اليوم: نوفمبر 24, 2010

أخوكم متعب بن عبد الله

عندما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لمن بالغ في امتداحه «والله إني أقل مما قلت وأعظم مما في قلبك» كان كرم الله وجهه قد كشف مبالغة في الثناء تخالف ما في القلب، بل إنه قصد أنني أعظم من أن أصدق ما قلت عني.
أنا لا أؤيد مقالات إطراء الأشخاص والتعبير عن حبهم لأن أجمل مكان للحب هو القلب، وأشهد الله أنني أحب متعب بن عبدالله لسببين الأول أنني أحب كل من يمت لعبدالله بن عبدالعزيز بصلة، ومتعب بن عبدالله ترى فيه صفات والده في حلمه وفي تواضعه وفي عفويته وفي قربه من الناس، والسبب الثاني لأنني جربت مكارم أخلاق متعب بن عبدالله فغمرتني في لحظة تخلق مكارم الأخلاق فيها الفارق الكبير بين مواقف الرجال، ومع شدة هذا الحب وعمق مبرراته لم يسبق أن عبرت عنه في مقال لأن الحب مكانه القلب.
لا أؤيد مقالات إطراء الأشخاص، لكنني أؤيد وبشدة إطراء مواقفهم، لأنني أؤمن أن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال فالحق معروف وموقف صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالله في أول لقاء له بمنسوبي الحرس الوطني بعد تعيينه وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء ورئيسا للحرس الوطني يستحق التسجيل، ليس من أجل أن أمتدح متعب بن عبدالله فهو ليس في حاجة لإطرائي له وأنا في غنى عن أن يساء فهم ما أكتب، ولم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكنني أؤمن أن تسجيل مواقف الرجال مدعاة للاقتداء وشيوع روح العمل السامي المخلص الرفيع.
استهل متعب بن عبدالله حديثه لرجال الحرس الوطني معيدا تعريف نفسه (وهو معروف) قائلا: أنا أخوكم متعب بن عبدالله الملازم في الحرس الوطني كما عرفتموني منذ 39 سنة، لا يغيرني المنصب ولن أتغير (انتهى). هنا لا يسجل القائد موقف ثقته بنفسه فقط بل ثقته المطلقة في المتلقي، وتأكيده على أهمية اللبنة الأساسية لهذا الكيان وهي الرتب العسكرية الأولى (ولا أقول الدنيا) في سلم البناء، لقد ذكرهم بأنه (الملازم) ولم يتطرق للمرتبة المهيبة (الوزير) أو الرئيس، وفي عمرنا الوظيفي والصحفي المديد عايشنا أناسا تحولوا خلال 24 ساعة هي الزمن الفاصل بين حالة ما قبل المنصب وما بعد إعلانه، وبدأوا يومهم الأول بالتهديد والوعيد والتلميح والتصريح بالقوة الجديدة، رافضين أي ذكر أو تذكير بما كانوا عليه.
قال متعب بن عبدالله، وكان ملحا: يا إخوان أنا بشر يمكن أن أخطئ بمثل ما يمكن أن أصيب وأرجوكم إذا أخطأت نبهوني، فصديقك من يصدق معك، أرجوكم إذا وجد لديكم نصيحة فلا تؤخروها ثانية واحدة فبابي مفتوح وأنا أريد أن تكون الشورى بيننا في كل ما يخدم هذا الكيان (انتهى).
دخلت ذات مرة مكتب سمو الأمير متعب بن عبدالله حاملا وجهة نظر وطنية حددت لها على ساعتي ثلاث دقائق ومتوقعا المقاطعة والنقاش وأقسم بالله غير حانث أنني أمضيت ساعة كاملة وتحدثت دون مقاطعة لأكثر من عشر دقائق متصلة، لم أر في حياتي شخصا ينصت بمثل إنصات الأمير ولو كان حديثي معه هاتفيا لظننت أن الخط قد انقطع من شدة الإنصات، ثم سمعت منه كلمات هادئة مخلصة شفافة كل كلمة منها تكشف لك شيئا في شخصية الرجل، احترام الآخر، الثقة في الآخر، الصدق مع الآخر، التواضع الجم، نبل الأخلاق والرغبة الجامحة في الإصلاح وقبول النصيحة.
عندما نسرد مثل هذا الموقف فإننا إنما نربط بين القول والعمل، فنحن أيضا كموظفين وكصحفيين سمعنا كثيرا من يطالبنا بالمناصحة وعندما تأتي للمناصحة تشعر أنك أمام إنسان يريد أن يقول للباب (افتح يا سمسم واخرج يا ناصح) إنسان دعاك ليقول لك اسمع ما عندي لا قل ما عندك.
كان وقع كلمات متعب بن عبدالله في حفل الاستقبال مؤثرا كثيرا في نفسي لأن كل كلمة كانت تعبر عن موقف عايشته واقعا لا كلاما عابرا وبالتأكيد أنني لست الوحيد في الحرس الوطني الذي سمع الكلمة وعاش الواقع، لكنني أحد من يرون أن نشر المواقف الحسنة سبيل للاقتداء وخلاف ذلك فلم يبق في العمر مثل ما مضى حتى نمتدح أو نتزلف ولو بقي ضعفه ما فعلنا.