الكاتب: محمد الأحيدب

ملك الإصلاح

من صور الجمال الإعجازي الذي يميز لغتنا العربية أن الكلمة بنفس تهجئتها وطريقة كتابتها ونطقها قد تؤدي إلى أكثر من معنى، ومما يميز قائدنا الملك عبد الله بن عبد العزيز أن أفعاله شملت كل المعاني الجميلة للكلمة .
الإصلاح، كلمة يمكن أن تعني محاربة الفساد في الوطن وإصلاح حاله وتصحيح ما اعوج من مساراته.

والإصلاح أيضا كلمة قد تعني إزالة الخلاف بين طرفين وإصلاح ذات البين بين متنازعين وتحويلهما من افتراق إلى اتفاق.

عبد الله بن عبد العزيز أبى إلا أن يحمل هم أبناء شعبه وأبناء الأمة العربية والإسلامية ، ليكون الرجل الصالح في نواياه وفي أحاسيسه وفي أفعاله ويصبح الاسم الصالح لإتمام كل جملة تدخل فيها مفردة (الإصلاح) بكل معانيها ودلالاتها، وبذلك فإنني لا أجد حرجا لغويا من تسميته (ملك الإصلاح) لأن تعدد معاني الكلمة لا يفوق تعدد صفات وخصال الملك.

من خصال عبد الله بن عبد العزيز أنه فارس يعشق اعتلاء صهوة الفرس الجموح صعبة المراس مستحيلة (العسف)، فيعسفها.

احتواء خادم الحرمين الشريفين للمأزق الفلسطيني فروسية نادرة ، فالخلاف بين المجاهدين والمناضلين عندما يصل حد الاقتتال العلني وسيل الدماء ، ليس بذلك الخلاف الذي يسهل إعادته إلى اتفاق ، فهو يفوق في خلفياته وترسباته ، وآثاره ، ومنعته وشراسته الخلاف التقليدي الذي يحدث بين طرفين متعاديين لأسباب حدودية أو جغرافية وعادة ما تكون سطحية وبسيطة وقعت أصلا نتيجة رغبة للخلاف لدى الطرفين المتحاربين وبالتالي فإنها أكثر قابلية للتنازلات ويسهل حلها.

الخلاف بين حماس وفتح وصل ذروته ببطء وبعد نفاد كل سبل الإصلاح ولم يصل حد الاقتتال بين الإخوة المجاهدين إلا وقد بلغ حداً يستعصي على الإصلاح لكن فارس الإصلاح كان بإخلاصه ونيته الصادقة قادراً على عسف الفرس القموص .

إذا كان الشعب الفلسطيني بل شعوب الأمة العربية والإسلامية قد نعمت بإحدى معاني كلمة الإصلاح لدى خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز في شكل اتفاق سيرهب الأعداء ، فإن شعب المملكة قد نعم بكل معاني الكلمة لديه يحفظه الله ، فنحن نسعد يوميا بخطوات إصلاح داخل الوطن وسعدنا بنجاح إصلاح ذات البين في الوطن الكبير والأمة العظيمة وأصبح مصدر فخر لنا.

ستبقى يا وطني مملكة الحكمة ، مملكة الإنسانية ، تحت قيادة ملك الإصلاح ، ملك الإنسانية.

الجذب الإعلامي المعاكس

ندوة تأثير القنوات الفضائية على الثقافة العربية أكدت على أننا في الوطن العربي ندرك جيداً ما يحيط بنا من خطر أو أخطار البث الفضائي، ولا تنقصنا مطلقاً القدرة على التعبير عن قلقنا من هذا الخطر ولا نفتقر للمفكرين في هذا المجال ولا لاقتراح الحلول لما نعلمه من خطر قادم يفوق كثيرا ما نعايشه اليوم، لأنه خطر يتزايد ليس كل يوم ولكن كل دقيقة .
ما ينقصنا حقا هو قدرة المفكرين على إقناع أصحاب المصالح وأصحاب القرار أن الخطر على الأمة يفوق كثيرا المكاسب الشخصية، ولا يقارن بها على الإطلاق.

الشيء الآخر أو السبيل الآخر غير الإقناع هو أن تكون لدى الأمة العربية الجدية والصرامة في أن تجبر ملاك القنوات ومنافذها على تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية، تماما كما ذكر أحد المتحدثين في الندوة وأعتقد أنه الدكتور عدلي رضا (ان امتلاك القناة الفضائية لا يعطي مالكها الحق في أن يفعل ما يشاء) .

الإعلامية والمذيعة خديجة بن قنة ترى أن حرية المشاهد ورقابة المشاهد على نفسه ومن هم تحت وصايته هي المحك فالمشاهد هو من يركب الصحن الفضائي وملحقاته وجهاز الاستقبال وهو من يحرك جهاز التحكم عن بعد (الريموت كنترول) فهو المسئول عما يختار لنفسه وأسرته من القنوات، أما الأستاذ حمدي قنديل مقدم برنامج (قلم رصاص) في قناة دبي الفضائية فقد تحدث عن إيجابيات مرحلة الفضائيات مقارنة بما قبلها، لكنه أبدى استغرابه وامتعاضه من انتشار قنوات الميوعة والخلاعة والمجون التي تطلق بدعوى أن (الجمهور عايز كده) مع أن وادي الغناء والرقص والطرب هو وادي مختلف عن الوادي الذي نعيش فيه كعرب !! وتساءل عن أي نوع من (الشيزوفرينيا) (فصام الشخصية) الذي يجسده التناقض بين الإعلام والأمة وبين وادي الانبساط والفرفشة والواقع المناقض الذي نعيش فيه؟.

تساؤل الأستاذ حمدي قنديل منطقي جدا ويبرئ ساحة المشاهد لأن بعض قنوات الفضاء تفترض واقعاً أو وادياً غير الوادي الذي نعيش فيه .

أما أنا فأعتقد في رأيي المتواضع أننا وفي ظل استحالة فرض آلية عربية تغلب المصلحة العامة للأمة على أهواء قنوات الفضاء، ليس أمامنا إلا نهج أسلوب الجذب المعاكس للمشاهد عن طريق إشباع رغباته الواقعية وجذبه أو إشغاله عن قنواتهم بدعم القنوات المهنية سليمة المقاصد والهادفة البناءة في أي مجال كان.

القنوات الرياضية لو مارست مهنية عالية كفيلة بجذب أكثر من مجرد فئة الشباب ولديها هامش أوسع للتفاعل وقضايا ذات جذب حميد وممتع.

القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبرامج النقد والتحاور وسيلة جذب أخرى لا تقل متعة ومتابعة إذا اتسمت بالمهنية وهامش أوسع من الشفافية والإثارة المحمودة التي تنعكس على المجتمع العربي بإيجابيات عدة تجمع بين الإصلاح والجذب والإشغال عن توافه الأمور.

فتح باب التعبير والمطالبة والتفاعل بين القنوات الهادفة ومشاهديها سيقطع الطريق أمام قنوات الرسائل النصية (sms) الهابطة لأن الشاب والفتاة سيتحول إلى التفاعل مع مجتمعه بدلا من الاختباء خلف اسم مستعار ليملأ فراغه بمداعبة مفاتيح جهاز الهاتف النقال لإرسال مشاعر نحو مجهول على الطرف الآخر للقناة.

التقدير بالعقوبة القاسية

جهد كبير ويستحق الشكر ذلك الذي تقوم به قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض في المتابعة الدقيقة والمتأنية لكل فعل إجرامي يهدد أمن السكان أو أخلاقيات هذا البلد الأمين، والذي أصبحت نتائجه تلمس بشكل يومي أو أكثر من مرة في اليوم الواحد في شكل عمليات قبض بالجرم المشهود وبكامل الأدلة والشهود وهذا النوع من الإنجاز الأمني هو من أصعب وأدق الإنجازات وأكثرها حاجة للجهد والصبر والحكمة والمتابعة الدقيقة والتحري الذكي .
التحري الدقيق والصبور الذي يؤدي في النهاية إلى الإيقاع بالمجرم وهو يمارس الجرم المشهود، لا تتوقف إيجابياته عند حد تسهيل إثبات الجريمة وسهولة إصدار الحكم بل ان له دوراً كبيراً وفاعلاً في الردع وهو الأهم .

خذ على سبيل المثال ذلك العامل البنجلاديشي الذي نشرت هذه الجريدة خبر القبض عليه في عدد الأربعاء 15محرم 1428ه رغم أنه كان يتنقل من حي إلى آخر ومن سكن إلى آخر وتحصن بعدد من العيون التي تخدمه في المراقبة وتشعره بأي مراقبة، إلا أن قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض أطاحت به وهو يمارس إدارة وكر للدعارة يستدرج فيه الخادمات الهاربات ليمارسن الدعارة مع عمالة مختلفة مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 150- 300ريال مما جعل دخله الشهري يصل إلى ثلاثين ألف ريال، وهو ما يزيد من احتمالية تحصنه وحيطته باستخدام عدد أكبر من المستفيدين والعيون وأدوات الإنذار البشرية، سواء تلك الحريصة على المال أو على المتعة المحرمة، لأن سقوطه يعد خسارة كبيرة مالياً للعيون المراقبة وجنسياً للزبائن وهذا أحد أشد أشكال المجرمين منعة وصعوبة لكنه وقع ووقوعه يعني للعديد من المجرمين أو المقبلين على ممارسة عمل مشابه رادعاً قوياً وسبباً في التوقف أو النزوح عن البلد غير مأسوف عليهم.

ذلك كان مثالاً فقط لأنه يحمل كل أسباب وعناصر ومغريات الاختباء لكنه وقع فأصبح أوضح أمثلة الردع، إلا أن الرادع في نظري لن يصبح كاملاً وقوياً ما لم تكن العقوبة صفعة حياة وليست مجرد صفعة عمر، لأن التسفير ليس عقوبة، والسجن لأقل من سبع سنوات لا يعتبر رادعاً كافياً، وطالما كررت أن لدينا تجربة فريدة وناجحة عالمياً تتمثل في عقوبات التهريب والترويج للمخدرات وكيف أصبحت سبب ردع حقيقي لأن المجرم هنا يراهن على حياته وليس على جزء من عمره أو مجرد عودته سالماً غانماً لبلاده.

إن جهود رجال الأمن تستحق الإشادة والتثمين، وأحد طرق تثمينها عقوبة رادعة للمجرم تقطع دابر شره .

الرجل المناسب

تابعت ودققت كثيراً فلم أجد أخطر على المنشأة والموظفين والمراجعين من مدير ضعيف، ولا على الوطن أجمع من غياب النظم والإجراءات المفصلة لكل صغيرة وكبيرة تعنى بشؤون الناس وحياتهم ومواقع عملهم ومراجعاتهم .
الإدارة سفينة ضخمة، والسفينة لا يمكن أن تسير بأمان دون ربان ماهر، وللقبطان الماهر خصائص ومميزات إدارية لا يعوض عنها شيء آخر أو تميز آخر والإدارة تخصص وملكة لا يغني عنها تخصص آخر أو ملكات مختلفة .

النظم والإجراءات الدقيقة والمفصلة والمفعلة والمطبقة بدقة ودون تمييز أو استثناء، هي الآلية أو “الميكانيكية” التي تجعل ركاب السفينة وبحارتها وحتى قبطانها يعملون ويتعاملون وفق منهجية واضحة ودقيقة تحقق إنسياب الحركة وتناغم التعامل دون فوضى ومشاحنات واحتقان .

حسناً، إذا تخيلنا أن الإدارات الحكومية لدينا تشكل عدداً من السفن التي تبحر نحو أهدافها يقود كلاً منها قبطان، فإن من السهل عليك أن تلحظ تلك التي تعاني من سوء القيادة والتخبط، والأخرى التي تمخر عباب البحر بجرأة وتمكن، ولذا فإن من غير المنصف أن نحمل البحر أو الرياح مسؤولية الإخفاق، فالإخفاق لم يحدث لأن الرياح جرت بما لا يشتهي “السَفن” بل لأن السَفن “الربان” نفسه له شهوته الخاصة في مسار الرياح والتي لا تتناسب مع مصلحة السفينة، أو إنه حمل مسؤولية اكبر من قدراته الإدارية ففقد السيطرة تماماً .

الوطن يدفع ثمن منح الثقة في قبطان غير مؤهل، في شكل احتقان للموظفين والمراجعين وتذمر على صفحات الصحف ومواقع الإنترنت وشكاوي للمسؤولين وديوان المظالم وتراجع في أداء وخدمات الجهة الحكومية وقلق اجتماعي وكان بالإمكان تلافي كل ذلك لو أن الرجل المناسب جلس في المكان المناسب .

لوحة حماية الأسرة

موقف وزارة الشئون الاجتماعية من مفهوم الحماية الأسرية لا يبشر بالحماس المطلوب ولا حتى القناعة بضرورة تطبيق هذا المفهوم، أما موقف الوزارة من التطبيق نفسه فإن أبلغ وصف له يتجسد في المثل الشعبي “مغصوب ولا قليل عرقه” وهو يصف من يؤدي العمل بالحد الأدنى من الجهد والإخلاص لأنه وببساطة إما مدفوع لهذا العمل مرغماً أو أن الأجر زهيد .
أمثلة العنف الأسري تجاه الأطفال والزوجات والمراهقات والمراهقين، بدأت تتحدث عن نفسها، ليس في المستشفيات والشوارع ودور الإيواء وحسب بل حتى في وسائل الإعلام من صحافة مقروءة وتلفاز وإذاعة، ووزارة الشئون الاجتماعية لا تزال تتعامل مع الموضوع دون منهجية ولا نظم وسياسات ولا حتى تفعيل لإدارة الحماية التي أُنشئت منذ عامين ولا تزال مجرد لوحة في شارع الشأن الاجتماعي وكأن الأسرة ليست هي لبنة المجتمع وكأن الشئون الاجتماعية لا تعدو كونها مرتب الضمان الاجتماعي الذي لا يمثل الوزارة إلا هو !!.

ماذا تريد وزارة الشئون الاجتماعية أكثر من أن عبء العمل تم فصله عنها في وزارة مستقلة عملت وأنتجت وحركت المجتمع، ووزارة الشئون الاجتماعية لا تزال تعتبر نفسها وزارة الضمان الاجتماعي وبشهادة حق وإنصاف فإنها طورت آليات صرف الضمان، لكنها لم تطور بعد آليات تحديد الاحتياج إليه وتصنيف المستفيدين بطريقة علمية، لماذا لأنها تعاني من قصور العمل الميداني المتمثل في إعطاء المتخصص “الأخصائي الاجتماعي” فرصته في الإبداع وتطبيق مجال عمله والتقرير فيه .

إدارة حماية الأسرة أُنشئت منذ سنتين ولا تزال مجرد لوحة، دون نظم ولا إجراءات ولا تحديد أدوار، ولا تدريب موظفين وأخصائيين اجتماعيين، بل دون تحديد تصنيف لما يدخل ضمن مجال عمل الإدارة من عدمه، وما هي الحالات التي تحتاج إيواء وتلك التي يكتفي فيها بالمتابعة .

الطامة الكبرى في هذا الخصوص أيضاً أن بوابات استقبال حالات العنف وهي المستشفيات متروكة وكل فيها يغني على ليلاه فمنهم من يوكل شأنا اجتماعيا بحتا إلى طبيبة أو طبيب لأنه لا يثق إلا في ستر الطبيب، ومنهم من يعطي القوس لباريها (قسم الخدمة الاجتماعية) ولكن دون دعم أو صلاحيات .

ويبقى أمر العنف الأسري مجرد اجتهادات فردية ولعل هذا يفسر ما نشرته الصحف في خبر ارتفاع عدد المنتحرين إلى أكثر من مائة شخص خلال سنة ويبرىء ساحة الأسهم التي جعلناها شماعة كل تدهور نفسي ومالي.

الوزارة بالجوال

جميل أن تصنع التقنية لنا صديقا، ووسيلة إلى جانب الهدف الأساسي من الجهاز وهو الاتصال.
جهاز الهاتف النقال أو الجوال أو المتحرك أحدث نقلة في حياة المجتمعات، كل المجتمعات، وكل مجتمع أشبع فيه الجوال ما ينقصه، إلى جانب دوره الأساسي كوسيلة اتصال.

في مجتمعنا أشبع الجوال رغبات كثيرة، وسد نقصا كبيرا، بل فرض حدوث أشياء لم تكن لتحدث بسرعة بدونه، ولعل أبرزها النواحي الإعلامية، فانتشار لقطات النقد عبر البلوتوث لبعض الأخطاء والممارسات فرض أولا تصحيحها خوفا من صحافة البلوتوث المصورة، وثانيا أفسح مجالا واسعا أمام الصحف للإفصاح والحديث حول حقيقة أمر ما، لأنه أشيع بواسطة تقنية البلوتوث، ولو لم ينشر في الصحافة ويوضح فإن الجوال سيتولى أمره، وهذا ساعد الصحف على القيام بدورها بدرجة أعلى من الشفافية.

وكأي وسيلة إعلامية فإن للجوال في شقه الإعلامي أو لقطات البلوتوث، ورسائل الوسائط، والرسائل النصية جوانب سلبية يصعب تفاديها، لكنها لا تحسب ضد التقنية بقدر ما تحسب ضد مستخدم التقنية، ومن ذلك اللقطات المخلة بالأدب والشائعات وتسخير الشق الإعلامي من الجوال لخدمة مآرب شخصية، مثلما يحدث حاليا من بث رسائل شائعات حول التشكيل الوزاري، لم تقف عند حد تسمية شخص أو اثنين أو رصد توقعات، بل ذهبت، إمعانا في الإيهام، إلى تحديد قائمة كاملة.

هذه الشائعات (الجوالية) لا تخرج مصادرها عن واحد من ثلاثة: إما راغب في منصب فيعلن عن نفسه، عسى أن يصدق نفسه أو يصدقه أحد، أو مدمن شائعات يعاني من فراغ ويسعد بأن تنتشر شائعاته بين الناس أو هاو للتوقعات والمراهنات لا يعرف اليأس رغم فشله عدة مرات.

المؤكد أننا في بلد أكثر رزانة وحكمة من أن تلعب الشائعات والرغبات دورا في قراره، وهنا لا بد من الاستشهاد بما ذكره الدكتور غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) حول هذا الموضوع، فهو يثبت زيف الشائعات وبراءة الوطن من مصادرها.

يقول الدكتور غازي القصيبي بعد أن وصف لحظة تكليفه بوزارة الصحة يقول: (في هذه الأثناء، عطلة نهاية الأسبوع، كان أكثر من مواطن يتلقى التهنئة بعد أن سمع من (مصادر مطلعة) أنه سوف يكون وزير الصحة الجديد!. انتهى ص 230(حياة في الإدارة) الطبعة الرابعة.

لا ثقة بكذاب

لو كان لي من الأمر شيء، لجعلت شرط اجتياز اختبار الكذب أساسا لكل اختيار وكل توظيف وكل تحميل لمسؤولية، لأن الكذب مفتاح الفساد، ودلالة الخداع، ومؤشر الفشل!!، ألا يكفي أن حبل الكذب قصير، فكيف نتوقع لكذاب أن ينجح ؟!بل كيف لنا أن نأمن من كذب؟! كيف نأمنه على وظيفته؟ وعلى مسؤولياته؟ وعلى من هم تحت سلطته؟!
الكذب من فصيلة السرقة بل هو أخطر، فقديما قالوا (من يسرق البيضة قد يسرق الجمل)، ومن يكذب في الأشياء الصغيرة لا بد وأن يلجأ للكذب في الأمور الكبيرة لأن الكذب أصبح مخرجه السهل في كل مواجهة أو موقف صغر أو كبر .

وأقول أن الكذب أخطر من السرقة لأن السارق الخبير، إذا وصل حد السرقات الكبيرة لا يعود إلى سرقة ما صغر، بينما الكذاب يكذب فيما صغر أو كبر، وفي كل وقت ومناسبة.

ليس أدل على ما أدعيه من موقف المحدث الجليل عندما شد الرحال إلى البصرة ليتلقى حديثا عن رجل في البصرة وعندما رآه يوهم الفرس بطرف ردائه وكأن فيه شعير وهو خال، رفض أن يأخذ عنه الحديث جازما أن من كذب على فرسه لا يؤمن في روايته، وكذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) .

صحيح أن ثمة كذب مباح في الإصلاح بين الناس كما روى البخاري وغيره مما ورد في حديث مسلم، لكن ما أقصده كذب الرذيلة، أي كذب، صغر أو كبر فإن مدمنه يجب الحذر منه ومراقبته وعدم تكليفه بالمسؤوليات، لأن من كذب لك كذب عليك!!، ومن ضعف إلى حد الخروج من مأزقه بالكذب فإنه خطر على الوظيفة والمسؤولية والمستفيدين والمجتمع أجمع.

وان كنا استشهدنا بشيء من تراثنا وأمثلتنا وحكمنا وتعاليم ديننا وفي ذلك كفاية، إلا أنه لا يمنع من الاستشهاد بتجارب الآخرين، حيث يعتبر اثبات الكذب على متهم مفتاح خسرانه بكل قضاياه، وهذا ما عانى منه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون نفسه، عندما كذب أمام المحكمة في دعوى بولا جونس وأنكر أمام المحكمة أية علاقة بينه وبين مونيكا لوينسكي، فغرم تسعين ألف دولار لكن كذبته كانت وبالا عليه في كل مواقفه وقضاياه، ليس لأنه ارتكب فعلا ما ولكن لأنه سجل كاذبا.

أكرر الأمنية بأن يكون اجتياز شرط الخلو من سوابق الكذب أهم من الخلو من أي سوابق أخرى وألا تمنح الثقة لكذاب في أي وظيفة صغرت أو كبرت.

الأسعار والحفر

موضوعان، كل منهما يستحق إفراد صفحات بل ربما كتب قياساً بالأهمية، لكن إيصال المعلومة عن أي منهما لا تحتاج إلى أكثر من نصف مساحة هذا العمود .
يحتاج المسئول، أي مسئول، أو موظف إلى توفر درجة عالية من الإيمان بمسئوليته عن كل صغيرة وكبيرة في إطار مسئولياته لكي لا يتغاضى عنها أو يعتقد بعدم أهميتها، أو يقلل من شأنها .

الموضوع الأول : الملاحظ أن كل الأسعار لدينا تتجه إلى الأعلى في اتجاه واحد لا يقبل الرجوع (باستثناء سوق الأسهم بطبيعة الحال )، وذلك الارتفاع يحدث وبمباركة من الجهات المعنية عند حدوث أي مبرر للارتفاع يطرأ على التكاليف، لكن نفس الجهة لا تعير اهتماماً لزوال المبرر فتفرض خفض الأسعار، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكنني أتوق إلى الأحدث والأكثر وضوحاً وسهولة للفهم .

خذ مثلاً لا حصراً تعرفة سيارات الأجرة ( الليموزين ) ارتفعت بشكل ملحوظ، وبمباركة من وزارة النقل، عندما ارتفع سعر البنزين (بحجة ارتفاع أسعار الوقود).

أما الآن وبعد أن انخفض سعر البنزين مرتين متتاليتين إلى حوالي النصف، لم تحرك وزارة النقل ساكناً لخفض تعرفة “الليموزين” أو حتى بدل فتح الباب !! بل إن اللجنة الوطنية للنقل تقود تحركاً شبه رسمي (حسب خبر جريدة الرياض في 30رجب 1427ه) لخفض تعرفة عدّاد سيارات الأجرة “الليموزين” بنسبة 20% بعد أن تم خفض أسعار البنزين 30% !!.

لاحظ الاستحياء والتردد في “محاولة” الخفض بينما الجرأة والسرعة في “اتخاذ قرار” الرفع.

الموضوع الثاني : يتعلق باحتياطات السلامة وأمن مرتاد الطريق فالواضح أنه أمر ضائع بين أمانات المدن وبلدياتها والدفاع المدني، ولو توفر الإيمان بالمسئولية لقام كل بدوره .

مشاريع ببلايين الريالات يتم حفر أساسها بانخفاض ثلاثة أمتار دون سياج مانع لا للكفيف ولا للسيارة ولا للطفل (إن سقوط سيارة بمن فيها إذا كان السائق فقط يعني إزهاق روح، فإذا كان صالوناً يحمل 12شخصاً فالكارثة واحدة مضاعفة اثني عشر ضعفاً، وبحساب الأيتام والمحزونين والثكلى والأرامل فإنك تتحدث عن مجتمع كامل أصيب بالإحباط لأن رقيباً لم يقم بدوره أو أراد إسعاد نفسه وأسرته وصمت !!.

أما الحفر العميقة على جوانب الطرق فقد فضحتها السيول، عندما سدت الطرق وملأت الحفر وحولت مسار الطريق إلى الحفرة فغرقت سيارة بمن فيها في حفرة كانت البلدية تعتقد أنها بعيدة (ليت بعد النظر كان أبعد من مسافة الحفر).

يا وزير التجارة لو (عشان) السياحة

مقولة قديمة متجددة كنا نرددها ومفادها أن أول انطباع يسجله السائح عن البلد يبدأ من سائق سيارة الأجرة وموظف الفندق.
الآن ثمة عوامل كثيرة تؤثر في الانطباع، سواء الأول أو الأخير للسائح ، فالسائح لم يعد مجرد ضيف يدور في سيارة (تاكسي) ، ويسكن فندقاً.

على أي حال ، وهذا رأي شخصي، أنا أرى أن إراحة المواطن والمقيم أهم من مجرد العمل على تلميع صورة البلد لدى السائح، أي أن المواطن والمقيم (ألزم) عندي من الزائر، ثم إنك إذا احترمت هؤلاء (المواطن والمقيم) وحققت ما يريحهم تحسنت الصورة تلقائيا أمام الزائر والسائح والعالم أجمع.

لكن دعونا نشفع ونحتج بالسائح لنقول إننا نهمل كثيرا، ونتساهل كثيرا في خدمات أو احتياجات نعتقد أنها ثانوية وهي أساسية وتؤدي إلى مشاكل من شأنها أن تشغل كل الأجهزة الحكومية ، وتثير أعصاب المستفيد وتؤدي إلى الفوضى العارمة، بينما كان بالإمكان تلافي ذلك بفرض متطلبات من مقدم الخدمة تضمن تقديمها بالشكل الحضاري، المريح والمشرف للوطن.

خذ مثالاً للقياس، ويهم السائح كثيرا جدا ، ويتمثل في مكاتب تأجير السيارات فهناك شركات تأجير مشهورة عالميا ولها أنظمتها وتعاملها الذي يحكمه التنافس ولا بد أن يكون في مصلحة العميل لجذبه، وإن كانت عندنا لا تقدم كل ما في جعبتها من عناصر الراحة للعميل مثل مرونة التسليم في أي مكان والاستلام في المطار والنقل من المكتب إلى المطار والتخفيضات وخلافه، وهذه تأتي إن شاء الله عندما نكون بلدا سياحيا.

المشكلة أن ثمة مكاتب تأجير سيارات يمنح ترخيصها لأشخاص، وهؤلاء يعتبرونها وسيلة لتحقيق أعلى ربح بأدنى جهد، وهي أقرب للتعامل مع المستأجرين للتفحيط وليس للأهداف الحضارية.

تخيلوا أن مكتب التأجير عبارة عن دكان به عامل متعاقد واحد فقط إذا ذهب لمراجعة الشرطة (وهم يتعاملون كثيرا مع الشرطة لكثرة مشاكلهم) فإن الدكان يقفل فلا تستطيع إرجاع السيارة في وقتها، وتضطر لانتظار الموظف، ربما إلى اليوم التالي (تخيل أن لديك رحلة طيران وأنت تريد إرجاع السيارة) وعندما يحضر الموظف يضطر للتوسل إليك باحتساب يوم الزيادة عليك ، حتى وإن كان هو السبب، أما لماذا فلأن الكفيل لن يقبل خصم اليوم ويعتبره سرقة من الموظف الوحيد، والكفيل مواطن كسول نائم حتى العصر !!.

المضحك : أنه سُجل كثير من حالات الشجار عند تلك الدكاكين لأن الزبون أعاد السيارة ويريد استرجاع مبلغ التأمين، لكن الموظف يعتذر بأن الصندوق خاو فالكفيل أخذ الغلة ومعه التأمين فيرجوك الموظف أن تنتظر إلى أن يحل زبون ورزق جديد !!. ويحلف لك باليمين الغليظ أن (ما معيش فلوس).

أنا أريد من وزير التجارة والصناعة وكل مسؤول عن السياحة أن يتخيل معي حجم العناء الذي تسببه هذه الدكاكين لأجهزة الدولة ممثلة في الشرطة أولا وسيارات الإسعاف والمستشفيات والجهات الحقوقية والمحاكم عندما يحصل الشجار، أما انطباع السائح وتضرر المواطن والمقيم فيحتاج إلى خيال واسع لاستيعابه.

تأجير السيارات مثال واحد فقط للقياس وارجو ان لا يقال تعامل مع الشركات المشهورة واترك هذه للمواطن الضعيف لأنني أريد حماية هذا الضعيف.

قريص الوطن

ما هي علتنا الحقيقية في تعاملنا مع وطن معطاء؟! لماذا يحرص كثير ممن يتولون المسؤوليات على الاستفادة من المنصب بدلاً من إفادة المنصب؟! لماذا يعملون من أجل البقاء وليس من أجل العطاء.
إذا كانت هذه مشاعر وسلوكيات جيل أنتجته الطفرة في السبعينيات والثمانينيات الميلادية، أي انه نعم بخيرات هذا الوطن في أفضل أحوالها (قبول ميسر في المدارس والجامعات، وتوظيف سهل في أي مكان يشاء، وابتعاث بأعلى المميزات والبدلات، ورسوم رمزية على الخدمات وأسعار زهيدة، وخدمات صحية مجانية مع مواعيد قريبة وتنويم ميسر)، فكيف ستكون حال جيل الصعوبات التي فرضتها الأزمات الاقتصادية؟!.

ثمة بصيص أمل أن الوطنية ستكون أفضل في جيل الصعوبات على أساس مشاهدة سلوكية تقول إن الابن غير المدلل، أو من يمر بالصعوبات وقسوة الظروف أكثر براً بوالديه وأكثر نجاحاً من شقيقه المدلل!!.

لكننا لا يجب أن ننتظر طويلاً إلى أن يتخرج الجيل الحالي، جيل الصعوبات، ونراهن على صحة تلك المشاهدة والاستنتاجات.

لا بد أن نعمل كل ما من شأنه تحقيق استفادة المنصب والوطن من الموظف وليس العكس، ويكون ذلك بفرض المحاسبة الدقيقة والمراقبة الصارمة لإنتاجية المسؤول وزيراً أو محافظاً أو مديراً عاماً تنفيذياً قياساً بالإنجازات الحقيقية الملموسة لإدارته وليس ما تدّعيه العلاقات العامة أو يردده هو.

لا بد أن نغير ثقافة اعتبار المنصب تشريفاً و (برستيجاً) لأن المفترض أن يكون تكليفاً وتحميلاً لمسؤوليات جسام، ولو نجحنا في تحويل ثقافة التشريف إلى ثقافة التكليف فإننا سنتوقف عن حمى التهنئة بالمنصب ونتحول إلى عبارة “شد حيلك والله يعينك”.

أيضاً علينا، إذا أردنا، عملاً من أجل الوطن أن نغير مسار المناصب ليصبح ذا اتجاهين بدلاً من الاتجاه الواحد إلى الأعلى، فمن يبدع يستحق الأعلى، أما من يخفق فيجب أن يشعر انه أخفق، وإلا فإن عنصر الأمل بالثواب والخوف من العقاب سيغيب وذلك لا يخدم الوطن.

أؤكد لكم أنني لم أضع نظارة سوداء قط في حياتي، لكنني ألاحظ أن المثل الشعبي (كلٍ يحوش النار لقريصه) يتجسد لدينا كثيراً وبشكل لا ينم عن وطنية وإخلاص للوطن، لذا فإن علينا أن نعمل ونفرض كل ما من شأنه أن نحوش النار لقريص الوطن والوطن فقط!!.