قاتل الله الاستعجال، ولعن الله التكنولوجيا، أقولها من كل قلبي جازما إنهما السبب الرئيس في ما تتعرض له خطواتنا وبرامجنا التطويرية من فشل، وعندما تقول فشل فلابد من طرح مثل.
إذا كان طفل مثل مشاري، الذي نشرت «عكاظ» حالته أمس على صفحتها الأخيرة، عمره (ستة أعوام) يصاب بكسر في الجمجمة ونزيف خارجي نتيجة عنف من والده، لاستخراج اعتراف بأن زوج أمه وأبناءه يتحرشون به جنسيا، أقول إذا كان مثل هذا الطفل، الذي يمثل حالة إنسانية مركبة (عنف مؤكد واحتمال تحرش جنسي)، لا يجد تجاوبا سريعا من الشؤون الاجتماعية ولجنة الحماية الاجتماعية، ويخرج من المستشفى بعد (14يوما)، لم تكن كافية لتحرك الشؤون الاجتماعية ولجنة الحماية لمساعدته واحتوائه وإعادة تأهيله نفسيا بعد الكسر والنزيف، فكيف يمكن لنا الادعاء أن لدينا شؤونا اجتماعية وحماية وبرنامج مكافحة العنف الأسري؟!.
بهذه المعطيات العجيبة الغريبة أجزم، غير مبالغ ولا شامت، أن جمجمة مشاري سوف تجبر (إذا لم تكسر مرة أخرى لعدم الحماية) وتصبح جمجمة رجل بالغ ثم يتزوج مشاري وينجب، (وأخشى أن يتأثر بعدم التأهيل النفسي ويكسر جمجمة ابنه)، ويشيب مشاري وينتقل إلى رحمة ربه (يرتاح من دنيا الإنجاز بالكلام)، وتصبح جمجمته حفرية أثرية يختلف علماء الآثار في أسباب كسرها، كل ذلك ونحن لم نحقق في مجال الرعاية الاجتماعية وبرامج الحماية حلا للتحرك الروتيني (البيروقراطي) المتمثل في (ننتظر تقرير) أو (ندرس الحالة)، حالة طارئة سينجم عنها حسب العمة شجار وعداوات وحدث من نتائجها كسر جمجمة طفل وتهمة تحرش، ولا زالت تدرس بعد أسبوعين !!.
أتدرون لماذا تعاني خطواتنا وبرامجنا من الفشل ؟! لأننا نستعجل إعلانها قبل أن نؤسس لها لا المكان ولا النظم والإجراءات ولا طريقة التعامل مع المهام ولا الموظفين، يريد بعض من يقومون على هذه البرامج أن يعلنوا عنها ويتولوا أمرها ويحصلوا على (عسيلة الإعلام منها)، وهم لم يؤسسوا لها سوى بأخبار صحفية، وهذا ما قصدته بقاتل الله الاستعجال، لأننا نستعجل إعلان الإنجاز ثم نصدقه ونتوقف بعده عن العمل الجاد.
أما لماذا ألعن التكنولوجيا، فلأن كل الأجهزة العامة والخاصة التي تستخدم تكنولوجيا الرد الآلي برسالة مسجلة لا تستجيب، وبعضها يتعلق بحالات طوارئ، واسألوا عمة مشاري عن الرقم (1919)، بل اسألوها لو أن الذي يرد (سنطران)، هكذا كنا نسميه، أليس أجدى وأريح نفسيا.
الكاتب: محمد الأحيدب
الإرضاع من حقوق المرأة
لا تقل لي بأن تعيين المعلمة في مناطق تبعد عن مقر سكن أسرتها أو زوجها وأبنائها ما مقداره ثلاث ساعات بالسيارة أمر طبيعي يحدث في أوروبا وأمريكا، فهو طبيعي عندما توفر لها كل سبل المواصلات السهلة، الجماعية المريحة والمأمونة والمجدولة بجداول ثابتة محسوبة بالدقيقة كما في ذلك البلد.
معلمتنا امرأة ليس أمامها إلا الاتفاق مع سيارة نقل مهترئة، وطالما أنها سيارة فإن احتمال حدوث حادث أو عطل وارد وحصل بطرق مفجعة وموت جماعي، لكن دعونا من هذا كله، كيف تقارنها بموظفة تستطيع أن تركب القطار في الوقت الذي يناسبها (القطار يتحرك كل نصف ساعة) ومزود بالمطاعم والمشارب ودورات المياه والمقاعد المريحة ونسبة سلامة تفوق 95%؟!.
معلمتنا تركب سيارة في وقت لا خيار لها فيه، بحكم وجود غيرها وإذا أرادت أن تأكل فيجب أن تحمل زادها معها وتدرك أنها طوال مدة السفر لن تتمكن من دخول دورة مياه، لأنها في سيارة وعلى طريق لا تتوفر فيه دورات مياه عامة إلا في محطة بنزين وبدون باب! وغالبا بدون ماء والرحلة أصلا بدون توقف!.
عندما طالبت في مقال الأحد بأن ندع لغالبية النساء ترتيب أولويات احتياجاتهن، لأنهن الأعلم بالأهم، وثمة حقوق أهم من تلك التي يركب بها الرجال موجة المطالبات، اعترضت بعض التعليقات ورددت عليها في موقع «عكاظ» في حينه، وطالما أن الحديث جرنا الآن إلى التفصيل في معاناة المعلمة مع الرحلة الطويلة، وما دمنا دخلنا في عمق الفسيولوجيا وظروف المرأة الخاصة، بل إذا كانت حاملا أو مصابة بالسكر وستحتاج إلى دورة المياه عدة مرات!.
نفس الشيء يقال عن الطبيبة والصيدلانية والممرضة وموظفة الحاسب الآلي والمحاسبة والسكرتيرة والعاملة، اللاتي يعملن في مستشفى لا يمكن، في ظل أزمة السير المخيفة، الوصول إليه أو منه بالسيارة في أقل من ساعة، كيف أفرض عليهن تسع ساعات عمل وأمنحهن ساعة غداء محسوبة من إجمالي الساعات التسع، وذلك مقارنة بما يحدث في مجتمعات تتوفر فيها قطارات تحت الأرض، يمكن للموظفة وخلال دقائق أن تذهب إلى منزلها وتتناول الغداء مع زوجها وأطفالها وترضع الرضيع ثم تعود.
ولمن يعتقد أن في موضوع الرضاعة مبالغة ليعلم أن ظاهرة شفط الحليب وإرساله مع السائق لتتولى الخادمة إعطاءه للرضيع شائعة ورائجة، وللأسف فإن حليب الأم ليس طويل الأجل ويخشى عليه من الفساد، لولا تقنية ثلاجة السيارة كما أن شركات توصيل البريد السريع لم تلتفت لهذا الأمر وإلا لوجدنا (دي اتش ال) لإيصال حليب الأم.
الهائمون بين «تفحيط» مسؤول و«تنطيل» آخر
أحسنت صحيفة «عكاظ» صنعا حينما أفردت يوم الجمعة الماضي 26/2/2010م صفحتين لقضية للنقاش تحت عنوان (مجلس أعلى لمراقبة الصحة النفسية، هائمون في الطرقات) وهي القضية الأهم في مجتمعنا دون منازع، وقد أجاد الزملاء عبدالرحمن الختارش وإبراهيم القربي وعبدالعزيز الربيعي وعبدالعزيز معافى في جمع أطراف القضية وعرضها بطريقة شاملة وصور مؤثرة، وبقي أن تجد هذه القضية التجاوب السريع الذي تستحقه.
مشكلة الهائمين في الشوارع والأزقة والطرقات بدأت قديما، لكنها للأسف لم تجد الاهتمام ولم تتخذ لمعالجتها الإجراءات الواضحة والخطوات الفعالة، بل لم يكن ثمة إجراء يتكفل بهؤلاء ويتبناهم ويحل مشاكلهم ويؤويهم، ويبحث عن أصل السبب في هيامهم وضياعهم وسلوكياتهم الغريبة، أما أصل سبب عدم التحرك لمساعدتهم فيمثل أصل الكثير من مشاكلنا، وهو أننا لا نتحرك تلقائيا ووفق نظم وإجراءات معدة سلفا لمساعدة من لا يتقدم بطلب المساعدة، أي أنه ليس لدينا آلية واضحة وذات مسؤولية للتعامل مع إنسان لم يتقدم بطلب خطي لمساعدته باستثناء حالات الطوارئ التي تحتاج الإنقاذ.
سبق أن ذكرت في مقال قديم بعنوان (المجانين يا أولي الألباب)، أن مشكلة هؤلاء أنهم لا يمدحون، وإذا مدحوا فمدحهم كالقدح ولا ينتقدون وإذا فعلوا فمن سينظر لسب مجنون؟!، ونحن مجتمع يحرص فيه المسؤول وزيرا أو وكيلا أو مديرا عاما على توفير الخدمات لمن يجيدون التحدث عنها في المجالس ويكيلون المديح، وهو ما لا يجيده المريض النفسي وإن فعل فهو مديح كالقدح.
ثمة أمر آخر نتميز به، وليتنا لا نتميز، وهو تمتع المسؤول بقدرة فائقة على (اللف والدوران والمراوغة)، (مخطئ من يعتقد أن الدوران والمراوغة والتجديع والتنطيل هي من سمات المفحط ومهاراته)، فلدينا من ينافس المفحط في إجادة التفحيط بالمسؤولية والمراوغة في شأنها فتجد من يقول (هذا موجود حتى في أمريكا ودول أوروبا)، والصحيح أن الهائمين (هوملس) الموجودين في تلك الدول معظمهم من مدمني الكحول إلى حد التسمم (الكحوليك)، ومع ذلك لهم حق إيواء آلي مباشر ولهم مصروف، لكنهم يستغلونه بالخروج وشراء الكحول والاعتماد في الأكل على بقايا ما يتركه الآخرون، أما عندنا فهم مرضى نفسيون لا (سكيرة)، (لله الحمد والمنة ليس لديهم ما يسكرهم)، وليس لديهم ما يعينهم على شرائه لو وجد، وليس لديهم مأوى غير بقايا سيارة خردة أو عشة، والعبقري منهم تجده في حجرة صراف البنك المكيفة، (وهذه بالمناسبة الحسنة الوحيدة لبنوكنا في إسهاماتهم نحو المواطن والتنمية وقد ذهبت لمواطن ليس له رصيد فحاله مكشوفة قبل أرصدته).
أما شبه المسؤول بالمفحط في شأن (التنطيل) فيتمثل في أن كل مسؤول (ينطل) المسؤولية عن الهائمين والنفسيين على زميله.
سبق أن اقترحت إنشاء المركز الوطني للصحة النفسية ليرتبط بالمقام السامي، هذا المقام الذي يعيش هم المواطن ويحس به، وأحمد الله أن بثت لنا «عكاظ»خبر المجلس الأعلى للصحة النفسية.
رجال يستمتعون بحقوق المرأة
رغم أن المطالبة بما يسمى بحقوق المرأة في المجتمع السعودي تبدو هذه الأيام وقد بلغت أوج مجدها أو قمة سقفها، إذا افترضنا أن للمطالبات بالحقوق سقفا إلى درجة أن من يقرأ أو يسمع أو يشاهد الإعلام السعودي وغير السعودي (الأخير أكثر بكثير) يعتقد أننا قد نشفق على حقوق الرجل.
ورغم أن تناول شأن المرأة هذه الأيام يوحي بحدوث تحول كبير في صالح الأم والبنت والأخت والجدة والخالة والحماة، إلا أن واقع الحال لا يوحي بتحركنا قيد أنملة في الاتجاه الصحيح الذي يعبر عن حاجة المرأة الفعلية وعن أماني السواد الأعظم من النساء السعوديات.
أول المظاهر الخاطئة أو المخادعة أن أكثر من يكتب ويتحدث عن شؤون المرأة هم رجال، إحسبها كيف تشاء وبالإحصاءات التي تريد، وستجد أن الرجل يمارس الوصاية الإعلامية على المرأة حتى في المطالبة بحقوقها، رغم أنه إذا ادعى الإلمام باحتياجاتها الحقيقية فهو يمارس قمة (الذكورية) الاجتماعية التي ينهى عنها.
رغم قلة شواطئنا المتاحة للاستمتاع إلا أننا أكثر مجتمع يجيد ركوب الموج والاستمتاع به، وما يحدث اليوم هو ركوب كم هائل من الرجال لموجة حقوق المرأة، ليس لتحقيق تقدم في تلبية احتياجاتها الفعلية، ولكن للاستمتاع بالتعبير عن الرغبة في تغيير واقع لا يمكنه أن يدعي معرفته، لأنه ببساطة ليس أنثى، بمعنى أنه ليس طبيبة تعاني من عدم التوفيق بين دوام طويل أو ليلي والاهتمام بأبنائها، وليس معلمة تعاني من طول مسافة الطريق وزمن الرحلة إلى موقع العمل واحتياجاتها الخاصة، على الأقل أثناء ذلك السفر اليومي، إذا كانت في ظروف فسيولوجية خاصة لا يعرفها إلا هي (ولن أسترسل لأنني لست امرأة)، وليس معلقة يشعر بحرقة التعليق ولا مطلقة يحس بصدمة إلغاء عقد الزوجية، ولا زوجة استولى زوجها على ماتملك وتزوج به (الأمثلة أكبر من مجرد قيادة سيارة أو طائرة أو غوص أو وجود محرم هو بمثابة مساعد أو مرافق أمني (سيكيوريتي) لشخصية هامة هي المرأة، لذا لا يفيد الاسترسال).
الرجل في إعلامنا يستمتع باستغلال موجة بحر حقوق المرأة الهائج في مجتمعنا هذه الأيام لتحقيق مآرب أخرى وكأن أنانيته جعلته يعتبر علاقته بالمرأة هي علاقة استغلال.
الرجل غير قادر على تقييم أفضال ومميزات المرأة الحقيقية العظيمة إلا بمنظار استفادته منها، لا بمنظور مميزاتها الأخرى المتعددة، ألا ترى الرجل يصف أمه بأنها (حلوة اللبن) مع أنها كأم تمتلك أشياء عظيمة أخرى أهم من مجرد الحليب، لكنه لم يدرك إلا ما شعر بحلاوته.
حتى عندما تتحدث عن المرأة، امرأة أخرى، فإن من يصلن إلى منبر التعبير عدد قليل جدا وفي الغالب لم يعانِ مما عانينه الغالبية الساحقة من غياب احتياجات أساسية تمس الحياة اليومية وليست مجرد رغبات سطحية، الموضوع يمس نصف مجتمع، ويحتاج في كل شأن إلى استفتاء الغالبية.
فينا واحد يلعب.. فينا «واجد» يعاني
ماء مع سكر وكم هائل من المواد الملونة ويحمل مواصفة عصير طبيعي 100في المائة مكتوبة بالخط العريض على العلبة، مشروب ثبت لكل اللجان وجميع الدراسات أنه ضار بالصحة ويسبب تلف خلايا المخ وفشلا كلويا وأمراضا عضوية أخرى، أي أنه مشروب الوهن ويحمل صفة ودعاية شراب القوة والطاقة!! لبن يدعي صاحبه أنه مهضم (تخيل دهن يهضم!! هذي كيف تجي؟! بس عندنا تمشي!!)، زيت قلي يدعي منتجه أنه يحتوي على فيتامين!!، أي فيتامين هذا الذي سيتحمل درجة حرارة القلي فوق 300 درجة مئوية؟!، عصائر أخرى تحتوي كل أنواع الفيتامينات ومع ذلك تحمل عبارة طبيعية 100 في المائة وبدون إضافات مع أن الفاكهة الأصلية لم يعرف عنها أنها تشرفت بتواجد كل الفيتامينات، زيت زيتون أول عصرة والزيت يحلف إنه ماشاف الزيتونة في عمره!!، وعسل أصلي تبرأت منه النحلة.
يا جماعة هل يجوز أن يحدث هذا في بلد فيه هيئة غذاء ودواء؟! وفيه مختبرات عالية التقنية وفيه وزارة تجارة وصناعة، وإذا حدث كيف يستمر في الحدوث حتى بعد ولادة عسيرة لهيئة حماية مستهلك وجمعية حماية أهلية؟!.
المطلوب الآن هو الحد الأدنى للعمل، وهو بالتأكيد ليس حماية صحتنا فهذا شبه مستحيل في ظل الصمت على ادعاء مواصفات ومميزات خيالية متناقضة مع المنطق العلمي ومع ما يقبل العقل تصديقه، مثل أن يهضم اللبن أو (يفتمن) زيت القلي، أو أن تكون المواد الملونة عصيرا طبيعيا والسكر والماء عسلا جبليا، فكل هذه ادعاءات يمكن لأي ربة منزل ذكية أن تثبت كذبها باختبارات بدائية، كما أنه يمكن استغفال عدد كبير من البسطاء وتصديقها وهذا ما يؤكده ارتفاع نسب الإصابات بمرض السكري والضغط وارتفاع نسب الدهون في الدم والموت المفاجئ والجلطات والسمنة المفرطة لدى الأطفال وفقر الدم والأمراض السرطانية، لأن الإنسان العادي البسيط لا يعاني من نقص في الذكاء (حاشى ذلك) ولكنه يعاني من ثقة مفرطة إلى درجة الثقة العمياء بأن الأجهزة الرقابية التي يقرأ ادعاءاتها في الصحف ويسمعها في الإذاعة ويشاهدها في التلفاز لا يمكن أن تسمح بما يضره أو أن يكذب عليه التجار.
المطلوب ليس المستحيل في ظل غياب الهمة وهو حماية الصحة، المطلوب وما أسميته بالحد الأدنى هو حماية العقول من الاستغفال وحماية المجتمع ومؤسساته من تهمة غياب العقل بتصديق ما لا يعقل (حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له).
ما نطالب به الآن هو حماية سمعة مجتمع، لا صحة مجتمع فأمر حماية الصحة أصبح وللأسف كالعنقاء والخل الوفي، ولكننا لا نريد أن نوصم بتوأمة المرض مع الجهل لأننا ولله الحمد، كمجتمع بأكمله، من الجهل براء لكن فينا من الثقة الشيء الكثير، لذلك فإن (فينا واحد يلعب وفينا واحد بل «واجد» يعاني) مع الاعتذار للشاعر والمغني.
وقفات أسبوع
•• رغم التحذيرات التي تصدرها وزارة التربية والتعليم لملاك (المقاصف) المدرسية بعدم بيع مواد ضارة وغير ذات قيمة غذائية للطلاب والطالبات، والتي كان آخرها تحذيرا على لسان الوزير، إلا أن تلك المقاصف لا تزال (تقصف) صحة أبنائنا بمواد ملونة خطيرة وأصباغ صينية لا يعرف أصلها وبين يدي الآن وحال كتابة هذا العامود طفل انتابته حالة استفراغ مستمر (أكثر من ست مرات) منذ عودته من المدرسة الابتدائية الأهلية بعد تناول مادة جيلاتينية ملونة بعدة أصباغ اشتراها من (مقصف) المدرسة، ليتنا نكثف الرقابة بدلا من تكثيف التحذير الذي تعودوا عليه.
•• الإدارية المصابة بالذهان التي هددت طالبة معاقة في مدرسة ابتدائية بخنقها ونعتتها بالمشلولة (حسب الصفحة الأخيرة في «عكاظ» 22 صفر 1431هـ)، يكفيها ثلاث دقائق لتحويل الصغيرة المشلولة جسديا إلى مشلولة دماغيا بخنقها، وثلاثين ثانية أخرى للقضاء عليها تماما، لكن ثلاثة أسابيع لم تكن كافية لورود تجاوب أو حل جذري لمشكلة تواجد مرضى نفسيين في أماكن عامة أو مدارس أو مكاتب أو في الشوارع مع أنهم أناس يشكلون خطرا كبيرا على غيرهم وهم غير مدركين لتصرفاتهم ولا مسؤولين عنها، فهل ننتظر حدوث حادثة قتل في مدرسة بنات ابتدائية ليتحرك الإعلام، ثلاثة أسابيع يلوم ويستنكر ثم يسكت الجميع دون حل؟!.
•• التحجج بوجود تصفية حسابات أو أسباب شخصية أو (شخصنة) نقد، عندما يأتي من الشخص الذي تم انتقاده أو المؤسسة التي انتقدت فهو أمر طبيعي في ظل الاستغفال المتوقع أو أمر متوقع في ظل الغفلة عن الأسباب الواقعية، أما عندما تأتي الحجة من كاتب آخر دفاعا عن المسؤول فلا يمكن أن تفسر بغير النظرة بعين الطبع.
•• أستغرب خبرا طريفا نشرته جريدة (الرياض) في صفحتها الأخيرة، أن يشترط سبعيني النظرة الشرعية للزواج من سيدة تصغره بأربعين عاما، حيث لم تنجح محاولات أبناء (الشايب) في إقناعه بالتنازل عن شرط النظر إلى خطيبته، والاكتفاء بأنها تصغره بأربعين سنة، وأنا أعتقد أن السبعين سنة أسعفت ذلك الشيخ في أن يكون أذكى من الجميع، فموافقة الفتاة وأهلها على القبول رغم الفارق مدعاة للريبة وعليه أن يحتاط ويتأكد بنفسه من عدم وجود مقلب (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك)، ليت كل مجتمعنا بمثل حذر هذا الشايب.
المالية والمقاولون وما خفي أعظم
وطنيا ما كان لنا أن ندع سببا للتحايل، إذ يفترض فينا بادئ ذي بدء أن نشخص مشاكلنا سريعا ثم نحلها الحل الأمثل النهائي، ولكننا لم نفعل ذلك فأصبح لدينا عاهتان دائمتان: بقاء المشكلة الأصل والتحايل على علاجها بالانتفاع منها.
خذ على سبيل المثال مشكلة عدم السماح باستحداث وظائف جديدة منذ عشرات السنين رغم توسع خدمات نفس الجهة الحكومية وتمدد نطاقها، وهو ما يطلق عليه كل مسؤول مسمى (عائق وزارة المالية) ويعلق عليه جل أسباب القصور، وهو محق، فتجد الوزير أو المسؤول يتحدث عن رفض وزارة المالية اعتماد مبالغ لاستحداث وظائف جديدة أو حتى اعتماد مبالغ لبرامج جديدة وهامة (بالمناسبة الشكوى من وزارة المالية تتم بصوت خافت وبعيدا عن التصريح الإعلامي الصريح فتجد المسؤول يسبق هذه الشكوى بعبارة هذا الكلام «أوف ريكورد» يعني بيني وبينك وخارج التسجيل أوالتصريح، رغم توفر قدر كبير من الشفافية، ولا أدري لماذا؟!).
حسنا، كيف يتعايش المسؤول أوالمؤسسة مع هذا الرفض من وزارة المالية لزيادة الوظائف؟!، يقوم وبكل بساطة بإيكال إدارة العمل برمته إلى مقاول، أي أنه يقوم (بتخصيص) هذه الخدمة بالكامل، والتخصيص يفترض أن يتم بناء على أسس قوية ورقابة صارمة، لكن هذا لا يحدث، فكل ما يحدث هو إيكال العمل كاملا إلى مقاول ينتفع منه دون أن يعطيه ربع حقه، لا من حيث عدد الموظفين ولا الأدوات ولا تحقيق الغاية (غير غاية المقاول).
أحدث مثال ما كتبته عن إهمال الأطفال المعاقين من منسوبي مراكز التأهيل الشامل للمعوقين التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتركهم ساعات طويلة خارج العيادات بعد قفلها بحجة انتهاء دوام سائق السيارة المكلفة بنقلهم (راجع المقالة بعنوان وزارة «الدعاية» الاجتماعية)، فقد اتضح من تجاوب المسؤولين أن المكلف بنقل هؤلاء ومرافقاتهم هو مقاول، وهذا المقاول رغم إلزامه بالنقل على مدى 24 ساعة إلا أنه قتر في عدد السائقين والسيارات (لو سمحت المالية بمزيد من الوظائف لحلت مشكلتين البطالة والقصور).
حتى عندما أبلغت إدارة الصيانة بأمانة مدينة الرياض عن قفل دورات المياه في الجزء الغربي من مضمار المشي قرب جامعة الأمير سلطان، قبل صلاة العشاء مما حرم عددا كبيرا من مرتادي المضمار من الوضوء أفادوني بأنه المقاول المحتال فهو يقتر في تعبئة الخزان بالماء وعندما ينضب الخزان يقوم العامل بقفل دورة المياه كإجراء احترازي.
هذه أمثلة لخدمات بسيطة جدا لو تم زيادة الوظائف وتوفير الإمكانات ذاتيا بمرونة من وزارة المالية فإنها أعمال لا تحتاج إلى مقاول وتخصيص وتحايل، أما غير هذه الأمثلة البسيطة فإن ما خفي كان أعظم.
تلميع الأحذية أشرف
وتلميع الأحذية صنعة لم نشهدها في مجتمعنا كثيرا، ربما لأننا في البدايات كنا ننتعل «من لبس النعال أعزكم الله» ولم نكن «ننجزم» «من لبس الجزم أكرمكم الله»، مع أن الحقيقة المرة أننا لا نجزم في كثير من أمورنا لعدم اتضاح الصور.
وربما أن تلميع الأحذية شاع كعمل من لا عمل له في كثير من دول العالم التي تتلذذ بالطبقية، أعاذنا الله منها ومن التعالي على بشر مثلنا، لكنه رغم تصنيفه كعمل وضيع إلا أنه كان البداية لكثير من النجباء والمتميزين، فهو يبقى كسبا شريفا غير مضر بغيره ولا مخادع، فالتلميع هنا يتم لأدنى مستوى من الشخص وهو جزمته لتكتمل أناقته وإن كان فيه تلذذ غير إنساني بالتميز على إنسان آخر ضعيف ووضعه في موضع الدون.
الأمر الأقل شرفا وتشريفا هو أن تتحول من صحافي امتهن مهنة المتاعب واختار أن يكون نبض المواطن الضعيف وناقل همومه والمعبر عن مشاعره أو كاتب يسعى للإصلاح ما استطاع، تتحول إلى صاحب مؤسسة إعلامية هدفها الأساس تلميع مسؤول أو وزير في شخصه وحجب تقصيره وأخطائه، بل وتوظيف تلك العيوب وتصويرها على أنها مميزات ومحاسن، وذلك بتسخير ما أوتيت من خبرة الصحافة والنقد في التلميع والرد!!.
هذا ما يحدث حاليا ممن وجدوا أن الصحافة والكتابة الصادقة لا تحقق مكاسب مالية ودنيوية، فاختاروا أن يتاجروا بالخبرة الإعلامية في عمل نقيض هو تلميع غير اللامع والدفاع عن المؤسسة الفاشلة لخدمة القائم عليها.
الحقيقة أن ما وجدوه ليس مفاجئا ولا اكتشافا، فالعمل الإعلامي الصادق المخلص هو محض تضحية لا ينفع صاحبه ولا يفترض أن ينفعه إن لم يضره، لكنه عيون للقادة ومرآة للأمة ورادع للفساد ومصلح لأحوال الناس، وجدير بمن تقاعد عنه أن لا يتحول إلى ضده.
أنا لست ضد أن يوظف الإعلامي خبرته في آخر حياته إلى عمل ينفعه لكن شريطة أن لا يضر بالمجتمع ويناقض مبادئه القديمة الأصلية.
أن تبدأ بتلميع الجزمة ثم ترقى خير وأشرف من أن تكون راقيا بمبادئك وأهدافك الإنسانية لخدمة مجتمعك ثم تنحدر إلى تلميع الأشخاص على حساب ذات المجتمع الذي ضحيت من أجله.
لقد شاع مؤخرا إنشاء المتقاعدين عن العمل الصحافي لمؤسسات إعلامية توقع عقودا مع الدوائر الحكومية أو المؤسسات العامة لتلميع القائمين عليها وشخصنة الإنجازات «إن وجدت فعلا» وخدمة الفرد لا المؤسسة، وأعرف من غرائب تلك العقود أن أحدها انتقل مع صاحبه من مؤسسة إلى أخرى مختلفة تماما، فهل أكثر «شخصنة» من هذا العقد؟!.
هذا السلوك لمع رؤوسا باهتة ما كان لها أن تلمع، لذا فإن تلميع الجزم أشرف.
شارع الإجهاض في الرياض
الحمل نعمة عظيمة، يبات كل زوجين ينتظرانه، وكلما طال انتظاره زاد قيمة، فإذا حدث (الحمال) شهدا عهداً من التوقعات والآمال، فيه تدلل الزوجة وإن لم يكن لها عهد بدلال، وفيه يتولى الزوج ما كانت تقوم به من أعمال، يوصيها بالرفق وإن كان قبل ذلك طفق وفي عجال، تمهلي لا تقومي ولا تحملي الأثقال، دعيني أحمل عنك هذا الفنجال وأصب لك القهوة وإن كنت أنا الرجال، لا تقومي فجأة ولا تقعدي (رزحة)، ولا تطبخي في البيت فغداؤنا من المطعم وحلاوتنا (شوكليت).
فإذا بلغ الحمل شهره السابع، وحرك الجنين رجله ورفع الأصابع، معلنا عن المتبقي من الوقت الضائع، قيل لها إن للحوامل شارع، فيه يسعى الناس ذاهب وراجع، لا تخافي فالرصيف واسع.
فأقبلت لبعلها مسرورة، وشرحت له ما نقل من صورة، قالت هلم نسمع المشورة، فالمشي للحامل هذه شهوره، ووارد في نصيحة الدكتورة بأنه يسهل لي مروره، فينزل وهو في أحسن صورة.
فصدق المسكين واشترى سرواله، وجزمة لينة ميالة، ولبس فنيلة شيالة، واعتمر قبعة الخيالة، وتبعها كأنها ضلالة.
وبينما هي في المسير، تكاد من سرورها تطير، وزوجها من خلفها يشير ترفقي لا ترهقي الصغير، يمر دباب له صفير (ويشطف) عباءة الحرير، وقلبها من رعبه يطير ويرتجف في بطنها الصغير، وبعلها في موقف عسير، يصيح أين حرية المسير؟! ويقذف بعلبة العصير ويدعو على الشرير والمشير!!.
ويتبع الدباب دبابان، ورابع لسائق فنان، يمشي على جنب بكفران، وينثر الدخان في المكان، حتى يكاد يخفي الزوجان، وعبثا مدت لزوجها البنان لتكتشف يداً لزوج ثان زوجته نحيلة طيرها (الشكمان).
سيدتي: لست لك بمحرم، فكي يدي فذلك محرم، لو (شافنا) زوجك قال مجرم أو ظن أنني مغازل (مرقم) وأقسم إلا أن يسيل الدم.
وفي المقابل جاء سيكل، يحمل فوقه مثل هيكل، يركل في الدراجة ثم يركل، ورافعا (غزالة) من نيكل، ففرق اليدين وحل مشكل.
التفتت لزوجها مذعورة، تقول خذني إلى الدكتورة، لا بارك الله في المشورة بشارع الحوامل وشروره، وبالرقابة المبتورة، كل يمارس لعبة محظورة، لا رادع يخيفهم حضوره، أين الرقيب ولو بالصورة؟!، وقبل أن تكمل نبرتها المقهورة، توجهت لبطنها الكورة، جلدية أصلية بختمها ممهورة، قد شاتها مقلد ماجد الأسطورة.
تفرقت من هولها الرجلين فسقطت وسقط الجنين، يرفع كرتا بين أصبعين، كرت إنذار له لونين، الأصفر منه لحضرة الأمين، والأحمر منه للمراقبين!!.
كذبة تصفية الحسابات
يكاد تبرير الفشل يسير معنا في مراحل عمرية، نتعلمه ونتشربه كثقافة أو عذر للإلتفاف على حقيقة القصور والتقصير، حتى أصبح من النادر أن تجد من يقول فشلت لأني قصرت أو أخطأت.
البداية كانت مع أول مراحل العمر الدراسي، فكم من فاشل في بداياته مع الدراسة برر أهله فشله بأنه (معيون)، فلم يعد يطيق الدراسة، لقد أصابته عين جعلته يكره المدرسة أو لا ينجح في الاختبارات، والعين حق لكنها يمكن أن تصدق لمن كان متميزا ناجحا باقتدار ثم أخفق، أما أن يعان من يخفق في الاستيقاظ للمدرسة أو يبدي فشلا مبكرا بالرسوب في الدور الأول ثم النجاح (بالدف) في الدور الثاني فهذا سيحسد على ماذا؟ّ!.
المبتعث إذا غرق في ملاهي البلد الجديد وانبهر بملذاته وأدمن (الرفعة) بدلا من تحقيق الرفعة، ونقل فؤاده ما استطاع من الهوى في بلد يرفض تعدد الزوجات ويقبل تعدد الصديقات، وفشل في الحصول على الشهادة التي ابتعث للحصول عليها فإنه يعود وقد جهز مبرر الفشل في الحصول على الشهادة العليا بالترويج لأن المشرف على الرسالة (استقعد له) لأسباب دينية!!، ويح ذلك المشرف فهل رأى في صاحبنا ما يدل على دين؟!، بل ويحك لقد أصبت طحال الحقيقة وليس كبدها تحديدا فثمة أسباب دينية لكنها بالتأكيد ليست من المشرف.
الزوجة لا تستيقظ ولا تطبخ ولا تعتني بأطفالها وتترك كل هذا للقادمة الجديدة (الخادمة) أي أنها رضيت بالشريكة بل بالبديلة في حياتها المنزلية، ثم لا تستغل وفرة الوقت في تعويض زوجها عن نقصها كربة منزل باكتمالها كعشيرة وشريكة حياة، فإذا أشرك معها غيرها اتهمته بأنه (زير) نساء، لم نسمع زوجة قالت إن زوجها تزوج عليها لأنها كانت (ثلاجة) رجال.
الزوج الذي يقضي ليلته في استراحة وإذا عاد بعد ثلاثة أشواط من كرة الطائرة لم يكلف نفسه بالاستحمام أو تفريش أسنانه لإزالة شيء من آثار فحل البصل، إذا انتهى به المطاف بفرار زوجته اتهمها بأنها (دلوعة) لم نسمع زوجا اعترف بأن زوجته قد سئمت النوم قرب فوهة بالوعة.
ثقافة تبرير الفشل خطيرة ومعدية وسريعة الانتشار، وإذا انتشرت تفشل معها كل اللقاحات، ألا ترى أن الوزير عندنا إذا قصر وانتقدته الصحافة صور كل منتقديه على أنهم يصفون حسابات، مع أن تصفية الحسابات لا يمكن أن تتم في العلن!!، أي تصفية حسابات تكون عبر كلام منشور؟!، إما أن يكون حقائق دامغة أو نظريات يسهل إثبات عكسها وتفنيدها بكلام ينشر في نفس المكان، كما كان المسؤول يعقب في الزمن الجميل (نرجو نشره في نفس المكان من جريدتكم الغراء)، لم يكن أحد في الزمن الجميل يدعي أن كل من ينتقده يصفي حسابات، لأن ثقافة التبرير لم تنتشر بعد ولأن المسؤول كان ناجحا في دراسته ولم يصنعه غيره.
