الفاسد عذره معه

وكان المقصود بالمثل المشهور أن (الغائب عذره معه) أو حجته معه لأن علينا أن ننتظر حضوره لنعرف سر غيابه، أما وقد حضر الحديث عن الفساد كثيرا قبل توفر أدوات القضاء عليه والجدية في تعريته وفضحه والتشهير به فإن من شأن ذلك أن يجعل للفاسد حجة.
الصحافي حتى اللحظة لا يستطيع الكتابة عن فساد بعينه حتى لو امتلك الأدلة والقرائن والحجج المثبتة لأن الصحف لا زالت لا تمارس دور التشهير بالفساد حتى لو امتلكت الأدلة (مثل ما يحدث في صحافة العالم الأول) لأننا لازلنا لم نجهز أرضية مثل هذه الممارسة المهمة، خاصة ما يتعلق بجوانب متطلبات مثل هذه السلطة وآلية ممارستها وأرضية التقاضي حول ما ينشر عندما ينشب خلاف أو يحدث خلل، رغم أهمية مثل هذا الحق للإعلام في الإسهام في مكافحة الفساد وتواجد الرادع المتمثل في الخوف من الفضيحة.
في الجانب الآخر وفي ما سمي بالإعلام الجديد الذي يصل للناس عبر الشبكة العنكبوتية، دون أدنى حاجز رقابي، وبمسميات عدة (يوتيوب، تويتر، فيسبوك، واتس أب، …الخ) فإن المعلومة تحضر وأحيانا من مصدر موثوق، فهذا يشير إلى ثروة ذاك وموقعها ضمن قائمة الأثرياء في العالم، وذاك يتحدث عما يملك من مساحة من الأراضي مقارنة بملايين غيره وأخبار تأتي من هنا وهناك جميعها تلمح أو تصرح بوجود ممارسات خاطئة، وهذا يخلق عذرا لمن غاب عنه الوازع الديني وأراد تقليدا أو أشعره الشيطان بأن من حقه أن يقلد طالما أن الرقابة محدودة.
هيئة مكافحة الفساد، تلك الخطوة الوليدة الرائعة تخطئ كثيرا وتخلق للفاسد عذرا عندما تبدأ عملها بالحديث عن حث المواطن والمقيم على الإسهام بالبحث عن الفساد وكأننا وصلنا إلى مرحلة القضاء على الفساد الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار أو أننا نحتاج إلى البحث عن نملة سوداء في صفاة سوداء في ليل دامس، وتلك التصريحات تخلق للفاسد اطمئنانا وعذرا.

اترك رد