الكاتب: محمد الأحيدب

أبدعه الوطن!!

إذا كذب الأب عند أبنائه، أو المعلم عند طلابه أو المدير عند موظفيه أو المحاضر عند مستمعيه فإن هذا يعني ولادة جيل تربى على الكذب.هناك من يكذب على أحد وهناك من يكذب باسم أحد، ولعل الكذب على ولي الأمر أو باسم ولي الأمر من أخطر أنواع الكذب لأنه كذب على الأمة مثلما حدث من تزييف لخطاب إمارة منطقة الرياض، بالرغم من وضوح التزييف وضوحاً تاماً من حيث الصيغة والأسلوب والبروتوكول، وهذه إحدى مشاكلنا الكبرى فقد منينا بمن يكذب بما يعرف الناس فيستغفلهم ولا يحترم عقولهم فمن يدّعي قصيدة وهو ليس بشاعر، كمن يدّعي عبارة وهو ليس بأديب ملهم، ومن يدّعي جمع رأسين بالحلال وهو ليس بمأذون أنكحة كمن يدّعي فصل رأسين وهو ليس بجراح مخ.

وفي كل الأحوال فإن الناس تعرف وتدرك وتملك الحدس والفروسية والفراسة لتكشف من يكذب، لكن من يكذب يصل به الأمر أن يصدق نفسه فيعتقد أن الناس ستصدقه حتى إذا اصطدم بالواقع أصبح الأمر محرجاً ومخجلاً جداً مثل ذلك الذي أعجبه عمل أدبي قدمه زميله المبدع فأراد أن يدّعيه لنفسه دون استئذان زميله وعندما كشفه الجمهور سئل في أحد المنتديات عن مبدع العمل فتجهم وجهه ورد بصوت مبحوح «أبدعه الوطن».

علينا أن نغلظ العقوبة على كل من كذب على الوطن أو باسم الوطن فمن الضروري جداً نبذ أحد أشكال الفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي المتمثل في الكذب والذي أخشى أن يتحول إلى ثقافة سائدة أو سلوك مألوف للخروج من المواقف المحرجة أو في محاولة ادعاء الشخص ما ليس له أو حرمان الناس حقوقهم أو تضليلهم عن الحقيقة.

في أمريكا مثلاً، فإنه رغم كثرة الكذب خاصة بين المسئوولين والساسة إلا أن الكذب منبوذ كثقافة إلى درجة أن من يكذب حتى على زوجته أو اولاده وثبت ذلك عليه أو من يكذب على الإعلام أو المنتديات ويسجل ذلك عليه فإنه ينتهي الأمر به للاستقالة من منصبه أو عدم إعادة ترشيحه. ولا شك أن أخلاقيات الإسلام أعم وأعمق لكن البعض للأسف ينسى أن الكذب من صفات المنافق.

إعلام الرسائل النصية

إن كنا نصنف الإعلام إلى مرئي ومسموع ومقروء (ورقي وحاسوبي) فإن الواقع يفرض علينا إضافة إعلام جديد لا يقل أهمية في تحديد المواقف أو تغييرها هو الإعلام المرسل.رسائل الجوال أوجدت وبسرعة لها مكاناً ومكانة مهمين فهي مؤثرة ومقبولة وسريعة وخفيفة ظل، في الغالب، لأنها تتخذ طابعاً طريفاً، وظريفاً مضحكاً أحياناً ومبكياً أحياناً أخرى خاصة عندما يتعلق الأمر بمثل العدوان على غزة.

هذا الإعلام له مميزات عدة، فهو الأسرع والأكثر تأثيراً ويتميز بالاستقلالية والانتشار والتحرر من الرقيب ويعتمد على الرقابة الذاتية من المرسل.

يتميز هذا الإعلام بميزة فريدة ونادرة وهي أن تكلفته على المصدر بينما القارئ يحصل عليه مجاناً، ويصل إليه دون تكاليف اشتراك أو شراء، إلا إذا أعجبته المادة ولم ير بداً من إرسالها إلى صديق وهذا أحد أسرار انتشاره وسرعة وشمولية توزيعه.

هو كغيره من وسائل الإعلام استخدم للدعاية وللتهنئة وللتعزية ولإيصال الرأي وللضغط على صاحب القرار في كل أنحاء العالم خاصة في العالم الثالث.

الذين كانوا يخشون على الصحافة المكتوبة من منافسة الصحافة الإلكترونية (صحافة النت تحديداً) عليهم أن يعيدوا حساباتهم ويضيفوا منافساً جديداً لا يقل أهمية في سرعة الانتشار وسهولة الوصول وقوة الضغط هو الإعلام المرسل وأقصد إعلام الرسائل النصية الذي بات عاملاً مهماً في تحديد المواقف وإيصال الكلمة المختصرة المؤثرة.

بدأ إعلام الرسائل النصية عبر الجوال بالنكتة فنافس رسامي الكاريكاتير، ثم استخدم للتهنئة فألغى تماماً كروت التهاني، ثم أضاف تناول الأخبار فسبق الصحف والمواقع الإلكترونية لأن الاطلاع عليه يحدث فورياً وفي أي وقت ومكان ودون حاجة للتصفح.

في مجال الرياضة أصبح إعلاماً رياضياً شاملاً لأخبار الأندية الطازجة (هذه مدفوعة الثمن)، وأصبح لغة جماهير رياضية يتندر من خلاله الفائز على المهزوم، ويبرر بواسطته المهزوم هزيمته وهو في ذلك مثله مثل الإعلام الرياضي، إعلام منحاز لكنه تحيز الفرد وليس الجماعة، وتحيز واضح غير متنكر، وتحيز مقبول لأنه من مشجع يعلن ميوله وليس صحيفة أو قناة تدّعي أنها للجميع، بل أن إعلام الرسائل حقق مبدأ عدالة بين الأندية لأنه متاح لكل جماهير الأندية.

الإعلام المرسل أو إعلام الرسائل النصية يعتمد اعتماداً كلياً على صياغة العبارة المختصرة ويشترط أن تكون طريفة لكي تكون مؤثرة، ولذا فإن لإعلام الرسائل النصية احترافية خاصة في كتّابه الذين يجب أن يجمعوا بين الظرف والأسلوب «الكاريكاتوري» وبُعد النظر والقدرة على الاختصار وإيصال الرسالة وإلا لما أصبح لهم تأثير سريع وقيمة فعلية لرسائلهم في إحداث قبول سريع وتجاوب أسرع.

مقارنات مجحفة

الأمر الملفت للنظر أننا نحن البشر، في الغالب، لا نستطيع التحكم في ممارسة شمولية عادلة في التقييم تعتمد على استحضار كل عناصر المقارنة في وقت واحد ودون تحيز، لنخرج بمقارنة غير منحازة خاصة عندما نقارن بين الماضي والحاضر، لأننا نستحضر المميزات دون أن ننسبها للظروف والإمكانات ونتذكر اللحظات السعيدة، دون الصعوبات .عندما نتحدث عن الماضي من وجهة نظر اجتماعية فإننا نصوره أفضل من الحاضر، ربما لأننا نستذكر منه ما نحب، أو نحصر مقارناتنا بين عناصر تصب في مصلحة الماضي، كأن نتذكر المواقف التي لها حنين، أو لأننا نعود بالذاكرة إلى مراحل من قدراتنا أو أعمارنا كنا خلالها أقوى وأكثر شباباً وطاقة، فتكون مقارنة الحاضر بالماضي غير منصفة إطلاقاً وتصب في مصلحة الماضي على حساب الحاضر.

وعلى العكس تماماً فإننا عندما نقارن الحاضر بالماضي من حيث تقييم عمل المؤسسات أو الجهات الخدمية فإننا نستحضر عناصر الإيجاب ولا نتذكر جانب الصعوبات فنظلم الماضي كثيراً عندما لا نحسب حساب فارق التقنية وفارق الإمكانات البشرية والمادية والعلمية وفارق توفر الخبرات المساعدة في المجالات الدقيقة .

لو أنصفنا في المقارنة بين حاضر مؤسسة أو جهة خدمية وماضيها آخذين في الاعتبار فارق المعطيات والظروف التقنية والمادية والبشرية لوجدنا أن مؤسسة الأمس، برجالاتها، لو توفر لهم معطيات اليوم لكانت المؤسسة أو الجهة الخدمية حلّقت بعيداً جداً في سماء الإنجاز بما لا يقارن بوضعها اليوم في ظل ظروفها اليوم، مما يدل على فارق كبير في القدرات القيادية يصب في مصلحة الماضي الذي أنجز خلاله رجال نذروا أنفسهم للعمل بأقل الإمكانات وأضعف التقنيات وأصعب التعقيدات وشح الخبرات ومع ذلك فإن الإنتاج وهو المعيار الأهم كان أكبر في الماضي منه في الحاضر .

بحيرات الشوارع أولى بالترشيد

 } الحلول التي تستدعي شحذ همم المواطنين أو جعلهم جزءاً من الحل، يجب أن تأتي بعد استنفاد الجهة المعنية جميع الحلول الأخرى ذات العلاقة بالجهة نفسها، وذلك لكي تكون دعوة المواطنين أو إشراكهم في الحل مقنعة وحافزة لهم على التفاعل .خذ على سبيل المثال لا الحصر الدعوة لترشيد المياه أو التفكير في رفع تعرفة الماء للحث على الترشيد، فمن غير الممكن أن تستحث همم الناس للترشيد أو اقتناعهم برفع التعرفة من أجل المساهمة في توفير المياه طالما أنهم يرون التأخر الشديد في التعامل مع أعطال أنابيب مياه تغرق حياً بكامل شوارعه وتفرعاته، أو يرون صمت وزارة المياه إزاء قنوات استنزاف كم هائل من المياه لا تقارن مطلقاً، بصنبور منزل أو خزان طرد (سيفون) لا يستوعب بضع مليمترات مكعبة إذا ما قورن بالأمتار المكعبة .

نحن أحياناً نفتقر لرسم الإستراتيجيات طويلة المدى التي تعنى بالأولويات على أساس الأهم ثم المهم، وهذه تتطلب نظرة شمولية، ودراسات محايدة وغير مجاملة، ومسؤولا حازما يتعامل مع معطيات الواقع حسب الأكثر تأثيراً وليس الأسهل إمكانية ولديه الجرأة والقدرة على المواجهة (قوي أمين) .

يوم الأربعاء الماضي، وفي حي واحد تقريباً، حصل انكسار ماسورتين للمياه إحداهما في مخرج رقم 6 من الدائري الشمالي للرياض والأخرى في مخرج رقم 7 من الطريق نفسه، ولم يتم التفاعل مع أي منهما إلا بعد أن غمرت المياه الأرصفة الكبيرة للشارعين وسبحت السيارات في بحيرتين من المياه كل منهما في جهة، حتى إن منسوبي جامعة الإمام محمد بن سعود الذين أوقفوا سياراتهم على جانب الطريق لم يتمكنوا من الوصول إليها ناهيك عن القدرة على تحريكها وهي تسبح في بحيرة ماء نقي .

كل هذا حدث، ويحدث، وكان دائماً يحدث لأن وزارة المياه والكهرباء لم ترسم خطة سريعة للتعامل مع أعطاب الأنابيب ولو كجزء يسير ضمن إستراتيجية الترشيد وعندما نقول (خطة سريعة) لا نعني سيارة تحمل عاملين و«أبو جلمبو» ويعلو هامتها ضوء طوارئ، نحن نتحدث عن آلية تُسخر تقنية العصر (الحاسوب) في إيقاف تدفق الماء إلى الأنبوب المكسور بمجرد تلقي البلاغ، أو التأكد منه، ثم التعامل مع العطل يدوياً وبالأدوات التقليدية وليأخذ ما يستغرق من الوقت فهذا لا يهم المهم وقف نزيف الماء الثمين .

هذه الآلية والتقنية العالية غير متوفرة فإذا كانت روح الترشيد التي تمس تفاعل الوزارة نفسها لم يتم البدء فيها فكيف أريد من الناس التفاعل مع حملات الترشيد أو تقبل زيادة في التعرفة من أجل الترشيد وهم يرون تنافسا محموما بين مسابح الماء المهدور في الأحياء ومسابح المنازل والاستراحات .

سكر و سكَر

خلال جلسة قصيرة مع بعض أطباء الطوارئ في المملكة أعادوني حوالي 28سنة للوراء وأيضا استطعنا حصر بعض المسببات الرئيسة لأسباب الحوادث في المملكة خلاف السرعة وسوء الطرق وعبور الجمال!!أما كيف عدت إلى سنين خلت فقد تذكرت أن المواطن يمكن أن يسهم في تغيير الكثير من الأنظمة بمجرد التبليغ، فمنذ حوالي 28سنة اخترت أن أمضي فترة التدريب المتطلب للتخرج من الصيدلة في صيدلية أهلية وقد اكتشفت خلال أربعة أشهر الكثير من الممارسات التي لا يعرفها إلا الصيادلة غير السعوديين ومغيبة تماما عن وزارة الصحة والجهات المعنية الأخرى، وما يعنينا منها في هذا الصدد هو أنني لاحظت إقبالا شديدا من بعض عمالة إحدى الدول الآسيوية التي جاءت شركاتها للحفر في المملكة على شراء نوع محدد من أدوية السعال على شكل شراب لاصقه أحمر ويوجد منه نوع مشابه لاصقه أصفر والفرق أن الأحمر يحتوي على مادة (الكودايين) ولها تأثير منوم أو مخدر خفيف (والنوعان كانا يصرفان دون وصفه نظاما) وكنت أتعمد أنه إذا طلب العامل الدواء بالاسم أمد له الأصفر فيصيح (ريدو) يعني (أريد الأحمر) فعرفت أن ثمة استعمال خاطئ للمادة القليلة المخدرة، وبتقص الأمر عرفت من رجال المرور أنهم كثيرا ما يجدون تلك القوارير داخل السيارة المتسببة في حادث، فبلغت الزملاء الصيادلة في وزارة الصحة وتم خلال أيام إدراج هذا الصنف وأشباهه ضمن أحد درجات الأدوية المراقبة التي لا تصرف إلا بطرق مشددة ثم اختفى هذا الصنف تماما لأن وجود هذه المادة في أدوية السعال لم يكن مبررا أصلا .

تذكرت ذلك الموقف في حديثي مع أطباء الطوارئ الذين يستقبلون الضحايا ويباشرون الحالة الصحية للمصاب والمتسبب وهؤلاء لديهم أسباب أخرى للحوادث غير تلك التي يرددها المرور في حملاته التوعوية .

يقول أطباء الطوارئ إن السُكْر والسكَر من ضمن أهم أسباب الحوادث، وابدأ منهما بما شئت، السُكءر بإسكان الكاف فهو فقدان الوعي بسبب المسكر، وحسب الأطباء فإنه في الغالب عرق مصنع محليا أو (غرشة كلونيا) محلية أو مستوردة ويكثر في عطلة الأسبوع، أما السُكَر بفتح الكاف فهو مرض السكر فكثير من مرضى السكر وبسبب الأدوية يصابون بانخفاض السكر المفاجئ وزغللة في النظر وفقدان التركيز أو إغماءة السكر وإذا وافق ذلك أثناء القيادة فالنتيجة حادث سير.

أيضا يرى أطباء الطوارئ نسبة غير قليلة من ضحايا حوادث سير سببها حالات تشنجات الصرع عندما تصيب السائق.

أسباب الحوادث كما يراها أطباء الطوارئ لا يمكن حصرها في هذه المساحة وتحتاج إلى إشراكهم في كل بحث ودراسة تتعلق بالحوادث عامة وهو مالا يحدث للأسف بل إنهم لا يدعون للمؤتمرات والندوات والمناسبات التي تناقش حوادث السيارات لأن دراساتنا سطحية جدا وتعنى بالأرقام والنتائج والمسببات الظاهرة دون المسببات الفعلية، ولذا سمعنا كثيرا عن مخالفة استعمال الجوال أثناء القيادة دون أن نسمع عن عقوبة القيادة في حالة سكر!!.

أما الوقفات التي يمكن أن نخرج بها مما ذكرت أعلاه فأولها أن توظيف السعودي في كل موقع مطلب ليس لمحاربة البطالة فقط بل ليكشف لنا ما لا يجرؤ الأجنبي على كشفه، وثانيها أن أطباء الطوارئ يجب عدم تغييبهم عن المشاركة في كل بحث أو دراسة تتعلق بما يباشرون من حالات، والوقفة الثالثة أن كراسي البحث في جامعاتنا إذا لم تكرس لبحث ومعالجة أهم مشاكلنا الوطنية حاليا وهي حوادث السير فإن كرسي البحث يثبت أنه مجرد أريكة مطلية بالذهب المكلف وموضوعة في (فترينة) عرض لأهداف دعائية.

قنابل موقوتة في شوارعنا

  احتواء المرضى النفسيين وإيداعهم في مصحات نفسية لائقة ومجهزة تجهيزاً حديثاً ومتكاملاً بكافة الأجهزة والأثاث الخاص بمثل هذه المصحات والجهاز الصحي المتكامل من أطباء نفسيين وأخصائيين نفسيين وجهاز تمريض وأدوية وبيئة تناسب حالتهم، ومن ثم علاجهم بالطرق الصحيحة ومتابعة العلاج وتوفير الأدوية، بات أمراً ضرورياً، إذا ما أردنا حمايتهم من مرض نفسي لا ذنب لهم في حدوثه، وحماية المجتمع من خطر ما يمكن أن يحدث منهم، دون وعي أو شعور إذا داهمتهم أعراض الانتكاسة النفسية .خلاف ذلك فإننا نترك في شوارعنا ومنازلنا والأماكن العامة قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة في وجه كائن من كان مثلما حدث ويحدث من حالات اعتداء أو قتل أو نحر لأب أو ابن أو أخ أو عابر سبيل أو عامل في غرفة طوارئ …إلخ .

نفس الشيء يقال عن مدمني المخدرات الذين ترفضهم مستشفيات الأمل بحجة عدم توفر سرير، فهؤلاء يشكلون خطراً كبيراً على أنفسهم وأسرهم والناس والمجتمع والشوارع والمرور وغرف الطوارئ في المستشفيات وكذلك الصيدليات المناوبة ليلاً، وعلينا أن نعمل جادين لاحتوائهم وعلاجهم بالطرق الصحيحة واستيعاب أعدادهم بتجهيز المزيد من مستشفيات علاج الإدمان .

ما لم نتعامل بجدية وواقعية وعن طريق هيئة من مجموعة من المتخصصين في رسم إستراتيجية سريعة وفاعلة للتعامل مع هؤلاء البشر الفاقدين للقدرة على التحكم في أفعالهم وأقوالهم وسلوكياتهم، فإننا بذلك نترك بالفعل قنابل موقوتة وننتظر انفجارها في أي لحظة مع أننا نملك القدرة على إبطال مفعولها وحماية المجتمع من شرها .

طب الطوارئ والطب الشرعي

  لابد من التأكيد على أن التعامل مع حالات الوفاة، خاصة على الطريق وتحديداً بالسكتة القلبية، أي دون حادث أو مسبب واضح أمر بالغ التعقيد ويحتاج إلى التعامل بحذر من كافة الأطراف، لأنه لا يخلو على الدوام من المسئولية الأمنية أو الجنائية التي تستلزم تدخل الطبيب الشرعي قبل تحريك الجثة لتحديد سبب وزمن الوفاة، ولا يمكن أن تلام فيه جهة النقل وهي أمانة المدينة (كثيرون يعتقدون خطأً أن الهلال الأحمر هو المسئول عن النقل، وهذا غير صحيح فالهلال الأحمر لا ينقل إلا من يُرجى شفاؤه ووجد حياً، أما من توفّي فتنقله سيارة خاصة تابعة للأمانة أو البلدية).أي أن الفيصل في أمر الشروع في تحريك الجثة هو سرعة تواجد الطبيب الشرعي، وسرعة وصوله للقرار في كيفية الوفاة وإمكانية تحريك الجثمان، ومن الواضح جدا غياب الآلية المتفق عليها والسريعة في التنسيق بين الجهات ذات العلاقة تحت قيادة واحدة عندما يحدد طبيب الإسعاف حدوث الوفاة وتغادر سيارة الإسعاف ويتحول الأمر إلى جثمان يحتاج لطبيب شرعي ثم نقل، وقد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، فقد عايشت إحدى الحالات لموظف بنجلاديشي توفي أمام مدخل مستوصف في البطحاء بسكتة قلبية ولم ينقل إلا بعد ست ساعات.

ويتضح أيضا مما حدث أننا نعاني شحاً كبيراً في كوادر الطب الشرعي، وهذا غير مستغرب فهذه الفئة من الأطباء يعملون خلف الكواليس مثلهم مثل أطباء الطوارئ لا يجدون التشجيع والدعم من مديري الشئون الصحية مثلما يجد من يعملون تحت الأضواء أو تخلق لهم الأضواء خاصة الجراحين، فرغم أهمية الطب الشرعي وطب الطوارئ إلا أن الغالب بأن التركيز ينصب على من يعملون في المجالات الطبية الأخرى فيحصلون على التطوير والابتعاث والتشجيع، ولذا فإننا نكرر دوما المطالبة بأن توكل الإدارة الصحية للمتخصص الإداري الذي يؤمن بأن نجاحه مرهون بنجاح كل أعضاء الفريق الصحي، عكس الإداري الطبيب الذي قد يغطي نجاحه الطبي على فشله الإداري فيكتفي به، ويتسبب في إحباط تخصصات أخرى هامة كطب الطوارئ والطب الشرعي بل وحتى جراحة العيون وأمراض الجلد وطب المجتمع والطب النفسي.

ما نعاني منه هو عدم التوازن في تحديد احتياجاتنا من الكوادر وهو ما يجب أن نحرص على دراسته والتحقيق فيه، لأننا بالفعل نعاني خاصة في المجال الصحي، من نظرة الرجل الواحد وقرار الرجل الواحد وتحيز الرجل الواحد وهذا أمر تأتي نتائجه شديدة الخطورة في شكل نقص تخصص هام كالطب الشرعي أو ملل تخصص أهم كطب الطوارئ وقس عليهما تخصصات أخرى في مجالات صحية أخرى غير الطب.

أخر ضحايا هذا القصور كان عضو مجلس الشورى المرحوم بإذن الله منصور عبد الغفار الأنصاري الذي بقي جثمانه ممدداً لأكثر من ثلاث ساعات في انتظار وصول الطبيب الشرعي ليبعث رسالة واضحة للتنبيه الى هذا القصور الواضح رغم سهولة القضاء عليه وحسب وسائل الإعلام فإن مجلس الشورى فتح تحقيقاً موسعاً مضى عليه الآن قرابة ثلاثة أشهر لكننا لم نر نتائج للتحقيق أو حلولاً جذرية وهذا هو الأهم.

رحم الله منصور عبد الغفار الأنصاري فقد عمل بإخلاص في حياته وأبى إلا أن ينبهنا إلى أخطائنا حتى بعد مماته، وهذه من سمات الصالحين، مبارك في حياته وبعد موته .

سعفة الأذكياء

 بشائر ايجابية عديدة زفتها لنا الخطوة الأولى في مسيرة المليون لسعفة القدوة الحسنة والتي تعنى بالشفافية والنزاهة في المنظمات والشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، فحفل التتويج الأول للجائزة الذي تم منذ أشهر لم يعلن فقط عن ميلاد جائزة ليست ككل الجوائز، بل بشر بميلاد نهج جاد، حازم،حيادي ومنصف في مجال التقييم.عدد من الزملاء الكتاب وأنا عندما دعينا من قبل سمو الأمير تركي بن عبد الله بن عبد الرحمن لاجتماع تشاور وتعريف بالجائزة لم نخف قلقنا من المصير الذي آلت إليه كثير من الجوائز وشهادات التقدير والأوسمة مثل قائمة (هو از هو) التي يتغنى بها بعض الأكاديميين والشخصيات العلمية والعملية وهو مجرد انضمام لقائمة من يدفع، (ولا أقول من يدفع أكثر) بل من يدفع مبلغا مقطوعا يعد زهيدا في هذا العصر للمؤسسة التي ابتدعت القائمة أو مثل علامات الجودة التي أصبحت ختما أو(كليشة) تحملها كل علبة مهما تدنت جودتها، بل حتى شهادة الدكتوراه أصبحت في حاجة لتمريرها على جهاز كشف التزييف لكثرة المتاجرة بها.

جائزة سعفة القدوة الحسنة للشفافية والنزاهة ومع أول اختبار للجائزة بددت كل القلق فما وجدته بتقصي شخصي عن عناصر التقييم التي تطبقها أن هذه الجائزة صعبة المنال، شرسة المراس، ومصادري هنا ليست من جهاز علاقات عامة للجائزة، بل ممن حاولوا الفوز بها واستحالت عليهم رغم ترشحهم لنيلها ضمن الثلاثة، وأيضاً من شركات مساهمة لم تتحمل عناصر التقييم للجائزة وتهربت من أسئلة فريق البحث والتقصي عن الشفافية وفضلت الانسحاب.

يقول أحد منسوبي مؤسسة نجحت في التأهل للمراكز الثلاثة الأولى ولم تفز بالجائزة إننا واجهنا فريق بحث دقيق في تقصي الحقائق، صعب المراس يسأل أسئلة عميقة وأمضى معنا ساعات طوال مرهقة، ويخضع عامل التأهل للجائزة لمقاييس ومواصفات (CRITERIA) غاية في الصعوبة.

أما الشركة المساهمة التي انسحبت من المشاركة فيصف أحد قياداتها أسئلة ومتطلبات الجائزة بأنها بالغة الصعوبة، تتطلب تشغيل مكثف الضباب عن الزجاج، قلت: وتشغيل المساحات على القوة القصوى.

دقة المحك، وعمق المقاييس (الكريتيريا) ليست المؤشرات الوحيدة على جدية جائزة سعفة القدوة الحسنة، بل الفترة الزمنية القصيرة بين إعلان الفكرة وتطبيقها وتسليم أول جائزة وهو ما يدل على أن الرجال الذين تطوعوا بالوقت والجهد لجعل هذا الحلم حقيقة يدفعهم إيمان راسخ بنشر الشفافية، ليس كمفهوم وحسب، بل كممارسة عملية في مؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية، فأنا أختلف مع من يكفيه من الجائزة أنها تلفت النظر لمفهوم الشفافية وأؤكد ما ذكرته لسمو الأمير تركي بن عبد الله بن عبد الرحمن في الاجتماع الأول بأن الجائزة إذا تشددت في تطبيق معاييرها فإنه سيأتي اليوم الذي تعمل فيه جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية كل ما في وسعها لتحقيق قدر كبير من الشفافية بهدف نيل الجائزة لأن نيل الجائزة سيكون أحد متطلبات النجاح الحقيقي للقائمين على المؤسسات ونحن مجتمع يتنافس لتحقيق النجاح الصعب وندرك أن النجاحات الوهمية لا تقنع الإنسان الذكي وإن كان لا يبدي ذلك!!، وإذا استمرت السعفة على نهجها هذا فإن نيلها هو عنصر الإقناع الحقيقي للأذكياء.

صحفنا تتقدم وقنواتنا تتقهقر لماذا ؟!

في الوقت الذي يتحسن فيه أداء إعلامنا المكتوب وتتطور تقنياته وآلاته ، وأهم من هذا وذاك يتقدم خطوات حثيثة في مجال طرح الشأن المحلي والهمّ الوطني وشكوى المواطن والمقيم ، فإن إعلامنا المرئي يتقهقر في هذا الصدد كثيراً وكأنه يريد لقضايانا الاجتماعية أن تعود لتصبح قوتاً تعيش عليه قنوات الفضاء الأخرى ، ومصدر رزق وشهرة لكل من لا يحمل لهذا الوطن الغالي إلا مشاعر الحسد والحقد وتصفية الحسابات .لم تتجرأ صحيفة مكتوبة غير سعودية على طرح قضايا المجتمع السعودي لكسب العدد الكبير من القراء في المنطقة لأن الصحافة السعودية المكتوبة لم تتح لها هذه الفرصة ، وقطعت عليها الطريق نحو استغلال القارئ السعودي عن طريق فتح صدر الصحف السعودية واسعاً لطرح همومه ومطالباته وشكواه ، في كل المجالات الصحية والاجتماعية والتعليمية والرياضية والاقتصادية والفكرية ، فلا توجد أدنى حاجة للمواطن أو المقيم ليتحول إلى غير صحف الوطن لطرح همومه وتسليط الضوء على جوانب القصور التي قد يعاني منها .

في مجال الإعلام المرئي يبدو أن احترافية وطموح تلك القنوات يختلفان تماماً عن المؤسسات الصحفية ، فقد أصبحت تلك القنوات اشبه ببيروقراطية الدائرة الحكومية، لا تمتلك نظماً وإجراءات طموحة للاعتماد على ذاتها مالياً وتطوير مواردها لتصبح قادرة على صرف مكافآت المقدم والمخرج والمعد، بل حتى استمرارية البرامج أصبحت رهن حلول رجل أو رحيله .

كأن قنواتنا الفضائية المحلية تريد لشأننا المحلي أن يستمر قوتاً ووقوداً لقنوات تسترزق على قصور الكوادر الإدارية في قنواتنا .

كأن قصور الطموح والهمة والوطنية يريد أن تستمر مناقشة شأننا الاجتماعي على “المستقبل” أو (LBC) وشأننا الرياضي على أبوظبي الرياضية وشأننا الاقتصادي على قناة الحرة وشؤوننا الصحية على كل القنوات غير الوطنية .

أعتقد أننا في أمس الحاجة لإعادة النظر في وضع قنواتنا الفضائية المحلية لتواكب على أقل تقدير صحفنا المحلية المكتوبة فليس من مصلحة الوطن وسمعته هذا الركود الذي لا يخدم إلا من أراد أن يقتات على كرسي الوظيفة بينما يقتات الإعلام الخارجي على شؤوننا .

خارطة طريق الإسعاف

 دون ذنب أو تقصير تتحمل جمعية الهلال الأحمر السعودي والمصاب الذي تنقله عبء رفض المستشفيات الحكومية والخاصة استقبال حالات الطوارئ رغم وضوح القرارات والأنظمة والتوجيهات التي تلزم كل المستشفيات الحكومية والخاصة باستقبال الحالات الإسعافية وإجراء كل ما يتطلبه إسعاف الحالة حتى تصل وضع الاستقرار حسب مؤشرات طبية.المستشفيات الحكومية في كافة القطاعات صروح حكومية يفترض فيها أن لا توجد الأعذار و المبررات لرفض الحالات الإسعافية لأنها أول من يفترض فيه الالتزام بالأنظمة والتعليمات وتحمل المسؤولية بدليل تطبيقها لحذافير الأنظمة بل وتفسيراتها إذا أراد القائمون عليها مصالح خاصة، لكنها تتحايل على موضوع إسعاف المصاب الذي يحمله الهلال الأحمر السعودي عن طريق الإيعاز لمسؤول إداري أو حارس بوابة بعدم إدخال سيارة الهلال الأحمر وبطرق أخرى تدل على ضعف الرقابة والمساءلة والعقوبة.

المستشفيات الخاصة جميعها قامت وترعرعت ونمت وربحت أرباحا خيالية وحققت أرقاما فلكية من الدخل بسبب دعم الدولة لها وعن طريق تنفيذ أنظمة الدولة التي صدرت لإعانة أصحابها وتقديم القرض والأرض والدعم لها لتنجح وجدير بمؤسسات احترمتها أنظمة الدعم أن تحترم أنظمة رد الدين وتنفذ الأنظمة الصادرة من الجهات التشريعية والتي بناء على أهدافها تم دعمهم ومن أهمها قيامهم بدورهم في إسعاف الإصابات دون قيد أو شرط حتى لو اعتبروها ضريبة بخسة جدا لما قدمه الوطن لهم من تشجيع وعون على النجاح وتهيئة أجواء الاستثمار المأمون.

استمرار حوادث ومشاهد ونتائج رفض الحالات الإسعافية على بوابة المستشفيات رغم توسلات منسوبي جمعية الهلال الأحمر وأقارب المصابين ، يدل دلالة واضحة أن مثل هذا الموضوع لا يمكن أن يترك ل (نخوة) أو (ضمير) إداري شأن صحي و مالك مستشفى خاص ، ولا تنفع لحله حلا جذريا عبارة (ضرورة استقبال الحالات) بل يحتاج إلى رسم خارطة طريق لعربة الإسعاف حسب خريطة كل مدينة أو قرية أو طريق سريع أو ريفي تجبر أي مستشفى حكوميا أو خاصا على استقبال الحالة وإسعافها دون مقابل حتى استقرار الحالة، وتحمل المسؤولية عن أي حالة ترفض و اعتبار عدم قبول الحالة أو عدم تقديم الرعاية الإسعافية الصحيحة لها دلالة على عدم تأهيل المستشفى وسببا لإقالة المتسبب في المستشفى الحكومي وعدم تجديد الترخيص للمستشفى الخاص مع تحميله كامل النتائج والمضاعفات الصحية المترتبة على إهمال الحالة شرعيا وماديا.

أما الاستمرار في نداءات وتصريحات (ضرورة) و (نهيب) فمعناه أن كل جهود التطوير التي تبذلها جمعية الهلال الأحمر السعودي والحراك الذي تشهده للتسريع في الإسعاف وتطوير تقنياته سوف تتحطم على عدم مسؤولية مدير شأن صحي حكومي أو أنانية وعدم إنسانية مالك مستشفى لأن المحصلة موت المصاب رغم سرعة وصحة الإسعاف.