الكاتب: محمد الأحيدب

الحق والرجال

هَمَّ شاب مجتهد أن يلقي قصيدة مدح أمام فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، رحمه الله رحمة واسعة، ظن الشيخ أنها قصيدة اعتزاز بالدين أو نصيحة أو وعظ. وعندما بدأ الشاب في الثناء على الشيخ أوقفه مباشرة وبمنتهى اللطف، مردداً رحمه الله «أنا لا أوافق، لأنني لا أريد أن يربط الحق بالأشخاص فكل شخص زائل.. إلى آخر ما قال» .وعندما أراد الشاب أن يسترسل في مديحه رحمة الله عليه أوقفه مردداً «أبداً لا أوافق» ثم قال «أنا أنصحكم من الآن وبعد الآن، لا تجعلوا الحق مربوطاً بالرجال فالرجال يضلون» ثم استشهد بابن مسعود قائلاً حتى ابن مسعود قال «من كان مستناً فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أ.ه.» ثم واصل الشيخ قائلاً: إذا جعلتم الحق مربوطاً بالرجال فيمكن أن يغتر الإنسان بنفسه نعوذ بالله من ذلك ويسلك طرقاً غير صحيحة ولذلك فإنني أنصحكم أن لا تجعلوا الحق مقيداً بالرجال، الرجل لا يأمن من الزلل والفتنة وابن آدم بشر قد يغتر بالمديح فيدعي العصمة لنفسه. ويظن أنه معصوم ويظن أن ما يفعله الحق وكل طريق يسلكه مشروع فيحصل بذلك الهلاك ثم إن الإنسان سيموت ولن يخلد.. انتهى حديث الشيخ رحمه الله.

تمعنت فيما سمعت بصوت الشيخ فوجدته الحكمة التي نحن بأمس الحاجة لها اليوم وكل يوم بأن يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال، فالإنسان فعلاً كائن متغير بل إنه ربما كان أسهل الكائنات في التغير والتكيف مع ما حوله سواء بالسلب أو بالإيجاب، والأهواء تؤدي إلى تغيرات هي إلى السلبية أقرب منها للإيجابية، وإلى الباطل أقرب منه إلى الحق .. ولعلنا شهدنا أمثلة كثيرة من البشر لم نكن نتصور أن يتحول معدنهم أو يصدأ بفعل مال أو مركز أو شهرة.

نعم لنجعل حكمنا على الرجال من حيث اتبعوا الحق وأن لا نحكم على الحق من واقع أفعال الرجال وعندئذ سنمارس العدل في أحكامنا.

رحم الله شيوخاً ومشايخ لا يخشون في الحق لومة لائم.

صوت لم يصل

الخبر الذي كتبه الزميل خالد النصار بمهنية وشمولية يوم الخميس الماضي، والذي استنجد من خلاله أبٌ وأمْ لمدمن مخدرات، طالبين نجدتهما في «الحصول على قبول» لدى إدارة مكافحة المخدرات أو مستشفى الأمل لمساعدتهما وإيواء ابنهما المدمن الذي أصبح مصدر تهديد لأسرته في المنزل ولمجتمعه في الشارع ولنفسه أثناء العزلة.هذا الخبر (بتفاصيله التي وردت بشمولية كما ذكرت) يثير تساؤلاً مؤلماً وحزيناً مفاده: هل لدينا استراتيجية حقيقية شاملة للتعامل مع المخدرات كمشكلة اجتماعية بالغة القدم، حديثة من حيث الاعتراف، شهدت أوج تفشيها عندما أنكرناها أو تجاهلناها، ونجحنا نسبياً بالحد من إضافة أرقام جديدة لضحاياها عندما اعترفنا بها وكثفنا التوعية بأخطارها وغلظنا العقوبة لمهربها ومروجها؟؟

حسناً، ماذا عن العدد الكبير من المدمنين القدامى والجدد ومن هم في طور الالتحاق بوكر الهلاك هل قدمنا لهم شيئاً يستحق الذكر أو يدعو للاطمئنان أو يوصف بالتعامل الحضاري؟!

الجواب بطبيعة الحال هو لا والشاهد تلك الصرخة والمناشدة التي نشرتها هذه الجريدة الرائدة وآلاف الصرخات التي لم تتجاوز أسوار منزل صغير أو شقة أو حتى فيلا.

تلك الصرخة بلغت فؤاد سلمان بن عبدالعزيز قبل عينه وأذنه فبادر كعادته وهب لنجدة تلك الأسرة بتوجيهاته السريعة، التي تعودنا منه حرصه في متابعتها وعدم انشغاله عنها، ففرج كرب الصوت الذي وصل.

أجزم أن نفس الموظفين ونفس المسؤولين الذين أهملوا توسلات ذلك المواطن وزوجته وبالتأكيد لم يسجلوا أرقامه وبياناته، هم أنفسهم أصبحوا يبحثون عنه ويستجدونه أن يرد على الهاتف، أقول ذلك لأنني أعرف حزم ولاة الأمر، إذا بلغهم الأمر بمثل معرفتي بتقاعس الجهات المعنية إذا لم يصلهم أمر.

ماذا عن الأصوات التي لم تصل؟! وهل من الحكمة أو المنطق أن تمضي كل هذه السنوات الطويلة منذ الاعتراف بالمخدرات كمشكلة وإعلان الحرب عليها ونحن لم نرسم بعد استراتيجية أمنية صحية اجتماعية شاملة للتعامل مع النتائج المتوقعة لغزو المخدرات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر استيعاب الأعداد الكبيرة من المدمنين الذين يرغبون أو ترغب أسرهم في علاجهم وإنهاء معاناتهم ومعاناة أسرهم، وثانياً إيجاد قنوات ميسرة غير بيروقراطية تلجأ لها أسرة المدمن الذي يشكل خطراً على أسرته ومجتمعه، وثالثاً الحليولة دون عودة المدمن المعالج التائب للتعاطي جراء خروجه المبكر من المستشفى وعدم المتابعة.. واختصاراً للموضوع لماذا نتعامل مع المشاكل وكأننا أول من تعرض لها؟! لماذا لا نستفيد من تجارب الدول المتقدمة في هذا الصدد والتي أجزم أن الأسرة فيها لا تحتاج إلى الاستنجاد بالصحافة لإنقاذها من ابن مدمن.

من ضحايا التأمينات

نظرياً فإن نظام التأمينات الاجتماعية نوقش كثيراً ولمع أكثر، لكن المرآة الحقيقية لكل نظام هي مشاكل ما بعد التطبيق.أمامي قضية أستطيع أن اسميها «ارحموا عزيز قوم أذلته التأمينات»، كان مديراً إقليمياً يستلم ما يزيد عن عشرة آلاف ريال، أصيب (أثناء عمله) و(بسبب ضغوط العمل كما يقول طبيبه) ولكن هذا لا يهم هنا لأنه يسهل نفيه ويصعب إثباته لمن همه النفي، المهم أنه أصيب بجلطة قلبية وأجريت له قسطرة قلب وأصبح لا يتحمل أدنى مجهود بدني أو ذهني فتقاعد تقاعداً مبكراً، وبناءً على تقارير طبية صريحة لكنه تعرض لما يلي:

أولاً: مر ثلاث سنوات بين تاريخ ثبوت العجز المهني وتاريخ فحصه من قبل لجنة طبية للبت في أمر العجز وخلال هذه السنوات الثلاث لم يصرف له ريالاً واحداً من التأمينات بالرغم من أن تأخر فحصه كان عيباً بيروقراطياً لا ذنب له فيه، والرجل دفع جزءاً من راتبه للتأمينات على مدى عشرين سنة، فبأي حق يمنع من راتب التأمين (على ذمة التحقيق) ثلاث سنوات لا لذنب اقترفه ولكن لأن النظام بيروقراطي بطيء؟! وكيف سيصرف على أبنائه وبناته وعددهم تسعة وكيف سيواجه متطلبات الحياة التي دفع جزءاً من راتبه لكي يأمن غدرها؟!.

ثانياً: كان يعالج في مستشفيات خاصة ضمن بند التأمين على موظفي الشركات وبطبيعة النظام والحال فقد أصبح المستشفى يرفضه بعد التقاعد مما نجم عنه تدهور حالته وعدم قدرته على شراء دواء الضغط فارتفع الضغط في إحدى عينيه وفقدت البصر!! فهل هذا نظام التأمينات الذي طالما صفق له مسؤولوا المؤسسة ولمعوه صحفياً وهل يمكن القول أن نظاماً يتسبب في العمى قد أسس على بصيرة؟!.

ثالثاً: وحسب ما أمامي من إثباتات وتقارير طبية فإنه عرض على لجنتين من عدد من الأطباء، اللجنة الأولى فحصته جيداً وقررت أن عجزه مهني وانه يستحق استمرار راتبه التقاعدي. أما اللجنة الثانية فلم تفحصه مطلقاً بل طلبه أحدهم في غرفة منعزلة وسأل كيف حالك (وكان الطبيب يحمل سيجارة!!) ثم طلب منه الانصراف (لا أدري أي فحص هذا إلا إذا كان ينوي سؤاله عن ولاعة!!) وهذه اللجنة هي التي قررت عدم استحقاقه. أي أن الأمر فيه قولان أخذ بالقول المضر بالمؤمن عليه فهل هذا هدف النظام؟!.

رابعاً: أياً كانت نصوص النظام وبنوده وفقراته فإننا نتحدث عن واقع موظف كان دخله الشهري جيداً وتحول بسبب جلطة سريعة إلى فقير يتصدق عليه الناس مع أنه دائن للتأمينات الاجتماعية ومن المؤكد فإن ذلك النظام الموضوع ليس قرآناً (أعز الله كتابه) ولا بد والحال هذه أن النظام ولد غير كامل ولا شامل.

عدلُ ملك وجورُ مدير

عندما تحدث المليك المفدى في خطابه أمام مجلس الشورى رسخ مفهوماً لا أظنه غاب لحظة عن ذهن أي مواطن سعودي وهو أن القائد أكثر ملامسة لأحاسيس المواطن العادي، سواء المستهلك، أو المراجع أو الموظف الصغير أو العاطل عن العمل. ليس هذا فقط بل إن الوصول إلى الملك بات أسهل كثيراً من الوصول إلى مدير في إدارته .الوصول هنا لا يقتصر فقط على الدخول فهذا أمر مفروغ منه ومعروف، فرب مدير أغلق أبوابه وكثف (السكرتارية) والحجاب والجنود لمنع الناس من الوصول إليه وهو منشغل بمتابعة أمور بيته أو مصالحه الخاصة أو ما كتبت الصحافة عنه في وقت كان فيه خادم الحرمين الشريفين يقرب الكرسي لمواطن يشتكي له .

الوصول الذي نقصده يشمل الوصول للأحاسيس والقلب والمشاعر ومدارك الاهتمام في النفس الإنسانية وهو ما جعل أفعال وانفعالات الملك قبل خطاباته تلامس همّاً يعيشه المواطن والمقيم إما فقراً أو بطالة أو نقص رعاية صحية أو خسارة أسهم أو تضرراً من فساد إداري أو ظلم مدير أو تقصير مسؤول أو أي صورة أخرى من صور سوء التعامل مع نفس بشرية .

عندما أعلن خادم الحرمين الشريفين ميزانية خير ورخاء قال للوزراء «لا عذر لكم اليوم» .

وعندما أعلن في خطابه أمام مجلس الشورى جملة من الحزم الضوئية التي ستخترق دواليس الظلام وتكشف بؤر الفساد بكافة أشكاله، ومنه الفساد الإداري، أصبح علينا أن نقول لكل مواطن ومقيم لا عذر لكم اليوم، فساهموا مع ملك الإصلاح في إصلاح كل عضو فاسد أو بتره.

إذا كان مديرك فاسداً فاكشفه، وأعن على تنظيف إدارته، وإذا كان مديرك ظالماً أو شللياً أو مستغلاً لنفوذ أو معطلاً لمصالح أو سارق أفكار أو مهملاً لمراجعين فعليك مواجهته أكثر من أي وقت مضى وكشف أمره ومنع ظلمه وإنصاف الناس منه.

لا عذر اليوم لموظف جبان ولا لمواطن سلبي ولا لرقيب حيران فالمليك القائد أعلن الحرب على أنواع الفساد وكلنا جنود في هذه الحرب .

أكثر ما يستفزني هو أن أرى موظفاً يرى الباطل فيستنكره في قلبه وهو قادر على تغييره بلسانه بالنصح أولاً والشكوى بعد ذلك أو شاهداً يعرف الحق ويسكت عنه ليصبح شيطاناً أخرس .

إذا ظُلمت فاشتك وعليك من الأبواب بأوسعها ومن الرجال بالرحيم ومن الشهود بالعدل، ولن تجد باباً أوسع من باب الملك ولا رجلاً أرحم ممن زار الفقراء في بيوتهم ولا أعدل من ذي دين وذمة، وطالب فما ضاع حق وراءه مطالب .

أتمنى اليوم الذي نرى فيه ديواناً للمظالم الوظيفية يشتكي له موظف مظلوم وما أكثرهم وإنني أرى ذلك قريباً في عهد ملك عادل رحيم.

قنوات الرحمة

دعونا نعقد مقارنة بسيطة وسريعة بين مجموعتين من القرارات لا يفصل بينهما إلا حوالي شهر أو يزيد.المجموعة الأولى قرارات اتخذتها هيئة سوق المال السعودية وطبقتها فوراً وعلى حين غرة من صغار المساهمين أدت إلى انهيار السوق وحدوث ما حدث ولعل أخطر تلك القرارات تحديد نسبة التذبذب بمقدار خمسة في المائة.

المجموعة الثانية التوجيهات الملكية المنقذة للسوق والتي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز «ملك الإنسانية» والتي أعلنت في حينها ووجه يحفظه الله بسرعة دراسة حلول أخرى كالتجزئة والسماح للأجانب بالدخول للسوق مباشرة وليس فقط عبر صناديق الاستثمار وهذه الأفكار المنقذة صدرت بقرارات من مجلس الوزراء في جلسته يوم الاثنين الماضي 27 صفر 1427ه. وأدت إلى انتعاش السوق وانتعاش الشارع وهو الأهم.

عندما نقارن بين الحالتين أو المجموعتين نجد أن قرارات هيئة سوق المال جاءت مرتجلة، غير مدروسة وغير شفافة بدليل المباغتة. بينما جاءت المجموعة الثانية بعد أن تمت دراستها من قبل عدة لجان ثم أيدها وصادق عليها مجلس الشورى وأصدرها مجلس الوزراء.

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تمر القرارات «السلبية» المخيفة التي اتخذتها هيئة السوق عبر قنوات الدراسة تلك وخاصة مجلس الشورى ليتسنى دراسة كافة أبعادها ونتائجها قبل الموافقة على تطبيقها بينما القرارات الإيجابية «المبشرة» مرت عبر تلك القنوات وهذا جيد.

أنا أعلم جيداً أن مجلس الشورى يدرس ما يحال له من مجلس الوزراء، وأعرف أن أي هيئة يمكنها اتخاذ قرارات تنظيمية على مستوى الهيئة ولا تُحال إلى مجلس الشورى، ولكن كان بالإمكان وحسب المعتاد وبناء على ما تقتضيه حساسية القرار وتأثيره على شريحة كبرى من المواطنين بل جميعهم أن ترفع الهيئة مقترحاتها لمجلس الوزراء ليحيلها لهيئة الخبراء أو اللجان المختصة ثم مجلس الشورى.

وأجزم أن هذا لو حدث فإن تلك القرارات وخاصة خفض نسبة التذبذب لا يمكن أن تصدر أو تقر من أي من اللجان المختصة أو هيئة الخبراء أو مجلس الشورى لأنها ببساطة قرارات ذات هدف سطحي وتأثير عميق الخطورة.

أتمنى أن لا يسمح مستقبلاً لأي مؤسسة أو وزارة أو هيئة أن تتخذ قراراً يمس غالبية الناس في شؤون تعليمهم أو صحتهم أو أموالهم وأرزاقهم ما لم يمر عبر (قنوات الرحمة) مجلس الشورى ومجلس الوزراء.

بعرة الصحة

نحن عرب، والعرب اشتهرت عنهم الفراسة وهم من قال: «البعرة تدل على البعير»، أي أن من السهل على من لديه شيء من الفراسة أن يدرك ما يدور مما يدور، فيعرف أن ثمة بعيراً إذا رأى البعرة!!.ما يدور الآن على أرض الواقع العملي (وليس الشائعات أو الأقاويل) أن أسعار الأدوية رفعتها وزارة الصحة بنسب عالية زادت عن 37٪ في كثير منها ووصلت نسباً أعلى في بعضها الأخر وكل ذلك يأتي على كاهل المريض ولمصلحة شركات الدواء ووكلائها ويأتي في وقت يشتري فيه المرضى السعوديون أغلب أدويتهم لأن المستشفيات لا تصرفها، وسبق أن عقبت وزارة الصحة على ما كتبته حول هذه الزيادة ووعدت بحل الموضوع سريعاً ومضت أشهر ودورت وظائف ورحل من كتب الرد من موقعه ولم يتحرك في سعر الدواء ساكن وإن كان حرك أعصاب ومشاعر المستهلكين وأوغر صدورهم!!.

وما يشهده الواقع العملي أيضاً أن الأطباء الاستشاريين الحكوميين المدفوع لهم بدل تفرغ من الدولة يعملون بطرق غير مشروعة في المستشفيات الخاصة والأهلية وبدون أي مسوغ نظامي وأصبحوا يتبجحون بهذا العصيان ومخالفة جميع اللوائح والنظم ويظهرون في الصحف وقنوات الفضاء ويغيبون عن عملهم الحكومي أثناء الدوام الرسمي، صباحاً وظهراً وعصراً، وأهملوا مرضاهم فزادت الأخطاء الطبية القاتلة وطالت مدة بقاء المرضى في المستشفيات الحكومية وما يترتب عليها من تكاليف وزادت الشكوى وانخفض مستوى الرعاية الصحية في المستشفيات الحكومية رغم ما وفرته لها الدولة من تجهيزات وبنية تحتية قوية وصرفت عليها مبالغ باهظة. ومعلوم أن هذه الممارسات وهذا الخروج عن أخلاق المهنة ومخالفة أنظمة الدولة يمكن لوزارة الصحة قطع دابره بمراقبة المستشفيات الخاصة التي يعملون بها وتغريمهم لسماحهم لطبيب حكومي لا يتبع لهم نظاماً أن يمارس المهنة لديهم ومجموعة أخرى من الخطوات التي يمكن أن تنهي تماماً هذه السلوكيات المشينة، لكن الوزارة لم تفعل!!.

هذا التغاضي من وزارة الصحة عن ممارسة دورها في حماية المريض من رفع أسعار الدواء، وغياب الأطباء الحكوميين إلى جانب ارتفاع غير مبرر لفواتير المستشفيات الخاصة والأهلية وإهمال الخدمات الإسعافية فيها بل ورفض استقبال المريض في إسعاف المستشفيات والمستوصفات الخاصة مما جعل بعض المصابين يموتون على أبواب تلك المستشفيات التي دعمها الوطن أيما دعم ولايزال، وانتشار الدعاية الدوائية الممنوعة اصلا وغيرها كثير ألا تدل على أن الوزارة تمارس ليناً غريباً مع القطاع الخاص يصل حد الضعف أو غض الطرف؟!

وهذا يشير إلى ماذا؟! ألا يَطرح تساؤلاً عن ماهية الوزارة وماهية القطاع الخاص وما وجه الشبه بين عناصر كل منهما؟!.

في برود وزارة الصحة نحو الانتصار للمريض أليس ثمة بعرة تدل على بعير؟!.

شوكة الشرطي

كنت أراجع إدارة الجوازات عندما سمعت ورأيت شاباً يوجه سيلاً من الشتائم لأحد الموظفين العسكريين دون أن يرد عليه بغير كلمة «روح» كنت أعلم أن أي خلاف إداري أو غيره لا يمكن أن يبرر تلك الألفاظ وزاد عجبي حينما علمت أن السبب لكل هذه الجرأة غير المؤدبة لا يعدو رغبة في الحصول على عدد أكبر من الاستمارات وأرقام مبكرة لحجز دور غير مستحق، أي أن الشاتم معقب أناني!!

عدت بالذاكرة إلى زمن مراهقتنا عندما كنا نخاف (بل نحترم) بدلة العسكري حتى لو كانت معلقة لدى «الغسال» رغم أننا ولله الحمد وبفضله ومنته لم نشهد حكم نظام عسكري أو حالات طوارئ لكننا تعلمنا أن العسكري يفرض النظام وعلينا احترامه، وتذكرت أيضاً أحد أبناء «حارتنا» عندما التحق بالعسكرية مستجداً وأصبح يلبس البدلة ويحذرنا أن قطع كل (زرار) يكلفك ستة أشهر سجن وكانت البدلة تحمل ما يعادل 72 شهراً في السجن من الأزرار.

كنا ونحن نتشاجر معه حريصين على أن تتوجه اللكمة لتسقط سناً على أن تسقط (زراراً).

توجهت بالسؤال إلى عدد من الضباط وضباط الصف في أجهزة مختلفة حول أسباب جرأة الشباب على العسكري هذا اليوم أكثر من ذي قبل فأجمعوا على أن إدانة ومعاقبة مواطن أو مقيم اعتدى عليهم تحتاج إلى عدة أشهر من المراجعة في المحاكم وإحضار الشهود ومرحلة شاقة تفرض عليك أن تترك من أساء إليك وتشكو حزنك وبثك إلى الله.

أنا كمواطن مدني شغوف بحقوق المجتمع المدني وحفظ الحقوق والاحترام للجميع وبنظرة واقعية لما تفرضه المصلحة الوطنية والمصلحة العامة، لو خيرت بين الزمن الماضي وهذا الزمن فسوف اختار الوسط ولو لم أمنح إلا أحد الخيارين فإنني بلا تردد سوف اختار الزمن الذي مضى لأن قوة رجل الأمن هي حماية للصالح من المجتمع فتعرضك لسارق أو معتد (وهم كثر هذه الأيام) أمر قد تجبر عليه في أي و قت ولا خيار لك في تلافيه ولا منقذ لك منه إلا رجل أمن جريء حر، أما الدخول في شجار مع رجل أمن فهو أمر يمكن لك أن تتلافاه بضبط النفس وأخذ حقك بالطرق النظامية ولو طالت.

أنا ممن يرى بأن تقوية شوكة رجال الأمن ورجال فرض النظام أمر مطلوب، خاصة في ظل تزايد الأعمال التي تتسم بالجرأة على النظام في جميع الأماكن وعلى جميع الأصعدة بدءا بالشارع وانتهاء بقاعات الحوارات الثقافية التي يفترض أن تدرس النظام.

راجعوا إن شئتم حادثة مباراة الرائد والجبلين التي اشتهرت وستجدون أن الجميع يتذمرون من دفع أو شد حكم اللقاء لكن اللقطات كانت حافلة بدفع وشد رجال الأمن ورفع اليد في وجوههم و لم ينتبه لذلك أحد..وهذا غير مقبول.

إدارة «التينيجرز»

يشكل المراهقون في المرحلة السنية بين 13 إلى 17 سنة مشكلة كبرى لكثير من الدول وعلى وجه الخصوص في الغرب حيث تسبب انفعالاتهم و«طفرتهم» خطراً على الآخرين، فهم قبل الثامنة عشرة يشعرون بأنهم مقيدون ولم يصلوا بعد إلى سن الحرية الكاملة فيحاولون أن يتمردوا على هذا الحاجز بسلوكيات غريبة يحاولون من خلالها إثبات رجولتهم أو أنوثتهم قبل أوانها !!، وفي أمريكا مثلاً يسمونهم «تينيجرز» لأن أعمارهم تحوم في خانة العشرة ولم يبلغوا العشرين بعد ويحسبون لهم ألف حساب .

نحن ولله الحمد لا نعاني من هذه المشاكل كثيراً لأننا وبفضل من الله تمتد لدينا فترة الانضباط طويلاً حتى النهاية، فلا يعني البلوغ بالنسبة لنا غير التكليف ومزيد من الانضباط وإن كان من لا ينعم بتربية حسنة فإنه يحصل في العاشرة من العمر على ما يحصل عليه من هو في الأربعين، أي يمكن له أن يشتري الدخان والشيشة ومشتقاتهما دون نظام يمنع وهذا عيب في حد ذاته .

خلاف ذلك فإن معاناتنا الوحيدة مع مَن هم في ذلك السن 13 إلى 17 سنة تكمن في مقاسات الملابس وتطلق عليه السيدات وباعة الملابس (مقاس محير) لأنه يحيرهم كثيراً فلا هم أطفال يصلح لهم لباس الطفل ولا كبار تصلح لهم ملابس الكبار .

المشكلة الكبرى لدينا هي في الأعمار الإدارية لأن المراهقة الإدارية لا تعترف بعدد السنين وإنما بالعمر الإداري «أي كم هي خبرتك الإدارية؟! وكيف هي عقليتك الإدارية ؟!».

إذا أعطيت المسؤولية لشخص في الخمسينيات لكن خبرته الإدارية أقل من 17 سنة فنحن هنا نتحدث عن «تينيجرز إداري»، وهذا يعني بالتأكيد أن الوظيفة ستعاني من مراهقة إدارية وقرارات عشوائية وانفعالية ناتجة عن «طفرة» الحصول على المنصب قبل الأوان أو استعجال المسؤوليات .

الإدارة أيضاً فيها سن طفولة وسن بلوغ وفيها السن المحيرة التي تجعلك في حيرة من أمر ذلك المدير هل هو جبان أم شجاع ؟! هل هو رزين أم متهور ؟! هل هو أمين ومنصف أم مراوغ متحيز ؟!.

المعايشة الإدارية فقط هي التي تجعلك تدرك الفرق وهي التي تقنعك بأن الإدارة الوسطى يمكن أن تضع فيها مراهقاً إدارياً ينعم بالكثير من الطاقة والقليل من حسن التصرف أما القائد الإداري فلا بد أن يكون بالغاً بل ومسناً فأنت لا تريده أن يتحرك بقدر ما تطلب منه أن يحرك إدارته ويديرها بحكمة وخبرة عشرات السنين، لأن سن البلوغ الإداري تقاس بعدد سنوات الخبرة الإدارية لا العمرية ولا المهنية .

درس أبوي لهيئة السوق

قبل ثلاثة أشهر كنت أعد العدة وأجمع أدواتي للثناء على أسلوب هيئة سوق المال السعودية في توعية المساهمين والمستثمرين في سوق الأسهم عبر معظم القنوات الفضائية ومخاطبتهم برسائل قصيرة ومعبرة تحذرهم من المخاطرة دون دراسة ومن الاعتماد على الشائعات .
وما هي إلا أشهر وإذا بالهيئة تتخذ قرارات مفاجئة وتنتهج أسلوب المباغتة المضرة بصغار المساهمين مثل تحديد نسبة التذبذب بخمسة في المائة وغيره من القرارات التي صدرت بين عشية وضحاها والتي ساعدت على انهيار السوق.
وجاء درس الأبوة الحانية ، الدرس الملكي الحكيم الذي يجب أن يستفيد منه كل مسؤول في مسؤوليته وكل راع في رعيته وكل حاكم في شعبه .
قلبُ عبدالله بن عبدالعزيز لا ينبض بغير الإنسانية وقد نبض بحلول تجمع بين جلب المنافع ودرء المخاطر ، فكانت قراراته تشع حكمة وحناناً واستطاع القلب الكبير أن يحرك قلوباً توقفت واليد الكريمة أن تكفكف دمعاً ذرف من عزيز فأعاد للشارع السعودي بهجته .
أتمعن في موقع جريدة «الرياض» على الإنترنت فأجد 83 تعليقاً حتى ساعة كتابة هذه الزاوية على خبر توجيهاته يحفظه الله وهو أكبر تجاوب عبر الشبكة العنكبوتية شهدته في حياتي وجميعها تشع حباً وامتناناً وولاء .
إنه درس في الحكمة والعطف والإنسانية يجب أن نستوعبه جميعاً كل في مجال عمله وحياته الأسرية والاجتماعية .