الشهر: نوفمبر 2010

وقفات أسبوع أفكـار

• مجلس الشورى يدرس مقترحا يهدف لمنع بيع الخدمات الطبية على المواطنين في المستشفيات الحكومية، والمقترح لا يخدم سوى تجار المستشفيات الخاصة فهو يحميهم من منافسة المستشفيات الحكومية في تقديم الخدمة بسعر معقول ولا يتضرر منه إلا المواطن الذي سيصبح فريسة لاحتكار المستشفيات الخاصة، فلا هو حصل على الرعاية الصحية مجانا ولا سمح له بالحصول عليها من مستشفى حكومي موثوق ومعقول السعر فحذار يا لجنة الشورى. فأنتم تمثلون جميع المواطنين وليس التجار فقط.
• مجموعة من الطلاب اتفقوا على تكوين جمعية فيما بينهم وتوفير مبلغ بسيط من دخلهم الذي يحصلون عليه كمصروف يومي، وبعد أن جمعوا مبلغا لا بأس به اشتروا هدايا عيد للأطفال المرضى وقاموا بتسليم هذه الهدايا بأنفسهم في عيد الفطر ويستعدون لعمل الشيء نفسه في عيد الأضحى المبارك، يقول الطلاب وهم من صغار السن إنهم استفادوا كثيرا من هذه التجربة، فبعض المستشفيات تعاملت معهم بطريقة راقية فأوضحت لهم ما يمكن إهداؤه وما هو ممنوع على بعض المرضى خصوصا الحلوى للأطفال المصابين بالسكر وخلافه، قلت إن لدينا شبابا صالحا خلاقا صاحب مبادرات، وفي المستشفيات أخصائيات اجتماعيات وأخصائيون غاية في الإخلاص وحب العمل.
• عبارات «الوزارة تحقق في فضيحة ..» و(ندرس بجدية) و(إحالة موظف للتحقيق) و(تكليف لجنة عاجلة بدراسة قضية) و(سنعاقب) و(لا نسمح مطلقا)، كلها عبارات إعلامية بديلة لتلافي الرد على ما ينشر بطريقة تفصيلية تشتمل على حقائق وأعمال لا أقوال حيال ما يطرحه الإعلام من قضايا، وهذه العبارات ضرب من ضروب التخدير، فكل شيء يتوقف بعد نشرها، والمشكلة أن تلك العبارات بمثابة مخدرات مسموحة، لكنها المخدر الوحيد الذي يسبب إدمان بائعه ومروجه وليس من يشتريه.
• مللنا من حرب الرأي والرأي الآخر حول عمل المرأة (كاشيرة) وكأن طوابير المتقدمات بالآلاف وكأن القطاع الخاص جهز وظائفه لاستيعاب الجميع وبرواتب مغرية وتحقق الاكتفاء، يا عقلاء لديكم قطاع خاص يرفض توظيف المرأة معلمة براتب يفوق 1500ريال فكيف تريده أن يوظف (كاشيرة) براتب يغطي قيمة (الليموزين) ووجبة الغداء.. إنه مجرد تناحر على سراب يذكرني بصاحب أمنية قطيع الغنم وصديقه الذي تمنى قطيع ذئاب أما من كسر جرة العسل فهو الإعلام.
• ليقم كاتب باقتراح السماح للمرأة بالعمل (سباكة) وستجد مائة مقال يؤيد ويطالب ويتهم وألف موقع إنترنت يعارض ثم فتوى توضح الحكم، كل هذا مع أن المرأة نفسها لو سألتها ماذا تفعلين بـ (أبو جلمبو) ستقول أقليه أو أشويه وأقدمه مقشرا، هي تعرف (أبو جلمبو) البحر ولا رغبة لها في عدة السباكة.

ثروة هدرة

ذهلت وأنا أتجول في متحف دار القرآن الكريم في المدينة المنورة والتابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالقيمة الأثرية وندرة مقتنيات هذا المتحف من المصاحف القديمة النادرة متعددة الأحجام والأشكال والعمر الزمني وطريقة الكتابة وفنون الخط والتصميم الإعجازي لأشكال وألوان إطارات صفحات المخطوطات القرآنية المرسومة يدويا بزخارف مذهبة وملونة تحكي جهدا عظيما وقدرات خارقة وفنا ودقة تعجز أعلى تقنيات العصر الحديث في فن الطباعة عن تقليده.
أما ما أذهلني أكثر أو صدمني فهو عدم إعطاء هذه المقتنيات الثمينة ما تستحقه من طرق الحفظ التي تحقق بقاءها وصيانتها وحفظها من التلف، ناهيك عن عدم الاهتمام بعرضها العرض السليم وإتاحتها للزوار والمهتمين، والدعاية للمتحف كمزار ومقصد يجتذب كل من علم بوجوده. فثمة متاحف ومعارض لمقتنيات لا تقارن مطلقا بندرة وأهمية وقدم مقتنيات هذا المتحف، ومع ذلك يتم الترويج لها في الدول التي تحتضنها بأكثر مما تستحق ويتم استثمارها كمعلم سياحي ومزار يتزاحم الناس لدخوله وتتوافد عليه جحافل الزوار. ما رأيته في متحف القرآن الكريم بالمدينة المنورة مجرد جهود ذاتية للعاملين في المتحف من أساتذة جامعات ومتخصصين يدركون أهمية ما تحتويه صناديق بدائية يعلوها الزجاج، ويعلمون الطرق الصحيحة لحفظ ما بداخلها ويشعرون بالأهمية التاريخية لما تحتويه من مقتنيات، ويدركون الخطورة التي تكتنف حفظها بهذه الطريقة البدائية، وأنها تتعرض للتلف، لكنهم لا يملكون القرار ولا الاعتماد المالي في تحويل هذا المستودع البدائي إلى متحف يليق بما فيه.
هم يدركون أن الإضاءة العادية كفيلة بإتلاف الورق الثمين وأن آفة الخشب و(الأرضة) تهدد محتويات الصناديق الخشبية البدائية، وأن الغبار والعثة تخترق ثغرات صناديق الحفظ الحالية، ويعرفون طرق الرش والتعقيم والتعفير الدوري الذي يجب أن يتم لصيانة هذه التحف النفيسة، لكنهم على ما يبدو دب فيهم اليأس والإحباط فاكتفوا بجهود ذاتية واجتهادات و(فزعات) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يحتوي المتحف على أكبر مصحف (حوالي 2 متر طولا ومتر ونصف عرضا) وأصغر خط كتب به مصحف آخر، بحيث أصبح كل جزء من القرآن في صفحة واحدة، ومخطوطات قديمة مصممة بزخارف إعجازية وخطوط غاية في الجمال، ولست هنا لأعدد محتويات صالة بدائية عشوائية، لكنني أجزم أن وزارة الشؤون الإسلامية لا تملك فكرا (متحفيا)، فهي تقدر هذه الثروة ولكن لا تعرف كيف تحافظ عليها أو تستثمرها.

تكتيك وزير العدل

حضرت محاضرة وزير العدل الدكتور محمد العيسى في الجامعة الإسلامية، واستمتعت بالحوار الشفاف المباشر الذي تلى المحاضرة واستمر لساعة متأخرة من الليل، ولست هنا لأقيّم وجاهة الأسئلة أو دقة الإجابة فمن أساسيات الحوار أن من حقك أن تسأل ومن حقي أن أجيب على سؤالك بما لدي من معلومات ضمن صلاحياتي في التصريح بها ووفق علاقتي بموضوع السؤال وهل أنا منفرد بالمسؤولية عن الشأن الذي تسأل فيه أم أن أحدا أو أكثر يشاركني التعاطي مع هذا الشأن فأجيب على ما يخصني وفق حساسية الموضوع وأترك لك أن تسأل غيري فيما يخصه.
أنا هنا لأشهد بأن الحوار كان مباشرا لا يفصل بين السائل والمسؤول إلا (الميكروفون) وهذه الأداة لا تفرض رقابة على ما يمر خلالها وهذا مما يحسب للجامعة وللضيف بمنح الثقة للرقابة الذاتية، وهي ثقة في السائل واحتراما لمكانته، وقد عشنا وشاهدنا حوارات لا تحترم حق السائل في التعبير المباشر وتفرض أسلوب الأسئلة المكتوبة، وجربنا ضيوفا ومسؤولين يشترط بعضهم أسئلة محددة ويمتنع عن إجابة أخرى، بل جربنا من يقصي إعلاميا بعينه خشية أن يحرجه بسؤال وطني إجابته حق للوطن والمواطن، وهذا ما لم يحدث من وزير العدل ولا مدير الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجدير بالانتباه والتنبيه أن وزير العدل لم ينهج أسلوب الإطالة في الإجابة وهو (تكتيك) معروف يلجأ له من يريد أن يلعب في الوقت الضائع فيضيع الوقت المتاح للأسئلة بإطالة الإجابة وهو ما لم يفعله الوزير العيسى، بل فعله بعض من سألوه وذلك بمقدمات تقليدية ليست ضرورية ولا يستوجبها الظرف وتحتسب من وقت سائل آخر وليس أدل على هذا النوع من سؤال إحدى السيدات عندما استلمت (الميكرفون) من القسم النسوي مباشرة وبدأت بمقدمة طويلة هي أشبه بمقدمات خطب الاحتفالات الرسمية في السبعينيات.
ومع أن مداخلتي كانت الأخيرة وكاد الحوار أن ينتهي قبل الوصول إليها إلا أنني أشهد بأن الدور كان هو الحكم إلى درجة أن أحد المحامين شعر بأن دوره لن يصل فرفع الصوت مطالبا بحقه في السؤال وأخبر بأن دوره قادم وأخذ الدور رغم أن نبرة مطالبته كانت عالية توحي بسؤال من شخص غاضب قد يتردد كثر في منحه الميكرفون في تلك اللحظة وذاك الظرف.
أعتقد أن إدارة الحوار كانت رائعة ومنحت الفرص للجميع حتى القسم النسائي عندما تعطل التواصل المباشر معهم منحوا حلا بديلا سريعا عن طريق الفاكس وعلينا أن لا نجهض هذه المبادرات في مهدها فنحن في أمس الحاجة للتحاور مع مسؤول صريح لا يمارس تكتيكا ضد سؤال عاقل وفي حاجة للقاءات المفتوحة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة التي تحسب لهذه الجامعة رغم أنني أراها ترهق مديرها المخلص المتابع الحريص معالي الدكتور محمد العقلا؛ لكنه وعلى ما يبدو من الرجال الذين يتلذذون بالتعب من أجل الوطن والمواطن أكثر الله من أمثالهم.

الوزارة والإسقاط

تباهت وزارة الشؤون الاجتماعية في «عكاظ» يوم الجمعة الماضي بإتمام ارتباطها آليا مع الأحوال المدنية والتأمينات الاجتماعية والتقاعد والجوازات لمعرفة معلومات عن المشمولين بالضمان الاجتماعي وحدوث تغيرات على أحوالهم تخرجهم من دائرة الضمان، والأمثلة التي أوردها الخبر -حسب ترتيب الجهات المذكورة أعلاه- هي نقص عدد أفراد أسرة المستفيد بزواج البنات أو بلوغ الأبناء السن النظامي واكتشاف أن المستفيد ما زال على رأس العمل أو وجود دخل شهري من التقاعد يفوق الحد المانع لمعاش الضمان الاجتماعي أو وجود عمالة على كفالته بمهن تجارية، واستدركت الوزارة فأشارت إلى أن نظام الضمان الاجتماعي يعتمد في شمول المواطنين على البحث الميداني للتأكد من أحقية المستفيد من خدمات الضمان إضافة إلى نظام الربط الآلي المذكور.
وواضح جدا أن هذه الوزارة ترى أن دورها يقتصر على إسقاط غير المستحقين للضمان والتأكد من أحقية المشمولين حاليا، فرغم دقتها في صياغة الخبر وحذرها الشديد إلا أنها لم تتطرق مطلقا لأي نظام بحث، لا آلي ولا يدوي، عن المستحق الذي لا يسأل الناس إلحافا، ولا ذلك المستحق الذي تقدم ورفض وجلس يحتسب إلى الله في بيته وربما تغيرت ظروفه وزال سبب رفضه، فهؤلاء لا يهم الوزارة تغير أحوالهم وزيادة أعبائهم وزيادة أفراد أسرهم وطلاق المتزوجات من بناتهم وفصل الموظف من أبنائهم.
متى تشعر هذه الوزارة أن صميم عملها هو أن تكون في صف المجتمع وأفراده وشؤونه، لا مجرد خصم يضع العراقيل أمام حصوله على حق كفلته له الدولة -أعزها الله- وأن الأصل هو أن الفقير مستحق للضمان إلى أن يثبت العكس وليس محروما منه إلى أن يتوسل أو يتوسط أو يعلم عنه أهل الخير فيعيش على صدقاتهم؟!.
نحن لا نعترض على تطوير آلية كشف غير المستحق وإسقاطه، ولكن نجزم أن الأهم منها هو تطوير آلية معرفة المستحق وشموله بالضمان وهذه غير متوفرة حاليا، بل إن الآلية الحالية معقدة وبيروقراطية بطيئة ومذلة.
وغني عن القول إن بلوغ الابن لا يعني الوظيفة، وزواج البنت لا ينفي عدم التعليق أو التطليق وبقاءها عبئا على أسرتها، ووجود معاش تقاعد لا يعني أنه كاف حسب عدد أفراد الأسرة وحالتها وسكنها بإيجار مرتفع، فهلا طورت هذه الوزارة آلياتها الإلكترونية ووضعت حساسات شم كيميائية لتثبت لها أن بعض البيوت لا يطبخ فيها الزاد أياما عديدة ليس لأنها تطلب من مطاعم فاخرة، لكن لأنها لا تجد ما تشتري به قوت يومها.