في رثاء خليلٍ لا يعوض.. حمد الحبيش

سجلت في متوسطة حطين منتقلاً من متوسطة طويق وأنا في مرحلة الثاني متوسط فدخلت فصل ثانيه رابع وكان فصلاً يشرح الصدر في مبنى نموذجي بني كمدرسة فعلاً وليس مؤقتاً كمتوسطة طويق.

كان جميع طلاب الفصل كرماء مبتهجين يشعرونك بالسعادة وكأنك تعرفهم منذ زمن، لكن أحدهم كان الأكثر حيوية وترحيباً بالقادم الجديد والأكثر تقديراً لحالة الوجل والشعور بالعزلة لطالب جديد لم يزاملهم في الصف الأول متوسط فجميعهم يعرفون بعضهم إلا أنا، اقترب مني مرحباً ومعرفاً بنفسه ويسأل عن اسمي فأخبرته، رد والنعم وأردف: (لهجتك سديراوي) قلت نعم من جلاجل، قال أنا حمد بن محمد الحبيش من تمير، قلت والنعم وثلاثة أنعام، فكان هذا التعارف الأول لمعرفة امتدت لأكثر من خمسين عاماً لم يشبها لا خلاف ولا تغليب مصالح ولا أنانية، كنا قلبين متصافيين يخفقان حباً لبعضهما في جسد واحد.

لم أكن أعلم أن استقباله لي وترحيبه بي وطمأنته للقادم الغريب الوجل ستكون بداية لجمائل كثيرة ومعروف يومي ممتد طوال حياتنا معا، شعرنا بألفة وتوافق غريب، نفس الفراسة ونفس النكتة والمزاح ونفس الشقاوة المدرسية البريئة الممزوجة بمواقف رجولة مبكرة وجدية دراسية لرسم مستقبل، وقررنا أن نستذكر الدروس معاً في منزل أسرتي في ثليم، وفعلنا ذلك يومياً في أوقات الامتحانات. كان والدي يقابل حمد أو يصادفه (رحمهما الله) عند دخوله يومياً وما هي إلا أيام قليلة وقال لي والدي، بفراسته المشهورة عنه وخبرته الواسعة في الرجال، قال: (رفيقك هذا، ولد الحبيش، عض عليه بالنواجذ تراه رجال سنع)، كان جيلنا يحسب مليون حساب لنصيحة الوالد فلا يخالفها أبداً. في أوقات العطل كنت أذهب لمنزل الحبيش في حلة القصمان، كان قصراً عامراً يسكنه أربع أسر بأولادهم: عم حمد ناصر أكبرهم ووالد حمد (رحمهما الله) وعبدالله وعلي، وكان منزلهم مقر ضيافة مفتوح يستضيفون فيه كل من قدم من قرى سدير خاصة بادية تمير وبوضة ومبايض وعشيرة سدير وكان الضيوف يبيتون فيه.

بعد المرحلة الدراسية المتوسطة التي شهدت الكثير من المواقف الدراسية والرياضية الرائعة والرحلات الطلابية انتقلنا معا لثانوية الرياض بالمرقب وفي نفس الفصل واستمررنا نذاكر في منزلي وانضم لنا الزميل المهندس الزراعي حالياً عبدالمحسن بن عبدالعزيز العبيد ومررنا معاً بمواقف جميلة ولحظات سعيدة.

رافقت حمد لبريطانيا ندرس اللغة الإنجليزية ومررنا بمواقف كثيرة برزت فيها شجاعته وغيرته على وطنه وكرم أخلاقه وحميته، ثم فرقتنا دراسياً الجامعة فدخل هو كلية التجارة ودخلت الصيدلة، لكننا استمررنا نلتقي مساء ونسافر معاً ونلتقي كل مساء اثنين في مجلس بمنزلي أسميته (مجلس حمد بن محمد الحبيش) ولم ننقطع أسبوعياً إلا لسفر أو ظرف قاهر، كان سندي ويعتبره أبنائي أباً لهم وسند وظهر عند الملمات. ترافقنا وسافرنا معاً حتى في مؤتمرات الصيدلة التي تخصني وندوات ودورات العلوم الإدارية التي تخصه، كان -رحمه الله- غيورا على دينه وعلى القيم وعلى الوطن لا يقبل مساساً بهذه الثلاثة وكان إذا اجتمعنا في بهو الفندق مع حاسدين لنعمة وطننا (وما أكثرهم) يلجمهم بأسلوب مقنع مؤدب وإذا حمي الوطيس ألقمهم حجراً يجعلهم يغادرون.

كان كريماً صاحب نخوة وفزعة لمن يعرف ومن لا يعرف، وعندما دخلت عالم المستشفيات والصحة كان يطلب مني الشفاعة لفتح ملف لمريض أو ضحية حادث، وعندما أسأله عن الاسم الكامل أو الجوال أو معلومات يفترض أن يعرفها، لو كان قريبه أو صديقاً، كان لا يعرفها فيقول (اصبر أسأل)، مما يدل أنه يفزع لمن لا يعرف، و طلب مني مساعدة مريض ذات مرة وقلت له إنني كلمت (فلاناً) وشعر أنني لا أعرف تفاصيل معلومات المريض وأنه قال لي: (الوضع مزحوم فإذا كان يعز عليك يا محمد و إلا لا تحرجني)، فرد علي حمد قائلاً (قله إلي ما يعز عليه المريض مهوب عزيز).

كان من شدة نخوته وكرمه يصف الشخص الذي لا ينفع الناس بسلب التمرة والسلب هو الغلاف الرقيق المحيط بنواة التمر! فيقول (من لا ينفع الناس مثل السلب ليس له فائدة، لا يأكله البشر ولا يطحن فتأكله الماشية)، كان رمزاً في مدينة تمير وأحد أنشط رجالها في متابعة مشاريع الطرق والسفلتة والإنارة والهاتف والكهرباء والغاز ونادي المجزل بتمير بحكم علاقاته الواسعة وشهرته وتقدير الرجال له، فتح مزرعته لضيوف تمير فلا يمر أسبوع إلا وقد استضاف ضيوفاً لهم شأن وجمعاً من أبناء تمير صغيرهم قبل كبيرهم لتعريفهم بهم، وكان يفطر الصائمين في مزرعته ويجمع كل أهالي مدينة تمير وما جاورها مع جمع غفير من أصدقائه خارجها في فطور رمضاني ضخم قبل دخول العشر الأخيرة ثم يقيم حفل العيد، وكان لا يرد صاحب حاجة أو شفاعة حتى قيل عنه في سدير كلها، بل وفي كل مناطق المملكة قاطبة: (إذا صعب عليك أمر فادعُ ربك ثم استفزع بحمد الحبيش)، وعند احتلال الكويت ونزوح أهلها أصر على استضافة عائلة كويتية في منزله فنصحته بأن أسرتك عددهم كبير ومنزلك بالكاد يكفيكم ولن تتحقق الخصوصية للطرفين وبعد جهد وإلحاح قرر أن يستأجر شققاً لأكثر من عائلة كويتية.

حمد الحبيش رجل يندر مثيله وصديق وخليل لا يعوض ولا يسلى فكيف أسلاه وكل مكارم الأخلاق تذكرني به؟!، يذكرني به الكرم والشجاعة والنقاء والشهامة والفزعة والغيرة على الدين والقيم والوطن، يذكرني به يوم الاثنين فقد كنا اثنين في واحد، وأصبحت بعده واحداً وحيداً بلا أحد، اللهم أجبر كسري فيه وارزقني وأهله الثبات والطمأنينة والسكينة وأجمعنا به في الفردوس الأعلى برحمتك يا رحمن يا رحيم.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 15 جمادى الأولى 1443هـ 19 ديسمبر 2021م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s