الكاتب: محمد الأحيدب

ارحموا وزارة الصحة؟!

منذ حوالي ستة أشهر ذكرت وزارة الصحة ضمن أخبارها الموسمية أنها أصدرت تنظيماً جديداً لمعالجة الحالات المرضية الحرجة بالقطاع الخاص ورغم أن أخبار جميع قطاعاتنا التي تقدم خدمات صحية لا تعدو كونها وعوداً شبيهة بوعود مرشحي الرئاسة الأمريكية هذه الأيام، لأنها مجرد تنافس على منصب، إلا أنني استبشرت خيراً، ومصدر الاستبشار أنني اعتقدت أن وزارة الصحة التفتت أخيراً إلى مطالبتنا المستمرة بضرورة تحميل المستشفيات والمستوصفات الخاصة مسئوليتها تجاه الحالات المرضية الإسعافية وضحايا الحوادث ، وعدم تركهم يموتون على أبواب المستشفيات والمستوصفات الخاصة التي تمتنع عن استقبالهم وتمنع دخولهم خوفاً من تكلفة الإسعاف وتنكراً لما قدمه لهم هذا الوطن المعطاء ويقدم من دعم وفرص استثمار وإعفاءات وإعانات مكنتهم من النجاح والكسب والاستثمار في صحة المواطن والمقيم دون تقديم أي تنازلات أو إسهامات غير ربحية في صحة ذات المواطن والمقيم.
التنظيم الذي بشّرت به الوزارة لم يتطرق لضرورة مباشرة الحالات الإسعافية وهو ما ينص عليه نظام المؤسسات الصحية الخاصة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/40 في 14231130هـ والذي ينص في المادة السادسة عشرة على أن تلتزم المؤسسات الصحية الخاصة بتقديم العلاج الإسعافي لجميع الحالات الطارئة الخطرة الواردة إليها ، وذلك دون مطالبة مالية قبل تقديم العلاج ، وفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية (انتهى) وهو أمر مطلوب من وزارة الصحة لإزالة اللبس الحادث بعد التصريح المذكور.

ما صدر من الوزارة كان يصف وبطريقة ارتجالية وعشوائية لا تستند إلى نصوص نظام إلزامي أو لوائح صادرة من الجهات التشريعية ، يصف ما يجب أن تفعله المستشفيات الحكومية إزاء إحالة الحالات التي تستدعي عناية مركزة إلى مستشفيات القطاع الخاص عند عدم توفر سرير بعد إثبات تحريري بمخاطبة مستشفيات حكومية أخرى وردها خلال ساعة واحدة بعدم توفر سرير.

هذا التوجيه الكريم من معالي وزير الصحة للمستشفيات الحكومية كافة غاب عنه عدم تعاون كثير من المستشفيات الحكومية غير التابعة للوزارة في تنفيذ تعليمات الوزارة ما لم تكن مسنودة بنص ولائحة ملزمة. ولدى معالي الوزير تجارب سابقة في هذا الصدد.

وهذا الوصف الارتجالي لطريقة التعاطي مع ما تستقبله المستشفيات الحكومية من حالات حرجة مع عدم توفر سرير سيفتح باباً واسعاً لتنفيع القطاع الخاص دون توفر المبرر أو عدالة التوزيع لأسباب تتعلق بالعلاقات والشراكة وخلافه.

وهذا الوصف المتفائل جداً لم يتطرق مطلقاً للحالة الإسعافية التي ينقل فيها المصاب بحادث أو المريض إلى غرفة الطوارئ في المستشفى الخاص الأقرب بواسطة أقارب المصاب أو فاعل خير أو سيارة الهلال الأحمر ، هل يقبل أم يرفض ويترك يموت مثل الطفل الذي دهس أمام بوابة المستوصف الخاص ؟!.

الأهم من هذا وذاك أن البشرى التي بثتها الوزارة منذ أكثر من ستة أشهر لم تطبق على الواقع، لأنه وكما ذكرت وكما يعرف الجميع ومنهم وزارة الصحة أن الوزارة لا تملك الصلاحية حاليا لإجبار مستشفيات القطاعات الحكومية الأخرى على تطبيق قراراتها مما يدل على خلل كبير، (طالع تعقيبات وزارة الصحة على أخطاء المستشفيات الأخرى وستجدها تقول بحسرة ان المستشفى المقصود لا يتبع للوزارة!!)، أما أنا فإنني أشفق على الوزارة بقدر إشفاقي على المريض ولابد لهذا الوضع أن يتعدل إذا كنا نريد رعاية صحية متكاملة ومقننة، ووزارة صحة ذات صلاحيات يحترمها الجميع، لأن قوة المريض من قوة الوزارة.

سرنا المشاع

للمعلومات عن المريض خصوصية ويفترض أن تحترم سرية المعلومات عن حالة المريض ولا يعلم عنها غيره إلا بإذنه، باستثناء من له علاقة بعلاجه كالطبيب والصيدلي والممرضة وغيرهم ممن تتحقق المصلحة باطلاعهم على تفاصيل مرضه.
ومشترك الهاتف الثابت والجوال يضطر حسب النظام للإفصاح عن الكثير من التفاصيل الخاصة به، والمعلومات التي يفترض أن لا تشيع عنه، ويقول النظام إن من حقه ضمان سريتها عن الغير، بل إن نفس أنظمة التسجيل تخيره في أمر نشر رقم هاتفه في الدليل من عدمه .

نفس الشيء ينطبق على عميل البنك الذي يحتفظ البنك عنه بتفاصيل أسرية كثيرة، خصوصا عند الاكتتاب لكن البنك يحتفظ أيضا بالمعلومة التي يجمع كل البشر على الاحتفاظ بها بعيدة عن أقرب المقربين له وهي (كم أملك؟) وما هو دخلي الشهري أو السنوي؟!.

جهات عديدة أصبحت، بحكم تطور التعاملات الالكترونية وتسهيل التعامل المبني على الثقة، تعتمد على تسجيل أكبر كم من المعلومات عن المتعامل معها وأوسع التفاصيل عنه.

الخطوة الأهم التي تتزامن مع تسجيل المعلومات وسبقت (تكنولوجيا) المعلوماتية لدى كثير من الدول هي ضمان عدم البوح بالمعلومات عن الشخص لكائن من كان، والحفاظ على سرية المعلومة وسن النظم والعقوبات المغلظة التي تنتظر من يستغل وظيفته للاطلاع غير الضروري على معلومات الغير ناهيك عن البوح بها للغير !!.

الحال عندنا في هذا الصدد لا تسر، وأتمنى أن نسارع لتطبيق أنظمة تحمي الخصوصية وتحقق الحفاظ على حق الإنسان في حفظ أسراره وعدم إشهارها بدون سبب، وهو ما تأمر به شريعتنا الكاملة المتكاملة بالغة الحكمة .

إن في مقدور أي متطفل أن يصور الملف الطبي الكامل لأي مريض في أي مستشفى لدينا دون استثناء بمجرد أن يعرف موظفا في المستشفى، ليس بالضرورة أن يكون طبيبا أو صيدلانيا أو ممرضا أو موظف سجلات طبية، لسبب بسيط وهو سهولة الوصول للملف وسهولة تداوله وعدم وجود سبيل دقيق ومحكم لتتبع مسيرة الملف وهو ما يؤكد أن المعلومة رخيصة !!.

في الهاتف حدث ولا حرج فيمكن لكل من عرف رقم هاتفك أو جوالك أن يحصل على ما يريد من الكم الهائل من المعلومات حولك.

في البنوك الوضع أكثر خطورة، فقد أصبحت صور الشيكات تتسرب، والمعلومات الخاصة تروى في المجالس إما للتندر أو الحسد أو التأويلات وبث الشائعات، بل ذهب الأمر إلى أبعد من هذا فثمة من يؤكد أن البنك إذا وثق في عميل مميز فإن هذا العميل بمقدوره، إذا عرف رقم حسابك النقل منه إلى حساب آخر دون توقيعك، والثقة لم تكن يوما من الأيام مستندا قانونيا .

المزيد من أمثلة عدم الحفاظ على السرية الشخصية نراها منشورة في الإعلام، فالمرضى تنشر أخبار عملياتهم الجراحية وصورها المفصلة ليتفاخر بها الطبيب دون أخذ موافقتهم، وبمجرد وجود خلاف مع لاعب كرة قدم حول عمره فإن صورة بطاقة أحواله وشهادة ميلاده تنشر من قبل النادي أو النادي المنافس .

نحن مقبلون على شركات تأمين صحي ستحصل على كل التفاصيل عن عملائها فعلينا أن نستعجل تشريعات تحمي الحفاظ على سرية المعلومات وإلا أصبحنا مادة صحفية.

نصب المنصب

المعطيات التي ننعم بها لتحقيق تقدم يذكر وارتقاء بالخدمات كثيرة ومتعددة، وقد لا تتوفر لغيرنا في هذا العصر، وهي المعطيات الأساسية وأهمها تحسين الظروف الاقتصادية، وارتفاع الدخل الوطني، وما ننعم به من استقرار ولله الحمد والمنة.
النواقص التي نعاني منها معظمها مرتبط بسلوكيات فردية ذات علاقة مباشرة بحب الذات والأنانية وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.

ولكي نعوض ما فاتنا، ونسابق الزمن، ونستغل الفرص من اجل الوطن لا بد أن نقضي على تلك السلوكيات الذاتية الأنانية، والقضاء عليها لا يكون بمحاولة اقناع أصحابها إنما بإجبارهم عبر تشديد الرقابة وسن التشريعات التي تقطع دابر تغليب المصالح الذاتية على المصلحة الوطنية.

نحن حتى اللحظة نتعامل مع هذا الشعور، وتلك السلوكيات بليونة ومجاملة وتحفظ منقطع النظير حتى تولد الشعور التالي أو المرحلة اللاحقة التي يتكون خلالها احساس لدى مستغل المنصب أن ما يفعله حق من حقوقه، حق مكتسب مشروع وهذا جد خطير.

خذ على سبيل الإيضاح مثالاً من منطقة الوسط، ليس الأبسط ولا الأشد، يتعلق بذلك الشعور الذي يتولد لدى الموظف ما أن يمنح منصباً مرموقاً وستجده يشعر في البداية أن المنصب تكليف ومهمة صعبة، يتطلب منه السير في خطى سابقة والمحافظة على انجازاته، لكن هذا الشعور لا يدوم طويلا فما هي إلا أشهر معدودة ثم يشعر الموظف أن المنصب ملكا له يديره كما يدير منزله، ويحرص أن يغير فيه كل شي يمت لصلة بسابقه دون تقيد بأسس أو معايير لأنها غير موجودة أصلا.

أصبحت الوظيفة هي من يخدم الموظف وليس العكس، أصبح الموظف مرفوعاً والمنصب منصوباً، وباتت الوظيفة، خاصة المراتب العليا منها، ملكا للموظف يطوعها كيفما شاء، ومتى شاء ويسن لها النظم ويوظف من يشاء ويقرب من يشاء، ويبعد من لا يريد ويورثها إن أراد.

مشاعرنا نحو المنصب لا بد أن يتم تعديلها، وإعادة تربية الموظفين وإعادة تأهيلهم وتغيير مشاعرهم نحو المنصب وفق أسس وضوابط لا تقبل تملك الوظيفة ولا التصرف بها حسب رغبات النفس الأمارة بالسوء.

إننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التعامل مع العامل الأسهل لاستغلال الظروف فالإنسان هو مشكلتنا اليوم وعلينا سرعة إعادة تشكيله ليصبح صالحاً رغما عنه، لأن الظروف الأخرى ومنها المادة والاقتصاد والموارد ظروف عالمية ليس في إمكاننا التحكم بها متى ما تنكرت وسبق أن فعلت.

بل المواطن أكثر وعياً

قلة الوعي تهمة باطلة عندما يتم توجيهها للمواطن العادي المتمثل في المواطن المراجع لدائرة حكومية، أو المواطن المستهلك، أو المواطن المريض أو المواطن المرافق لمريض، أو المواطن المسافر على رحلة للخطوط السعودية أو المواطن المحتاج إلى ماء أو ذلك المحتاج لكهرباء أو لصرف صحي أو خدمات هاتف.
فكل هؤلاء أثبتوا في مواقف متعددة وعديدة أنهم يتحلون بقدر كبير من الوعي وسعة الاطلاع والتفاعل الإيجابي، وأنهم إنما يطالبون دائما بالحد الأدنى من قيام المسؤول، سواء كان موظفا أو مديرا أو وزيرا، بمسؤولياته وواجبه نحوهم الذي كلفته الدولة بالقيام به لخدمتهم على أحسن حال.

تابع تعليقات القراء في جريدة الرياض أو الجزيرة أو عكاظ أو الوطن أو الحياة أو ما شئت من الصحف التي تتيح هذه الخدمة وستجد تعليقات تنم عن وعي ورزانة وسعة اطلاع تنفي تهمة عدم الوعي أو ضيق الأفق.

نفس الشيء تلمسه في الحوارات التي تجريها الفضائيات سواء قناة المجد أو الإخبارية أو القناة الأولى والرياضية، فاتصالات المشاهدين وإجاباتهم عن (سؤال اليوم) في الإخبارية مثلا تؤكد لك أن تهمة عدم الوعي ما هي إلا شماعة يستخدمها بعض المسؤولين ليعلق عليها إخفاقاته.

اطمئنوا فالمواطن واسع الاطلاع، وقادر على إجراء المقارنات، ودرجة وعيه عالية جدا إلى درجة أن مطالباته بحقوقه على الوزارات والمؤسسات الخدمية تتم بمنتهى الوعي والإدراك بتقدير الظروف فهو لا يطلب إلا المستطاع، وبطريقة منطقية جدا وهادئة ورزينة، يقدر من خلالها ما يقدمه له الوطن ويمتن له ويطلب بهدوء من المسؤول عن الخدمة أداء واجبه نحوه بما تمليه تعليمات قادته.

عدم الوعي يتجسد في بعض الردود الاستفزازية من بعض المسؤولين والتي تتفنن في النفي والإنكار والتبريرات الواهية التي تتوقع من الناس تصديقها لأنها تفترض في الناس سطحية وعدم وعي.

إن عقلية المواطن في مستوى جدير بالاحترام ومن احترام عقول المواطنين مواجهتهم بالحقيقة سواء في شح الماء أو غلاء الكهرباء أو رفض المرضى (في كل الجهات الصحية وليس وزارة الصحة فقط) أو غلاء الأسعار أو سوء خدمات الطيران وفقدان مواعيده وحجوزاته للمصداقية أو تدني خدمات التعليم في مبانيه ووسائل نقله وإمكاناته الفنية والتربوية التي لا تعين المعلم والمعلمة على القيام بأدوارهما التعليمية، ناهيك عن التربوية، وأسباب عزوف الجهات العديدة المعنية بالدواء والغذاء عن القيام بأدوارها في الرقابة عليه وعلى رأسها هيئة الغذاء والدواء.

سنتان بلا وعود

على مدى عشرات السنين اتضح جليا أن مشكلتنا الأزلية مع انجازات الدوائر الحكومية والمؤسسات والوزارات، تتمثل في الحديث عن عمل شيء لم يعمل، ولن يعمل على المدى القريب.
بأسلوب إيضاحي آخر فإن كثيراً من المسؤولين وجد أن الحديث عن إنجاز ما، حتى لو لم يتحقق، لا يقل شأنا عن تحقيق الإنجاز، بل ربما يكفي عنه لأنه كفيل بتخدير الناس وإنعاش آمالهم وفي الوقت ذاته إشعار رئيسه أو الرقيب عليه أنه يعمل بديناميكية وحراك لا يتوقف، وإن كان حراك وعود بينما الوطن يستحق منا حراك عمل وإنتاج يساوي جزءاً مما أخذناه منه.

لأنني كغيري عشت الوضع عن قرب، ودققت كثيرا في العلاقة بين تاريخ صدور الوعد، والمدة المحدودة لتنفيذه، وحقيقة الوفاء به من عدمه فوجدت أن غالبية ما وعد به كثير من المسؤولين لم يتحقق بل كان آخر علمنا به يوم نشره!!.

لذا فإنني أقترح أن نتوقف عن الوعود مدة سنتين فقط، يمتنع خلالها (إجباريا) كل مسؤول عن شأن ما عن التصريحات التي تتحدث عن ما سيتم عمله والتبشير بانجازات قادمة، ونتحرى خلال هاتين السنتين رؤية الانجازات على ارض الواقع لتتحدث عن نفسها، ونحكم من خلال ما لمسناه على نجاح المسؤول في تحقيق تقدم من عدمه بناء على رؤية بالعين المجردة لانجاز حقيقي.

فقط عامان ( 24شهرا) لأن معظم الوعود والأماني التي بشرنا بها ولم تتحقق لم تتجاوز مدتها الموعودة سنتين، واغلبها اختصر هذه المدة فجعلها ستة أشهر وهو أمر طبيعي قياسا بكون الأمر برمته ضرباً من الخيال والوعود غير القابلة للتحقيق، فالحلم لا يستغرق ثواني معدودة تبلغ خلالها ذروة المتعة والسعادة لكنك تستيقظ فلا تجد للحلم أثرا ملموسا على الإطلاق عدا تأثرك به.

لقد أمضينا عشرات السنين نحكم على كل مسؤول وموظف ووزير بناء على ما يعد به، ويؤملنا به، ويؤلمنا بحقيقة نتائجه، فلماذا لا نجرب شيئا جديدا نقيس به القدرات عن طريق التوقف عن الوعود وتلمس الملموس حيث يكون الحكم مبنياً على بينة.

لا سياحة بلا تضحيات

لا أكتب عن السياحة بحكم تخصص في اقتصادياتها أو التسويق لها أو صناعة السياحة بصفة عامة، لكنني أتناولها من منطلق كوني سائحاً، ومن منظور احتياجات السائح وما هي الأشياء التي تؤثر فيه سواء بالجذب أو التنفير .
نحن لا زلنا في سنة أولى سياحة، أو على الأصح في الصف الأول تمهيدي في علم السياحة ومع ذلك فإننا نتحدث عن السياحة الداخلية وكأنها مجرد تنظيم معرض مؤقت أو حفل موسمي دون أن نشرع أو نحاول الشروع في تجهيز أهم مقومات جذب السياح وهو التيسير عليهم، وتوفير حقوقهم، وأكثر من حقوقهم، والسياح هنا هم سياح الداخل قبل سياح الخارج، فلا تفهموني خطأ، إذ سبق أن كررت أننا طالما لم نجذب السائح الداخلي ونقنعه فلن نستطيع الجذب من الخارج .

لو فتحتَ دفتر تعبير قديماً لطالب في المرحلة المتوسطة كتب موضوعا عن السياحة منذ ثلاثين سنة، فمن المؤكد أنك ستجد شيئا يتحدث عن أن المطار وسائق الأجرة هما من يخلق الانطباع الأول، ومع ذلك فإننا إلى اليوم لم نهتم بهذين العنصرين !!، لكن الوقت لم ينتظرنا فثمة عوامل عديدة استجدت وأصبحت من أساسيات السياحة المعقولة، ولا أقول الناجحة، من أهمها التعاملات النقدية السريعة والميسرة، وأبسطها توفر جهاز يقبل الدفع ببطاقة الائتمان في كل (بقالة) ناهيك عن كل مزار ومتحف ومطعم .

سهولة التنقل ومرونة استئجار السيارات وإرجاعها ومرونة التعاملات اليومية الضرورية في المسكن والملبس والاحتياجات الإنسانية كلها متطلبات أولية للسائح لم نفكر في توفيرها أو حتى التأسيس لثقافتها.

لعلنا نختصر الأمر بالقول إن أكبر أدوات الترويج للسياحة هي حديث السائح فالسائح بطبيعته يمضي جل وقته بعد عودته من الرحلة في الحديث عنها وإذا واجه صعوبات فإن الحديث عن الصعوبات هو صاحب الأولوية وسائح السنة القادمة هو أسير ما يسمع وإذا لم يسمع عن الصعوبات فلن يحضر .

علينا إذا أردنا سياحة داخلية وتنشيط مواسم السياحة في بلادنا أن نؤسس أولا لثقافة تعتمد على التضحية شعارها أن (السائح دائما على حق) وهذه تحتاج إلى تاجر واع وطني الشعور، ورقابة صارمة وعقوبات رادعة يكون هدفها الأساس إسعاد السائح من الداخل وترغيبه فإذا لم يصبر عليك أبناء بلدك فلست مؤهلا لجذب الآخرين .

غني عن القول إن أحد أهم الضربات الموجعة للسياحة في عسير وجدة هذا العام هي أزمة المياه، فهي بلا أدنى شك قد جعلت كثيرا ممن كانوا ينوون قضاء الإجازة في عسير أو جدة يغيرون رأيهم بعد العلم عن حجم الأزمة، وأنا احدهم، لكن الأكثر خطراً على مستقبل السياحة فيهما يأتي من حديث العائدين منهما، سامح الله وزارة المياه.

قدر الغذاء والدواء

معظم مشاكلنا الحالية تكمن في تعدد الجهات المسؤولة عن شأن ما دون توفر الحرص لدى كل جهة بالقيام بدورها ويتزامن ذلك مع غياب المحاسبة وبالتالي فقدان الدافع لقيام كل جهة بدورها فتضيع الخدمة.
خذ على سبيل المثال مشاكلنا مع الغذاء فإن الصورة السائدة أننا نعاني فقط من مشكلة زيادة الأسعار التي عجزت وزارة التجارة عن حلها. لكن الحقيقة أن مشاكلنا مع الغذاء لا تقتصر على الأسعار، فثمة أمر لا يقل أهمية وهو مواصفات الأغذية والتأكد من عناصرها وتركيباتها، فهذا يدعي أن ألبانه تحتوي مواد مهضمة، وآخر يكتب أن عصائره غنية بالفيتامينات والكالسيوم ومقويات العظام، وثالث يقول إنه ينتج عصيراً طبيعياً مائة بالمائة وأنت بما آتاك الله من حاسة الذوق والشم تدرك بسهولة أنه خليط من مواد ملونة!!، وهذه الادعاءات والأكاذيب تشكل تغريراً بالمستهلك واستغفالا له. وإذا استعرضت الجهات المسؤولة عن فضح هذه الادعاءات فستجد أنها أكثر من ثلاث: أولها وزارة التجارة التي يفترض أن تحلل مكونات كل مادة غذائية وترفض ترخيصها ما لم تكن مطابقة لادعاءات الشركة المصنعة، وتمنع الدعايات المضللة للمستهلك، أما الجهة الأخرى فهي هيئة الغذاء والدواء والتي يفترض أن تبدأ في ممارسة دورها بوقف هذه المهازل بأسلوب علمي يوضح حقيقة أن هذا اللبن مجرد لبن وليس إنزيمات مهضمة وذلك العصير ليس فيتامينات أو كالسيوم أو دواء لهشاشة العظام وأن العصير الطبيعي 100% ما هو إلا صناعي 99% . أما الجهة الثالثة فهي حماية المستهلك التي يفترض أن تحمي المستهلك من كل ما ذكر سواء منها الحماية الرسمية أو التطوعية .

وزارة التجارة ممثلة بالجهة المعنية بالغش التجاري تحولت مع الزمن إلى حماية للماركات التجارية.

وهيئة الغذاء والدواء رغم أنها بلغت الحلم قياسا بعمرها الزمني فإنها لا تزال تعتبر نفسها في سن الرضاعة، وتكتفي بدورها الجيد في التعليق على بعض الشكاوى، لكنها لا تزال غير مستعدة لا نفسيا ولا هيكليا لتحمل أدوار أكثر حيوية فهي لا تستعجل ممارسة صلاحياتها لا في شأن الغذاء ولا الدواء.

أما حماية المستهلك فإن تجربتنا فيها لم تنضج بعد ففي وزارة التجارة بدأت لجنة ثم إدارة عامة ثم ألغيت أعواما مديدة والآن عادت في شكل حاميتين أحدهما رسمية والأخرى تطوعية ويبدو أن كلا منهما تنتظر أن تبدأ الأخرى .

على أي حال فإن الغش في الغذاء هو مجرد مثال توضيحي، والأمثلة على ازدواجية الأدوار في شؤون الخدمات كثيرة ومتعددة ودورها في شلل تلك الخدمات يجسده المثل الشعبي (قدر الشراكة ما يفوح) .

حالة تشبث

أستغرب كثيراً لماذا يعمد بعض المسؤولين عن جانب من جوانب القصور أسلوب المسارعة إلى إنكاره تماماً عوضاً عن الاعتراف به وتبريره بأسبابه الحقيقية، خاصة أن معظم أمثلة القصور في الخدمات واضحة، تتجسد على أرض الواقع، ومرئية يصعب إنكارها أو التقليل من حجمها وأهميتها.
في عالم الطب يوجد ما يعرف بظاهرة انكار المريض لحالة مرضية يعاني منها رغم إثباتها بالتحاليل والفحوصات والأشعة التشخيصية لكن المريض يصر على إنكارها ويحاول أن يقنع نفسه ومن حوله بل وحتى طبيبه بأنه لا يعاني من ذلك المرض، ولعل مرضى السكر أكثر المرضى رغبة ومحاولة للإنكار وعدم التسليم بوجود أعراض مرض السكر، لكنهم في النهاية يستسلمون.

ترى هل ظاهرة إنكار المسؤول عن جهة خدمية للقصور في الخدمات تخضع لنفس العوامل النفسية التي يتعرض لها المريض عندما يعمد إلى إنكار المرض ؟.

بطبيعة الحال وطبيعة الإنكار، فإن ثمة فوارق كبيرة بين الحالتين، فالمريض يحاول أن يقنع نفسه ويقنعنا بأنه لا يعاني من المرض الذي يخصه هو، ويتعلق بصحته هو، وتقتصر المعاناة منه عليه هو، بينما المسؤول أو الموظف يحاول إنكار قصور يخصنا نحن، ويتعلق بنا نحن، وتعم المعاناة منه علينا جميعا، هذا من ناحية علاقة القصور والتأثر به.

أما من حيث الإحساس بالمشكلة فإن المريض ينكر شيئاً يحس به هو ولا يمكننا نحن الإحساس به، بينما المسؤول ينكر شيئاً نحس به جميعاً، بل نلمسه جميعاً.

ثم إن المريض أكثر منطقية في إنكاره، فأكثر المرضى عندما ينكر المرض فإنه لا ينكر الأعراض، لكنه يبررها ويربطها باشياء أخرى غير المرض فتجده يقول ان ارتفاع السكر كان بسبب إفراطي في أكل التمر يوم إجراء التحليل أو أن ارتفاع الضغط ليس مرضاً لكنه بسبب حالة غضب صادفت إجراء القياس، وهكذا بينما لا يصاحب إنكار القصور الوظيفي أو قصور الخدمات أي تبرير منطقي أو مقبول يحترم ذكاء المتلقي ويحسب حساباً لعقله.

خذ على سبيل المثال تبرير وزارة الماء والكهرباء لأزمة المياه في الرياض وجدة وعسير، فقد قيل إن السبب هم الناس أنفسهم فهم يتزاحمون على الصهاريج خوفاً من حدوث أزمة بينما لا توجد أزمة، فكيف بالله عليكم يلجأ إلى الصهاريج لو وجد في خزانه ما يكفيه من الماء؟!.

ونفس الشيء يقال عن تحليل وكيل وزارة الصحة الطبيب منصور الحواسي لوجود أزمة أسرة للولادة، فهو يبرر بالقول إن النساء يردن الولادة في مستشفيات معينة ذات تخصص بينما يمكنهن الولادة في مستشفيات أخرى، يقول ذلك وبعض الأزواج يجوبون بزوجاتهم شوارع المدينة بحثاً عن مسقط لرأس جنين أطل برأسه ولم يجدوا، وكلنا نعرف ذلك، لكن التبرير بلغ أقصاه حينما رآى ونحن في العصر الحديث أن بعض الولادات يمكن أن تتم في المنزل!!، وهذا معناه أننا نعاني من أزمة سرير ولادة في المستشفيات لكننا لا نريد أن نعترف.

السؤال العريض لماذا نبرر؟! هو بالتأكيد حالة تشبث بالحياة مثلما يبرر المريض، وهي حالة تشبث بالكرسي عندما يحلل الموظف.

دوائرنا وزائر الفجر

غرائب بعض دوائرنا في التعامل مع المراجعين لا تقف عند حد أو درجة تخيل، لكنها تبقى نتاجاً طبيعياً لترك الحبل على الغارب في الدائرة لكل من أراد أن يحدد صيغة هذا التعامل دون محاسبة من رئيسه، بل إن بعض رؤساء تلك الدوائر يرى أن التعامل مع المراجعين أمر يقل كثيرا عن مستوى اهتماماته.
إحدى تلك الغرائب الإصرار على تحديد الفجر موعدا لحضور المراجعين علنا وعيانا بيانا رغم أن ساعات الدوام الرسمي تبدأ بالسابعة والنصف صباحا.

في تقرير صحفي رائع نشرته جريدة “الرياض” هذا الأسبوع عن أزمة العطش في عسير، تحدث التقرير ضمن تغطيته الشاملة للمشكلة عن مطالبة مصلحة المياه والصرف الصحي بعسير للمواطنين بالحضور فجرا إذا أرادوا الحصول على رقم يضعهم في انتظار إعطائهم صهريج الماء، بل علقت ورقة رسمية نشر التقرير صورتها وقد كتب فيها (تعلن مصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة عسير للإخوة المواطنين ابتداء من يوم الثلاثاء الموافق 1429/6/13ه أنه سوف يتم توزيع أرقام صرف الكروت بعد الفجر مباشرة) وأكد التقرير على أن الموظفين في المحطة أوضحوا أن من يريد الماء عليه أن يحضر فجرا.

في مكاتب العمل سواء في العاصمة الرياض أو غيرها يُطالَب من يريد أن يحصل على (رقم المراجعة) أن يحضر بعد صلاة الفجر مباشرة (من المؤكد أن الموضوع لا علاقة له بالتشجيع على أداء صلاة الفجر مع الجماعة) وقد ارتفعت شكوى المراجعين في صفحات الصحف من تذمرهم من هذا الوضع خصوصا وأن (كرت المراجعة) إذا أعطي فجرا لا يعني إنهاء الإجراءات في ذات الوقت فالمطلوب التزاحم فجرا للحصول على رقم فقط، أما الشروع في إنهاء المعاملة فيبدأ مع الدوام وإذا نقصت ورقة واحدة فعليك البدء في فجر جديد.

في كثير من المستشفيات (المتقدمة) الكبرى التابعة لقطاعات مختلفة حدد الفجر موعدا للحصول على موعد لعيادة أو عملية جراحية!!.

لماذا يتعاملون مع المراجع بهذه الطريقة؟! وما هو السر وما هي الأسباب؟!

أما السر في ظني فهو لإخفاء مناظر التزاحم والتدافع والمعاناة عن أعين الرقيب لكن الإعلام ولله الحمد كشفها حتى وإن تمت فجرا!!.

أما الأسباب فهي كثيرة ومتأصلة أهمها كما ذكرت أن رئيس الدائرة لا تعنيه مشاكل المراجعين، إلا إذا أبرزها الإعلام لنفي صحتها كما حدث مع أزمة المياه في جدة وعسير والرياض.

ومن الأسباب عدم الوعي بأهمية التعاملات الإلكترونية كما في وزارة العمل التي أصبحت في هذا الشأن عالة على إدارة الجوازات كما سبق أن ذكرنا في مقال سابق، أما في المستشفيات فالعلة والأسباب والأهداف اكبر من أن نشرحها في مساحة ضيقة فهي متلازمة اخطر من متلازمة دارون تشتمل على انشغال ومصالح قطاع خاص ومحسوبيات وضياع إداري بحكم عد التخصص.

ضمير منفصل

التناقضات تشير دائما إلى وجود خلل في التوازن، أو ما أسميه عرجاً في التعامل مع الأشياء ذات العلاقة بالتناقض أو الازدواجية .
لمزيد من الإيضاح دعنا نستعرض تعامل أجيالنا مع (تحليل) الراتب، أي التأكد من جعله حلالاً خالصا نقيا لا شوائب فيه وسنجد أن ثمة تشددا في جانب واحد فقط هو التأكد من عدم الحصول على الراتب من جهة تتعامل بالفوائد الربوية كبعض البنوك أو عدم شراء أسهم الشركات المشكوك في تعاملها بالفوائد والربا.

التأكد من نقاء الدخل ومشروعيته أمر جيد، والالتزام بالقيم والأخلاق مجتمعة شي عظيم، لكن ثمة أمثلة أخرى كثيرة ومواقف متعددة يغيب فيها الالتزام بالقيم في هذا الصدد من نفس الشخص أو الأشخاص الحريصين على نقاء مصدر راتب الوظيفة، مثل عدم إعطاء الأداء الوظيفي حقه وتعطيل مصالح الناس، أو استخدام الوظيفة في حرمان شخص من حقه و إعطائه لآخر، أو الكذب على مراجع للتخلص منه، أو منعه من الحصول على ما يخول له النظام الحصول عليه، وسبق أن تطرقت لمخالفة مشابهة تتعلق بحرمان مستهلك أو عميل من استخدام حقه في الضمان لجهاز بادعاء الموظف أن سبب الخلل سوء استخدام وهو ليس كذلك .

هذا التناقض المتمثل في الحرص على (تحليل) الراتب، وعدم الحرص على (تحليل) السلوك الوظيفي سببه، في نظري، يعود إلى التركيز في التربية والتوجيه والنصح والوعظ في كافة المنابر سواء في المدرسة أو المنزل أو المجتمع أو المسجد على شأن واحد فقط هو نقاء الراتب من التعاملات الربوية، وذلك التركيز جاء على حساب قيم أخرى لا تقل أهمية كالتي ذكرناها آنفا، إضافة إلى سلوكيات أخرى تجمع بين عدم الاهتمام بمشروعية دخل الوظيفة وقدر كبير من القسوة والغلظة وعدم الرحمة، مثل المدير الذي يفصل موظفا فصلا تعسفيا لأسباب شخصية وتصفية حسابات، أو لتغطية فساد مالي أو إداري، فهذا جمع بين عدم نقاء الراتب وعدم نقاء الضمير وغياب الإنسانية .

ونفس الشيء ينطبق على الموظف الذي يجرؤ على حرمان مريض من حق العلاج أو الحصول على سرير، أو تفضيل مريض على آخر أو على حساب حق مريض آخر في سرير أو علاج .

وذات التناقض ينطبق على من يحرم إنسانا من الحصول على حق شرعي أو مقاضاة شخص أساء إليه أو أصابه بضرر أو حرمه حقا .

ما الذي يجعل نقاء الراتب أهم من نقاء المرتبة أو الوظيفة؟! أعتقد أنه خلل في توازن التربية والوعظ فثمة تركيز على جانب دون الآخر مما جعلنا نسير بعرج واضح ونتعامل بضمير منفصل يركز على تحليل المصدر المالي ولا يأبه بتحليل السلوكيات في العمل.