الشهر: مارس 2021

لماذا نتجاهل القدوة الحسنة؟

عندما تخرج أسرة كاملة على بكرة أبيها كبارا وصغارا لتوديع عاملة منزلية في المطار؛ لأن العاملة أمضت في منزلهم أكثر من ثلاثين سنة، حتى بلغ بها الكبر عتيا، وأصبحت مسنة لا تستطيع المشي إلا بالكرسي المتحرك، وتقرر بطوعها أن تعود لبلدها، فيخرجون لتوديعها، وحضنها، وتقبيل رأسها، والبكاء الحار، وتقابلهم ببكاء شديد، وتوديع حار فردا فردا، فإن الموقف عظيم يستحق التوقف، والمشهد مؤثر يستحق التسجيل والنشر للعالم؛ لإعطاء مثال حي مؤثر لإنسانية هذا الوطن وأهله، ويشكل مع غيره من المواقف المشرفة الكثيرة قوى ناعمة قادرة على تشكيل الصورة الصادقة عنا وعن تعاملنا وإنسانيتنا.

للأسف فإن المواقف نادرة الحدوث، والسلوك الفردي لمتخلف يعنف سائقه، أو شاب مدمن يضرب عامل نظافة، تجد النشر والانتشار والتركيز من إعلام حديث تمثله مواقع التواصل الاجتماعي، ويقوم عليه أناس لا يملكون الحس الإعلامي، وربما لا يملكون الحس الوطني، ويقتصر حسهم على الرغبة في تكثيف المتابعة وبالتالي الاسترزاق من الإعلان، وللأسف تشجعهم بعض القنوات الفضائية عن طريق برامج سطحية تفتقد للإحساس بأهمية الإعلام وخطورته وحساسية تأثيره.

العاملة التي ودعها أكثر من 15 فردا من أسرة واحدة، وعامل النظافة المضروب مجرد أمثلة لتصوير التباين الفادح في التعاطي الإعلامي مع المواقف المشرفة الغالبة، والأخرى المسيئة النادرة، وكيف أننا نظلم مجتمعنا، وذلك بغض الطرف عن القدوة الحسنة المشرفة والتركيز على المسيء.

لكن الأمثلة على هذا التجني الإعلامي أو الغباء الإعلامي كثيرة جدا، وتحتاج لوقفة ورسم خطط إعلامية توظف القوى الناعمة أفضل توظيف، نحن في أمس الحاجة إليه في هذا الوقت تحديدا، فكم من فتاة سعودية برزت وأبدعت في مجالات علمية دقيقة في تخصصات الفيزياء والكيمياء، صعدت لمنصات التتويج العالمي بكامل حشمتها ونقابها وسترها الإسلامي، وتمثل وطنها خير تمثيل، تجاهلها الإعلام المعادي فتجاهلناها نحن بجهل؟ وكم من شاب سعودي مبتعث برز في مجاله العلمي، أو موقفه البطولي بالمخاطرة بنفسه لإنقاذ أرواح آخرين، ولم يجلس على المقعد ذاته الذي يجلس عليه شاب مهرج أو ذو صوت غنائي نشاز؟

رغم مساوئ المجتمع الأميركي وكثرة جرائمه وممارسات جيوشه غير الإنسانية، إلا أن أفلام “هوليوود” صورت للعالم الإنسان الأميركي وكأنه ملاك يقطر إنسانية ورحمة ورقي، واستطاعت التأثير في عدد غير يسير من شعوب العالم، بينما ننتظر نحن مسلسلات تهريج رمضانية شككتنا في أنفسنا، وأساءت لنا، وسخرت من بعضنا، في سباق محموم لانتزاع ضحكة أقرب للبكاء، ونفس أبطال التهريج تمثيلا تحولوا في واقعهم إلى التناحر والشتائم المسيئة إعلاميا؛ لمجرد خلاف على حفنة من الريالات أو بقايا خردة سيارة أو أدوار، وهذا الخلاف وتبادل التهم لمشاهير في حد ذاته إساءة لسمعتنا.. فليتهم لا يعودون.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 01 شعبان 1442هـ 14 مارس 2021م

لا تشوهوا الإنجازات الحقيقية

بطولات وتضحيات وإنجازات المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطاهرة كثيرة وشبه يومية، وتمثل بطولات حقيقية وتضحيات ذات قيمة ومخاطرة بالنفس لإنقاذ أنفس، وهذه كنت وما زلت أحد المطالبين بتكريم أصحابها على المستويين الرسمي والشعبي، ودعوت مرارا وتكرارا أن نشيع روح التكريم والمكافأة والتشجيع بسخاء لكل بطل وطني أو صاحب إنجاز حقيقي ومشهود.

ولست هنا لأدعي تعريف العمل البطولي أو تصنيف الإنجاز الحقيقي، ولكن من أمثلته التي لا يختلف اثنان على تصنيفها كعمل بطولي: فرمان علي خان الباكستاني الذي أنقذ 14 غريقا في سيول جدة ومات شهيدا تغمده الله بواسع رحمته، ولم يقصر هذا البلد الأمين فقد كرمه ومنحه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى وتم تكريم ودعم أسرته وما زالت أسرته تحظى بالامتنان الدائم من حكومة هذا الوطن المعطاء وشعبه الكريم، ومن أمثلة الأعمال البطولية ما قام به شاب بالتسلق لشقة محترقة وإنقاذ الأطفال بداخلها، وقيام مواطن بإبعاد صهريج وقود مشتعل عن محطة الوقود وغير ذلك من المواقف البطولية (التطوعية) وأضع تحت هذه الكلمة عشرين خطا مؤكدا أن العمل التطوعي يفوق بمراحل أداء واجب العمل الروتيني الذي تؤديه كموظف وتتقاضى عليه راتبا. ما بال أقوام بدؤوا في تصوير أعمالهم الوظيفية الواجبة على أنها إنجازات؟! بل ما بال الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب (التقليدي) أصبح يهب لتكريمهم وإبرازهم دون تثبت ولمجرد أن أحدهم أو إحداهن صورت مقطع فيديو وهي تؤدي عملا روتينيا وكأنه إنجاز خارق؟

نحن لا نحسد أحدا، لكن يؤلمنا أن تضيع الإنجازات الحقيقية والتضحيات الكبرى في بحر متلاطم من الادعاءات الكاذبة أو المبالغات و(الهياط) في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا (تويتر) والتي تبدأ بفيديو شخصي ملمع ثم تصعد إلى حوار تلفزيوني في برامج شهيرة يفترض أن تتثبت. ما الإنجاز في أن يقود أحدهم أو إحداهن سيارة إسعاف مؤديا عمله أو مدعيا أداء عمل غيره؟ وما الإنجاز في أن يجري طبيب عملية جراحية روتينية ويدعي أنها الأولى في العالم وزملاؤه يعلمون أنها روتينية أو أجريت آلاف المرات؟ أو أن يدعي باحث أنه اكتشف اكتشافا فريدا دون أن يثبت أن أحدا لم يسبقه إليه؟ ورابع يصور ما يدعيه اختراعا وهو لم يسجل براءته؟!

في زمن بث الإعلام الشخصي الذاتي، علينا توقع تمجيد الذات والنرجسية وافتراء الإنجازات ونسخر منها ولكن لا نشجع عليها ونروج لأصحابها في إعلام يفترض أنه رزين، ويفترض أن يعود للمرجعيات العلمية والطبية والأكاديمية والمهنية لتمحيص الادعاءات بأي إنجاز علمي أو طبي أو مهني.

حتى أطفالهم أصبحوا يلقنونهم سيناريوهات ويحفظونهم عبارات ويصورونها على أنها ذكاء وسرعة بديهة ثم يستجدون تكريمهم وطنيا، وهنا خطورة أكبر وتربية على احتيال مستقبله خطير.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 23 رجب 1442هـ 7 مارس 2021م

هيئة للرقابة على الأبحاث العلمية

الأبحاث والدراسات والأرقام الدقيقة أساس مهم يقوم عليه التخطيط وتشخيص الوضع إن سلبا أو إيجابا، ولا يمكن لوطن أن يستغني عن تلك الأبحاث والدراسات، كما أن الاعتماد على أبحاث ودراسات أجريت في مكان آخر غير الوطن نفسه أمر خاطئ مضلل فلكل بيئة ومجتمع ظروفه الخاصة.

الأخطر من الاعتماد على دراسات وأرقام وأبحاث تمت في دول أخرى هو الاعتماد على أبحاث ودراسات وأرقام تمت بطريقة قاصرة خاطئة مستعجلة الهدف منها سرعة نشر ورقة علمية وبناء على نشرها الحصول على ترقية في سلم أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وهذا ما يحدث عندنا تحديدا وذكرته في أكثر من مقال قديم وحديث بحكم ما عايشته كمعيد وباحث ثم محاضر في كلية الصيدلة، وهو بالمناسبة أمر دارج في جميع الجامعات، وكنت طالبت كثيرا بعدم ربط الترقيات بنشر الأبحاث وإعتاق البحث العلمي من ربطه بالترقيات وإنقاذ الدراسات العلمية من عذاب الارتباط بالنشر والحصول على الترقية، الذي أدى إلى فساد في مجال البحث العلمي و(فبركة) وتحيز في النتائج والأرقام لتصبح ملائمة للنشر وبالتالي الخروج بدراسات وأرقام مضللة للوطن.

قلت في آخر مقال حول هذا الموضوع المهم نشر في هذه الصحيفة الغراء في 17 يناير 2021م بعنوان: (فساد الأبحاث الأشد خطرا): يكون الفساد في الأبحاث الطبية والعلمية بأن يجريها مساعد باحث أو فني متعاقد، بينما تحمل اسم أستاذ جامعي لم يشارك في إجراء البحث، وربما لا يعلم شيئاً يذكر عن البحث، ويكون الهدف من هذا الفساد هو الحصول على ترقية في سلم أعضاء هيئة التدريس أو أن يكون طبيباً أو صيدلانياً، ويستغل البحث في الحصول على بدل تميز.

وفي حوار متلفز أكد وكيل وزارة الصحة المساعد للصحة الوقائية استشاري الأمراض المعدية د. عبدالله عسيري ما ذكرت حينما طالب بفصل الأبحاث الطبية عن الترقيات في الجامعات مبينا بمنتهى الصراحة قلقه من أن الأبحاث الطبية عندنا تعاني من قصور سببه السعي وراء الترقيات باستعجال النشر.

أما أنا فأرى أن الأبحاث والدراسات العلمية قاطبة (وليس فقط الأبحاث الطبية) يجب أن تبعد تماما عن أمر الترقيات، وأن يتم مراقبة دقة الأبحاث عن طريق هيئة عليا متخصصة تجيز وتراقب البحث العلمي وتتأكد من سلامة مراحله وأن من قام به هو الباحث الرئيس ومساعدوه ويتحملون مسؤولية جميع نتائجه التي سيعتمد عليها الوطن في رسم خططه وتبني أرقامه، ويحاسبون إذا ثبت مخالفتهم لأخلاقيات البحث العلمي أو التلاعب بالنتائج أو عدم قيامهم بالبحث بأنفسهم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 16 رجب 1442هـ 28 فبراير 2021م

نقل الهيئات الصحية عين العدل.. وحذارٍ من تأمين الإهمال

أكرر القول بفخر، إننا في عصر يسبق فيه العمل كل قول، ويتم فيه تطوير منظومة التشريعات المتخصصة والإجراءات بما يتناسب مع قضاء حاجات الناس وحفظ حقوقهم وفق شرع الله الحكيم، والأمثلة كثيرة لكنني أستشهد اليوم بأمنية تحققت وكنا نطالب بها منذ عقود، بل كانت حاجة العدل وحفظ الأنفس تفرضها وتحققت اليوم بدعم رجل الحزم والعزم، سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية عضده الحازم العازم ولي العهد، حيث وكما نشرت هذه الصحيفة الغراء في يوم الخميس السادس من رجب 1442هـ، فإن المجلس الأعلى للقضاء وافق على نقل اختصاص الهيئات الصحية الشرعية إلى دوائر قضائية متخصصة في محكمة الاستئناف بمنطقة الرياض، والمحكمة العامة بمدينة الرياض، كما وافق المجلس على تخصيص قضاة للعمل في تلك الدوائر بناءً على الكفاءة القضائية والتأهيل العلمي والخبرة العملية.

هذه الخطوة العدلية المهمة طالبنا بها كثيرا منذ عدة سنوات وأوضحنا أهميتها البالغة في برامج حوارية متلفزة ومقالات صحافية، خاصة مع كل حالة وفاة بسبب خطأ طبي طابعه الإهمال كانت تتناوله تلك البرامج الحوارية بعرض الحالة الإنسانية لأم فقدت ابنها أو أسرة فجعت في طفلتها بسبب إهمال طبي، وكانت المآسي تطرح تلفزيونيا في قالب حزين محزن خلال يوم أو يومين، ثم ما يلبث أن يخرج مدافع يدعي أن الخطأ لم يكن إهمالا بل مضاعفات، وكانت اللجان تتكون من قاض فئة (أ) لكن يحيط به أعضاء أطباء هم من يقرر صفة الخطأ وغالبا كان ينسب لمضاعفات حتى لو كان إهمالا، لذا طالبت كثيرا بأن يكون للمريض محام خاص متخصص في مجال الخطأ يوضح لفضيلة القاضي حقيقة الخطأ ويواجه وجهة النظر المدافعة بالحجة والبرهان بما يفرق بين المضاعفة والإهمال، وهذا ما سيتحقق بحول الله مع هذه النقلة النوعية المباركة، حيث ركز القرار على (دوائر قضائية متخصصة وتخصيص قضاة بناء على الكفاءة القضائية والتأهيل العلمي والخبرة العملية) وهذا وربي ما كان يحتاجه ضحية الخطأ الطبي وأسرته للحصول على حقهم الشرعي وأهم من ذلك تحقيق الردع من إهمال زاد عن حده.

أتمنى أن يتولى تمثيل المريض أو ضحية الخطأ الطبي محام متخصص مؤهل صحيا وأن تكون أتعابه على المدان وأن يسهم أهل الخير في مساعدة أسرة الضحية العاجزة على توكيل محام متخصص، كما أتمنى ألا يسمح لصناديق تأمين وخلافه بتحمل مبالغ الغرامات والعقوبات على الممارس الصحي المهمل تحديدا، ذلك أن تجارب العالم في هذا النوع من التأمين أثبتت تشجيعا على الإهمال وتقليلا للردع عنه، وأؤكد هنا على محاربة الإهمال (تحديدا) والذي زاد بانشغال الأطباء عن مرضاهم وعن قراءة الملف بحثا عن العمل في أكثر من عيادة ومستشفى، أما المضاعفات فأمر يُشْعَر المريض باحتمالاته سلفا وهو غالبا لا حيلة للطبيب فيه، لكن الفارق بين الإهمال والمضاعفة واضح جدا.

  • نشر في جريدة الرياض في يوم الأحد 9 رجب 1442هـ 21 فبراير 2021م