يمهل ولا يهمل، ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، هكذا يجب أن أبدأ لأن ما كشفته «عكاظ» أول أمس الاثنين لا يعد إنصافا ماليا وحسب بل هو إنصاف معنوي وتبرئة للمواطن السعودي وحتى المقيم من تهمة الإسراف وعدم الاكتراث في استهلاك خدمة أو سلعة واحدة والبقية ستأتي إن شاء الله على التوالي لنجد يوما بعد يوم أن الشركات تحاسب المواطن على أخطائها هي، وتعاتب المواطن على قصورها هي وتتهم المواطن والمشترك عامة والعيب فيها وفي موظفيها وفي أجهزتها التنفيذية وأجهزتها الرقابية وطاستها الضائعة.
كشفت «عكاظ» أمس الأول على صدر صفحتها الأولى اعتراف الشركة السعودية للكهرباء بحالات تلاعب في قراءة عدادات قياس استهلاك الكهرباء، وإن فواتير صدرت لمواطنين ودفعوا مبالغها مع أنها لا تعادل قيمة التيار المستهلك في منازلهم بعد ثبوت تورط موظفي قراءة العدادات بالتلاعب وتسجيل أرقام عشوائية في خانات كمية التيار المستهلك.
هذا الكشف المهم والاعتراف المشكور رغم تأخره يقودنا إلى ضرورة إعادة النظر في مواقف كثيرة سابقة وحالية ولاحقة، من أهمها تغيير أسلوب الشركات والدوائر الحكومية في التعاطي مع اعتراضات المشتركين وشكاواهم حيث يتم التعامل معها حاليا بكل أسف على أساس عدم صحتها أو التشكيك في واقعيتها وعدم التجاوب معها على هذا الأساس ومطالبة المشترك أو العميل أو المراجع المعترض بالدفع أولا ثم الشكوى وهذا أسلوب يجب أن ينعكس تماما بعد هذا الكشف الخطير ويجب أن تتعاطى الشركات والدوائر الحكومية مع العميل على أساس القاعدة العامة في كل أنحاء العالم المتقدم (العميل دائما على حق) حتى يثبت العكس بمعنى أن يتم استمرار الخدمة (تيار، هاتف، خدمة صحية ..إلخ) حتى يثبت عدم صحة الشكوى.
الموقف الثاني الذي يجب إعادة النظر فيه هو اتهام المواطن بالإسراف في الكهرباء والماء ومطالبته بالترشيد فالواقع أن الشركة هي من يجب أن تتعاطى (برشد) وعقلانية وتراجع إجراءاتها وتراقب موظفيها خصوصا أن أكثر من خطأ فادح حدث ونشر وتم التعامل معه بالإنكار أو التجاهل مثل فاتورة عالية جدا لمنزل تقطنه عجوز بمفردها أو فاتورة ماء لمنزل مهجور أو مخالفة مرور لعجوز لا تملك سيارة.
أما غرابة موقف الشركة فنلخصها في أهم أمرين الأول العقوبة الباردة المشجعة للمتلاعبين بالقراءات (إنذار أو حسم من الراتب أو إبعاد) بينما هؤلاء يجب أن يحاكموا شرعا لإجرامهم في حق الآخرين ولا يترك أمرهم للشركة بل تترك وظائفهم لمن يستحقها ويؤتمن عليها وهم كثر يبحثون عن عمل ورزق حلال.
الثاني أن الشركة تعرض تسوية مع المتضررين بعد إعادة المبالغ الإضافية بإرضائهم عن الأضرار التي تعرضوا لها مثل فصل التيار عن منازلهم في أوقات حرجة، وهنا نقول لا يا شركة الكهرباء هذا الأمر يحسم أمام القاضي ولا يصبح الخصم حكما فيجب التقاضي شرعا في أمر الأضرار وقديما يقول المتخاصمون (الوعد ركبة الشيخ) حيث كان التقاضي يتم جلوسا أمام ركبة القاضي.
الشهر: جانفي 2011
احترموا عقولهم .. وضحوا الأرقام
لدينا خطأ يبدو أنه مقصود في الغالب بل هو فعلا متعمد يكمن في عدم استخدام الأرقام والنسب والوحدات المناسبة لإعطاء الدلالات الحقيقية المفيدة ذات المعنى.
مثلا نحن نقيس الإنجاز في المشاريع المعلقة بالزمن الذي مضى منها وليس بحجم ما أنجز ونسبته من كامل المشروع.
وصندوق الموارد البشرية ذكر القائمون عليه وفي أكثر من مناسبة أنهم أنفقوا مليارا من الريالات خلال عام واحد، ووحدة النقود هنا لا مكان لها في القياس وليس لها أي دلالة على إنجاز الصندوق للأهداف التي أنشئ من أجلها، فالعبرة في عمل صندوق الموارد البشرية هو كم وظف من راغب في العمل؟! وكم استمر الموظف في الوظيفة؟ وما تأثير ذلك على عدد العاطلين عن العمل؟ وكم خفض من نسبة البطالة؟، أما ما قيمة ما صرف من النقود وحجم ما أنفق سواء في عام واحد أو عقد من الزمان ليس له أدنى دلالة مفيدة ولا تحقق قراءة نشاط الصندوق، ومن المستغرب أن يرددها عدد من المختصين في ندوة صحفية أو تصريح صحفي.
نفس الشيء ينطبق على تهويل بعض الإنجازات بالأرقام دون نسب الرقم إلى مجموع وحساب النسبة المئوية، فيقال إتلاف 500 كيلوغرام من اللحوم الفاسدة أو ضبط طن من المواد الغذائية منتهية الصلاحية، لكننا بهذا علمنا كم أتلف من كيلوغرامات اللحوم الفاسدة المهربة دون أن نعلم كم عبر منها دون أن يضبط، ونعلم عن رصد طن من المواد الغذائية منتهية الصلاحية لكننا لا ننسب ذلك الرقم لمجموع ما تم فحصه من أطنان المواد الغذائية ولا نذكر المدة الزمنية لحملة التفتيش ولا عدد المحلات والمتاجر التي فتشت حتى يصبح واضحا ما يشكله هذا الطن من مجموع ما فحص، فلو حدث (على سبيل المثال فقط) أن الطن المضبوط من المواد الغذائية منتهية الصلاحية تم ضبطه بعد فحص طنين في متجرين من أصل مليون متجر فهذا معناه أن نسبة المواد المغشوشة 50% من كل محتويات المتجرين، وأن نسبة ما تم تفتيشه من المتاجر لا يزيد عن 2 لكل مليون متجر، أي أن مقدار النشاط لا يكاد يذكر ونسبة إتقان العمل لا تستحق الذكر قياسا بالجهد المطلوب رغم اكتشاف (طن) من المواد الفاسدة والذي تتباهى به الجهة التي كشفته.
الأرقام والمقارنات يجب أن تكون كاملة ومتكاملة ومنسوبة إلى كل وأصل وممكنة القراءة والمقارنة وإلا أصبحت ضربا من ضروب التضليل.
باختصار نحن نتلاعب بالأرقام لكننا لا نستطيع التلاعب بالعقول، فالناس تعلمت وأصبحت تعي ما تقرأ فاحترموا عقولهم.
فضيحة الشواغر انتصار للمالية
قال تقرير رسمي لوزارة الخدمة المدنية إن جهات حكومية تحجب 110 آلاف وظيفة شاغرة أغلبها صحية وتعليمية ووظائف السلم العام، ويرى الدكتور فهاد الحمد رئيس لجنة الإدارة والموارد البشرية في مجلس الشورى أن على وزارة الخدمة المدنية رفع تقرير مفصل عن الوظائف المحجوبة للمقام السامي يكشف الجهات الحكومية التي لم تعلن الوظائف الشاغرة لديها رغم رصد استحقاقها ضمن الميزانية ووجودها ضمن التشكيلات الوظيفية لتلك الجهات، حسب تصريح د. الحمد لجريدة الرياض أول أمس السبت.
هذه الفضيحة في ظني ووجهة نظري المتواضعة تكشف النقاب عن أننا نواجه تضليلا واضحا وعدم مصداقية أشبه بالتحايل من قبل القائمين على الجهات التي مارست الحجب، لا يتناسب مع روح الشفافية والوضوح التي حث عليها خادم الحرمين الشريفين ــ حفظه الله، فقد تعودنا من هؤلاء المسؤولين عن تلك الجهات ترديد عبارة (نتمنى من وزارة المالية اعتماد الوظائف) أو غيرها من العبارات التي تلمح أحيانا وتصرح غالبا أن وزارة المالية لم تعتمد لهم الوظائف وترصدها في الميزانية وكثيرا ما يعقب عبارة تحميل وزارة المالية المسؤولية ابتسامة عريضة كنا نعتقدها تشير إلى مداعبة واتضح أنها ختام لكذبة.
أيا كان سبب حجب هذه الشواغر التي كان بالإمكان أن توظف 110 آلاف مواطن ومواطنة وتعيل أكثر من نصف مليون فرد من أسرهم (بمعدل 5 أفراد لكل أسرة)، هل السبب هو الحفاظ عليها لأقارب وأصدقاء ومناديب واسطات وفرص كسب بمجاملات أو كان من سوء الدبرة وضعف القدرة على الإدارة وتوظيف الشواغر في خدمة حراك المؤسسة، أو كان السبب وضع غير الإداري في موقع إداري يفوق قدراته التي لا يمت إليها بموجب المؤهل فإن الجهات الرقابية كان يفترض أن تكتشف الممارسة والسبب معا.
قد يكون سوء الدبرة وعدم توفر القدرات الإدارية وغياب صفات القائد الإداري هي الأقرب كسبب ذلك أن التعامل مع الوظائف والتوظيف شأن مربوط برأس الهرم فقط، فوزارة الخدمة المدنية لا تمانع في تحوير الوظائف ونقلها إذا شرح لها مبرر مقنع، لكن كثيرا ممن لا يملكون ملكة الإدارة ولا يجيدون فنها لا يستطيعون التعامل مع الفرص واستغلال المعطيات.
مؤسف جدا أن يتحمل الوطن في عصره الذهبي وصمة وصول نسبة البطالة إلى نسبة تفوق 10% والوطن من هذه الوصمة الزائفة براء، فقد رصدت الميزانية لهذا الكم الهائل من الوظائف لكنها تحجب بسبب فساد أو (قلة دبرة). لكن الأمر الذي لا يقل غرابة من هذه الفضيحة هو أن لدينا الآن القدرة الحاسوبية المتقدمة والقادرة على رصد ما هو أكثر خفاء من مجرد وظائف شاغرة ومحجوبة ومع ذلك تفوت مثل هذه الفضيحة على الجهات الرقابية دون أن تقوم بالمساءلة والمحاسبة وفضح الممارسة وفرض التوظيف وإشغال هذه الشواغر، وهي الأمور التي برأ د. فهاد الحمد وزارة الخدمة المدنية منها كجهة إشرافية فقط لا تستطيع إلزام تلك الجهات بإعلان الشواغر، لكن الجهات الرقابية لا يمكن إعفاؤها من المسؤولية.
عبر من زيارة «الجزيرة»
أمتلك ألبوم صور لزيارة قديمة جدا قمنا بها نحن كتاب ومحرري جريدة الجزيرة آنذاك لمباني مشروع جامعة الملك سعود في الرياض عندما كانت على وشك الانتهاء بدعوة من معالي الدكتور منصور التركي مدير الجامعة آنذاك لزيارة المشروع ولبى الأستاذ خالد المالك الدعوة التي كانت في عهده الأول وكل عهود أبو بشار مع الجزيرة زاهرة، وتشتمل الصور القديمة على عدد كبير من الشخصيات الإعلامية التي أصبح لها شأن كبير إما في رئاسة التحرير أو الشورى أو الكتابة الصحفية أو الإبداع الإعلامي وجميعهم تخرجوا من أكاديمية الجزيرة بالناصرية وأغلب اللقطات لهم وهم يعتمرون الخوذات الواقية ومنهم على سبيل المثال لا الحصر حمد القاضي (في لقطة طريفة أستطيع أن أبتزه بها فأحصل منه على ما أريد ولا أريد غير محاولة إقناع بعض أعضاء المجلس بعدم إحداث فرقعات إعلامية بهدف الظهور فقط) وخالد المالك ومحمد التونسي وعلي الشدي وأحمد بادويلان وعبد العزيز العيسى وسلامة الزيد ومحمد الوعيل وجاسر عبدالعزيز الجاسر وعبد العزيز المنصور وعبد الرحمن الراشد وعلى الخرجي.
أقلتنا حافلة كبيرة إلى موقع المشروع في الدرعية وتعتبر بعيدة آنذاك وكان معالي الدكتور منصور التركي معنا في الحافلة منذ بداية الرحلة يشرح لنا عن المشروع يرافقه عدد من المهندسين ومسؤولي الجامعة، وكان الطريق طويلا نسبيا والناس تقود برفق (بدون ساهر) فأخرج أحد الزملاء المراسلين خبرا حصل عليه وهو لا يصلح للنشر آنذاك وتعج بمثله عناوين الصحف اليوم ومده للزميل خالد المالك الذي قرأه وناوله لمعالي الدكتور منصور التركي قائلا (شوف البلاوي اللي تجينا ولا ننشرها) وكان الخبر عبارة عن تنفيذ حكم في جان من عمالة ذلك الزمان قفز على سطح منزل مواطن سعودي وفعل الفاحشة في أربع دجاجات ونفقن جميعا (كنا نربي الدجاج في عشش في سطوح المنازل رغم أن سعر الدجاج والبيض كان معقولا ووزارة التجارة كانت صاحية وكنا لا نخشى على الدجاج إلا من القطط وكان القفز إلى المنازل نادرا جدا).
ما إن أتم د.التركي قراءة الخبر حتى أخبرنا بدوره أن أستاذا جامعيا بريطانيا قبض عليه في حديقة الملز (قرب الجامعة) في حالة غير مقبولة.
عندما استعدت أنا ذكرى تلك الزيارة بمشاهدة تلك الصور اليوم خرجت منها ببعض العبر والملاحظات:
أولا: إن المسؤولين في السابق كانوا يدعون الإعلام لمشاهدة إنجاز قائم يتحدث عن نفسه أما اليوم فالدعوات أصبحت للتحدث عن إنجازات على ورق قد يتحقق نصفها وقد لا تقوم لها قائمة.
ثانيا: ارتداء الخوذات دليل على تطبيق أعلى معايير السلامة وهو مالم نعد نشاهده اليوم في مشاريع كبرى فزادت الحوادث.
ثالثا: إن الأخبار التي كانت مستحيلة النشر آنذاك كنوع من التحفظ أصبحت أخبارا عادية الآن تتسابق الصحف على نشرها بالتفصيل والصورة.
المستشارون .. الكرة مثالا
نحن كتاب الشأن العام ننشغل بما هو أعظم عما هو أقل، لا يعنينا الفشل الكروي كثيرا ونحن نتلقى شكاوى العديد من المواطنين من قصور أهم من مجرد نتائج منتخب كرة قدم، وملاحظات على خدمات أكثر التصاقا بحياة وصحة وتعليم وأمن الوطن والمواطن وهي الأساسيات التي لا يقارن الأنين من قصورها بالأنين من فشل المنتخب في التأهل لكأس العالم أو خروجه مبكرا من الأدوار الأولى في تصفيات بطولة كان يمتلكها.
لكننا كتاب الشأن العام لا نتردد في الانتصار لجمع مظلوم ولا التنبيه لمغبة قهر جمهور لأنها تنعكس على المجتمع والوطن، كما أننا أيضا لا نتردد في الاستشهاد بالرياضة كمثال ومقياس واضح وشفاف تقاس عليه الأشياء الأخرى.
اللجان الاستشارية للوزير أو المحافظ أو الرئيس العام وأي مسؤول كبير لا فائدة منها إذا كانت سلبية لا تبدي رأيا مختلفا ولا مشورة جريئة، فالمسؤول منها براء فهو لم يشكل اللجنة ولا يقرب المستشارين إلا أملا في أن يصدقوه القول ويخلصوا له المشورة وينبهوه إذا أخطأ ويذكروه إذا نسي، فهو يهدف إلى النجاح ولو كان يريد رأيه الأوحد لعمل وحيدا ولم يشكل لجنة ولم يقرب مستشارين.
قبل أيام خرج حاتم خيمي وهو أحد اللاعبين الدوليين الذين خدموا المنتخب وهو عضو حالي في لجنة تطوير المنتخبات وصرح بالصوت والصورة لقناة فضائية مصرحة معروفة وبرنامج رياضي وطني، موضحا أن جميع أعضاء اللجنة كانوا ضد بقاء مدرب المنتخب بيسيرو بعد فشله في قيادة المنتخب للتأهل لكأس العالم، وأن حديثهم خارج أروقة اللجنة كان واضحا في عدم قناعتهم ببقائه، لكنهم عندما اجتمع بهم نائب الرئيس العام لرعاية الشباب الأمير نواف بن فيصل وطلب مشورتهم الصريحة والتصويت على قرار البقاء أو الرحيل دون أي ضغوط وبطريقة جدا ديموقراطية صوتوا لبقاء المدرب باستثناء حاتم خيمي الذي صوت ضد البقاء واستغرب تحولهم المفاجئ لمجرد أنهم استشعروا من عند أنفسهم أن الأمير يفضل قرار البقاء، (انتهى).
أنا هنا قد أتساءل كيف استشعروا رغبة رئيس اللجنة؟!! وأطالب بمزيد من التكتم على الرغبات قبل الاستفتاء، لكن الأهم هو عدم إخلاص أعضاء اللجنة الاستشارية في مشورتهم وعدم صدقهم، وهو الأمر الذي أدى إلى كارثة خروج منتخبنا من أمام سورية ثم الأردن، وهي منتخبات سبقناها بمراحل ومن حقها أن تسابقنا لكن دون أن نتوقف أو نتراجع لمجرد أن اللجان الاستشارية تريد أن تتمصلح.
كارثة خروج المنتخب من الأدوار الأولى لبطولة كان هو سيدها هي مجرد كارثة رياضية لا نعتبرها نحن كتاب الشأن العام أمرا خطيرا نسبة لما نتلقاه ونراه في جوانب أخرى، لكن حال الرياضة لدينا وتقهقر مستوى كرة القدم بعد تقدمها في التسعينيات الميلادية يغرينا للقياس والتحذير، وأنا من هذا المنبر أطالب بأن لا تترك اللجان الاستشارية في كل شأن دون محاسبة ودون إشراك في مسؤولية الفشل، أي فشل سواء كان علميا أو صحيا أو تعليميا أو اجتماعيا أو ماليا أو في أي شأن وطني آخر، فبقاء اللجان السلبية غير الصالحة يعني استمرار الفشل وعدم معالجة السبب.
وقفات أسبوع التحرش خليجيا
** عندما مر أحد مسؤولي الشؤون المالية في وزارة التربية والتعليم بصعوبات أثناء جولته على إحدى المناطق البعيدة، طالب وبسرعة بضرورة تزويد المعلمات المعينات في مناطق بعيدة بسيارة جيب دفع رباعي جديدة وهاتف اتصال لا سلكي مربوط بالاستقبال الفضائي، وعندما قرأت الخبر تمنيت لو أن كل مسؤول في وزارة التربية والتعليم يقوم بنفس الرحلة ويواجه نفس الصعوبات، لعل وعسى أن يشعروا بشعور المعلمات، خصوصا نائبة وزير التربية والتعليم نورة الفايز، فقد تمنيت لو استقلت إحدى سيارات متعهدي نقل المعلمات وتوجهت نحو الأفلاج أو وادي الدواسر أو إحدى القرى الواقعة على طريق ريفي، ثم تذكرت أن هذه الأمنيات لا تكفي وحدها فيجب أن يصاحبها دعاء مخلص لله ــ سبحانه وتعالى ــ أن يكون من يتعرض للموقف الصعب لديه القدرة والعاطفة نحو تذكر أحوال الآخرين والشعور بنفس مشاعرهم ووضع نفسه مكانهم، مثل ما حدث مع مسؤول الشؤون المالية بالوزارة، وإلا فلا فائدة من خوض نفس التجربة.
** تعميم منع تصريح المعلمات والمعلمين للصحف وعدم كتابة أي موضوع في الصحافة إلا بعد أخذ الإذن الإداري، الذي استند إليه مدير التعليم في حائل في تصريحه لـ«عكاظ»، يشير إلى أن أسلوب وزارة التربية والتعليم لم يتغير، ولم تختلف صيغة التعاميم الفوقية عن عهد رئاسة تعليم البنات ووزارة المعارف، رغم تغيير المسميات وتوحيد الوزارة، كما يدل على أن وزارة التربية والتعليم لا تستطيع الاستجابة للشكاوى والملاحظات بإجراء التصحيح، وغير قادرة على تحمل النقد حتى من منسوبيها، وبقي أن نذكر أن المعلمات والمعلمين متخصصون في مجال علمي تربوي، وليسوا في حاجة لعرض ما يرغبون كتابته أو التصريح به حول ممارستهم المهنية المتخصصة على كوادر إدارية لم تمارس ذات التخصص.
** تساءل بعض الزملاء الكتاب عن أسباب عدم حدوث التحرش في الأسواق ومضايقة الفتيات من قبل الشباب في دول الخليج، كالإمارات العربية المتحدة، بينما تكثر في المملكة، وكانت الإجابات تركز على انفراد الشباب السعودي بهذه الطبائع إلى جانب عدم وجود أنظمة وقوانين واضحة تحدد العقوبات، وللجميع أقول إنني سبق أن وجهت ذات السؤال لمسؤول إماراتي، فأجابني مستغربا: ومن قال لك أن المضايقات لا تحدث، لكننا نتعامل مع المذنب بسرية تامة، فبعد ضبطه بالكاميرات والتأكد من سلوكه يتوجه إليه اثنان من رجال أمن الأسواق السريين، ويمران بجانبه، ويصاحبانه مشيا إلى أقرب مخرج، ويتوجهان به إلى مركز الشرطة.
إذا، فإن الفرق ــ يا إخوان ــ هو في عدم المقاومة، وعدم تدخل بقية (الملاقيف) في عمل رجال أمن السوق، وهم لدينا تمثلهم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم التجمهر، وإلا فإننا وبقية الدول في أمر التحرش سواء (ما حد أحسن من حد).
بين النصب والمنصب
الجهد البحثي عمل علمي مهني يستهدف الوصول إلى حقيقة وإثباتها أو تأكيد نظرية أو تحقيق اكتشاف جديد وإيصاله للمحافل العلمية المتخصصة لبحثه ومناقشته والرد عليه.
وفي كل الأحوال فإن نشر نتيجة أي بحث متخصص تتم في ميدان التخصص إما بطرحه في مؤتمر علمي إن كان علميا أو مؤتمر طبي إن كان طبيا أو صيدلاني إن كان صيدلانيا وهكذا مع كل تخصص، أو بنشره في مجلة علمية أو طبية أو صيدلانية متخصصة بعد مروره على محكمين ثلاثة، على الأقل، يشبعونه بحثا ونقاشا مع الراغب في النشر ولا يخلو التحكيم من أخذ ورد ومطالبات بإثباتات وتحديد طرق العمل وكيفية الوصول للنتائج مع فحص دقيق لطريقة حساب نسب احتمالات الخطأ عن طريق معادلات إحصائية ليس المجال متسعا هنا للتفصيل فيها، وبعد هذا كله يتم النشر في المجلة المتخصصة أو الرفض لعدم اكتمال المتطلبات العلمية التي تؤهل لنشر ما يدعيه الباحث، وإذا تم النشر فإن نتيجة البحث المضني تنشر وفق نهج واحد ثابت معتدل لا مبالغة فيه ولا تهويل ولا عناوين كبيرة وبارزة مثل الأول من نوعه أو فريد زمانه أو الوحيد في العالم ولا اكتشاف مبهر أو اختراع خطير أو عملية نادرة أو استغرق زمنا قياسيا وغير ذلك من العبارات التي تشبع الغرور وهي لا تسمن مجال الإنجاز ولا تغنيه عن جوع.
في المقابل فإن الباحث والطبيب والصيدلاني والمهندس والفيزيائي والكيميائي الذي يستعجل شهرة مزيفة ويريد أن يصل لمكانة عالية مغشوشة ويوهم الناس بأنه فريد زمانه وعالم عصره وهو أدرى الناس أنه ليس كذلك فإنه يعرض بضاعته المغشوشة في الصحف اليومية السيارة، وكل ما عليه هو أن يوهم مراسل (حبيب) غير متخصص ولا يملك القدرة على فحص البضاعة ناهيك عن التأكد من جودتها يوهمه بأنه اكتشف سرا علميا لم يصله غيره أو أجرى تدخلا جراحيا ناجحا لم يسبق إليه أو اكتشف دواء أو حقق إعجازا هندسيا غير مسبوق وما هو إلا يوم واحد وترى صورته تحت وفوق وبين العناوين العريضة في صحيفة يومية يحتضنها آلاف القراء سوادهم مخدوعون، وبعضهم في شك منه مريب، وقلة منهم متخصص يدرك حقيقة اللعبة ويدخل في صراع مع نفسه هل يقلدها فيتقلد المنصب أم يتقلد مبادئه وسمو أخلاقه فيبقى قارئا لبضاعة مغشوشة في مجتمعه وباحثا جادا وطبيبا ماهرا ومهندسا مبدعا في معمله وعيادته وميدانه لكن مغمورا خلف الكواليس.
ليت الصحف ووسائل الإعلام تتريث وتتحقق من سيل ادعاء الإنجازات لتحقق على الأقل الإنصاف بين المتخصصين وتمنع النصابين من ركوب موجة الإعلام واستغلال غياب الصحفي العلمي المتخصص في صحفنا، وبالمناسبة فإن هذه الممارسات لا تحدث في إعلام الدول المتقدمة حيث النصب لا يؤدي إلى منصب.
احفظ «علكك» الأبيض ليومك الأسود
بات من الضروري جداً أن نقرر، هل نحن سنعود لاستخدام العملة المعدنية ونحيي تطبيقاتها في عمليات الشراء سواء من الآلات وهواتف العملة وعدادات المواقف وماكينات البيع الآلي وغيرها من التطبيقات ومن ثم نستمر في سكها بعد ترسيخ احترامها؟!، أم أننا سوف نستمر في إهمالها وتجاهلها وعدم تداولها في البنوك والمراكز التجارية وعمليات الشراء والبيع وبالتالي نوقف سك هذه العملة المعدنية التي باتت تعلم أبناءنا الإسراف والإهمال والهدر وأصبحت حقاً نقدياً ضائعاً يجبر العميل على التنازل عنه يومياً في عملياته المالية بل وكجزء من راتبه أو مستحقاته من البنك عند صرف شيك يشتمل على كسور الريال.
ثمة نهج غريب تمارسه بعض محلات (الهايبرماركت) وتعود عليه العاملون في التحصيل (الكاشير)، خاصة غير السعوديين، سببه ضعف العملة المعدنية وعدم التعامل بها وعدم احترامها وهذا النهج يتمثل في سؤال (سخيف) يلقيه عليك عامل التحصيل عندما يسألك (هل تريد أن تتبرع بكسور الريال؟!) وهذا الكسر قد يكون نصف ريال أو 95 هللة، ويطلب منك التبرع به دون أن تعرف لمن تتبرع!! أو حتى لو عرفت فإن السؤال في حد ذاته استغفال معروف الإجابة سلفاً، فأنت لن تحصل على الكسور (العملة المعدنية) في كل الأحوال حتى لو رفضت التبرع وإن تبرعت فإن التبرع غير موثق وغير مضمون ومجهول الوجهة الحقيقية، لكن السؤال الاستغفالي يهدف لإيجاد مخرج نفسي لعدم التعامل بالعملة النقدية السعودية المعدنية في كل مراكز التداول سواء في البنك أو الهايبرماركت أو البقالة الصغيرة وعدم احتسابها للعميل وبالتالي عدم احترامها، بل أن مؤسسة النقد نفسها لا تسهل عملية استبدالها وتعويض من جمعها بعملة ورقية، فكيف نتوقع من المؤسسة منع هذه الممارسات والوقوف ضدها بحزم؟!!.
أما النهج الأغرب الذي تنتهجه المحلات التجارية عند إصرار الزبون على الحصول على النصف ريال وما فوق فيتمثل في مد علبة (علك) صغيرة قيمتها الفعلية، لو تم شراؤها، لا تتجاوز ربع ريال، وهذا النهج وإن كان يمر دون اعتراض إلا أنه يمثل استخفافاً لا يتناسب مع احترام قيمة الريال عندما تعادل نصف الريال بـ(علكة) تقل كثيراً عن قيمته مقارنة بالعملات الأخرى، بل إنها ربطت سعر صرف الريال بتلك العلكة باستمرار (الريال = 2 علك) دون أن تتدخل مؤسسة النقد في حماية العملة المعدنية التي تسكها وتطرحها للتداول الخاطئ.
هذا التداول الخاطئ يشجع أبناء هذا الجيل على التهاون وإهدار المال وعدم الشعور بقيمته وبدلاً من أن نربيهم على حفظ القرش الأبيض لليوم الأسود فإن لسان حالنا يقول لهم (احفظ العلك الأبيض لليوم الأسود).
هل حقا نحن «حيران» ربيع ؟!
أجيال آبائنا وأجدادنا أطلقوا على جيلنا مسمى قد يجهله كثيرون، مع أنه غاية في الحكمة ودقة الوصف وله دلالات ومعان دقيقة جدا وهامة، لقد أطلقوا على جيلنا الذي ولد في رغد العيش ووافر النعمة اسم «حوار الربيع»، وهذا المسمى لا علاقة له بالحوار الحضاري ــ حاشاه ذلك، فهو أدق وأبلغ وأعمق هدفا.
الحوار هو المولود الجديد للناقة (بيبي البعير)، وحوار الربيع هو الحوار الذي يولد في وقت اخضرار الأرض واكتسائها بالعشب ووفرة النباتات التي تتغذى عليها البهائم، وهذا الحوار (حوار نعمة) لم يشاهد الأرض القاحلة، ولم يعانِ من ندرة المراعي ولم يقاسِ الجوع والعطش لعدة شهور، فهو لا يدرك أهمية النعمة فيبطر ولا يكترث بما يشاهد من نعمة ظنا منه أنها لن تزول، فهل نحن جيل هذا العصر نعاني من نفس شعور (حوار الربيع)؟!، هل نحن فعلا حيران ربيع يخشى عليها من زوال النعمة.
نحن من علمنا أجدادنا وآباؤنا حفظ القرش الأبيض لليوم الأسود، ونحن من يجب أن يستمر في زرع روح الاستعداد لأحلك الظروف في نفوس الأجيال، وجعلهم دائما جاهزين لنوائب الدهر، وإبعادهم عن التهاون والاستهتار والإسراف والشعور بأن ثمة أشياء لا قيمة لها رغم أنها ذات قيمة، وبذل لإيجادها الجهد والمال وحملت طابع الأهمية، لأن استهتار أي جيل من الأجيال، وعدم شعوره بالمسؤولية وقيمة الأشياء هو نقمة على المجتمع وعلى ذلك الجيل والأجيال التي تليه.
نحن ــ وبكل أسف ــ نمارس رسميا و(مؤسساتيا)، وعبر ممارسات يومية من جهات رسمية وأخرى من القطاع الخاص تربية أبناء هذا الجيل على الاستهتار بقيمة الأشياء رغم أهميتها، ولا تجد هذه الممارسات من يردعها على الأقل احتراما لقيمة الأشياء ذات القيمة وإسهاما في تربية حسنة للأجيال.
ونحن أيضا من يدفع ثمن سوء التربية هذا أو تنشئة جيل مستهتر، ندفعه في صورة إهدار المال العام وتحطيم كاميرات ساهر وإتلاف السيارات في التفحيط وتعمد القسوة على الممتلكات الحكومية من آلات وسيارات وحتى الأدوات المكتبية، ثم نصفق كفاً بكف، ونصيح ونلطم الخد عندما نصبح فنجد أن المال العام قد سرق، وأن ممتلكات الدولة قد أتلفت.
الرقيب الجديد زائر الفجر الجديد
قلت في أكثر من مناسبة وأكثر من مجلس إن الرقيب على بعض الصحف أصبح المؤسسات الخاصة، سواء عبر الإعلان أو الإغراءات والعلاقات التجارية، وهذا النوع من الرقابة له دلالات تتعلق بالأمانة الصحافية والمهنية وأهواء الأشخاص، بدلا من هوى الوطن الذي يهدف للصالح العام.
قد يقول قائل إنه ما كان يجدر بك أن تشعر القطاع الخاص أن الإعلان أو شراء الذمم أصبح وسيلة ضغط، فيدركون ذلك وتشيع هذه الطريقة، وهنا أقول إنهم يعرفونها جيدا، وشاعت بينهم، ولم تعد إثما نخفيه حتى لا يعم وينتشر.
الرقيب الجديد لا يكترث ولا يخجل ولا يتردد في المجاهرة بالإثم قائلا (إذا استمر النقد سوف نوقف الإعلانات)، ولا تنقصه الجرأة في كسر العين، والعين المكسورة لا تحتاج إلى الكثير من الجرأة لتخجل وتذعن.
انقلب الوضع، فها هو معالي وزير الإعلام الوزير الزميل د. عبد العزيز خوجة يوضح في أكثر من مناسبة أن لائحة النشر الإلكتروني لا تصادر حرية أحد في النقد، ويوضح أنه منذ تولى المسؤولية لم يوقف كاتبا واحدا، وها هم بعض المسؤولين في الدولة يرحبون بالنقد الهادف، ويقرون ببعض الأخطاء ويعتذرون عن بعضها ويطالبون الإعلام بتحري الدقة فقط، وإذا وصل للمعلومة الصحيحة فلا بأس من نشرها، أما الرقيب الجديد فإنه لا يقبل نقدا وإن صح، ولا يكترث إن صادر حرية أو أوقف كاتبا أو منع مقالا، بل لعله يفاخر بذلك على أساس مقولة (مالي وأنا حر فيه)؛ لأن من يصل به التمادي حد شراء الذمم يعتقد أن ما فعله بماله حق مكتسب، ويجدر بنا أن لا نلومه طالما أن ثمة من سمح له بشراء ذمته، فهو من أعطاه حق السيطرة عليه إلى درجة أنه قد يطرق عليه الباب فجرا ليقول له: لقد تماديت بالأمس.
الرقيب الجديد، رقيب هذه المرحلة، أكثر خطورة على حرية الرأي وأقل إقناعا، فأجندته لا تخدم المصلحة العامة، ولا تراعي مصلحة وطنية أو تهدئة أو منع شوشرة، بل تخدم مصلحة شركة أو تاجر أو بنك أو شركة نقل أو اتصالات، ومن السهل جدا أن تعرف من سلم رقبته ووسيلته الإعلامية للرقيب الجديد ومن هو الرقيب، فقليل من المتابعة لأخطاء القطاع الخاص الفادحة، وكثير من البحث عن النقد الغائب لها، وستعرف المشتري والبائع، أما البضاعة فهي حرية النقد وأمانة المهنة.
