استشاري ينصح واستشاري يفضح

أصبح وجود الأطباء الاستشاريين في (تويتر) أكثر من وجودهم في عياداتهم وفي غرف العمليات في المستشفيات الحكومية، بينما كنا نتمنى وجودهم في المستشفيات، وهو ما يحتمه الواجب المهني لهذه المهنة الإنسانية.

تكررت في أخبار (تويتر) وفي عناوين الصحف الإلكترونية عبارة (استشاري ينصح) والنصح طيب، ولكن عندما يكون في مجال التخصص الدقيق وليس في تخصصات دقيقة آخري.

الأصل في الطبيب الاستشاري أنها درجة مهنية تعني تعمق الطبيب في مجال طبي دقيق وحصوله على شهادات وخبرات في هذا التخصص، وبالتالي فإن استشارته يجب أن تذهب أولا للطبيب المتدرب والطبيب الأقل درجة وخبرة فيكون مرجعية مهنية وربما علمية في هذا المجال تحديدا، ويقوم بالتدخلات الطبية والإجراءات أمامهم، لذا فهو طبيب استشاري في مجال تخصصه الدقيق فقط، لكن ذلك للأسف لم يعد يحدث، فضاع الخريج والمتدرب وافتقدوا لكل من المدرب والمعلم والقدوة الحسنة، إلا من رحم ربي وهداه وأخلص لعمله.

لقد خطفت المستشفيات الخاصة والأهلية وقت الاستشاري الحكومي من المستشفى الحكومي بطريقة غير مشروعة ولا نظامية ولا مدفوعة المقابل لمؤسسات الدولة، وهذا تحدثت عنه وكتبته كثيرا وسوف أستمر.

لكن الجديد الآن، المرتبط بظاهرة الفساد تلك، هو أن بعض الاستشاريين يريد أن يكسب مزيدا من الأضواء الإعلامية، ومزيدا من المتابعين في وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف الحصول علي شهرة تجذب الزبائن وبالتالي تحث المستشفى الخاص على الاتفاق (غير المشروع) معه لفتح عيادات في الخاص على حساب وقت المستشفى الحكومي وأثناء دوامه الرسمي فحرم منه المريض الحكومي والطبيب الجديد والمتدرب، وهذا الاستشاري يفضح ولا ينصح.

أصبح الاستشاري ينصح في غير مجال تخصصه وفي مجال لا يخصه وقد لا يلم به، فتجد الاستشاري النفسي ينصح في قضايا اجتماعية صرفة وربما شرعية، وتجد استشاري القلب يتنمر على أخصائي التغذية ويحذر من غذاء أو ينصح بآخر رغم أن للتغذية خبيرها المتخصص وهو يعلم ذلك ويعلم أنه يحيل المرضى له ليرسم لهم خطة الغذاء ومحاذيره، لكنه في (تويتر) يتنمر على التخصص وأهله، وتجد استشاري الجلدية ينصح في أمور الجراحة والسمنة، واستشاري العيون ينصح أمراض الدم، ورغم شح المعلومات المتوفرة عن سلوك فيروس كورونا وسلالاته وتحولاته إلا أن استشاري الأمراض المعدية يتحدث عن سلوك الفيروس وكأنه من درسه واكتشفه، ويتحدث عن اللقاح ولمن يصلح ومن لا يحتمله وكأنه من اخترعه، علما أن لعلم الفيروسات أهله من الباحثين، وأن شركات إنتاج اللقاح لم تكشف بعد عن كل تفاصيله وأسراره وفي كل يوم تضيف معلومة وما زالت الجهود حثيثة لجعل تفاصيله متاحة والتنازل عن براءة اختراعة.

مختصر القول، إن الطبيب الواحد العارف بكل شيء أصبح من الماضي القديم، حينما كان طبيبا في حي غميته (المرقب) في الرياض مثلا، هو طبيب الباطنة والجراحة والعيون والأسنان والختان والتطعيم، وأصبح اليوم لكل مجال تخصص دقيق وفروع أدق واستشاري يحق له النصح.

نشر في صحيفة الرياض يوم الثلاثاء 6 شوال 1442هـ 18 مايو 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s