كتبت غير مرة أنبه إلى ضرورة أن تتولى جهة محايدة الإشراف الدائم والمفاجئ على أحوال كل من تضمهم الأسوار ولا يعلم بحالهم وحال التعامل معهم إلا الله سبحانه وتعالى، ومن يقبعون داخل أسوار عالية ومحكمة فئات كثيرة من المجتمع منهم من لا ذنب له مثل الأيتام والمجهولين ونزلاء دور الرعاية من الجنسين، ومنهم من يتحمل المجتمع إزرهم مثل الجانحين من الأحداث والقصر، ومنهم من حكمت عليه ظروف مالية وشظف عيش أن يقبع خلف القضبان، وكل هذه الفئات تحول بيننا وبين معرفة أحوالهم أسوار تضم بداخلها من قد يسيء معاملتهم سواء من العاملين عليهم أو زملائهم.
وعندما نبهت إلى أهمية الاطلاع المستمر على أحوالهم إنما كنت أخشى عليهم من أن يساء إليهم داخل تلك الأسوار ودون أن تصل أصواتهم إلى من يستمع إلى شكواهم ويتفاعل معها، خصوصا أن غالبيتهم تقع مسؤوليتهم على رقاب منسوبي وزارة الشؤون الاجتماعية، وهؤلاء أثبتت المواقف أن رقابهم طويلة جدا إلى حد التعالي فوق الشكوى والهموم تارة، وإدخال الرؤوس في الرمل تارة أخرى، وفي الحالتين فإن الرؤية تنعدم.
لم يخطر ببالي أن نزلاء دور الرعاية الاجتماعية أو بشكل أعم أسوار الرعاية الاجتماعية (إن صح تعبير الرعاية الاجتماعية في الحالتين، إذ هو للدعاية أقرب) يمكن أن تتم الإساءة إليهم خارج الأسوار، حتى أبلغني أحد الصيادلة ممن يغادرون عملهم متأخرين أنه يشاهد أعدادا من المعوقين من منسوبي مراكز تأهيل المعوقين التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية ينتظرون لساعات متأخرة من الليل خارج العيادات بعد انتهاء الدوام بساعات، وقد تأخر عليهم السائق وتركهم في العراء والعزلة والخوف خارج مبانٍ غادر موظفوها، وليس حولهم أحد سوى إخصائية اجتماعية مرافقة أو عاملة خدمة ليس لأي منهما حيل ولا قوة حتى لو احتاج المعاق إلى تدفئة من برد أو برودة من شدة حر أو احتاج إلى دورة مياه لقضاء حاجته.
وقفت على الأمر فوجدته جد خطير، فالعيادات التي جاؤوا لمراجعتها تغلق قبل الخامسة عصرا، والسائق لا يحضر إلا الثامنة مساء، والمكان خال تماما، ويقف في الشارع معاق أو أكثر وامرأة كل منهم عرضة لخطر من نوع مختلف، هذا خلاف الحاجة إلى الأكل أو الشرب أو قضاء الحاجة.
سألت السائق فأفاد بأن تأخره عائد إلى أن من أحضرهم انتهى دوامه وهو للتو بدأ دوره، وأنه أبلغ المسؤولين بهذه المشكلة المتكررة ولم يتجاوبوا.
هاتفت المسؤول فاعتذر ووعد بحل المشكلة ولم يفعل، ولو فعل فإنه مشرف على مركز واحد والمراكز ولله الحمد كثيرة (كما) تعيسة كيفا وهما.
نكتب فلا يتجاوب الوكيل، نسأل فلا يجيب الوزير، فإذا كان الوزير يشترط نوع السؤال فلا تستغرب أن يأمن المقصر على كل حال.
الكاتب: محمد الأحيدب
وقفات أسبوع
•• لا مجال للمكابرة، فتكرار حوادث القطارات لدينا، مع أنه ليس لدينا سوى خط حديدي واحد، دلالة واضحة على وجود قصور كبير تعاني منه خدمة النقل هذه، ويجب أن نتعامل مع الحوادث المتتالية لقطارنا الوحيد على أنه جرس إنذار يمثل رحمة من الله وتنبيها على عدم مقدرة كل من له علاقة بالنقل وخاصة النقل بوسيلة السكك الحديدية على التعامل بجدية مع ما نحن مقبلون عليه من التوسع في مجال السكك الحديد، فقد أصابتنا الدهشة في أعوام خلت أن يحدث تصادم، لأن كل ما لدينا قطار واحد لا يمكن أن يتصادم مع نفسه، لكن قطارنا الوحيد أصبح يتصادم مع أي شيء، تارة مع سيارة وتارة مع عربة مناورة وأخرى مع قطار شحن، وهذه أجسام متحركة تحتمل التبرير بعنصر حادث اللحظة، أما أن يصل الحد إلى التصادم مع تجمع لحبات رمل فهذا يدل أن أحدا نام طويلا إلى أن أصبحت حبة الرمل جبلا.
قطارنا يريد أن يقول شيئا ويبدو أن في فمه بخار ماء.
•• توجيه صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد وزير التربية والتعليم، بتشكيل لجنة عاجلة لدراسة أوضاع المعلمات والمعلمين المعينين في الأعوام الدراسية 1417/1418/1419 هـ، ومراجعة أسباب التفاوت في رواتبهم رغم تزامن القرارات لكل عام دراسي، وإيجاد الحلول المناسبة والعمل على سرعة تفعيلها شكل خطوة إيجابية وجادة وأملا في حل هذه المشكلة التي كثر الحديث عنها، ونجاح هذه اللجنة العاجلة إذا تم مدعاة لدراسة مزيد من أوضاع المعلمات التي لم تجد من النائبة إلا وعودا بالدراسة التي لا تبدأ.
•• بعد أن رفعت شركتا الاتصالات زين وموبايلي قضية رفض هيئة الاتصالات لمجانية التجوال الدولي للقضاء، هل يمكن أن يقول قائل إن مقدمي الخدمة مقتنعون بما حدث من الهيئة، في تلميح إلى أن الاعتراض هو من الإعلام فقط؟! بل هل لنا أن نفهم من هذا التطور أن ثمة محاولات للتشكيك في أن وسائل الإعلام تتبنى المواقف نيابة عن المتضررين، وهم راضون؟!، وعلى أي حال فإن كل من تحدث بألم بالغ عن موقف هيئة الاتصالات لم يكن مصدر حزنه عدم العدل بين مقدمي الخدمة في فرص التنافس بقدر عدم استفادة المشترك من هذا التنافس، لكن الشكوى للقضاء تدل على صحة موقف الإعلام في الحالتين، وكم أتمنى لو رفع المشتركون شكوى قضائية مشابهة على هيئة الاتصالات بدعوى حرمانهم من مميزات التنافس التي من أجلها وجد التنافس، وأعتقد جازما أن أيا من القضيتين ستدخل موسوعة الأرقام القياسية في عدد الشهود، وأنا أول من سيجهز بطاقة الأحوال.
زيادة الوظائف الرقابية حل للبطالة
الثالوث الذي عجزنا عن علاجه أو تسخير أحد أضلاعه لتعديل الآخر هو ثالوث الرقابة والعقوبات والبطالة.
تكاد تكون كل مشاكلنا، وشكوى الناس منها، مرتبطة بنقص الرقابة الدائمة الفاعلة والقادرة على كشف كل تلاعب أو مخالفة في حينها، ونقص الرقابة هذا يعود إلى حقيقة مرة، مفادها أن عدد المراقبين في كل شأن أو نشاط أو سلوك رقم ثابت لم يتغير منذ أكثر من 25 سنة رغم تضاعف عدد السكان أكثر من ثلاثة أضعاف، وتضاعف المساحات أكثر من عشرة أضعاف وتعدد الأنشطة وزيادتها حتى وصلت أرقاما خيالية يصعب حصرها لا بعدد السجلات التجارية ولا بعدد العاملين ولا بنوع النشاط ولا بكم الأنشطة الحياتية المستجدة التي فرضتها متغيرات سريعة ومتطلبات حياتية ملحة.
الجهاز الرقابي لدينا لم يواكب تلك المتغيرات لا من حيث الكم ولا الكيف، وبقي راكدا ثابتا منذ ربع قرن، فأصبحت جميع مشاكلنا تعزى إلى ضعف الرقابة إلى درجة أن بعض المخالفات تعلن عن نفسها فلا تجد من يتعامل معها.
ما دام الأمر كذلك، وما دام الضلع الثاني الثابت لمشاكلنا هو شح الوظائف وتزايد العاطلين عن العمل، فلماذا لا نتجه إلى التركيز في التوظيف في جهاز الرقابة الحكومية وذلك باستحداث كم كبير من الوظائف في مجالات الرقابة سواء منها الرقابة الإدارية أو المالية أو الأمنية أو التجارية أو الإنسانية والحقوقية خصوصا أن جميع هذه المجالات تعاني من نقص عدد المراقبين، بل إن الأعداد الموجودة حاليا رغم قلتها فإن الغالبية يعملون بنظام الأجور وبدون وظائف رسمية.
هناك شبه إجماع أو إجماع كامل على أن مجتمعنا أصبح بيئة مناسبة لارتكاب المخالفات لغياب الرقيب، بل لإدراك المخالف إدراكا تاما بقصور الرقابة، وفي الوقت ذاته فإن ثمة إجماعا أن مجتمعات تعتبر بالنسبة لنا ناشئة وحديثة تجربة، لا ترى فيها ارتكاب المخالفات لأن المخالف سيقع لا محالة وإذا وقع فإنه لن يجد من يسمي عليه!، لذا فإن نفس هواة المخالفات لدينا إذا زاروا تلك الدول الناشئة فإنهم يحترمون رائحة النظام وليس النظام فقط.
الضلع الثالث هو عنصر العقوبة وهذا الأسهل تحديثا، لكن تحديثه وتجديد أنظمته ومقداره لا يمكن أن يتم قبل أن نضمن توفر الضلع الأهم وهو الرقابة والقدرة على ضبط المخالفة، بل لعلنا حدثنا بعض الأنظمة والتشريعات في ما يخص العقوبات ولكن دون أن نوفر الآلية لضبط المخالف وهذا ما يجعلنا نؤكد على ضرورة استحداث كم كبير من الوظائف الرقابية لنعالج مشكلتين في آن واحد مشكلة شيوع التجاوزات ومشكلة تزايد البطالة.
قريد الخطوط وقرد الاتصالات
يبدو أننا نعاني معاناة شديدة مع قصور في مفاهيم جذب العميل بالعمل لا بادعاء العمل، وانعدام تام لثقافة المنافسة بتقديم المغريات، وكنت أتصور أن قصور المفهوم يعاني منه مقدم الخدمة أو الشركة الخدمية، لكن المواقف المتعددة لهيئة الاتصالات نحو حرمان المشترك من مميزات عنصر المنافسة أثبتت أن المشكلة أكبر من مجرد قصور في مفاهيم الشركات، وأنها إنما تتمثل في انعدام لثقافة الاستفادة من التخصيص وتعدد مقدمي الخدمة الواحدة في ما يعود على المواطن أو العميل بالفائدة من هذه التعددية.
قصور مفهوم جذب العميل بالعمل رأيته يتمثل في سلوكيات الخطوط السعودية المبنية على تقديم تجاوزات ومميزات غير مستحقة للعميل لمجرد أنه صحفي أو كاتب قد يخدم الخطوط بخبر أو مقالة تخدم مدير إحدى المحطات أو مديرا في الخطوط نفسها، ولعل أوضح الأمثلة تجاوزا أو أكثرها حدوثا ما يسمى (أب قريد) وهو تحويل راكب يحمل تذكرة سياحية إلى الدرجة الأولى، مع أنه لا يستحق ذلك الإجراء فهو قد دفع قيمة تذكرة سياحية ولا يحق لموظف أن يمنحه ميزات يفترض أن يشتريها بقيمتها المادية، وليس بقيمته هو أو قيمة استفادة مدير المحطة من قلمه إذا كان كاتبا أو شعره لو كان شاعرا أو نفوذه إن كان ذا نفوذ.
الأدهى والأمر إذا كانت عملية الترقية تلك على حساب راكب آخر حول من الدرجة الأولى إلى السياحية ليحتل المحتفى به مكانه!!. لله در الصدف، فقد صادف أن يكون المعنى المقابل لتعريب اللفظ الإنجليزي (أب قريد) هو والد صغير القردة، وهل أقبح من القرد إلا (وليده)، وحتى بالنسبة للراكب المظلوم فإن التصرف يدخل تحت (قرادة) الحظ، ومرتكب الفعل المشين هذا لو وجد من يحاسبه فإنه سيكون (مقرودا) هو الآخر، ولكن واقع الحال يقول ابشر بطول سلامة يا من عملت (أب قريد)، الموضوع برمته يذكرني بفلم كوكب القردة.
أما انعدام ثقافة المنافسة فليس أدل عليه وأكثر إيلاما من المواقف السابقة واللاحقة لهيئة الاتصالات، مع محاولات مقدمي الخدمة لمنح إغراءات مستحقة تشكل تسهيلا للمشتركين هم في أمس الحاجة له فموقف هيئة الاتصالات الجديد (لا أسميه الأخير لأنه لن يكون الأخير وستذكرون) والمتمثل في حرمان المشتركين من مجانية استقبال الاتصال الدولي، موقف غريب وينم عن غياب لثقافة الإفادة من التنافس في ما ينفع المشتركين، وقد كان لهيئة الاتصالات موقف مشابه عندما طرحت شركة الاتصالات السعودية ميزة الشهر المجاني، لكن الهيئة تراجعت عن موقفها بعد إصرار مقدم الخدمة بنظامية هذا الإجراء، والتراجع وإن كان بطريقة صامتة مخجلة لم تشرح لا أسباب الرفض ولا حيثيات التراجع، إلا أن الوضع في مجمله يدل على عداوة الهيئة لكل ما يخدم المشترك.
إذا كانت هذه ثقافة التخصيص وتنويع مصادر الخدمة لدينا، فهل يعني هذا أنه لو وجد مستقبلا منافس حقيقي للخطوط السعودية فإننا لن ننعم بمميزاته وسعيه لكسب ود كل الركاب عن طريق (أب قريد) نظامي؟!.
التنمية المستدانة
لا يكاد يمر يوم إلا ونطالع مقالا أو تحقيقا صحافيا أو رسما كاريكاتوريا يصف كل منها المواطن الذي بنى أو يحاول أن يبني مستقبله على أساس من الديون والقروض البنكية والسُلف.
دعوني أستذكر منها ما صدر مع إطلالة العام الهجري الجديد؛ ففي جريدة الجزيرة الغراء وحدها، وتحديدا في الخامس من المحرم من هذا العام الجديد 1431هـ، رسم رسام الكاريكاتير المبدع هاجد منزل المواطن وقد بني من مجموعة من الطوب كل واحدة منها تمثل (سلف) أي استدانة، عدا طوبة واحدة في وسط الجدار تمثل قرض صندوق التنمية العقارية، (لا توجد بلكة واحدة من حر مال المواطن) وهذا واقع!!.
في ذات العدد رسام الكاريكاتير الماضي رسم العريس وهو يبكي وأحد أقاربه ينهره، معتقدا أنه يبكي لأنه تزوج ويقول له «ياخوي تراك فشلتنا!! اضحك شوي تراك منتب أول من تزوج!!» فيشير العريس إلى يده المقيدة بكرة حديدية ضخمة هي الديون!!.
توارد الأفكار هذا لم يأت من فراغ ولم يكن صدفة وإذا رصدت ما كتب منذ ذلك اليوم إلى اليوم، وقبل ذلك اليوم بعشرين سنة أو تزيد، ستجد أن ثمة خللا كبيرا في العلاقة بين دخل المواطن وإنفاقه أدى إلى عجز كبير في ميزانية المواطن القادر على الاستدانة أو من يحظى ببقية ثقة في راتب جارٍ أو كفيل ضامن تجعل البنوك تقبل به كصيد ثمين لمنح قرض شبه مضاعف.
وعلى الجانب الآخر، هناك عدد غير قليل من الفقراء غير المضمونين لا براتب جار ولا كفيل غارم، وهؤلاء ليست لديهم مشكلة مع الديون؛ لأنهم لا يقدرون حتى على الاستدانة!!.
أنا لا أدعي الفهم في الاقتصاد، بل أقرب إلى الاعتراف بالجهل به، لكنني أفهم في قراءة النتائج وأرى الواقع، وما نراه يدل على أن الكثيرين لا يتناسب دخلهم مع التزاماتهم الضرورية وليس فقط مجاراة حالة الإنفاق لدى من يعينهم وضعهم المادي على التعايش مع غلاء المعيشة ولديهم القدرة على إنفاق مبالغ فيه يدعو إلى ارتفاع الأسعار التي أصبحت تقاس بالقادر وليس بالعاجز، وتحسب على أساس تحقيق الربح الفاحش وليس مكسبا معقولا فوق سعر التكلفة.
إذا كان الخبراء الاقتصاديون يتوقعون اختفاء منطقة الدخل المتوسط وذوبانها في طبقة الفقر أو امتزاجها مع القاع، فإن الأخطر من ذلك هو تكون قشرة هشة آيلة للانهيار هي منطقة أو طبقة المقترضين أو المدينين، وهذا ما يمثله واقع نسبة كبيرة من الناس، ويشكل خطورة بالغة يجب أن نتعامل معها بسرعة فائقة وبالتزامن مع خططنا لمعالجة الفقر بل وبطريقة أسرع، وذلك بتحقيق موازنة بين الدخل والإنفاق بالعمل على زيادة الدخل المتمثل في الرواتب والبدلات والأجور مع خفض الأسعار وإخضاعها لرقابة صارمة والاعتماد على الإقراض الحكومي الميسر.
خادمة بجوال وزارة بإهمال
لدينا تناقضات غريبة، وأغلبها تنم عن ازدواجية، فوزارة العمل تركز حاليا على حقوق العاملات المنزليات، وهذا جيد، لكن الجهات الحقوقية التي تهدف وزارة العمل لإرضائها تحرص على حق الإنسان عامة، سواء أكان عاملا أم رب عمل، وهي لا يمكن أن ترضى بأن يدفع إنسان مبلغا كبيرا من المال لاستقدام عاملة ثم ترفض العمل أو تهرب ولا يعوض عن ماله أو تتسبب في إيذاء أطفاله أو تضر بممتلكاته، أو تسهل سرقة منزله أو تؤوي غريبا إلى بيته وتمارس معه الرذيلة ثم تكون مكافأتها أن تأكل وتشرب في دار المتسولين ثم تسفر على حسابه!!.
من حق العاملة المنزلية أن تحصل على أجرها غير منقوص، إلا إذا قصرت في العمل أو رفضته يوما أو ساعة، ومن حقها أن تحترم كإنسان ولا تضرب أو تهان أو يتحرش بها، ولكن من حق رب العمل أن يحترم هو وزوجته وأبناؤه كبشر؛ فلا يضرب أحدهم أو يهان أو يعرضون لخطر الاعتداء بفتح منزلهم لغريب أو فضح أسرار منزلهم أو أسرتهم، وهنا بيت القصيد، فليس من حق العاملة المنزلية أن تمتلك هاتفا محمولا وليس من حقها أن ترد على هاتف المنزل أو تستخدمه دون إذن، لكن ذلك لم يدون في شروط عقد الاستقدام، مثلما حرصت وزارة العمل على تدوين شروط مبالغ فيها لمصلحة العاملة.
جوال العاملات المنزليات أثبت أنه إحدى أخطر وسائل تسهيل الجريمة؛ سواء تلك المتعلقة بعلاقات مشبوهة مع غرباء تبدأ بعلاقة جنسية مع العاملة وتنتهي باعتداء على المنزل بسرقته أو سرقة أعراض ساكنيه أو جرائم السرقة التي تستخدم فيها العاملة كوسيلة تجسس.
وهذا الجوال إذا كان بكاميرا فإنه سبيل للاعتداء على خصوصية الأسرة وتصوير بناتها في أوضاع النوم أو أي وضع آخر وتسريبها للآخرين، أو تصوير الأطفال أو الزوج أو الزوجة، المهم أنه وسيلة تصوير لما هو داخل المنزل واعتداء على حق ساكنيه.
من تناقضاتنا أننا نمنع (جوال الكاميرا) في الزواجات ونصادره من المدعوات وهن صديقات أو قريبات وهذا جيد، لكننا نسمح لعاملة غريبة أن تخترق خصوصيتنا في كل الأوضاع والأوقات بجهاز لاسلكي غير خاضع للمراقبة ويحمل كاميرا!!.
أنا أطالب أن تشتمل اتفاقيات الاستقدام على منع حصول العاملة المنزلية على (جوال) وبدلا منه يضمن حقها في مكالمة أهلها متى شاءت من الهاتف الثابت ببطاقة مدفوعة مسبقا، ولكل من يعترض على خصوصية المجتمع السعودي أو يحتج بحقوق الإنسان أقول إن لكل مجتمع خصوصيته بما في ذلك مجتمعات أمريكا والدول الأوروبية بدليل ما يحدث للحجاب في فرنسا، كما أننا وأثناء الدراسة والسكن مع عائلات بريطانية أو أمريكية لم يكن لنا الحق في فتح الثلاجة ولا استخدام الهاتف ولا إدخال صديق مع أنها من الدول السباقة لتطبيق الحقوق ولكن دون عرج!!.
يا مشايخنا لا تختلفوا فتذهب ريحكم
العلماء ممن يقتضي علمهم وعملهم التعامل مع كافة أفراد المجتمع، ويتطلب تخصصهم توافر رابط ثقة قوي ودائم بين علمهم وعامة الناس يدرك كل عاقل منهم أنه حين يقوم بتخطئة الآخر أمام عامة الناس؛ فإن رابط الثقة بين المتلقي وبين كل أهل العلم يتزعزع، ولذلك فإن الكليات التي تخرج هؤلاء تركز في مناهجها التعليمية على ضرورة أن لا يخطئ أحدهم الآخر أمام عامة الناس وأن اختلافهم وتحاورهم حول موضع خلاف في تفاصيل ذلك العلم يجب أن يتم بينهم، وبعيدا عن العامة ممن يجهلون تلك التفاصيل ولا يزيدهم سماع التحاور إلا فقدان الثقة في أصحاب تلك المهنة.
خذ على سبيل المثال طلبة الطب فإنهم يتعلمون أن الطبيب يجب أن لا يخطئ زميله أمام المرضى أو أمام عامة الناس لأنه بذلك يفقدهم الثقة في مهنة الطب وفي جميع الأطباء وفقدان الثقة في التداوي مدعاة لاستمرار السقم، والأطباء يتقيدون وبشدة بهذه القاعدة والتي توصف بروح النقابة.
وروح النقابة لا تقتصر على الأطباء، بل تجدها لدى أساتذة الجامعات والمحامين والصيادلة والمهندسين وكل من يدرك بما أوتي من عقل وحكمة أن تحاور العلماء يجب أن يتم بينهم وفي أروقة دور علمهم وليس في وسائل الإعلام التي يطلع عليها غير المتخصص.
فما بال بعض أو أحد مشايخنا الأفاضل يختار وسائل الإعلام صحفا وقنوات فضائية لإبداء معارضته وحججه بالرغم من أنه يتناول العلم الشرعي، أقدس العلوم وأهمها وأكثرها عمقا وحساسية ومدعاة للتحاور الرزين وإيراد الأدلة وتمحيص الحجج والاستماع للطرف الآخر؟!.
إذا كان علماء الهندسة والطب والقانون آثروا الحفاظ على شخصية علومهم على ظهورهم الشخصي، واختاروا التحاور في غرف الحوار لا إبراز أنفسهم في وسائل الإعلام، فإن علماء الشرع أولى بهذا الإيثار وأحرى بالبعد عن شهوات النفس وحب الظهور.
إذا كان من مراجعهم نظريات في كتب العلم القديم القابل للتجديد والجديد الذي سيقدم، ودليلهم أبحاث بشرية قد يثبت خلافها، يتحاورون بعيدا عن أعين العامة حرصا على كسب ثقتهم، فإنه من باب أولى أن يلتزم بهذا النهج من مرجعهم قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ودليلهم سنة مطهرة.
ما يحدث من امتطاء صهوة الإعلام للإعلان عن الذات باعتراض على فتوى، لا يخدم العلم الشرعي وإن خدم العالم، فمناقشة العلم العميق تحتاج إلى عمق في الشخص ومناسبة المكان واختيار الزمان، وأبواق قنوات الفضاء لا تحقق غير الإثارة ولا تلبي غير شهوة نفس مستثارة.
صفحات الصحف لم تتسع لخلاف حول (جيم) جدة فكيف يتصور عاقل أنها ستحسم خلافا شرعيا على أمور مستجدة؟!، ما بال بعض مشايخنا يريد أن ينقل تحاور علماء الشرع من مجلس فتوى جذوره ممتدة إلى إعلام فضاء لا تعرف هزله من جده؟!.
وقفات أسبوع
•• حلقة برنامج 99 في القناة السعودية الأولى التي كانت بعنوان (مرسول الجريمة)، كانت حلقة استثنائية تناولت مشكلة توصيل طلبات المنازل واستخدامها وسيلة للتجسس على البيت وسكانه وعاملاته المنزليات، ودور بعض من يوصلون الطلبات في ارتكاب الجرائم أو تسهيلها، هذه الحلقة كشفت جوانب كثيرة غاية في الخطورة يجب التوقف عندها من جميع الأطراف ذات العلاقة لإيجاد حلول جذرية لا تنتهي عند كتابة محاضر اجتماعات أو تعاميم تفسرها كل جهة كيف شاءت وترمي بها على الجهة الأخرى، كما أن شكوى الزميل محمد الرشيدي، المحرر في جريدة الرياض، يجب التوقف عندها كثيرا فقد ذكر -باختصار شديد- أمورا تحتاج إلى وقفة غير مختصرة.
•• حالة التدليك أو (المساج) الذي صاحبه ممارسة شذوذ جنسي؛ أحد أطرافه مصاب بالإيدز وكتب عنه عدد من الزملاء الكتاب، هذه حالة أو حادثة اشتهرت وانتشرت نتيجة (مصادفة) أن عامل المساج الشاذ اكتشف أنه مصاب بهذا المرض ونقله إلى غيره، لكن عملية التدليك أو (المساج) بتلك الصورة -هي أصلا- نشاط تجاري غير مرخص لا في الفنادق ولا خارجها، باستثناء (العلاج الطبيعي المتخصص) الذي له مراكزه المختصة؛ أي أننا لسنا أمام إساءة استخدام نشاط مرخص في ممارسة رذيلة، بل ممارسة نشاط ممنوع والإمعان في المخالفة بارتكاب جريمة اللواط ومن قبل شخص يعلم أنه مصاب بداء خطير ومعدٍ (هذا ما يسمى في القانون جريمة مركبة) بل هذه هي أم الجرائم، فيا ترى ما هي العقوبة؟!.
•• طالبات يحتجزن مديرة مدرسة بنات، ودوريات الأمن تستعين بعدد من السجانات لإنقاذ المديرة المحتجزة!! لم يمض سوى بضعة أيام على تحذير كتبته في هذه الزاوية بعنوان (مدارس بلا أمن.. شجار قبل الطلعة) حذرت فيه من غياب أمن مدارس الجنسين وخطورة ذلك على الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات، خصوصا بعد ازدياد حالات الشجار والاعتداءات في المدارس، يا إخوان تنبهوا لخطورة وجود مئات الأشخاص المتنافرين داخل سور واحد، فلا بد من نظام يحكم خلافاتهم وأناس يفرضون النظام وإلا سادت الفوضى، وأشغلنا السجانات عن عملهن الذي يحتاجهن كل ثانية.
السعودة بـ «سوبرماركت» تدعمها الدولة
استعجال الفشل أمر يتعارض مع الإصرار والطموح والبحث عن النجاح، والتسليم بالفشل أخطر من الفشل نفسه، لأنه قد يوحي بقصد استهداف النجاح، أما تكرار المحاولات الواحدة تلو الأخرى بتلافي أسباب الفشل فهو الدلالة على توفر قصد النجاح.
سعودة المحلات التجارية الصغيرة أو (البقالات) المنتشرة داخل الأحياء وفي الشوارع الصغيرة والكبيرة، تجربة حاولناها جاهدين وجادين، لكنها استعصت علينا، ولا نقول فشلت (أعاذنا الله من الفشل)، والصعوبات التي واجهتنا كانت تكمن في الفرد السعودي الذي حاولنا مساعدته بإحلاله مكان الأجنبي، فهذا الفرد استعصى عليه القيام بنفس جهد ومثابرة الأجنبي إما لعدم معرفته بأساليب البيع والشراء واستعجاله الربح وخوفه من المجازفة أو لعدم تفرغه لفتح الدكان بنفس الساعات التي يستطيعها أجنبي ليس لديه ارتباطات عائلية، أو لعدم تحمله للتعامل مع تجار الجملة الذين يفضلون استسلام الأجنبي ويخشون منعة المواطن أو لأن المواطن بدأ مالكا للبقالة ومديرا لها ثم أجبرته الأسباب المذكورة آنفا إلى توظيف الأجنبي كعامل مساعد، وما لبث العامل أن أغراه بدخل شهري ثابت مقابل اسمه الجميل ودون أن يتواجد رسمه الأجمل إلا عند الحاجة أو تواجد الرقيب وحينها لكل حضور ثمنه.
أذكر عند بدء تطبيق السعودة في البقالات وفرض تواجد السعودي أنني كنت أستمتع بشراء حاجيات الفطور من أكثر من (بقالة) وأدخل أنا والصغار من أبنائي لكي يروا البائع السعودي ونتحدث معه (من يدري فقد يصبح أحدهم أذكى من والده ويمارس الربح والتجارة بدلا من الصحافة والخسارة!!)، وكنت أسأل الباعة عن أحوالهم، وكان أكثرهم يشتكون من مراقبي البلدية!! (يبدو أن الأجنبي يشره المراقبين) لذا كنت دوما أطالب برفع رواتب المراقبين حماية لنا ودرءا لفسادهم.
ما هي إلا أشهر معدودة واستعصى استمرار السعودة (لا أحب كلمة فشل) لذا فإنني أنقل والرأي لكم اقتراحا ساقه لي خبير فطن متخصص محترف في المحاسبة هو صديقي حمد بن محمد الحبيش مدير الشؤون المالية بشركة الغاز والتصنيع الأهلية وملخصه أن تدعم الدولة مجموعات من الشباب يشتركون في إنشاء (سوبر ماركت) في كل حي أو شارع ويتمثل الدعم في شكل قروض حسنة وتسهيلات تأسيس هذه المشاريع الصغيرة مقابل ضمان توظيف شباب سعودي (فقط) وتواجد ملاك المنشأة فعليا بالاسم والرسم في إدارة المتجر وأن يتولى السعوديون فقط جميع تعاملات (سوبرماركت) الحي هذه، بدءا بالإدارة ومرورا بالمحاسبة والعمالة وانتهاء بإيصال الطلبات إلى المنازل، وفي رأي الأستاذ حمد الحبيش صاحب الاقتراح فإن غياب الأجنبي تماما يحقق أمرين هامين هما السعودة 100 في المائة وعدم حصول التمويه بتواجد أجنبي متستر عليه، أنا أعجبتني الفكرة وأرى أنها تستحق الدعم مهما بلغت التضحية والمرونة والتنازلات، فما رأيكم؟ وما رأي صاحب الصلاحية.
المباحث كشفت المستور
جهود وإنجازات رجال المباحث قديمة بقدم الوطن، ولكن ما تغير هو إدراك الناس لدور هذا الجهاز الفذ العظيم، بعد أن تحققت حماية الوطن والمواطن والمقيم بجهوده والأجهزة الأمنية الأخرى، خاصة فيما استجد من محاولات متوالية كنا نحن الأكثر تميزا في اجتثاثها مقارنة بدول العالم حتى أصبحنا مثالا يحتذى في دحر الإرهاب.
ويجب ألا ننسى الخطوة الرائدة لرئاسة الاستخبارات العامة عندما تبنت أول مؤتمر من نوعه في مجال تقنية المعلومات والأمن الوطني، ودعت له الجميع من الداخل والخارج لتؤكد أن هذا الجهاز منفتح على المجتمع، ليس فقط للتعريف بأدوار الجهاز أو تحقيق تقارب مع أفراد المجتمع ولكن عن طريق عقد مؤتمر عالمي تعليمي وتثقيفي وعلى درجة عالية من المهنية التي لم تصل إليها جهات أكاديمية هذه مهمتها.
المؤتمر عقد في الفترة 21 ــ 24 ذو القعدة 1428هـ الموافق 1ــ 4 ديسمبر 2007م، ولو رجعت لتلك الفترة ستجد أن كما هائلا من الحديث كتب وقيل عن رئاسة الاستخبارات العامة خلال مدة محددة لا تزيد عن أسبوعين، ثم توقفنا، مع أن عمل هذا الجهاز وإنجازاته وانفتاحه على المجتمع لم يتوقف بل هو في ازدياد.
لقد تابعت ودققت فوجدت أنه مر أكثر من سنتين على ذلك الحدث المهم، حدث مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني توقفت خلالها جميع وسائل الإعلام عن الحديث عن رئاسة الاستخبارات العامة أو حتى عن متابعة توصيات ذلك المؤتمر.
حسنا، عمل رئاسة الاستخبارات العامة ورجالها الأفذاذ لم يتوقف بل لا أظن أن حجم العمل والجهد بلغ مبلغا أكبر منه في هذا العام والعام الماضي قياسا بالأحداث وتسارعها وتعدد أساليب قوى الشر ومحاولاتهم، وغني عن القول إن النجاح كان أكبر من كل الأحداث، بدليل فشل كل محاولات المساس بأمن هذا الوطن.
هذا يقودنا إلى نتيجة مهمة جدا، وهي أن الإنجازات الحقيقية للأجهزة الحكومية يجب ألا تقاس بما يكتب ويقال في وسائل الإعلام، بل أكاد أجزم أن أكثر الأجهزة العامة ظهورا في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع هي أقلها إنجازا على أرض الواقع، كما أن من نافلة القول إن وسائل الإعلام تشجع على شيوع هذا السلوك في الأجهزة العامة والخاصة فهي تسلط الأضواء على من يبحث عن الأضواء بصرف النظر عن الاستحقاق، وتخفق في متابعة إنجازات من لا يتحدثون عن أنفسهم، والدليل رئاسة الاستخبارات العامة فقد أشرعت أبواب الانفتاح على الإعلام والمجتمع ثم انشغلت بعملها المضني، فأنشغل عنها الإعلام وهجر أبوابها المشرعة.
