الكاتب: محمد سليمان الأحيدب

كورونا الرياض.. ارتفاع الحالات هبوط الجامعات

ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا في الوطن عامة أمر مقلق ويحتاج لوقفة حزم فلا يمكن أن نقبل بالفشل بعد نجاح غير مسبوق، لكن استمرار تصدر منطقة الرياض لعدد حالات الإصابات حتى قاربت نسبة 50 % من مجموع الإصابات اليومية في المملكة أمر محير وليس مقلقاً وحسب، ومصدر الحيرة الكبرى هو أننا حتى اليوم لم نحدد أسباب زيادة الحالات في الرياض تحديداً، وهنا يقع العتب على جامعاتنا ومراكز الدراسات، فيفترض أن تقوم الجامعات ومراكز الدراسات بدراسات عاجلة مستفيضة لمعرفة الأسباب والمتغيرات وتزويد لجنة متابعة كورونا بالنتائج والتوصيات، فنحن في عصر القرار القائم على دراسة.

شخصياً طالبت عبر صفحتي في (تويتر) بأن تتحرك الجامعات ومراكز الدراسات لدراسة هذه الظاهرة الخطيرة، وكباحث، أقيم اعتباراً للأبحاث والأبحاث فقط، لا يمكنني افتراض أسباب أو اتهام سلوكيات اجتماعية وتحميلها المسؤولية، وإن كانت هناك مؤشرات يمكن الاستفادة منها في توجيه اتهام، لكن المنطق العلمي يقبل وضع الفرضيات، أياً كانت، لكنه لا يقبل بتأكيدها من دون دراسة وبحث وإثباتات، وهذا ما نحن في أمسّ الحاجة إليه حالياً.

بعد أن طالبتُ كثيراً عبر (تويتر) طرحت ذات الفكرة على معالي وزير الصحة الدكتور توفيق الربيعة خلال مكالمة هنأته خلالها بالشهر الكريم، وأيّد معاليه المطالبة بأن تتولى الجامعات مثل هذه الدراسة عاجلاً، وأشاد الوزير بما حققته جامعات المملكة العربية السعودية من تقدم على مستوى العالم في جهود أبحاث كورونا حيث حققت المركز الأول عربياً و 14 عالمياً، فيما حققت المرتبة 12 على مستوى دول مجموعة العشرين.

وفي نظري أن جهود النشر العلمي الانفرادي في مجال كورونا كمرض جهود مشكورة ولكنها تخدم أصحابها في الترقيات ولاشك أنها خدمت الجامعات بحثياً، لكنني أريد دراسات مكثفة مشتركة لتفسير ارتفاع الحالات بصفة عامة والارتفاع الكبير المستمر في الحالات في منطقة الرياض تحديداً، وتشخيص أسباب الارتفاع وسبل إيقافها وأقترح أن لا تكون هذه الأبحاث اختيارية للجامعات بل تُفرض كواجب وطني، فنحن في حاجة ماسة لأبحاث من حيث الكيف وليس الكم، لأن الكم يخدم الباحث في الترقية، لكن الكيف يخدم الوطن.

ومن وجهة نظري كباحث في مجال الأدوية وتحديداً الأمصال، فإن كل الفرضيات مسموحة ومتاحة وقد تؤدي لاكتشافات، لكن تبقى الفرضية فرضية حتى تؤكد بأبحاث دقيقة، لذا لا يمكن أن نفترض اجتهادياً فحسب، ولكن نفترض ونبحث، وبالمناسبة ففي معرض حديث معالي الوزير معي هاتفياً قال متألماً: الغريب أن التطعيم في الرياض هو الأكثر نسبة ومع ذلك نفاجأ بارتفاع الحالات في الرياض (انتهى).

هنا دار في خلدي مجرد خاطرة أو فرضية لابد من استبعادها بالبحث وهي: هل ثمة تأثر للفحص بحالة من تلقى التطعيم، علماً أن مضادات الأجسام المنتجة في جسم من تلقى اللقاح بحقنة في العضل يصعب علمياً تداخلها مع عينة أخذت من الحلق أو الأنف، ولو كان اللقاح يؤخذ بالبخاخ في الفم أو الأنف لكان الاحتمال ممكناً، ومع ذلك فإن البحث والبحث فقط كفيل بنفي كل الفرضيات أو إثباتها.

نشر في جريدة الرياض يوم  الأحد 6 رمضان 1442هـ 18 إبريل 2021م

اختفت الشفافية وبقي “القرف”

رغم مرور ست سنوات على مقال كتبته في صحيفة عكاظ -آنذاك- وتحديداً يوم الاثنين 12 أكتوبر 2015م بعنوان (شفافية مقرفة لكنها رائعة)، إلا أن تقنية “الواتساب” أعادت ترويج المقال هذه الأيام وبكثرة، حتى أنه وصلني من عدة مجموعات “واتساب” لتوعيتي بما ورد في المقال، ووصل بعض أفراد أسرتي وأقاربي بالصدفة لغرض التوعية نفسه، ولا أعلم سر إعادة إحياء الموضوع، لكنه يبقى أمراً مهماً، ليس لأنني كاتبه، ولكن لأن الموضوع يمس سلامة وصحة الناس ولم يطرأ عليه تغيير منذ ذلك الحين.

المقال يحلل تقريراً صدر من وزارة الشؤون البلدية ونشرته صحيفة “مكة” يقول: إن 43 % من عمال المطاعم الذين تمت إحالتهم للفحص الطبي وجد أن لديهم أمراضاً خطيرة ومعدية تتراوح بين فطريات في الأصابع وسعال وزكام وجروح في اليدين والأصابع، وذهبت شفافية تقرير الوزارة إلى أبعد من ذلك “قرفاً”، فأوضح التقرير أن غالبية جروح وقروح الأصابع وفطريات الأصابع ظهرت فيمن يعدون الطعام والخبازين، وهذا معناه إمكانية انتقال فيروسات الكبد للمستهلك عبر طعام تلوث بدم العامل.

أنا كان دوري أن حللت التقرير كصيدلي، وتناولت أبعاد مثل هذا الإهمال الخطير، وأضفت أنني شخصياً لا يقرفني التقرير إطلاقاً؛ لأنني ومنذ مشاركتي كمراقب متطوع في أمانة مدينة الرياض منذ أيام الأمين عبدالله العلي النعيم، ورؤيتي ما رأيت في المطاعم لم أعد آكل ذرة طعام أو حلوى تعد في الخارج، وكنت أكتفي قبل زواجي بما تطبخ أمي، تغمدها الله بواسع رحمته، ثم حالياً ما تطبخه أم مهند أو إحدى بناتي -حفظهن الله-.

اليوم وبعد مضي ست سنوات أرى أن وضع المطاعم من الداخل لم يتغير، بل ربما ازداد أمر الغش والتلاعب بالتواريخ سوءاً، وكشفت بعض المداهمات القليلة -بناء على بلاغات مواطنين- صوراً من قذارة الداخل في مطاعم شهيرة وكبيرة، وما يقلق أكثر ويدعو للحذر من المأكولات التي تعد خارج المنزل هو عنصر التعمد في التلويث لأسباب حقد عامل أو لأسباب شاذة باطلة، لسنا ببعيد من حوادث تلويث الزيتون بالبول أو القهوة بالبصق والتي أعلن القبض على مرتكبيها بعد انتشار المقطع، ولكن ماذا عن الممارسات المتوقعة التي لم تنشر أو لم تصطدها الكاميرات؟!

الجديد أيضاً موضوع التوصيل، فلم تعد تنظر لمن يعد الطعام وتحمله بنفسك، بل أصبح ينقله وسيط لا تعلم كيف يتعامل مع طعامك، لذا أرى أن الشفافية في هذا الصدد قلّت، فملاك المطاعم مشغولون بالجشع، وعدد المطاعم زاد وتنوع و”القرف” قد يكون زاد، وكم نحن بحاجة لمزيد من الدراسات والتقارير الشبيهة بما صدر عن وزارة الشؤون البلدية آنذاك ثم تكثيف الرقابة داخل المطابخ المغلقة، وحتى ذلك الحين لن تقبل نفسي طعام المطاعم.. وأنتم أدرى و”أبخص”.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 29 شعبان 1442هـ 11 إبريل 2021م

هذيان طبيب نفسي مخالف

دور الطبيب، أي طبيب، في المشاركات الإعلامية يقتصر على توعية الناس لا تخويفهم، ومساندتهم لا إحباطهم، ويكون ذلك بأن يزودهم بما لديه من معلومات وخبرات ضمن حدود معينة لا يبالغ في تخطيها لا بتشخيص ولا بوصف علاج.

أما الطبيب النفسي، تحديدا، فإن القيود في تعاطيه مع العامة إعلاميا هي أشد وأكثر حذرا من التخصصات الأخرى، وذلك لخطورة الإيحاءات النفسية وتأثيرها البالغ في سلوكيات الأصحاء ناهيك عن المرضى، والحساسية الشديدة للتعاطي مع الأمراض النفسية ومضاعفاتها وتفسيراتها، وسرعة التوهم بها عند وصف بعض أعراضها، لذا فإن القوانين والأعراف الطبية وأخلاقيات المهنة تحرم التفسير العلني للسلوكيات، وتشخيص بعض التصرفات على أنها مرض نفسي معين في وسائل الإعلام، بل إن التحريم وصل حد التجريم في بعض الدول المتقدمة، حيث لا يحق لطبيب نفسي ربط سلوك وتصرف شخص بمبرر نفسي مرضي بحيث قد يؤدي للقياس عليه من قبل العامة، فيحدث الإرباك والشك والوساوس، فيصاب المجتمع بأسره في مقتل. ما يحدث في بعض مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية أن بعض الأطباء النفسيين يتجاوز كل الحدود في وصفه وتفسيراته وظنونه الشخصية غير المبنية غالبا على أساس علمي ثابت، بل يرى فطاحلة الطب النفسي العقلاء أن نظرياته ضرب من الهذيان غير العلمي المضلل، وحتى وإن صح بعض تفسيراته، فإن قوله في الإعلام وتعميمه مخالفة مهنية وأخلاقية، وأن جل ما يهذي به في برامج القنوات هو للبحث عن الشهرة وجذب مزيد من المخدوعين لعيادته.

المخالفة الثانية تتمثل في تركيز الطبيب على لقب “بروفيسور” لجذب الزبائن، وهذا اللقب لقب أكاديمي مكانه المجلات العلمية والأبحاث والمشاركة في المؤتمرات العلمية فقط، ولا يجوز استخدامه في المستشفيات والعيادات والممارسات الإكلينيكية إطلاقا، وهو بالمناسبة ليس دلالة على مهارة طبية، فقد يكون “بروفسورا” مسنا توقفت مهارة يده أو ذهنه وقدراته عند سن معين، وكذا توقفت متابعاته عند مرحلة حصوله على درجة أستاذ، فليس بأفضل مهنيا وعمليا واطلاعا من استشاري كان من طلابه، لذا لا يجوز خداع الناس بالألقاب الأكاديمية عبر القنوات الفضائية ووسائل الإعلام.

دور الطبيب النفسي أن يستمع لمريضه، ويُسْمِعه، ثم يشخص حالته، ويصف لها علاجا دوائيا، أو يحيله لجلسات اختصاصي نفسي لعلاجه، وليس من أدواره أن يحلل مشكلات اجتماعية في الإعلام فيحث على الطلاق، ويربط سلوكيات المجتمع بحالات مرضية شاذة يعممها، فيبرر للتنمر وللعادات السيئة والتحرشات داخل الأسرة، أو يصف دواعي الخيانة الزوجية والدياثة.

على الطبيب النفسي أن لا يحاول كسب الشهرة لكي يبالغ في رسوم الزيارة ثم لا يرى المريض ويحيله لجلسات مساعديه بجشع، أو أن يسارع بوصف دواء له تأثيرات أخطر من المرض أو جهاز غير مرخص، وأن ينصح نفسه وزملاءه في البعد عن هذه الممارسات بدلا من التنظير الاجتماعي غير المباح.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 22 شعبان 1442هـ 4 إبريل 2021م

حقوق الإنسان على الحيوان

بعد أن أسرف بعض الناس في الإساءة للحيوانات، بالصيد الجائر لبعضها أو تعذيب البعض الآخر، وأصبح بعضهم يجاهر بتلك الممارسات الشاذة كنوع من “الهياط” أو البحث عن الشهرة، صدرت عقوبات شديدة وغرامات مجزية، جعلت من كان يطلق رصاصة بندقيته على غزال، يوقف سيارته لعبور قطيع غزلان يمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل، وأصبح من يملأ صندوق “الوانيت” بمئات الضبان المتراكمة يتوسل لضب أن يدخل جحره ويكفيه شر غرامة الخلوة بضب.

كان ذلك دليل قاطع على أن العقوبات والغرامات خير رادع لسوء الأعمال والممارسات، وأن ما فعله قرار غرامة في غضون ساعات لم تفعله التوعية والمطالبات التي دامت سنوات، وليتنا نعتبر ونطبق ذات النهج على كل مخالفة وسوء سلوك، ولكن بعدل وترك مجال واسع وسهل للاعتراض على الغرامات والعقوبات.

حسنا فعلنا بحماية الحيوان من الإنسان، وبقي علينا اليوم وبشكل عاجل أن نحمي الإنسان من أذى الحيوان، ونبدأ بجدية أكبر في تفعيل حقوق الإنسان على الحيوان، وذلك الحيوان المؤذي إما أن خلفه مالك -إنسان- أهمله وتركه سائبا يشكل خطرا على الغير فيعاقب صاحبه، أو أن الحيوان سائب ضال متكاثر، وهذا تكفينا شره الجهات التي تطالب بالرفق به والبلديات المعنية بالوقاية من كل كائن ضار سواء كان حشرة أو زواحف أو حيوانات ثدية.

أخطر مثال على النوع الأول، الجمال السائبة على الطرق، والتي أودت بحياة أسر كاملة و إصابة الآلاف من دون أن يرتدع أصحابها، ولا تزال من أهم أسباب حوادث المركبات وأعظمها خطرا ونتائج، رغم أنها من أقدم الأسباب التي لم ينفع معها حل حتى اليوم، أذكر أنني أجريت عن حوادثها تحقيقا في هذه الجريدة منذ أكثر من عشرين سنة، وحاورت خلاله الدكتور كمال العربي -رحمه الله- عندما كان يجري جراحة العمود الفقري في مستشفى الملك سعود “الشميسي” قبل أن ينتقل لمستشفى الحرس، وسألته: لماذا يصاب من ينجو من حادث بعير بشلل رباعي؟ فأجاب: إن ارتفاع البعير يجعل السيارة تصطدم بأرجله فيسقط بكامل ثقله على السائق والركاب فيكسر العمود الفقري.

والبعارين ليست الحيوانات السائبة الوحيدة التي لها صاحب يجب أن يحاسب، فقد خرج علينا أسود ونمور تجوب الأحياء، فقط تخيل أنك متوجه للمسجد ويقابلك أسد!! إن سلمت عليه أو لم تسلم عليه فلن تسلم.

النوع الثاني تمثله مآسي الكلاب الضالة المنتشرة التي قتلت طفلة في الرياض، وهددت أطفالا وكبارا في غيرها، ناهيك عن القرود المتكاثرة بشكل خطير في الطرق الجبلية، وهذه تتفنن في الأذى وفيها “ميانة” أكثر من اللازم فتشارك في الطعام، وتحذف بالحجر، وتعتلي السيارات، وتتيح لصغارها الترفيه بالتزلج على الزجاج الأمامي للمركبة!

بقي أن أذكر بأن القطط التي كثرت في الأحياء وتقفز داخل المنازل، مخلفاتها تعد أحد أسباب الإصابة بطفيليات “التوكسوبلازما”، والتي تسبب الإجهاض أو تشوهات الجنين وموته، ومجمل القول: إن على الجهات المعنية الالتفات لحمايتنا من تكاثر الحيوانات السائبة.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 15 شعبان 1442هـ 28 مارس 2021م

كيكة وزهور وعاجز مقهور

هي عادات نقلها لنا إخوة لنا لم يسعدهم ثراؤنا ولم يفرحوا قط لفرحنا، لكنهم وجدوا ترسيخها في نفوسنا وإقحامها في عاداتنا وتقاليدنا تجارة لهم وربحاً وفيراً، ونجحوا في جعلنا نتنافس ونتبارى ونتسابق في المبالغة في أحجامها وأشكالها وارتفاع أثمانها.

منذ متى ونحن كسعوديين لا ندخل على قريب نزوره إلا ونحن نحمل “كيكة” أو طبق حلوى باهظ الثمن، ومنذ متى ونحن كسعوديين لا نعود مريضاً إلا ونحن نحمل باقة زهور؟! وقبل أن أقول متى تحديداً، دعني أقول أولا إنها أساليب ثبت ضررها وقلة نفعها وخلقت تنافساً محرجاً لغير القادر على ثمنها، وتسببت في قلة التواصل بين الأقارب -قبل كورونا والتباعد- ففلانة من المؤكد أنها ستحضر كيكة ضخمة أو حلوى ماركة، وعلانة ترغب بالحضور لكنها لا تقدر على ثمن مثل تلك الكيكة أو الحلوى، وإن جلبت أقل منها -من حلوى الديرة أو وسط البلد مثلاً- فستكون مادة للسخرية و”كوميديا السنابات”، وما يقال عن كيكة الزيارة يصدق على باقة الزهور للمريض، فبعضها ويشهد الله أنني كنت أمر في ممرات المستشفى وأحسبها نخلة تحتاج إلى صعودها بحبل الكر وشمراخ لقاح!!

أما الضرر الصحي فعظيم جداً، فالكيكة ويسمونها بالمناسبة “كعكة” مليئة بالسكريات والأصباغ والدهون والمواد الملونة الضارة المصنفة عالميا كمسرطنات، والزهور قد تسبب الحساسية للمريض أو جاره في الغرفة والعنبر وإذا نشفت فخطورتها أكبر.

أما متى ابتلينا بها فقريب جداً، ومنذ اختلاطنا بمن استوطن المستعمر ديارهم ولوث أفكارهم، ونحن ولله الحمد لم يدنس أرضنا مستعمر، وكنا نعود المريض بالدعاء والرقية، ولا نحمل طعاماً لبيت آخر إلا لجار محتاج أو قريب في عزاء أو مريضة لا تستطيع طبخاً، ونجلب لهم المفيد النافع الذي يؤكل ولا يرمى في النفايات كما يحدث لكيك المباهاة.

ولعلي أعلم أن مثل هذه النصائح قد تؤدي لاتهام البعض لي بالتخلف، وله أؤكد أنني لم أقتنع قط بزهور المكتب التي كانت ومازالت تزين بها مكاتب مديري العموم وكنت واحدا منهم لو أردت زهوراً، ومازلت أعتقد أنها إسراف وتبذير يمكن بمنعها أن يتحقق الكثير من التوفير، كما أن تقليد قطع الكعكة في احتفالات بعض الدوائر فيه إسراف وتبذير ومجاملة يمكن الاستعاضة عنها بشهادة مكتوبة تبقى للتأريخ، ولا أذكر أن كعكة احتفال أكلت رغم ضخامة بعضها وتحسر جميع الحضور المجاملين على مصيرها، ويعلم أقربائي أنني لا أؤيد مطلقاً إحضار الكيك أو الحلوى لمن يزورني، وأقنعت أسرتي ألا يحملوه لأحد أو يتفاخروا به.

وكمعلومة إضافية فإنه وحسب ما عايشت أثناء دراستي في بريطانيا وعيشي مع أسرة بريطانية ومخالطتي لضيوفهم، فإن تقليد جلب شيء مع الضيف جاء من الغرب، فهم يجلبون معهم قارورة نبيذ كهدية ويتباهون بأنواعه، وشيء هذا أصله نحن في غنى وكرامة عنه، وفخر أن نوسم بالتخلف عن ركبه.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 8 شعبان 1442هـ 21 مارس 2021م

لماذا نتجاهل القدوة الحسنة؟

عندما تخرج أسرة كاملة على بكرة أبيها كبارا وصغارا لتوديع عاملة منزلية في المطار؛ لأن العاملة أمضت في منزلهم أكثر من ثلاثين سنة، حتى بلغ بها الكبر عتيا، وأصبحت مسنة لا تستطيع المشي إلا بالكرسي المتحرك، وتقرر بطوعها أن تعود لبلدها، فيخرجون لتوديعها، وحضنها، وتقبيل رأسها، والبكاء الحار، وتقابلهم ببكاء شديد، وتوديع حار فردا فردا، فإن الموقف عظيم يستحق التوقف، والمشهد مؤثر يستحق التسجيل والنشر للعالم؛ لإعطاء مثال حي مؤثر لإنسانية هذا الوطن وأهله، ويشكل مع غيره من المواقف المشرفة الكثيرة قوى ناعمة قادرة على تشكيل الصورة الصادقة عنا وعن تعاملنا وإنسانيتنا.

للأسف فإن المواقف نادرة الحدوث، والسلوك الفردي لمتخلف يعنف سائقه، أو شاب مدمن يضرب عامل نظافة، تجد النشر والانتشار والتركيز من إعلام حديث تمثله مواقع التواصل الاجتماعي، ويقوم عليه أناس لا يملكون الحس الإعلامي، وربما لا يملكون الحس الوطني، ويقتصر حسهم على الرغبة في تكثيف المتابعة وبالتالي الاسترزاق من الإعلان، وللأسف تشجعهم بعض القنوات الفضائية عن طريق برامج سطحية تفتقد للإحساس بأهمية الإعلام وخطورته وحساسية تأثيره.

العاملة التي ودعها أكثر من 15 فردا من أسرة واحدة، وعامل النظافة المضروب مجرد أمثلة لتصوير التباين الفادح في التعاطي الإعلامي مع المواقف المشرفة الغالبة، والأخرى المسيئة النادرة، وكيف أننا نظلم مجتمعنا، وذلك بغض الطرف عن القدوة الحسنة المشرفة والتركيز على المسيء.

لكن الأمثلة على هذا التجني الإعلامي أو الغباء الإعلامي كثيرة جدا، وتحتاج لوقفة ورسم خطط إعلامية توظف القوى الناعمة أفضل توظيف، نحن في أمس الحاجة إليه في هذا الوقت تحديدا، فكم من فتاة سعودية برزت وأبدعت في مجالات علمية دقيقة في تخصصات الفيزياء والكيمياء، صعدت لمنصات التتويج العالمي بكامل حشمتها ونقابها وسترها الإسلامي، وتمثل وطنها خير تمثيل، تجاهلها الإعلام المعادي فتجاهلناها نحن بجهل؟ وكم من شاب سعودي مبتعث برز في مجاله العلمي، أو موقفه البطولي بالمخاطرة بنفسه لإنقاذ أرواح آخرين، ولم يجلس على المقعد ذاته الذي يجلس عليه شاب مهرج أو ذو صوت غنائي نشاز؟

رغم مساوئ المجتمع الأميركي وكثرة جرائمه وممارسات جيوشه غير الإنسانية، إلا أن أفلام “هوليوود” صورت للعالم الإنسان الأميركي وكأنه ملاك يقطر إنسانية ورحمة ورقي، واستطاعت التأثير في عدد غير يسير من شعوب العالم، بينما ننتظر نحن مسلسلات تهريج رمضانية شككتنا في أنفسنا، وأساءت لنا، وسخرت من بعضنا، في سباق محموم لانتزاع ضحكة أقرب للبكاء، ونفس أبطال التهريج تمثيلا تحولوا في واقعهم إلى التناحر والشتائم المسيئة إعلاميا؛ لمجرد خلاف على حفنة من الريالات أو بقايا خردة سيارة أو أدوار، وهذا الخلاف وتبادل التهم لمشاهير في حد ذاته إساءة لسمعتنا.. فليتهم لا يعودون.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 01 شعبان 1442هـ 14 مارس 2021م

لا تشوهوا الإنجازات الحقيقية

بطولات وتضحيات وإنجازات المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطاهرة كثيرة وشبه يومية، وتمثل بطولات حقيقية وتضحيات ذات قيمة ومخاطرة بالنفس لإنقاذ أنفس، وهذه كنت وما زلت أحد المطالبين بتكريم أصحابها على المستويين الرسمي والشعبي، ودعوت مرارا وتكرارا أن نشيع روح التكريم والمكافأة والتشجيع بسخاء لكل بطل وطني أو صاحب إنجاز حقيقي ومشهود.

ولست هنا لأدعي تعريف العمل البطولي أو تصنيف الإنجاز الحقيقي، ولكن من أمثلته التي لا يختلف اثنان على تصنيفها كعمل بطولي: فرمان علي خان الباكستاني الذي أنقذ 14 غريقا في سيول جدة ومات شهيدا تغمده الله بواسع رحمته، ولم يقصر هذا البلد الأمين فقد كرمه ومنحه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى وتم تكريم ودعم أسرته وما زالت أسرته تحظى بالامتنان الدائم من حكومة هذا الوطن المعطاء وشعبه الكريم، ومن أمثلة الأعمال البطولية ما قام به شاب بالتسلق لشقة محترقة وإنقاذ الأطفال بداخلها، وقيام مواطن بإبعاد صهريج وقود مشتعل عن محطة الوقود وغير ذلك من المواقف البطولية (التطوعية) وأضع تحت هذه الكلمة عشرين خطا مؤكدا أن العمل التطوعي يفوق بمراحل أداء واجب العمل الروتيني الذي تؤديه كموظف وتتقاضى عليه راتبا. ما بال أقوام بدؤوا في تصوير أعمالهم الوظيفية الواجبة على أنها إنجازات؟! بل ما بال الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب (التقليدي) أصبح يهب لتكريمهم وإبرازهم دون تثبت ولمجرد أن أحدهم أو إحداهن صورت مقطع فيديو وهي تؤدي عملا روتينيا وكأنه إنجاز خارق؟

نحن لا نحسد أحدا، لكن يؤلمنا أن تضيع الإنجازات الحقيقية والتضحيات الكبرى في بحر متلاطم من الادعاءات الكاذبة أو المبالغات و(الهياط) في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا (تويتر) والتي تبدأ بفيديو شخصي ملمع ثم تصعد إلى حوار تلفزيوني في برامج شهيرة يفترض أن تتثبت. ما الإنجاز في أن يقود أحدهم أو إحداهن سيارة إسعاف مؤديا عمله أو مدعيا أداء عمل غيره؟ وما الإنجاز في أن يجري طبيب عملية جراحية روتينية ويدعي أنها الأولى في العالم وزملاؤه يعلمون أنها روتينية أو أجريت آلاف المرات؟ أو أن يدعي باحث أنه اكتشف اكتشافا فريدا دون أن يثبت أن أحدا لم يسبقه إليه؟ ورابع يصور ما يدعيه اختراعا وهو لم يسجل براءته؟!

في زمن بث الإعلام الشخصي الذاتي، علينا توقع تمجيد الذات والنرجسية وافتراء الإنجازات ونسخر منها ولكن لا نشجع عليها ونروج لأصحابها في إعلام يفترض أنه رزين، ويفترض أن يعود للمرجعيات العلمية والطبية والأكاديمية والمهنية لتمحيص الادعاءات بأي إنجاز علمي أو طبي أو مهني.

حتى أطفالهم أصبحوا يلقنونهم سيناريوهات ويحفظونهم عبارات ويصورونها على أنها ذكاء وسرعة بديهة ثم يستجدون تكريمهم وطنيا، وهنا خطورة أكبر وتربية على احتيال مستقبله خطير.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 23 رجب 1442هـ 7 مارس 2021م

هيئة للرقابة على الأبحاث العلمية

الأبحاث والدراسات والأرقام الدقيقة أساس مهم يقوم عليه التخطيط وتشخيص الوضع إن سلبا أو إيجابا، ولا يمكن لوطن أن يستغني عن تلك الأبحاث والدراسات، كما أن الاعتماد على أبحاث ودراسات أجريت في مكان آخر غير الوطن نفسه أمر خاطئ مضلل فلكل بيئة ومجتمع ظروفه الخاصة.

الأخطر من الاعتماد على دراسات وأرقام وأبحاث تمت في دول أخرى هو الاعتماد على أبحاث ودراسات وأرقام تمت بطريقة قاصرة خاطئة مستعجلة الهدف منها سرعة نشر ورقة علمية وبناء على نشرها الحصول على ترقية في سلم أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وهذا ما يحدث عندنا تحديدا وذكرته في أكثر من مقال قديم وحديث بحكم ما عايشته كمعيد وباحث ثم محاضر في كلية الصيدلة، وهو بالمناسبة أمر دارج في جميع الجامعات، وكنت طالبت كثيرا بعدم ربط الترقيات بنشر الأبحاث وإعتاق البحث العلمي من ربطه بالترقيات وإنقاذ الدراسات العلمية من عذاب الارتباط بالنشر والحصول على الترقية، الذي أدى إلى فساد في مجال البحث العلمي و(فبركة) وتحيز في النتائج والأرقام لتصبح ملائمة للنشر وبالتالي الخروج بدراسات وأرقام مضللة للوطن.

قلت في آخر مقال حول هذا الموضوع المهم نشر في هذه الصحيفة الغراء في 17 يناير 2021م بعنوان: (فساد الأبحاث الأشد خطرا): يكون الفساد في الأبحاث الطبية والعلمية بأن يجريها مساعد باحث أو فني متعاقد، بينما تحمل اسم أستاذ جامعي لم يشارك في إجراء البحث، وربما لا يعلم شيئاً يذكر عن البحث، ويكون الهدف من هذا الفساد هو الحصول على ترقية في سلم أعضاء هيئة التدريس أو أن يكون طبيباً أو صيدلانياً، ويستغل البحث في الحصول على بدل تميز.

وفي حوار متلفز أكد وكيل وزارة الصحة المساعد للصحة الوقائية استشاري الأمراض المعدية د. عبدالله عسيري ما ذكرت حينما طالب بفصل الأبحاث الطبية عن الترقيات في الجامعات مبينا بمنتهى الصراحة قلقه من أن الأبحاث الطبية عندنا تعاني من قصور سببه السعي وراء الترقيات باستعجال النشر.

أما أنا فأرى أن الأبحاث والدراسات العلمية قاطبة (وليس فقط الأبحاث الطبية) يجب أن تبعد تماما عن أمر الترقيات، وأن يتم مراقبة دقة الأبحاث عن طريق هيئة عليا متخصصة تجيز وتراقب البحث العلمي وتتأكد من سلامة مراحله وأن من قام به هو الباحث الرئيس ومساعدوه ويتحملون مسؤولية جميع نتائجه التي سيعتمد عليها الوطن في رسم خططه وتبني أرقامه، ويحاسبون إذا ثبت مخالفتهم لأخلاقيات البحث العلمي أو التلاعب بالنتائج أو عدم قيامهم بالبحث بأنفسهم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأحد 16 رجب 1442هـ 28 فبراير 2021م

نقل الهيئات الصحية عين العدل.. وحذارٍ من تأمين الإهمال

أكرر القول بفخر، إننا في عصر يسبق فيه العمل كل قول، ويتم فيه تطوير منظومة التشريعات المتخصصة والإجراءات بما يتناسب مع قضاء حاجات الناس وحفظ حقوقهم وفق شرع الله الحكيم، والأمثلة كثيرة لكنني أستشهد اليوم بأمنية تحققت وكنا نطالب بها منذ عقود، بل كانت حاجة العدل وحفظ الأنفس تفرضها وتحققت اليوم بدعم رجل الحزم والعزم، سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية عضده الحازم العازم ولي العهد، حيث وكما نشرت هذه الصحيفة الغراء في يوم الخميس السادس من رجب 1442هـ، فإن المجلس الأعلى للقضاء وافق على نقل اختصاص الهيئات الصحية الشرعية إلى دوائر قضائية متخصصة في محكمة الاستئناف بمنطقة الرياض، والمحكمة العامة بمدينة الرياض، كما وافق المجلس على تخصيص قضاة للعمل في تلك الدوائر بناءً على الكفاءة القضائية والتأهيل العلمي والخبرة العملية.

هذه الخطوة العدلية المهمة طالبنا بها كثيرا منذ عدة سنوات وأوضحنا أهميتها البالغة في برامج حوارية متلفزة ومقالات صحافية، خاصة مع كل حالة وفاة بسبب خطأ طبي طابعه الإهمال كانت تتناوله تلك البرامج الحوارية بعرض الحالة الإنسانية لأم فقدت ابنها أو أسرة فجعت في طفلتها بسبب إهمال طبي، وكانت المآسي تطرح تلفزيونيا في قالب حزين محزن خلال يوم أو يومين، ثم ما يلبث أن يخرج مدافع يدعي أن الخطأ لم يكن إهمالا بل مضاعفات، وكانت اللجان تتكون من قاض فئة (أ) لكن يحيط به أعضاء أطباء هم من يقرر صفة الخطأ وغالبا كان ينسب لمضاعفات حتى لو كان إهمالا، لذا طالبت كثيرا بأن يكون للمريض محام خاص متخصص في مجال الخطأ يوضح لفضيلة القاضي حقيقة الخطأ ويواجه وجهة النظر المدافعة بالحجة والبرهان بما يفرق بين المضاعفة والإهمال، وهذا ما سيتحقق بحول الله مع هذه النقلة النوعية المباركة، حيث ركز القرار على (دوائر قضائية متخصصة وتخصيص قضاة بناء على الكفاءة القضائية والتأهيل العلمي والخبرة العملية) وهذا وربي ما كان يحتاجه ضحية الخطأ الطبي وأسرته للحصول على حقهم الشرعي وأهم من ذلك تحقيق الردع من إهمال زاد عن حده.

أتمنى أن يتولى تمثيل المريض أو ضحية الخطأ الطبي محام متخصص مؤهل صحيا وأن تكون أتعابه على المدان وأن يسهم أهل الخير في مساعدة أسرة الضحية العاجزة على توكيل محام متخصص، كما أتمنى ألا يسمح لصناديق تأمين وخلافه بتحمل مبالغ الغرامات والعقوبات على الممارس الصحي المهمل تحديدا، ذلك أن تجارب العالم في هذا النوع من التأمين أثبتت تشجيعا على الإهمال وتقليلا للردع عنه، وأؤكد هنا على محاربة الإهمال (تحديدا) والذي زاد بانشغال الأطباء عن مرضاهم وعن قراءة الملف بحثا عن العمل في أكثر من عيادة ومستشفى، أما المضاعفات فأمر يُشْعَر المريض باحتمالاته سلفا وهو غالبا لا حيلة للطبيب فيه، لكن الفارق بين الإهمال والمضاعفة واضح جدا.

  • نشر في جريدة الرياض في يوم الأحد 9 رجب 1442هـ 21 فبراير 2021م

موقف عظيم يقشعر له البدن

في مقالي قبل أسبوعين وجهت رجاءً لمستشفياتنا والعاملين فيها أن نعيد النظر في أمرين مهمين، الأول: أمر إبلاغ أهل المصاب في حادث بأن يتم بهدوء وتدرج عبر أخصائي أو أخصائية اجتماعية لتلافي ما يحدث حاليا من ترويع للأهل عبر غير مختص قد يبلغهم بجلافة تكون أشد عليهم خطرا من إصابة قريبهم، والأمر الثاني: هو إصرار بعض الأطباء من خريجي المدارس الغربية على إخبار المريض، بمرض عضال، عن مصير محتمل غير مؤكد، كالإصرار على إخبار المريض بأنه قد يتوفى خلال أشهر أو أيام، وهو نهج انتهجته مدارس غربية قد يورث فيها الشخص غير ورثته، وقد يوصي بثروته لصديق أو جار أو حتى كلب!. ثم أنه لا شيء مؤكد في أمر الأعمار، فهي بيد الله ولا داعي إطلاقا لإزعاج مريض وأهله بتوقع وفاته ووعدتكم بأنني في مقال قادم سوف أستشهد بموقف عظيم شهدته في مستشفى الملك سعود (الشميسي).

كنت معيدا بكلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، وقد فرضت الجامعة علينا للحصول على بدل التفرغ، أسوة بزملائنا الصيادلة في المستشفيات، أن نعمل عصرا في أحد المستشفيات واخترت العمل في مستشفى الشميسي (مدينة الملك سعود الطبية حاليا) وكنا: معالي الدكتور محمد المشعل (رئيس هيئة الغذاء والدواء السابق والذي أسس لهيئة عصرية تحاكي هيئات الغذاء والدواء في العالم المتقدم) والصيدلي الاكلينيكي محمد الحيدري (أول صيدلي إكلينيكي سعودي بوزارة الصحة والمؤسس لسياسة الاستخدام الأمثل للدواء والشراء الموحد في دول مجلس التعاون) والصيدلي بتال بن سيف البتال (مدير الصيدلية وباني الخدمات الصيدلية المتقدمة بالشميسي) وأنا، كنا نعمل في الصيدلية الداخلية بالمستشفى حيث نجتمع في أوقات الراحة مع فطاحلة الأطباء الاستشاريين المخلصين (سعوديين وغير سعوديين) ممن نذروا أنفسهم لمرضاهم، لا يغادرون الأجنحة والعيادات إلا للاستزادة بمعلومات دوائية من زملائهم الصيادلة.

ومن إخلاص الأطباء (آنذاك) أن أحدهم إذا غادر لانتداب أو إجازة، يمضي وقتا طويلا مع البديل يشرح له عن حالة كل مريض بالتفاصيل كنوع من تسليم الحالة، وأذكر أن أحد الأطباء المتعاقدين، ممن هم على خلق عظيم وإخلاص كبير، تقرر ندبه للمنطقة الشمالية وكان يشرح لبديله عن مريضين بمرض عضال، فقال له إن فلانا قد لا يعيش أكثر من شهرين والثاني كذلك فنتائجهم غير مبشرة وحالتهم متقدمة (لم نكن قد تعرضنا بعد لتأثير خريجي المدرسة الغربية التي تنتهج إخبار المريض بقرب وفاته).

في اليوم السابق لمغادرة الطبيب للمنطقة الشمالية تأخر في الحضور (على غير عادته) ثم اكتشف زملاؤه أنه باق في سيارته في المواقف لم يغادرها، وأنه وجد متوفيا بنوبة قلبية – تغمده الله بواسع رحمته – وعلمنا من الزملاء بعد مدة أن أحد المريضين عاش أربع سنوات وأن الثاني غادر المستشفى بعد ثلاث سنوات ولم نعلم كم عاش.

لا شيء مؤكد في أمر الحالة الصحية والأعمار بيد الله، وإخبار المريض بمصيره في مجتمع مسلم متماسك ومصير إرثه مقنن تقليد أعمى.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 02 رجب 1442هـ 14 فبراير 2021م