإدارية ووكيل للشؤون العلمية والبحث العلمي، أما اليوم فلدى الجامعة حسب موقعها الإلكتروني ستة وكلاء يصبحون سبعة إذا أضيف لهم وكيل الجامعة لشؤون الفروع، لكن الذي يظهر إعلامياً وفي المناسبات هو وكيل واحد فقط (وكيل الجامعة للتبادل المعرفي ونقل التقنية) أما البقية فشبه مغيبين رغم أهمية أدوارهم ومهامهم ومناصبهم .

إذا شبهنا جامعة بحجم جامعة الملك سعود بطائرة كانت منذ ثلاثين سنة محلقة على علو شاهق وبعد عشر سنوات من التحليق تعرضت لمطب هوائي هوى بها حتى اقتربت من الأرض، فإن إعادة الإقلاع بالطائرة الضخمة يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل ولا يكفي الصوت الإعلامي لرفعها، لأن ثمة طائرات تسبق سرعة الصوت لكنها لا تقلع بمجرد رفع الصوت.

أحياء لا تسرق

الرقابة الدائمة هي السلاح الوقائي الفعال في منع حدوث المخالفات أيا كانت وكلما كثفنا الرقابة قللنا فرص حدوث المخالفة؛ لأن من يخطط لمخالفة القانون أو ارتكاب جريمة إنما يستغل ثغرة في الرقابة ويتحين الفرصة لأية غمضة عين لينفذ جريمته.
ومن الملاحظ أن المدن في المملكة تتمدد أفقيا بشكل كبير جداً وبسرعة فائقة تفوق كل الإمكانات المتاحة لمراقبة الأحياء السكنية خصوصاً وأن الزيادة في أعداد وقدرات الأدوات الرقابية وعلى رأسها الأفراد لا تتناسب مطلقاً مع توسع المدن.

لذا فإنني اقترح تطبيق نظام رقابي لجميع الأحياء في المدن والقرى يقوم على أساس تسيير سيارات جيب صغيرة تحمل فردين مهمتهما الرقابة والتبليغ فقط عن طريق جهاز اللاسلكي أو الجوال ، أي أن هذه الدوريات في الأحياء تعنى بالتجوال في الحي ومراقبة كل ما يدور فيه والتبليغ عن أي مخالفة وعلى رأسها المخالفات الأمنية، واشتباه السرقة وتتبع المشبوهين وتستعين بدوريات الأمن عندما تتأكد من وجود مايستدعي تدخل رجال الشرطة سواء لمباشرة حالة سرقة أو اعتداء أو أي أمر يمس أمن ساكن الحي ، وبذلك فإن دوريات الأمن الحالية سوف تتفرغ للتدخل السريع والتجاوب مع البلاغات ويخف عنها ضغط التجوال الممل رغم محدوديته في القدرة على التغطية لأنه يتوقف عند انشغال الدورية بحالة معينة أو اشتباه ، فبدلاً من تشتيت الذهن سيكون دور الدوريات الأمنية التوجه السريع لمباشرة حالة مؤكدة ومنع حدوث جريمة والقبض على المجرم وتسليمه بينما التجوال والرقابة والتبليغ تكون من مهام هذه الدوريات الرقابية الصغيرة .

إلى جانب ما ستلعبه دوريات مراقبة الأحياء من دور كبير في الحد من حوادث السرقة للمنازل والسيارات وحالات الإزعاج والاعتداء لتوفر عيون رقابة رسمية ، فإن دوريات الأحياء تلك سوف تستغل دورانها في تسجيل مخالفات من نوع آخر كالتفحيط وتسرب المياه ورمي النفايات ومخالفات البناء وغيرها من المخالفات البلدية التي تستغل غياب عين الرقيب الدائم .

اعتقد أن دوريات الأحياء بهذه الطريقة والمهام فكرة تستحق التجريب ، كما أنها وبالطريقة التي أقترحها امتداد لنظام العسس الذي كان مطبقاً وبنجاح كبير في زمانه حيث كانت الأحياء محدودة ببضع منازل والمساحات متقاربة إلى درجة أن صفارة ” العسة ” كانت كافيه لتغطيه أكثر من حارة ، بل كانت كافيه للردع حتى وإن صدرت من شيخ كبير يعتمر فروة ويقبع في إحدى الزوايا حيث يصعب معرفة مصدر صوت الصفارة ، لكن المجرم يشعر أنها اقرب إليه من أذنه ، ألم أقل لكم إن الرقابة أساس الردع .

من يحب الوطن أكثر ؟!

أثناء توقفي عند إشارة مرور ، نظرت يمنة فإذا بي أرى سيارة قديمة عفا عليها الزمن لا تكاد تحمل من سمات أصلها شيئاً غير هيكلها المهترئ ، وإذا بذراع تنسل من فتحة النافذة وكأن صاحبها “يتطقس” حالة الطقس أو يستجدي نسمة هواء تدخل إلى الكبينة غير المكيفة ، فالجو في الرياض شديد التقلب هذه الأيام ، وذلك الرجل لم يكن خبلاً ليبيع (عباته).
في طرف الذراع الممتلئة كف لا تقل ارتواءً لكنها يد خشنة جف على جلدها شيء من تراب مختلط ببودرة الإسمنت وتكاد ترى في بطن الكف شظايا من بقايا خشب لم يجد الرجل بعد وقتاً لانتقاشه !! كف لا تتمنى أن تقع على خدك ولا خد صديقك ولا حتى عدوك ولو مزاحاً .

بيت القصيد أنني تأملت داخل السيارة فإذا بشيء كبير يتدلى من مرآة الوسط على شكل قلب من قماش بضعف حجم القلب البشري يحمل ألوان علم دولة عربية وقد كتب عليه “أحبك يا وطني”.

وأنا أتأمل هذه المفارقات وأفكر في مفارقات أكبر ، أعطتنا إشارة المرور الإذن بالانطلاق فإذا بسيارته تحمل كل قواها وصوتها للتحرك فتهتز وترتعش، كمن أصابه مس من جان، ويسعل محركها بصوت يدعو إلى الشفقة وكأنه رئة مدخن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

فارقته وأنا أفكر في المفارقة الغريبة ، لماذا يعبر الكادحون والمساكين العرب عن حب الوطن أكثر من المترفين ؟!.

هل يحب الشقي الكادح وطنه أكثر ممن منحه الوطن السعادة والرفاه ؟! وهل هذه

سمة عربية ؟!.

شاهدت سيارات عربية فارهة ويخوت وطائرات خاصة (شاهدت صورها طبعاً) ولم أر في أي من زواياها شعاراً يليق بالديكور يحمل تعبيراً لحب الوطن مثلما فعل صاحبنا هذا في عربته تلك .

الواقع يقول إن ااإبن غير المدلل أكثر نفعاً لوالديه من شقيقه الذي أرهق والده صرفاً وترفاً ودلالاً ، فهل ينطبق ذلك على الوطن وأبنائه ؟

على أي حال ثمة تعبير عن الحب وترديد له ، وثمة تجسيد للحب وتطبيق له والذي أراه أن الكادح يعبر عن الحب ويطبقه هذا مؤكد ، وهذا سر من أسرار الحب وملاحقة المحبوب والمحبوبة والهيام بها رغم الجفاء .

وألاحظ أيضاً أن كثيرين يقولون إن أعمالهم للوطن ومن أجل الوطن ولكنك عندما ترى النسبة والتناسب بين انتفاع الوطن منهم وانتفاعهم من الوطن تجد الفارق كبيرا جداً ، فانتفاعهم أكثر من نفعهم ، وما حققوه من مصالح شخصية يفوق ما قدموه وهؤلاء حتى لو علقوا في سياراتهم “بطانية” تحمل عبارة حب الوطن لن يجزوه حقه لكنهم لا يعلقون على مرايا الوسط غير عبارة “أحبك يا نفسي”.

لنخفض رواتب هذه الجنسيات

بنت بعض المؤسسات والشركات والقطاعات أساس الراتب والبدلات للموظفين الذين تعاقدت معهم من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ودول أوروبا على أساس سعر هذه العمالة في بلدانها فكانت رواتب وبدلات عالية جداً لكنها مبررة في ذلك الوقت كونها الإغراء الوحيد للتعاقد مع خبرات تتقاضى في بلدانها رواتب عالية جداً ويصعب التعاقد مع هؤلاء ما لم يتم إغراؤهم برواتب عالية ومميزات عديدة إذا ما قورنت بغيرهم من الجنسيات الأخرى سواء العربية أو الآسيوية، فرواتب الأمريكان والكنديين هي الأعلى يليهم أوروبا الغربية ثم أوروبا الشرقية فالعرب ثم الآسيويين وإن كان الفارق بين الفئات الأربع الأخيرة متقاربا ولا يقارن بالفارق بين راتب أي منهم إذا ما قورن مع الأمريكي أو الكندي .
اليوم باتت الحجة الوحيدة لاغية ، بل قد تؤدي إلى عكس المعادلة تماماً فقد شهدت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية تسريح مئات الآلاف من أعمالهم بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية المتمثلة في انهيار الأسواق المالية .

ملايين الأمريكان وآلاف الأوربيين أصبحوا بدون عمل وفي حاجة لأية فرصة عمل ، خاصة في بلد مثل المملكة العربية السعودية ، حيث مستوى المعيشة فيها غير مكلف قياساً بأمريكا وكندا وأوروبا الغربية .

الآن أصبح سعر هذه الكفاءات في بلدانها زهيدا جداً ، وقد يصل إلى الصفر في ظل التسريح وتقليص الوظائف وانعدام فرص العمل ، لذا فإن علينا أن نتعامل مع رواتب هذه الفئة ومميزاتها وفق المعادلة الجديدة والتي تخدم مصالحنا الوطنية ، وهي ذات المعادلة القديمة ولكن بعد أن أصبح معامل الضرب (سعر العمالة في بلد المصدر) يقارب الصفر .

إذا كانت الشركات الأمريكية بدأت في تسريح آلاف الموظفين مما جعل المعدل يفوق خمسين ألف موظف من الشركة الواحدة في أمريكا نفسها ، فإن الفرصة أصبحت مواتية جداً لخفض رواتب الأمريكان ومن في حكمهم لأن الرواتب العالية حددت لهم سابقاً ، ليس على أساس ندرة المؤهل أو الوصف الوظيفي أو طبيعة العمل ، بل على أساس سعر العمالة في سوق المصدر ، بدليل أن الموظفين الآخرين يحملون نفس المؤهل ويؤدون نفس العمل وبنفس الوصف الوظيفي ولكن بنصف أو ربع أو عشر الراتب الذي منح للأمريكي أو الكندي أو الغربي لإغرائه على الحضور في ظل ندرة من يرغبون العمل في المملكة من أمريكا وكندا وأوربا بحكم توفر وظائف وطلب شديد في بلدانهم ، أما اليوم فإن العرض أصبح أكثر من الطلب ، وسوف يتضاعف العرض ويفوق الطلب أضعافاً مضاعفة ، لذا فإنه آن الأوان لأن نقدم عرضنا المناسب ، ونخفض رواتب الأمريكي والكندي والغربي في مستشفياتنا وجامعاتنا وبنوكنا وشركاتنا .