التضييق على النقد

إذا استثنينا المدينة الفاضلة لأفلاطون حيث الكمال وعدم وجود ما ينتقد فإن أي مدينة أخرى لا بد أن يكون فيها من الخلل والقصور ما يستدعي التصحيح والتقويم ولفت النظر والتنبيه إلى ما يوجد من أخطاء، ويختلف الناس في تفاعلهم مع الأخطاء مثلما يختلفون في تفاعلهم مع ما يحدث أمامهم، خذ على سبيل المثال حول ما يحدث أمام الناس وتتباين ردود أفعالهم وتعاطيهم معه عندما يقع على قارعة الطريق ضحية حادث سيارة فإن من الناس من يمر وينظر للضحية ويواصل سيره وكأنه لم ير شيئا يلفت الانتباه ومنهم من ينظر إليه ويقول (يا الله مسكين تعرض لحادث)، ومنهم من يقف وينظر إليه ويتفحصه بنظره ثم يواصل سيره، ومنهم من ينظر إليه ويتفحصه بنظره ويقول لمن حوله (يا جماعة ساعدوه) ثم يذهب، ومنهم من يتفحصه ويحاول مساعدته لتخفيف آلامه بوقف نزفه ويحاول استدعاء سيارة الإسعاف لنقله، ومنهم من يجري له كل الإسعافات المطلوبة ويحمله في سيارته ويضحي بوقته وبما سيتعرض له من مساءلة من أجل إنقاذ هذا الإنسان.
ذلك التباين في التفاعل مع حالة الضحية يقابله نفس التباين تجاه التفاعل والتعاطي مع انتقاد ما يحدث في المدينة، فمن الناس من يرى القصور ولا يتأثر به مطلقا، ومنهم من يراه وينتقده في داخل نفسه، ومنهم من يراه وينتقده بالحديث لمن حوله ومنهم من يراه وينتقده بقلمه مضحيا بجزءٍ من وقته ومنهم من ينتقده بلسانه وقلمه ويسعى جاهدا ومتابعا للإبلاغ عنه والسعي لتصحيحه مضحيا بوقته وجهده من أجل المساعدة في إصلاح الخلل.
لا يدين ضحية الحادث لأيٍ شخص مر عليه غير من ساعده وأنقذ حياته ولا تدين المدينة إلا لمن بذل وقتا وجهدا لإصلاح ما فيها من قصور وإنقاذها منه، وإذا كانت المدينة الفاضلة الخيالية تخلو من الأخطاء والقصور فإن أي مدينة أخرى لا تضاهيها لا يجب أن تخلو من النقد، فطالما أن لديك مدينة وطالما أن المدينة الفاضلة ضرب من الخيال فإن الأخطاء وجوانب القصور في أي مدينة أمر لا بد من تواجده منطقيا، لكن عدم تواجد النقد أمر غير منطقي، ويفترض أن يكون وجوده أساسيا وضروريا وأن تمتن له المدينة وتقول «رحم الله من أهدى إلي عيوبي»، فما بال قوم يضيقون بالنقد ويضيقون عليه.

رأي واحد على “التضييق على النقد

  1. السلام عليكم

    وصفت فأجدت ، المشكلة تكمن في من لا يسعف ولا يريدك أن تسعف !!!!
    هذا النوع : هل سنقول أنه يستمتع بمرأى الجراح !؟
    اللهم أشف جراحك يا وطني ! تلك التي تسبب بها ابناؤك

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s