الكاتب: محمد الأحيدب

سائح (محشور)

أكثر ما يثير الاستغراب والاستنكار أن مراكزنا التجارية مهما بلغت من الطراز العمراني الرائع والأبراج شاهقة الارتفاع، والسلالم الكهربائية المتعددة والمصاعد الشفافة الأنيقة، ومهما ارتفعت أسعار إيجاراتها وتضاعفت تبعا لذلك أسعار بضائعها ووصلت أرباحها أرقاما فلكية، وبالرغم من أن هذه المراكز التجارية تشهد اقبالا شديدا وحركة دائبة وتنوعا في مرتاديها، بين مواطن ومقيم وزائر وسائح..
أقول بالرغم من هذا كله إلا أن مراكزنا التجارية لا تعتني مطلقا بأهم النواحي الإنسانية والاحتياجات الآدمية الحضارية وفي مقدمتها توفير دورات مياه تتناسب مع روعة الطراز العمراني وأناقة المصاعد وحجم الأرباح وقبل هذا وذاك عدد الزوار.

نحن، وبكل أسف، نهمل هذا العنصر المهم حضاريا، وأعني توفر دورات مياه لائقة قابلة للاستخدام، في كل المرافق سواء البلدية منها أو التجارية أو المطاعم أو المنشآت الرياضية أو حتى المستشفيات.

نتعمد أن نضع لدورات المياه أسوأ المواصفات وأقل الأدوات وأصغر المساحات وأقبح الأثاث ولا نعتني بالنواحي البيئية التي تجعلها قابلة للدخول فيها أو استخدامها إلا في الحالات الضرورية جدا، ونتناسى أهميتها البالغة في التأثير على نفسية المرتاد والأهم من هذا أننا نتجاهل أو نجهل دورها في التأثير على سلوكيات الناس والارتقاء بشعورهم نحو الممتلكات العامة فأنت حين تحترم الحاجة الآدمية للإنسان وتوفر له أفضل الظروف وأرقاها فإنك تجبره على احترامك واحترام ممتلكاتك وعلى العكس فإنه حين لا يجد أحداً يعير احتياجاته أدنى اهتمام فإنه لا يعير اهتماماً لأحد.

حقيقة أستغرب كثيرا عدم تناسب دورات المياه لدينا مع درجة السوق أو المطعم أو المنشأة البلدية أو الدائرة الحكومية أو الرياضية فتجد المنشأة فئة خمس نجوم بينما دورات المياه في الإهمال تعوم .

ليس لدي عقدة الأجنبي ولا أرى أننا يجب أن نوفر الرفاهية من أجل السائح فقط، فالمواطن والمقيم عندي أحق وأجدر، ولكن الشيء بالشيء يذكر فأنا وبحكم عملي في المجال الصحي والأبحاث تحديدا كثيراً ما أضطر للخروج برفقة ضيف على الوطن سواء متحدثاً في مؤتمر أو باحثاً أو خبيراً جاء يعقد اجتماعا وأحرص أن أجوب به أرض وطني بما فيها من منشآت وأسواق مزهوا فخورا وأنا أطلعه على منجزاتنا المشرفة حقاً، لكنني أحرج كثيراً وارتبك أكثر عندما يحتاج الى دورة المياه، إلى أين آخذه ؟!!، هل أعيده الى الفندق أم أجعله يستخدمها فيعود إلى انطباعه القديم عنا؟!!.

أقترح أن تتدخل أمانات المدن وهيئة السياحة وتفرض على كل مركز تجاري وسوق ومطعم ومنشأة حكومية أو أهلية مواصفات ومعايير عالية لدورات المياه، وتتضمن صيانة ونظافة على مدار الساعة، شريطة أن تبدأ أمانة المدينة بحدائقها ومرافقها العامة، وأكرر ليس من أجل السائح الأجنبي فقط ولكن من أجل المواطن والمقيم والسائح من الداخل.

(دال) من لا (دال) له

جميل أن مجتمعنا بكل دوائره، وأصحاب القرار فيه وكتابه وأفراده عامة تنبهوا مؤخرا إلى أن نسبة من أصحاب (الدال) ألصقوا بأنفسهم دالا مزيفة اشتروها من ورش الشهادات المغشوشة، ولأن حفظ الحقوق الأدبية وحق السبق مطلب حضاري وحقوقي فإن من واجبنا التدوين والتأريخ بأن وزارة التربية والتعليم تحت قيادة معالي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد كانت صاحبة المبادرة في إثارة هذا الموضوع، وهي مبادرة أو سابقة محمودة كان المتوقع أن تأتي من وزارة التعليم العالي المعنية أكثر بأهمية اللقب الأكاديمي وضرورة تمحيصه.
الأهم من هذا الاكتشاف هي مدلولاته والعبر التي يجب أن نستوحيها منه ونطبقها عمليا في تقييمنا للكفاءات وفي اختيارنا لأصحاب المهمات والمناصب وأهمها على الإطلاق أن تقييم الشخص أو الخيار يجب أن لا يعتمد على لقب أو حتى شهادة بعينها لأن الشهادة وما يتبعها من ألقاب لا تعدو كونها ترميزاً اجتماعياً أو حتى أكاديمياً لتحديد الانتماء إلى درجة تحصيل دراسي أو بلوغ سن دراسية، ولا يؤكد بأي حال من الأحوال القدرة على القيام بمهام منصب أو النجاح في أداء مهمة لأن تقييم قدرة الرجال والنساء على أداء مهمة معينة يحدده امتلاك كم هائل من القدرات والتي تميزهم عن غيرهم في أداء تلك المهمة المحددة، أما الشهادة العلمية فتدل فقط على القدرة على مواصلة الدراسة أو القدرة على تزييف الشهادة والأولى، مؤشر محدد على الاستيعاب والنفَس الطويل وهذه نقطة في بحر الايجابيات أما الثانية (القدرة على التزييف) فهي ذروة سنام السلبيات لأنها تبشر بشخص قابل للغش، قابل للبيع، قابل للشراء، قابل للكسر في ضميره وقراراته.

الشهادة أو الوثيقة التي يستحيل تزييفها أو شراء مشابه لها هي مجموعة المبادئ والقدرات والإمكانات المتميزة والنجاحات المتراكمة التي تشهد لصاحبها ويشهد بها الناس، وحملة مثل هذا المؤهل لا يعنيهم مطلقا أن تضاف الدال التي حققوها إلى أسمائهم لأنهم يدركون أنها مجرد حرف في جملة طويلة من الإمكانات التي لا يغيرها حرف.

الأهم في قضية أو ظاهرة تزييف (الدال) هو سبب نشوئها، وهو بالتأكيد نحن اللذين جعلناها سلم من لا سلم له ومتطلباً أساسياً لتركيبة مجتمعنا من وظائفه ومناصبه ومجالسه ولجانه ومكانته الاجتماعية وأنت عندما تجعل المتطلب عنصرا واحدا تحدده ورقة أو ختم يسهل تزييفه، فإن عليك أن تتحمل نتائج التزييف ليس في (الدال) فقط بل في كل ما يوكل إلى (الدال).

الزميل خالد السليمان وصف الظاهرة في زاويته الرائعة في عكاظ تحت عنوان (مزور فخري) بأنها فقاعة أكاديمية شبيهة بفقاعات الأسهم والمساهمات والعقارات .. ( انتهى)، وحقيقة إنه أجمل وصف من أجمل واصف، فإذا كانت فقاقيع الأسهم والمساهمات والعقارات أدت إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ونفسية وأمنية غير محمودة العواقب، فإن الفقاعة الأكاديمية ستؤدي أو ربما أدت إلى ممارسة خاطئة في كل تخصص طاله التزييف سواء كان أكاديميا أو طبيا أو إداريا أو صيدلانيا أو هندسيا أو في السياسة أو القانون والمحاسبة، أي أننا سنكون امام نتائج متعددة السلبيات، متعددة الصور، متعددة المجالات.

الضرب بعد إفطار الوزير

سعدت كثيرا بخبر إفطار معالي وزير الشئون الاجتماعية د.يوسف العثيمين مع عدد من الأيتام في دور الرعاية الاجتماعية، فمن المؤكد أن إفطار معالي الوزير مع الأيتام، إذا ما استغله الوزير في الجلوس منفرداً مع أحدهم أو مجموعة منهم في غير حضور القائمين على رعايتهم فقد يتجرأ أحدهم ويفضفض لمعاليه ببعض همومه أو معاناة زملائه، وإن لم يتجرأ أحد فإن معالي الوزير بما أوتي من فطنة وحرص وألمعية قادر على قراءة مشاعر الأيتام من ملامح وجوههم، المهم أن الزيارة بكل المقاييس إيجابية، خاصة لو تمت دون إعلان.
و ما أن سعدنا بإفطار الوزير حتى حزنا أشد الحزن على حالة اليتيم في دار الرعاية بالمدينة المنورة، الذي نشرت جريدة الرياض خبره يوم الاثنين 29رمضان1429ه حيث تعرض للضرب المبرح من (أخصائي اجتماعي!!!) استخدم لضربه (توصيلة غاز) مما أدى إلى نزف دموي حاد من فمه وأنفه ورضوض وخدوش طالت أماكن متعددة من جسده، جدير بالذكر أن توصيلة الغاز وحسب ما نعرفه من مواصفات شركة الغاز والدفاع المدني أنها صممت على أعلى المواصفات التي تضمن صلابتها ومقاومتها وعدم تأثرها بالعوامل الخارجية ولم يدر في خلد مَنء وضَع مواصفاتها أنها سوف تستخدم من قبل الأخصائيين الاجتماعيين ولا غير الاجتماعيين لضرب الأيتام ولا غير الأيتام لا من البشر ولا الحيوانات !! فما بالك بيتيم حاز على جائزة من معالي الوزير خلال معسكر كشفي؟!!.

الأمر الذي لا يقل إيلاما من الضرب بتوصيلة الغاز هو مسارعة مدير عام الشئون الاجتماعية بالمدينة المنورة للتقليل من أهمية الحادثة رغم إجادة مراسل (الرياض) الزميل خالد الزايدي في وصف تفاصيل القصة.

أعزائي سبق أن طالبت وبشدة بحماية كل من يعيشون داخل الأسوار سواء في دور الأيتام أو دور العجزة أو دور الرعاية الاجتماعية، أو دور رعاية القصر أو حتى المستشفيات النفسية وذلك بمراقبة ما يقدم لهم من رعاية عن طريق جهة مستقلة، وكم أتمنى على وزير الشئون الاجتماعية الذي ظاهره النشاط والحرص والهمة أن يكلف جهة ترتبط به مباشرة بمراقبة ما يحدث ممن يرعون كل تلك الفئات المذكورة أعلاه داخل الأسوار، فلا بد من تجاوزات خطيرة لا نعلمها لأنها تحدث داخل الأسوار ولا يمكن أن نكتشفها حتى لو أفطرنا مع النزلاء لأن الخوف يخفيها وقد يكون حاميها حراميها.

بين رمضانين

هي صور تتكرر في كل صلاة، ولكن كوءن رمضان حافلاً بالكثير من الصلوات والمزيد من الروحانية والخشوع، دعونا نستشهد برمضان وبصلاة التراويح والتهجد تحديدا.
عشرات الصفوف من المصلين الخاشعين على اختلاف ظروفهم وأحوالهم ومشاربهم وشكواهم، منهم الغني والفقير، التاجر والمستهلك، الرئيس والمرؤوس، الوزير والموظف الصغير، المدير والعامل الأجير.

أكف ترتفع جميعا إلى السماء في وقت واحد تؤمن خلف الإمام (آمين) ..أكف ناعمة وأخرى متشققة من كدح العمل، أصبع تزينها الخواتم والدبل وأصبع يلفها لاصق الجروح.

أكتاف متلاصقة، كتف يعلوه (بشت) ناعم مطرز بإطار من ذهب وكتف يعلوه قميص قد من حمل الخشب وبقايا بودرة الاسمنت كلهم سواء، وكلهم في حالة خشوع وربما بكاء يرجون ما عند ربهم تضرعاً وخشية من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

السؤال الذي يطرح نفسه كل عام، هو ماذا بعد رمضان؟!

هل يعطف الغني على الفقير فيتصدق طوال العام؟ هل يرفق التاجر بالمستهلك فلا يغشه ولا يخدعه ولا يستغل ضعفه ويوفي له الكيل والميزان ولا يبالغ في رفع الأسعار ولا يحجز البضائع لترتفع أسعارها ولا يبيعه الرديء بسعر الجيد والتالف بسعر الصالح؟!، وهل يصدق المستهلك مع التاجر فيوفي بالدين ولا يستبدل بضاعة أتلفها أو يتلف صالحاً ليستبدله؟!.

هل ينصف الرئيس المرؤوس ويعدل بين المرؤوسين فلا يفضل صهرا أو قريبا، ولا يظلم موظفا أو موظفة مستغلا نفوذه وعلاقاته وضعف مرؤوسيه؟

وهل يخلص المرؤوس العمل ويعطيه حقه ولا يدعي على رئيسه كذبا وبهتانا، أو يطلب ما ليس له بحق؟!.

هل يخلص الوزير عمله لله ويستجيب لأمر ولي الأمر بسرعة إنجاز مصالح الناس وحل مشاكل وزارته، واستغلال وقته وقدراته لمنفعة الناس والإخلاص لوطنه بدلا من السعي لذاته، وهل يتبع القول بالعمل بل ويسبق عمله قوله كما أوصاه قادته؟

هل يتعظ المدير ويتذكر أن فوق كل ذي علم عليم، وأن إهماله لشؤون المراجعين والمرضى والموظفين والضعفاء والمأجورين قد تمنع استجابة دعائه، بل قد تعجل باستجابة دعاء الناس عليه.. وهل يخلص الأجير في أداء عمله فلا يغش في بناء ولا تكلفة ولا أداء عمل صغر أم كبر؟

هل يؤثر فينا رمضان حتى يأتي رمضان بعده وقد أخلصنا العمل لوجه الله بين رمضانين حتى ندعوه فيستجيب لنا، أو نلقاه وقد رضي عنا.. هذا ما نرجوه من كل مسلم، اللهم لا تجعل حظنا من صيامنا الجوع والعطش ولا من قيامنا السهر والتعب.

الجهات الخيرية

المتابع يجد أننا في هذا الوطن نبذل جهوداً كبيرة ومستمرة ومضنية على أعلى المستويات، وكل القنوات وعلى مدى سنوات طويلة نحاول من خلالها حل مشاكل المواطنين مع جهات خدمية أنشئت من أجل خدمتهم لكنها لم تفعل أو قصرت في خدماتها أو لم تنصف موظفيها أو لم تتعامل معهم بعدل.
مشكلة تلك الجهود أنها تمثل ردة فعل وقتية، إما لخبر صحفي أو برنامج تلفزيوني أو مقال لكاتب أو شكوى حزينة مؤثرة لمسؤول كبير، وجميع تلك المنبهات أو أحدها تؤدي إلى حالة استنفار في الجهة المعنية أو لدى المسؤول الأعلى عن الجهة أو حتى الجهات الرقابية، لكن الاستنفار يعنى فقط بذات الشكوى أو فحوى التقرير وغالبا ما تنتهي حالة الاستنفار إلى وضع دفاعي لا يخلو من إرضاء المشتكي وإبقاء المشكلة قائمة على من لم يرفع صوته بالشكوى.

الخلاص من صداع هذه المشاكل المستمر لا يمكن أن يتحقق طالما أن مسببات ودواعي القصور موجودة ولم نتطرق لإزالتها رغم معالجتنا الوقتية لبعض نتائجها لكن الأرضية لممارسة التقصير موجودة والمناخ المناسب لحدوث القصور، بدءاً بسوء تقديم الخدمة، ومروراً بالمجاملات وانتهاء بالخلل الإداري، لا يزال متوفراً في بعض من الدوائر.

في ظني المبني على معايشة للدوائر الحكومية على مدى 30سنة، فإن الجهات المهتمة بإنهاء المعاناة مع أداء القطاعات الحكومية إذا ما أرادت قطع دابر هذا الصداع المزمن فإن عليها ان تفرض على كل جهة حكومية كتابة نظمها وإجراءاتها وسياساتها في كل صغيرة وكبيرة خلال مدة لا تتعدى عاماً واحداً، على أن تشمل النظم والإجراءات كل معاملة وكل تعيين وكل ترقية لموظف وبشفافية عالية تمكن الرقيب من اكتشاف الإجراء المخالف، وتمكن كل صاحب حق من التساؤل عن سبب حرمانه منه أو عرقلة إجرائه مقارنة بشخص آخر يشابهه في المعطيات المعلنة.

لقد قصدت بالأرضية المناسبة لممارسة التقصير ضبابية بعض النظم والإجراءات الواضحة الشفافة في بعض دوائرنا الحكومية وإذا غابت النظم سهلت مخالفتها لأنها غير موجودة أصلا (كيف لك أن تعاقب سائقاً على تجاوز إشارة مرور حمراء إذا كانت إشارة المرور معطلة أصلا لا يتضح فيها الضوء الأخضر من الأحمر أو الأصفر؟!!).

لقد قطعنا شوطاً لا بأس به في مجال الشفافية على مستويات أكثر حساسية من مجرد دائرة حكومية خدمية فلماذا نتنازل عن فرض الشفافية على دائرة صحية أو تعليمية أو بلدية، فقط دعونا نجرب توفير الجهود الوقتية (الهينة) والتركيز على فرض نشر النظم والإجراءات في المعاملات والمؤهلات والتعيين والترقيات وسنجد أننا سنأسف على تأخرنا .

الحاج لوغان

التون لوغان الذي نشرت جريدة “الرياض” خبره في محطاتها المتحركة يوم الاثنين 8رمضان 1429ه لو كان بطلا لمسلسل تركي أو مصري أو فيلم أمريكي لأبكى الملايين، لكن مشكلته أنه أحد الضحايا الحقيقيين لغياب العدالة في القوانين الوضعية وتغليب الاجتهادات البشرية على التعاليم السماوية، ولأن مأساته حقيقية تصور هشاشة القضاء الأمريكي، واعتماده على النظرة المادية للمحامي، وازدواجية الالتزام بالأخلاقيات فإن مأساته لم تجد الصدى الإعلامي المستحق ولم تصور في فيلم وثائقي أو تمثيلي .
التون لوغان تم إدانته خطأ في جريمة قتل عام 1982م. وكان في منتصف العشرينيات من العمر فصدر عليه حكم بالسجن مدى الحياة بناء على أقوال الشهود مع عدم وجود أي دليل مادي على تواجده في مكان الحادث (عملية نهب تعرض لها أحد مطاعم ماكدونالدز بشيكاغو وقتل خلالها حارسان) .

أثناء الحكم على لوغان كان اثنان من محامي المجرم الحقيقي ويدعى اندريو ويلسون يعلمان علم اليقين أن ويلسون هو القاتل باعترافه لهما وباعتراف شريك له آخر كان قد أودع السجن لاشتراكه في السطو لكنهما كتما الشهادة.

ولأن المجرم الحقيقي ويلسون بقي طليقا فقد قام بقتل شرطيين في شيكاغو في حادثة لاحقة، واستمر المحاميان في الدفاع عنه، وعدم الشهادة ضده لتبرئة لوغان الذي ادخل السجن ظلما وبهتانا بسبب كتمان الشهادة واكتفى المحاميان بالتوقيع على شهادة خطية باعتراف ويلسون واتفقا معه على عدم إعلانها إلا في حالة وفاته .

طبعا حجة المحاميين هنا هي التزامهما نحو موكلهما أو (عميلهما الدائم ويلسون) بعدم الشهادة ضده، والوفاء بحقوق مجرم متعدد الجرائم حتى لو كان على حساب بريء أدخل السجن، وهذا ما قصدته بازدواجية الالتزام بالأخلاقيات في حدود الإدراك القاصر للبشر. لأن هذا الوفاء للمجرم وكتم شهادة البراءة للبريء كان ثمنها أن قتل ويلسون الطليق شرطيين آخرين ودخل السجن مدى الحياة، وعاش في السجن 26سنة ذهبت من عمر البريء لوغان خلف قضبان الحديد، ليموت بعد ذلك ويلسون ويفرج المحاميان عن الشهادة المكتومة ويخرج لوغان من ظلم 26سنة مرضت خلالها والدته وماتت (قهراً بالتأكيد) دون أن يحضر جنازتها، كل ذلك بسبب كتمان الشهادة، وهشاشة القضاء الأمريكي وغباء المبادئ الحقوقية التي يطالبون بها ويحاولون نشرها .

لو كنت داعية متمكناً، لذهبت إلى لوغان هذا وأطلعته على المواقع التي تكرر فيها التحذير من كتمان الشهادة في القرآن الكريم (ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)”البقرة 283″( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون) “البقرة42” (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين إن يكن غنياً أو فقيرا فالله أولى بهما) “النساء135”. ودعوته وكل من تعاطف معه وهم كثر إلى مبادئ دين حنيف لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

مثل هذه المواقف والثغرات الواضحة في حياة غير المسلمين هي الجديرة بأن تستغل من قبل الدعاة للتعريف بشمولية الدين الإسلامي وعدالته وعدالة الدولة التي تطبق تعاليمه وتعتمدها دستورا، وشرعا تحكم به على الناس، لأنه يمثل العدالة السماوية الكاملة المتكاملة، ففي ديننا وفاء بالعهد والتزام في التعامل، ولكن ليس على حساب الأبرياء من الناس.

لو تحقق هذا من قبل الدعاة في الخارج، فإنني أجزم أن المظلوم لوغان وجميع عائلته وأصدقائه ومن شعروا بألمه وتعاطفوا معه سوف، يحجون هذا العام مسلمين .

الفتاة العربية أسهل

في غضون أقل من ستة أشهر استنزفت الجهات الرسمية ممثلة في الشرطة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدرا كبيرا من جهودها وطاقاتها ووقتها لتعقب أشخاص تعرفوا على نساء وفتيات عن طريق الانترنت أو الجوال وحصلوا منهن (طواعية) على صور فاضحة أو مقاطع بلوتوث (غير مشرفة)، ثم بدأوا في استغلال هذه المواد في تهديد الفتيات والنساء ومساومتهن بين الحصول على ما هو أكثر من مجرد الصور والمقاطع أو نشر فضائحهن في الانترنت وعن طريق تقنية البلوتوث.
يحق لنا أن نفخر برجال الأمن البواسل، ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المخلصين، التقاة، الغيورين ونشعر بالفخر برجال هذين الجهازين كونهم استطاعوا ،وفي زمن قياسي، القبض على هؤلاء المجرمين وإنهاء معاناة النساء والفتيات بمنتهى الستر والحكمة، وعن طريق بذل جهود جبارة تسعى لتحقيق الجمع بين عدة متطلبات كل منها يجعل الآخر أكثر صعوبة وهي الستر والتيقن والقبض على المجرم متلبسا !!.

ويحق لنا أيضا أن نتساءل بحسرة، لماذا تضع نساء وفتيات مجتمعنا أنفسهن في هذه المواقف التي تنم عن سهولة اصطياد، وإفراط في الثقة في الغرباء، وقبل هذا وذاك سهولة في منح الصور غير المحتشمة والمقاطع الخادشة للحياء مع أنها أشياء يفترض أن لا تبدو أبدا لأحد بل لا تصور أصلا ولا يصح التفكير في تصويرها لو توفر قدر من العقلانية والذكاء والتربية الحسنة في المنزل والمدرسة والمجتمع أجمع؟!!.

أستغرب كثيرا لماذا ترفض الفتاة الغربية مهما بلغ انحلالها، بل وحتى لو كانت مومسا، ترفض التصوير أو نشر صورها بينما يسهل استسلام الفتاة في مجتمعات محافظة لمثل هذه الطلبات أو الإغراءات، سواء بحجة الزواج او غيرها.

لقد شاهدنا في الأخبار كيف أن مجموعة من المومسات في تايلند دخلن في عراك مع المصورين لمنع أخذ صور لهن أثناء مداهمة الشرطة لأحد أوكارهن وبذلن لمنع ذلك دماءهن، وهو ما لم يبذلنه لمنع استغلال أجسادهن للمتعة، بينما لا تبالي الفتاة العربية بصفة عامة في أمر التصوير ومنح الصور للآخر.

إذاً هناك خلل ما يجب أن نبحث عنه ونعالجه، خلل يجعل الفتاة العربية فريسة سهلة وقد سبق أن كتبت تحت عنوان (عورات فتياتنا والبلوتوث) منذ حوالي سنتين مؤكدا أن الموضوع كله خطير ولكنني لا أريد أن أشتته بالتساؤل عن أصل الذنب أو الجرم فمسبباته وأحكامه واضحة ودعوني اقتصر على جزئية سهولة تسليم المراهقة السعودية خصوصياتها لكل من يتمكن من إقناعها والتربص بها.

أعتقد جازما أن السبب يعود إلى خلل في التربية والتعليم معا وكذلك التوعية الاجتماعية المعدومة أصلا فيما يخص تقوية الشخصية والحذر.

لدينا قصور كبير في أمر التحذير من الغرباء وتوعية الفتاة بالطرق التي يمكن أن يسلكها شاب أو حتى فتاة أخرى لمساومتها أو الضحك عليها والنيل منها.

في المنزل يستبعد الأهل حدوث التحرش بل ويعتبرون مجرد التحدث عنه أو التحذير منه من المحظورات أو الحديث المخجل.

وفي المدرسة فإن المعلمة إن كان لديها من الوعي والذكاء ما يميزها عن الأم فإنها بالكاد مثقلة بهمومها هي، وهموم دفتر التحضير، وهموم النصاب العالي من الحصص والعدد الكبير من الطالبات ومطالبتها بالتقيد بما يرد في تعاميم تعليم البنات (وما أكثرها) وبأنظمة سطحية قاصرة أعدها من لا يعيش الواقع من الذكور!!.

جمعية لمكافحة الكحول

الكحول ليست أقل ضرراً من التدخين وإن كانت أقل استخداماً بالتأكيد أو هكذا نأمل لأنها ممنوعة ولله الحمد.
الكحول سبب رئيس في تليف وتلف الكبد وهو أهم أجهزة الجسم التي يصعب علاجها أو تعويضها، إلى جانب أضراره الكبيرة لأجهزة أخرى في الجسم وقبل هذا وذاك إذهابه لأهم نعمة تميز الإنسان وهي العقل.

معظم الجرائم الجنائية، حسب بيانات وزارة الداخلية، حدثت بعد تناول المسكر، وكثير من حالات العنف الأسري خاصة ضد الزوجات والأطفال مارسها زوج أو أب أو أخ مخمور، وحالات زنا المحارم، وإن كانت قليلة ولله الحمد في مجتمعنا، لها ارتباط وثيق بتناول المسكر.

إذا أردنا تناول مشاكلنا بشفافية فإن علينا عدم تجاهل الكحول كواحد من أسباب اعتلال الصحة واختلال العقل في مجتمعنا، وإن الوقوع في براثنه حاصل لدى بعضنا سواء بتناوله في الخارج أو تهريبه أو تصنيعه في الداخل بدليل أن الأخبار الصحفية اليومية لا تخلو من خبر أو خبرين يوميا عن تمكن الشرطة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القبض على عصابة تصنع الخمر محليا، وسبق أن تناولت هذا الموضوع غير مرة ..

من وجهة نظري كصيدلي حول الخطورة البالغة للسموم التي تضاف للعرق الذي يصنعه المجرمون محليا، خاصة تلك المعروفة بأنها تسبب تلف العصب البصري وتلف المخ وتلف الكبد، مثل مادة “البايردين” التي تستخدم كمذيب صناعي وفي صناعة المواقد وهي مادة تؤدي مباشرة إلى تكسر خلايا الكبد وثبت قطعاً أنها من المواد المسرطنة كما أنهم يستخدمون الكحول الصناعية والكحول المثيلي (ميثانول) وهو النوع السام من الكحول ويسبب تلف العصب البصري وفقدان البصر التام بعد حين كما أنه يسبب تليف الكبد بسرعة كبيرة ومنهم من يستخدم كحول التعقيم في المستشفيات (الأيزوبروبايل) وهو سام جداً وله تأثير مباشر على خلايا المخ والكبد والكلى ويسبب الفشل الكلوي بعد فترة قصيرة من الاستخدام بصورة مفاجئة وسوف أتطرق في مقال قادم، إن شاء الله، إلى إضافات أخرى عجيبة و(مقززة) عندما أتأكد من ثبوت استخدامها.

وبناء على ما يسببه الكحول من أضرار صحية ووفيات، سواء ذلك المصنّع في الخارج والذي يتسبب في ضرر بطيء تدريجي ينتهي بتليف الكبد، أو ذاك المصنّع داخلياً في الخفاء وبإضافة مواد سامة سريعة الفتك، فإنه من وجهة نظر صحية يجب أن لا نهمل التوعية بأضرار الكحول وأن نمنح هذه التوعية نفس القدر الذي نمنحه لمحاربة التدخين .

وبناء على ما يسببه الكحول من أضرار اجتماعية بالغة وخطيرة يسببها المخمور وتنعكس على المجتمع أجمع في شكل حوادث جنائية أو أخلاقية أو مرورية فإن الحملة على الكحول يجب أن لا تقل عن شراسة الحملة على المخدرات عامة سواء في التوعية أو العقوبات.

ومجمل القول أإنا في أمس الحاجة لجمعية متخصصة متفرغة لمكافحة الكحول.

السائق يدفن والدهم!!

منذ أكثر من خمس وعشرين سنة اجريت تحقيقا عن دار الرعاية الاجتماعية، وتسمى أيضا دار العجزة، نشرته في جريدة الجزيرة على ثلاث صفحات، حيث كنت أعمل محققا صحفيا آنذاك.
وخلال اجراء التحقيق وبعده عايشت مرارة عقوق الوالدين في أشرس صورها، أما خلاله فلأنني استمعت إلى شكوى حزينة ومحزنة من آباء في كامل وعيهم ونشاطهم الذي يتناسب مع اعمارهم (60-70سنة) أودعهم أبناؤهم الدار بطريقة تشتمل على الجحود والخداع في أبشع صورة، جحود لأن الشيخ المعقوق لم يكن ليترك ابنه أو يتحمل فراقه حتى لو دفع روحه فداء لبقاء ابنه طليقا حراً سعيدا. أما بشاعة الخداع فلأن الشيخ رغم وعيه أحضر الى الدار مخدوعاً على أساس أنه ذاهب لزيارة قريب أو الى مستشفى أو زيارة ابن آخر وترك في مكان لا يعلم طبيعته أو لماذا اتى إليه.

أما المعايشة بعد اجراء التحقيق فلأنني أخذت عهدا على نفسي أن ازور النزلاء مرة كل أسبوع فالدار قريبة لمقر جريدة الجزيرة في الناصرية (انذاك) ونزلاء الدار خاصة من المسنين يستحقون الزيارة وسماع أحاديثهم فقد كانت حقا علوم رجال، لكنهم رجال لايستحقهم أبناؤهم لأن ابناءهم أقل من أن يقدروا قيمتهم، وعلى أي حال فإن معايشتي للعقوق بعد اجراء التحقيق تمثلت في أن بعض من نشرنا صورهم والحوار معهم جاءهم أبناؤهم بعد طول غياب وانقطاع، لا ليعتذروا ويبدو الندم ولكن (لنهرهم) و(توبيخهم) على تحدثهم للصحافة وقبولهم التصوير، وهدد بعضهم بعدم تكرار ذلك، وأي شيء سيهدد به إبن عاق لأبيه أكثر من إخراجه من المنزل الذي كان هو أساس وجوده.

على الجانب الآخر كانت الزميلة دلال الخالدي تستمع الى شكوى أمهات تعرضن لنفس درجة العقوق وغالبا في الحالتين كان تذمر الزوجة من الوالدين أحد أسباب طردهما.

اليوم لم يتغير الحال بل زاد، وأعتبر نفسي ابتليت بمشاهدة العقوق، عندما أرى أن المرضى في مقر عملي يحضرهم سائق وهو من يرافقهم، وهو من يستمع لشرح الطبيب عن حالتهم، وهو من يهون عليهم ويعزيهم في صحتهم، وهو من يسند رؤوسهم عند الحزن ويسند أكتافهم ويعضد ذراع الواحد منهم عند الوهن، ولن أستغرب اذا قيل أن جنازة شيخ لم يحضرها إلا (سواويق) ابنائه.

الإعلام بكافة طرقه نقل لنا هذه الأيام ما يبين أن الوضع لم يتغير وأن العقوق في ازدياد، الصحف أجرت التحقيقات وقناة الإخبارية تناولت الموضوع، لكن جامعاتنا وللأسف رغم كثرة كراسي البحث، وكثرة الأساتذة والباحثين لم تتناول الموضوع بالبحث العلمي لأسبابه.

ربما لأن بعض أساتذة جامعاتنا كما أعرفهم لا يجرون الأبحاث بأنفسهم، بل يتولاه نيابة عنهم المساعد الهندي، ومع ذلك فما هو المانع أن يتولى أبحاثنا المتعاقدون طالما أن شيوخنا يرعاهم السائقون؟!! المهم أن نجري بحثا لمعرفة الأسباب للحالتين.

سنوات المكاشفة لا سنوات الضياع

في ظني أن الزمن الذي مارسنا خلاله قدراً كبيراً من التحفظ تجاه تسمية الأخطاء بمسمياتها وشخصياتها، كنا نمارس خلاله العقلانية والرزانة والموضوعية التي تتناسب مع ذلك الزمن وروح ذلك العصر، فكنا آنذاك محقين حين نكتفي بذكر الخطأ دون تشهير اسم المخطئ في وسائل الإعلام لأن احتمال حدوث الخطأ والاستعجال آنذاك كان كبيرا، وامكانية تثبت وسائل الإعلام مجتمعة ازاء نشر أطراف القضية كان في حكم غير المضمون، أي أننا كنا آنذاك على حق في تغليب جانب الحيطة .
اليوم أرى أن ذلك الزمن قد ولى، وأعتقد أننا أكثر جاهزية لممارسة قدراً أكبر من المكاشفة، بل إن ضرورة المكاشفة وتسمية المخطئين بمسمياتهم باتت كفتهما هي الأرجح، بدليل أننا مارسنا قدر لا بأس به من الشفافية والوضوح في سوق المال مثلا ونجحنا ووفقنا، ولم تندم هيئة سوق المال قط عندما صرحت بأسماء الموقوفين من التداول أو الشركات المخالفة والمضاربين المخالفين .

الضرورة تحتم علينا اليوم تطبيق عقوبة التشهير في كل مجال تتوفر فيه أدواتها والحاجة إليها كوسيلة ردع .

أيضا أرى في رأيي المتواضع أن الصحيفة أو الصحفي إذا توفرت لديه الأدلة الدامغة والحجة الكفيلة بدحض كل نفي أو مطالبة أو إقامة دعوى رد اعتبار، فإنه لا يوجد ما يمنع من ذكر المخالفين بأسمائهم والمؤسسات المخالفة بأسمائها ففرص الدفاع عن النفس والمقاضاة متوفرة ولله الحمد، خصوصا وأن في تسمية المخالفين حماية للصالحين من التعميم، فبدلا من أن نقول أن احدى الشركات الغذائية مثلا منتجاتها ضارة ونشكك في جميع الشركات ونحدث قلقاً اجتماعيا فإننا نحددها بالاسم ليعم النفع وتعم الحماية شريطة أن يتوفر لدينا كل ما يثبت ذلك من مستندات ووثائق وهو أمر معمول به في كثير من الدول المتقدمة وأحد أسباب تقدمها .

الغريب أننا في هذا الصدد نمارس حالياً ازدواجية عجيبة فبعض الدوائر الحكومية نذكرها بالاسم بينما دوائر أخرى وقطاع خاص نشير إليه بضمير المجهول، قال لي معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع ذات يوم مستغرباً، إن وسائل الإعلام عندما يخطئ أحد مستشفيات وزارة الصحة تذكره بالاسم وربما العنوان واسم الشارع، بينما المستشفيات الأخرى يقال (أحد المستشفيات) دون الإشارة لما يدل عليه، وكان معاليه محقا تماما وأتفق معه أن الوزارة تعاني من هذه التفرقة وتنعم بها جهات أخرى لاتقل أخطاءً بل تزيد، وأتمنى أن يشهد الزمن الحالي سنوات المكاشفة لتنتهي حلقات سنوات الضياع .