الكاتب: محمد الأحيدب

يا حمام بالانفلونزا ينوح!!

عندما سقط نسر نافق في الفناء الخلفي لمنزل الرئيس المقدوني برانكو كوفينكوفسكي أجبر الرئيس على البقاء في منزله خوفاً من أن يكون مصاباً بأنفلونزا الطيور وتم اتخاذ كل الاجراءات الاحتياطية وتطهير المنطقة وبقي الرئيس قيد الإقامة الجبرية أكثر من ثلاث ساعات لابد أنها كانت حافلة بالمواعيد المهمة.
كل ذلك حدث رغم أن مقدونيا لم تسجل أي حالة من وجود سلالة (اتش 5 إن 1) المميتة من فيروس انفلونزا الطيور.
الاحتياطات بنيت على أساس أن اليونان التي تقع على الحدود مع مقدونيا سجلت وجود الفيروس.
عندما ينتشر وباء قاتل أي وباء حتى لو كان الناقل له هم البشر فإن الاحتراز يجب أن لا يقف عند حد ويكون حتى الهلع والخوف السكاني أمراً طبيعياً واستجابة متوقعة.
وإذا كان الوباء ينتشر عن طريق أجسام طائرة كالطيور تنتقل «بدون حدود» وبدون جواز سفر ولا حجر صحي وتعدي أي زميل طائر آخر من أي نوع فإن الاحتراز يفترض أن يصل اللون الأحمر بناءً على التقليد الأمريكي (أمريكا تموت في الشكليات وتموت بها).
الهلع السكاني هنا أمر متوقع وبشكل كبير وإذا كان الأمر كذلك فيفترض أن تكون الجهات المعنية جاهزة للتجاوب مع أي بلاغ عن نفوق طائر، بل تجهز عدتها لاستقبال أي بلاغ عن طير هوى في أحد السطوح، وأهم هذه العدة الخاصة باستقبال البلاغات خط ساخن لوزارة الزراعة وآخر لوزارة الصحة أو واحد لهما معاً بدلاً من خط النفي البارد لكل من وزارة الصحة ووزارة الزراعة بعدم احتمالية انتقال الوباء لنا وكأننا محاطون بشبكة تمنع طيور العالم من العبور إلينا.
الحمام الذي تكاثر منذ عدة سنوات كان نفوقه أمراً طبيعياً إما بفعل العطش في السطوح أو بفعل صفعة خطافية من قط أقشر أو «شطفة» «رفرف» سيارة تجعله «لا يرفرف» أما اليوم فإن الوضع قد اختلف وثمة سبب مخيف محتمل ولا يفترض أن يمر نفوقه اليوم مرور الكرام ويجب أن نبلغ عنه إذا كانت لدينا النية أن نحتاط مثل بقية العالم المتقدم.
إذا وجدت ربة منزل أن الحمام «الذي كان على الغابة ينوح» قد فرش جناحيه في حوش المنزل أو ممراته أو سطحه فبمن تتصل؟ ومن تبلغ؟ ومن يطمئنها انها لن تفرش ذراعيها بجانبه؟ ولماذا لا يكون هناك خط ساخن بل خطوط ساخنة للتبليغ عن هذه الحالات؟!
أرجو أن لا يقول أحدهم إن الأمر صعب لأن الاتصالات تمنح الخطوط بوفرة والباحثون عن العمل متوفرون والأمر غاية في الأهمية وهو دون أدنى شك أهم من الخطوط الساخنة للعلاقات العامة الخاصة بنشر تحركات المسؤول وأهم من خطوط الاتصال بقنوات الفضاء لطلب أغنية «حمام جانا مسيان»!!
الذي ينقصنا ليس «خطاً» بل «حظ» في موظف جاد وطني.. لاحظوا أنها نقطة تحركت من «الخاء» إلى «الطاء» فغيرت في أولوياتنا تلك الأولويات العجيبة التي يرسمها «الهوى» فأعاننا الله إذا الطائر المحلق هوى.

العروس ومسيار وزارة الصحة

منذ حوالي عشرة أشهر وتحديداً في 12 و 15 مايو 2005م كتبت زاويتين من «بصوت القلم» في هذه الجريدة أحذر من «الآنسة ناموسة» الناقل الرسمي لجميع ما عرف وما لم يعرف من الأوبئة التي تنتقل من مريض إلى سليم مثل الملاريا القديمة الجديدة أو بالنقل الجماعي لمجموعة من الفيروسات ونشر عدد من الأمراض الفيروسية .
واستغربت توقف رش البعوض في مدننا الرئيسة وأن البعوض بات يدمي مقلة الأسد، ونحن أسد في إنجازاتنا الطبية وأسد في كوادرنا المتخصصة المتابعة للدراسات والإحساس بدرجة الخطورة وأسد في جمال مباني البلديات والحضارة الأسمنتية، لكننا رغم كل هذا الكم من التقدم عاجزون عن قتل بعوضة .
ما حذرت منه وقع وهاهي الآنسة ناموسة تهتك صحة جدة وما حولها، و«تنشر» حمى الضنك، ومسؤولو وزارة الصحة منشغلون «بنشر» أخبارهم الخاصة وردودهم اليائسة.
تقول جريدة «الحياة» إن وزارة الصحة وأمانة محافظة جدة اتفقتا أخيراً بعد أن زالت الخلافات بينهما حول المسؤولية عن حمى الضنك وبدأتا جهداً مشتركاً لإعداد حملة «ضخمة» لمكافحة المرض وتوعية الجمهور بخطورته .
قلتها أكثر من مرة وكتبتها مراراً أن بعض وزاراتنا تتهرب من الجهود المشتركة والأنشطة متعددة الأطراف مع أنها الأسلوب الصحيح الفاعل، وهذا التهرب سببه أن كل وزارة تبحث عن الضوء المنفرد والمردود الإعلامي ووزارة الصحة واحدة من أشهر الأمثلة.
لم تتفق الصحة وأمانة جدة على جهد مشترك إلا بعد أن زالت الخلافات حول مسؤولية مشتركة (نفس الشيء حدث مع وزارة الزراعة إبان أزمة حمى الوادي المتصدع).
لا أدري لماذا «المسؤول» لدينا شغوف بنفي المسؤولية أكثر من شغفه بحل المشكلة «ليست مسؤوليتنا، خارج صلاحيات الوزارة، لا علاقة لنا بما يحدث» كل عبارات النفي تلك تأتي عند حدوث مشكلة، أما إذا حضر «الفلاش» فإن الأمر ينعكس تماماً !!.
الصحة مسؤولة وبدرجة وكالة وزارة مساعدة عن الوقاية من الأمراض «طب وقائي» ويفترض ولا أجزم أن هذه الوكالة تدرك أن البعوض إذا انتشر فإن الأمراض تنتشر، والبعوض من أخلاقياته أنه لا يميز بين مدير ووكيل أو حتى وزير ومراجع ومواطن عادي، فالآنسة ناموسة تقبل أي جلد وجلدة فهل كانت وزارة الصحة تجهل تكاثر البعوض أم أنها تجهل أضراره أم أن وكالة الطب الوقائي تحتاج لوقاية؟!
لماذا لم تبدأ تلك الحملة المشتركة لمكافحة البعوض إلا بعد أن انتشر المرض؟! وكم مضى من الأشهر التي استغلتها الآنسة ناموسة في التكاثر إبان وجود خلاف بين الصحة وأمانة جدة على «من المسؤول»؟!.
تزوجت الآنسة وأنجبت وقتلت ونشرت يرقاتها في مدن رئيسة وليست هجراً نائية ووزارة الصحة وأمانة جدة تحتفلان باتفاق على إزالة الخلاف في عرس أشبه بالمسيار لابد له أن ينتهي، لتبدأ الصحة خلافاً جديداً واتفاقاً جديداً ومسياراً جديداً مع أمانة مدينة أخرى وأحفاد الآنسة ناموسة يحتفلون.
البعوض يعج في الرياض وغيرها فهل ننتظر نقله لمرض جديد أو نفس المرض حتى نتحرك؟!.
صحيح أن ردم المستنقعات ورشها ورش البعوض مسؤولية البلديات وأهملت مؤخراً في القيام به، لكن الأمراض الناجمة ومضاعفاتها تعالجها وزارة الصحة فيفترض أن تكون الأحرص على منع المسببات قبل حدوثها وأن تكون الحملة «الضخمة» قبل أن تقع الفأس في الرأس.

ابقيق إعلان نهاية

ارتبط حرق النفط ارتباطاً وثيقاً بالهزيمة أو الشعور بحلول النهاية، ولعل أحدث أمثلة هذا العصر إحراق صدام حسين لآبار النفط الكويتية معلناً عن نهاية مغامرته بغزو الكويت بهزيمة ساحقة بل أم الهزائم عام 1991م.
وحتى في بلاده التي حكمها ما يزيد عن ثلاثين سنة نعم خلالها هو وعائلته وأعوانه بعوائد النفط فقد شرع في مكافئته بالحرق قبل دخوله حفرة الهزيمة!! عام 2003م.

وعلى مر التاريخ ارتبط حرق الزرع وإهلاك الحرث والنسل بحلول الهزيمة الساحقة، فعندما تقهقر الألمان من نورماندي عام 1944م أعلنوا هزيمتهم بحرق النفط والأراضي الزراعية (سياسة الأرض المحروقة).

المحاولة اليائسة بحرق معامل مصفاة النفط في ابقيق إعلان صريح وواضح وموثق تاريخياً لهزيمة الإرهاب وانتهاء آماله بحالة يأس وانكسار وفشل لكل الخطط والمحاولات للنيل من أرض الحرمين الشريفين.

الفرق الوحيد بين حالات الحرق التي استشهدت بها ومحاولة حرق نفط ابقيق تكمن في الجواب على سؤال (من يحرق من؟!).

في الأمثلة المذكورة بل في كل الأمثلة عبر التاريخ كان «ممارس الحرق» يحرق نفطاً أو زرعاً لعدو محاولاً أن يلحق به خسارة ولو في الرمق الأخير «حتى صدام وهو يحاول حرق نفط العراق فعل ذلك لأنه يعتبر العراق عدواً بدونه!!، ويعتبر نفط العراق سيصبح غنيمة لمحتل».

في مثال ابقيق كان الأمر أكثر فضاعة وإجراماً فقد كان المعتدي يحاول حرق نفسه، حرق مقدرات قبلة المسلمين، حرق الممول الرئيس لبناء المساجد في العالم، حرق مصدر قوة العالم الإسلامي الذي سخره الله ليكون سبباً لإتفاق العالم أجمع على ضرورة استقرار هذه البقعة.

كان ذلك المختل وأعوانه يشرع (بقصد أو بغباء أو بتزيين الشيطان له سوء عمله) في إضعاف أكثر من ثلاثمائة مليار مسلم أمام أعدائهم، هذا على الصعيد السياسي والاقتصادي للعالم الإسلامي أجمع.

على المستوى المحلي كان يحاول قطع رزق ملايين المسلمين في بلاده وإضعاف اقتصاد وطنه والذي قد يترتب عليه انتشار الفقر وتفشي الأمراض وبالتالي ارتفاع مستوى الجريمة والرذيلة وإذلال المسلمين.

حصاة تعليم البنات

عندما مشت حافلة البنات وهي تسحب فتاة أقفل الباب على عباءتها، عُزي ذلك إلى جهل السائق وعوقب إعلامياً لامتصاص غضب الرأي العام.. وتكررت حوادث مشابهة كان لكل واحدة كبش فداء، سائق أو مرافقته، وكان القضاء والقدر العذر المشترك الأعظم.
حسناً عندما أخبركم أن حافلة نقل طالبات إحدى المدارس الابتدائية في الرياض تعمل منذ مدة بدون كابح «بدون فرامل» وسائق شركة توصيل الطالبات يصرخ بأعلى صوته أن الحافلة لا تصلح وغير آمنة وكفيله لا يهتم، والسائق يبلغ مديرة المدرسة والمديرة هي الأخرى تصيح بالصوت الرفيع للمسؤولين في تعليم البنات دون أدنى تجاوب.. هل تصدقون؟!.

عندما أقول لكم إن لدي صوراً للحافلة وهي لا تتوقف إلا بوضع حجر أمامها وأن مهمة بواب المدرسة هي استقبال الحافلة بذلك الحجر، حتى أصبح يسمى (حصاة الأوتوبيس) الحجر طبعاً وليس البواب فهل تقتنعون؟!.

أنتم أعزائي القراء سوف تصدقون وتقتنعون لأنكم رأيتم ما هو أكثر عجباً واستغراباً، أما من أقصدهم بالسؤال فهم بعض الجالسين في تعليم البنات خلف شاشات الأسهم ومتابعة المصالح الخاصة هل لديهم استعداد للتصديق أن حافلة متعهد نقل الطالبات تحمل فلذات أكبادنا بدون «فرامل»؟! وان هذه الحافلة إذا هوت من فوق أحد الجسور إلى طريق سريع وتناثرت أجساد بريئة فإنهم لن يجدوا كبش فداء فالسائق والمديرة أديا ما عليهما والمتعهد تاجر وهم الرقيب عليه وليس من المستغرب أن يجازف تاجر بأرواح الناس لكي لا يجازف بربحه.

ثم إن أي عذر أو اعتذار أو تملق لن يعوض أسرة فقدت زهرة أو اكثر ولن يقنع مجتمع عانى كثيراً من إهمال موظف أو رقيب.

إذا كان موظفو ومسؤولو تعليم البنات قد استمرؤوا الأخطاء وتعودوا سماع أخبار الوفيات والحرائق والنتائج الوخيمة للإهمال فإن الوقت قد حان لنطبق العقوبة قبل حدوث الكارثة، فلسنا في حاجة لانتظار حدوث حادث لحافلة تحمل كما هائلاً من الأنفس الزكية لكي نتفاعل.

احتفظ باسم المدرسة والمديرة وصور ورقم الحافلة وصورة «الحصاة» وبالمناسبة هذه هي الحجرة الوحيدة في التعليم التي يجب أن لا تزال «حصاة» تعليم البنات التي تحتاج إلى إزالة ليست هذه «الحصاة»!!.

أما الأمر الأقل خطراً ويبقى مهماً فهو أن تلك الحافلة كثيرة الأعطال مما سبب عدم إيصال الطالبات تارة بسبب عطل تام وأخرى لأن المديرة تصاب بحالة ذعر شديد خوفاً من أن يحدث لطالبتها مكروه.

المديرة صرخت وصرخت وعندما أصابها اليأس صرحت لي وأتمنى أن لا ينتهي الأمر بأن تعتبر المديرة «حصاة» التعليم القابلة للإزالة!!.

براءة الصحافة بشهادة المياه

يرى بعض المسؤولين أن الصحافة تهدف للإثارة ويحاولون ترسيخ هذا المفهوم والتشبث به عندما يتعرضون للنقد .. ويحتجون أحياناً بأن الكاتب لو أراد حل مشكلة دون إثارة فلماذا لم يتصل بنا ؟!
الحقيقة أن الجهات الحكومية والخاصة هي من يجبر الصحافة عامة والكتّاب خاصة على معالجة كل مشكلة بطرحها على بساط صاحبة الجلالة، ويأتي ذلك من خلال عدم حل مشاكل المواطنين ما لم تطرح في الصحافة وعدم التجاوب مع الكاتب إذا اتصل أو بعث برسالة ولم ينشرها وفي الوقت ذاته التجاوب على أعلى المستويات عندما تنشر الشكوى وغالباً ما يعقب النشر حالة استنفار في الجهة المنتقدة .

هناك من المسؤولين من يغلق كل الأبواب أمام المواطن المتظلم فلا يجد أمامه غير مخرج الصحافة ليحصل على حقه .

على سبيل المثال انتقدت ذات مرة وزارة المياه والكهرباء عندما ركزت على أدوات الترشيد وكأنها وزارة ترشيد بل ولم تشمل في حملتها المسابح وقنوات الهدر الكبرى فئة (8) بوصات التي تفوق كثيراً هدر سيفون أو صنبور (رُبُع) بوصة . وتكاثرت أن يخرج الوزير بنفسه في قنوات التلفزة ليشرح أمراً هو أقرب للسباكة منه لرسم الإستراتيجيات .

بعد النشر بيوم واحد اتصل معالي الوزير مشكوراً ووجه لي الكثير من الأسئلة ووعدني بإعطائي الفرصة لإجابتها.

بعد أشهر أرسلت لمعاليه خطاباً أحسبه رقيقاً يتعلق بقطاعين تحت مسؤوليته الكهرباء والماء أشرح فيه ما يعانيه المواطن من صعوبة في تسديد فواتير الكهرباء عند اقتراب فصل التيار فالبنوك ترفض بحجة فوات موعد السداد ومكاتب الكهرباء لا تقبل الدفع نقداً وتمنحك فاتورة جديدة لا تقبلها البنوك إلا بعد ثلاثة أيام لأن المعلومات لم تحدث وموظفو الفواتير لا يردون على الهاتف، وتطرقت أيضاً لمعاناة المواطن المطبق بحقه مخالفة تسرب ماء من رفض تظلمه وعدم تواجد مسؤول المخالفات في مقر عمله (وهذا أشد من المخالفة) أو انه لا يسعد بسماع حججه.

ثم تساءلت ما الذي ستفعله أرملة أو شيخ كبير أو فقير يستقل الليموزين ليسدد فاتورة فترفضه الشركة والبنوك ولا يجد من يرد على هاتفه ليعرف أين يستقل الليموزين في مشواره القادم ؟! ومن يستمع إلى مرافعة متظلم من غرامة إذا كان مسؤول الغرامات لا يداوم أو في برج عاجي ؟! .

خمسة أشهر مضت ولم يرد الوزير لا هاتفياً ولا بالفاكس ولا بريدياً وعندما اتصلت بمكتبه قيل لي إن الشكوى «أحلناها» أي نحن الكتبة إلى شركة الكهرباء ومصلحة الماء !! (أي لخصوم الشكوى) مع أن الرسالة كانت لمعالي الوزير !!.

كان الأجدر بي أن أنشر ما كتبت لأحصل على تجاوب سريع، مباشر، وغير فعال .

مختبرات النصب الأنيق

من يسمع عن الحملات على محلات العطارة ومن يقرأ التحذير من التعامل مع الأطباء الشعبيين أو قفل محلات معالجين غير مرخصين يعتقد أن صور استغلال المرضى تنحصر في تلك الأشكال التي تنتشر أخبار الحملات ضدها مع أن تلك المحلات الصغيرة التي تلعب وزارة الصحة دور الأسد عليها ما هي إلا صور مكشوفة يعرفها المستهلك قبل الجهة الرقابية ويدرك أنها غير نظامية وربما غير مأمونة ولا يلجأ إليها إلا بعد أن يدب اليأس في أرجائه لكنه يعرفها جيداً وإذا خدعته فإنها تخدعه بمعرفته، فلا ينم إيقاع الجهات الرقابية الصحية بها عن أدنى «شطارة».
الخداع الأخطر هو ذلك الذي يرتدي ثوب الصلاح وهو فساد خفي، ويختفي بعباءة العلاج وهو المرض بعينه، وهذا لم تكتشفه بعد أجهزة وزارة الصحة لأنه يحتاج لعين ثاقبة متخصصة وجريئة وتلك لا تتوفر فعيون رقابة الصحة لا تختلف عن عين أي مواطن عادي، ولذا فإن الثوب والعباءة التي تخدع الجمهور تمارس الشيء نفسه مع الرقيب وربما بطريقة أسهل.

ثمة مختبرات مرخصة توهم بأنها تتعامل مع تحليل «الجينات» أو اختبار عناصر ومتغيرات في الجسم البشري غير تلك المعروفة في مختبرات المستشفيات وتحاول تقمص شخصية الطب البديل أو الاستتار خلف غموض هذا الضرب من ضروب الطب.

أحد المواطنين دفع أكثر من سبعة آلاف ريال لإجراء اختبارات حساسية في أحد هذه المختبرات وكان قد دفع ثلاثمائة ريال ثمناً لجلسة إقناعه بإجراء التحاليل والتي يتولاها أستاذ جامعي.

الأدهى أن هذا «المختبر» يصرف الأدوية «ليس من حق غير الصيدلية صرف الدواء نظاماً» أما الأمر والأخطر أن تلك الأدوية أدوية مركزة بجرعات وتراكيز تعادل أحياناً عشرة أضعاف الجرعة العادية بحجة أنها أدوية طب بديل، والأغرب أنها غير مسعرة ويضع لها المالك «البرفسور» السعر الذي يريده وقد وصلت فاتورة الأدوية لذلك المواطن أكثر من عشرة آلاف ريال مما جعله يرفض استلام الأدوية ويهرب.

هذه المختبرات تقدم نتائج التحاليل في شكل رسومات جذابة ملونة (مثلاً عندك حساسية للفجل رسمتك فجلة أما إذا كنت حساساً لحليب الماعز فإن تقريرك يحتوي على صورة «معزة» !! وهكذا).

الطريف في الموضوع أن أحد المرضى صنفه التقرير على أن لديه حساسية لحمض الكافييك (CAFFIC ACID) فأشار عليه برفسور «الجينات» أن يمتنع عن القهوة وكل ما يحتوي على الكافيين، وحرم المسكين نفسه من كل هذه الأشياء وأعزها عليه القهوة ليكتشف بعد مراجعة علماء العقاقير أن هذا الحمض لا يوجد في القهوة ولا علاقة له بالكافيين إلا مجرد تشابه الأسماء.

واتضح أن برفسور المختبر لا يعرف نتائج جهازه بل أن التقرير الأنيق بصور الماعز ما هو إلا وسيلة لجذب من تناسى مراقب الصحة حمايتهم لأنه كان أسداً على العطارين نعامة في خطوب المختبرات والعيادات الأنيقة.

السؤال الهام : كيف رخص لهؤلاء؟ وبناءً على أي أساس نظامي يسمح لهم ببيع أدوية وتسعيرها دون رقيب؟ وهل اقتنعت الوزارة على أساس علمي بطريقتهم في التحليل والعلاج وإعطاء الجرعات المضاعفة؟ وستجد أن كون المختبر يقبع في بناية شامخة وعلى طريق رئيسي ويملكه أستاذ جامعي له دور في ترك الحبل له على الغارب !! أي أن الشكليات خدعت الوزارة وإلا فإن خطره أكبر من العطار.

تعميم يمنع حقاً مشروعاً

أخطر ما يمكن لإنسان أن يمارسه ضد إنسان آخر هو حرمانه من حق مشروع، فالإنسان بطبيعته البشرية المتميزة تتوفر لديه القناعة والقبول بمنعه من ممارسة أمر غير مشروع حتى لو أراد ممارسته فإنه يتقبل أي رادع بقناعة ورضى. ويحدث العكس تماماً عند منعه من حق مشروع إذ يصبح أكثر إصراراً وإلحاحاً ومحاولة للوصول لنيل حقه حتى لو اضطره ذلك للتحايل على القرارات والاجتهادات التي شكلت نظاماً حرمه من حقه المشروع.
الاستزادة من طعام يشبع جوعة أو شربة تروي ظمأً هي حقوق مشروعة لا يمكن لإنسان أن يقبل منعه من ممارستها، والاستزادة من علم نافع لا تختلف مطلقاً من حيث الإصرار والرغبة والمشروعية.

أمامي قضية تفصيلية بكل وثائقها لمواطنة سعودية أفنت جزءاً غير يسير من عمرها في تعليم بنات هذا الوطن ولديها إصرار وعزيمة على ممارسة حقها في مواصلة التعليم العالي والحصول على أعلى درجاته لكنها اصطدمت بقرار اجتهادي اتخذته وزارة الخدمة المدنية يمنع الإيفاد الداخلي لمن تجاوز سن الأربعين مطلقاً ولا يستثنى من ذلك إلا «التخصصات التي يكون الاستمرار في أداء العمل أحد متطلباتها كالتخصصات الصحية» كما ورد في خطاب صادر من وزارة الخدمة المدنية، يفهم منه أن الوظائف غير الصحية لا تستوجب تطوير الذات، وهذه من عقد الترويج لأهمية الوظائف الصحية دون غيرها وقعت فيه حتى وزارة الخدمة المدنية أكثر من مرة «للمعلومية أنا موظف صحي مستفيد من هذا المفهوم الخاطئ».

المواطنة الطموحة لم تترك باباً إلا وطرقته ولم تدع جهة حكومية ذات علاقة إلا خاطبتها وتوسلت إليها أن تمنحها الفرصة، وبحكم رصيدها الوافر من حفظ الكتاب الكريم والأحاديث النبوية وسنة السلف الصالح فقد استشهدت في محاولة الإقناع بحقها في مواصلة دراستها رغماً عن عائق السن الموضوع دون سبب مقنع، استشهدت بالآيات والأحاديث التي تحث على طلب العلم في كل مراحل الحياة وحتى الموت. وبالآية التي تشير إلى أن بلوغ الأربعين هو بداية بلوغ الإنسان أشده {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه..الآية} سورة الأحقاف الآية (15).

وقوله صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ومأثور القول من التراث الإسلامي «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد» وقول الإمام أحمد بن حنبل «إنما أطلب العلم إلى أن أدخل القبر».

وعندما لم تجد أذناً صاغية وطغت بيروقراطية التعاميم وقرارات اللجان غير الطموحة، فقد حدث ما حذرت منه عند منع الإنسان من ممارسة حقه المشروع فلم تجد بداً من تناسي أنها تعمل والتقديم على أنها امرأة غير عاملة وصبرت على عدم التفرغ لا كلياً ولا جزئياً وجمعت بين جهد العمل وهم الدراسة وثابرت وأنهت عاماً دراسياً من برنامج الدكتوراه بتفوق لتجد أن الذي غض الطرف عن كونها موظفة يتربص بها مع قرب النهاية ويواجهها بالحجة ذاتها ويطوي قيدها ويحرمها من حق مواصلة التعليم (حق مشروع).

احتفظ باسم المواطنة واسم الجامعة وتفاصيل المعاناة لمن يرغب تفريج كربتها، وإن كنت أرى أن الحل الشامل للجميع هو الطريق الصحيح.

قبطان الإدارة الغارقة

إذا غابت النظم والإجراءات والسياسات المفصلة تفصيلاً دقيقاً فإن سير العمل خاصة في المراكز الوظيفية القيادية يعتمد اعتمادا كليا على الحالة النفسية والسلوكية للمسؤول، وهذا جد خطير.
حسنا.. غياب تلك النظم أو الأطر التي تحكم عمل المسؤول (وزيرا أو وكيلا أو مديرا عاما تنفيذيا) إذا تزامن مع غياب للرقابة والمتابعة والمساءلة فإن المؤسسة برمتها تبحر في بحر من الظلم والظلمات وتصبح بكل من فيها من موظفين وكل من يعنيه أمرها من المستفيدين من خدماتها رهناً للحالة النفسية والسلوكية لذلك المسؤول (قبطان السفينة).

أن تغرق عبارة بحجم (السلام 98) لأن قبطانها استهتر بأرواح ركابها، فإن المتضرر هم ركاب السفينة ونفسيات أقاربهم ومصالح ملاك العبارة وشركات التأمين.

أما أن تبحر سفينة وزارة أو إدارة أو حتى منشأة حكومية بطريقة لا تحكمها إلا الحالة النفسية لربانها ورغباته ونظرته المحدودة وقراراته المرتجلة، فإن الضرر من جنوح تلك العبارة لا يقتصر على ركابها بل يشمل ملايين المواطنين والمقيمين التي أنشئت لخدمتهم والذين ترتبط حياتهم ومصالحهم وشؤونهم اليومية بها إضافة إلى أقاربهم والى مصلحة وطن هو المالك لتلك السفينة والى تأمين مستقبل أجيال يرتبط مستقبلهم بما يتخذه قبطانها من قرارات.

العبارة تلك إذا جنحت فإنها تسحق كل ما أمامها قبل أن تتحطم أو تغرق وتغرق معها جهود بنائها.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نترك سفن الوطن تبحر بناء على قرارات ونفسيات (قباطنة) لا تحكم توجهاتهم وسلوكياتهم أطر مرسومة رسمها الخبراء ولا نظم وقوانين إبحار دقيقة ومدروسة، خاصة وأن بعضهم حديث عهد بالإدارة والآخر جديد على المسؤولية أو ضعيف لا يملك مقومات القائد الإداري، وننتظر إلى أن تغرق السفينة أو تجنح عن الطريق ثم نبحث لها عن المنقذ الذي كان موجوداً أصلا.

ما نتحدث عنه ليس تنجيما ولا رجما بالغيب بل واقع نراه عيانا بيانا ونعيشه يوميا ونتألم له كل دقيقة.

البراعة في علم أو مهنة لا تعني القدرة على الإدارة، والخباز لا يصلح سباكا مثلما أن عالم الذرة لا يستطيع صنع خبزه!!، بل إن ثمة مجالات متشابهة جداً، لكن قدرات المبدعين فيها تختلف، فالرسام مثلا لا يصلح دهانا، والجراح مهما بلغت براعته لا يمكنه ذبح أضحيته ناهيك عن سلخها، واعرف طياراً عجز عن قيادة دراجة!!.

إذاً لماذا نظلم الإدارة ونجعلها مهنة من نجح في تخصص أخر أو فشل فيه ودون نظم ولا مراقب.

نافعة الدانمرك

أعداء الإسلام، سواء منهم الأعداء المعلنون أم أولئك المتربصون خلف الأقنعة لم يتوقع أكثرهم تشاؤماً أن يلتف المسلمون حول بعضهم البعض على اختلاف مذاهبهم ودرجة تمسكهم وعلى اختلاف توجهات ساستهم ويتفقون ويجتمعون على كلمة واحدة وموقف واحد وغضب واحد تجاه الإساءة إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم .
نبحة الدانمرك تلك لا يمكن أن تلتفت لها قافلة بدأ مسيرتها سيد الخلق وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وجابت العالم أجمع بشعلة نور يزداد سطوعاً، وسماء الإسلام التي تحيط كافة أرجاء المعمورة على اختلاف شعوبها ومناخها وجغرافيتها وتوجهاتها السياسية ونظام حياتها الموضوع، هذه السماء لا يضيرها نباح كلب دانمركي ولا من يتجاوب معه من كلاب العالم السائبة .

وقفة الرجل الواحد تلك جاءت في زمن ظن فيه أعداء الإسلام والمتربصون أن شوكتنا قد كسرتها وصمة الإرهاب التي حاولوا كثيراً نسبها للإسلام.

إلى ما بعد نشر تلك الرسوم الكاريكاتورية بيوم واحد كانوا يعتقدون أن صفنا الواحد قد اخترق وأن ثوابتنا قد تغيرت لدى بعضنا وأن الضربات التي كانوا يوجهونها لنا من الخارج والداخل قد زعزعت اتحادنا .

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تخطىء فيها توقعات ساسة الغرب على وجه التحديد في حكمهم على تكاتف المسلمين وقوتهم وصلابتهم، لأنهم أي أولئك الساسة وبعض الإعلاميين يبنون انطباعاتهم على توجهات قلة هم من يرونهم ويسمعونهم، لكن الأمر بالنسبة لهم اختلف كثيراً عندما رأوا مظاهرة عالمية يصعب على أية قوة في العالم حثها على الخروج غير قوة الإسلام، قوة حب نبي الإسلام، قوة تماسك المسلمين التي لا يزعزعها خلاف ولا اختلاف .

مظاهرة في شكل غضب عارم وشامل اجتمع فيه السياسي مع الرجل العادي والدبلوماسي مع رجل الشارع والأهم من هذا وذاك أن اجتمع الشرقي مع الغربي والأقصى مع الأدنى . رفض الاعتذار لا يعدو كونه ارتباك المعتز بالإثم والمصدوم بهول صورة الإتلاف غير المتوقع، على حد ظنهم، لكنهم سيعتذرون وسوف يرتدعون لأن الدرس هذه المرة أقوى من كل الدروس، لأنه رسالة استمرار الوحدة الإسلامية واستمرار تكاتف شعب من عدة شعوب وهذا مخيف لهم، ليس شعباً من عدة مدن ضمن خريطة واحدة إنه شعب واحد من عدة خرائط تشكل في مجموعها الكرة الأرضية وهذا خطير .

سيعتذرون ويرتدعون وكل ما علينا هو أن نصر على المقاطعة والاستنكار والغضب والفخر بأننا مسلمون لا عرب ولا بيض ولا سود ولا شرقيين ولا غربيين نحن عالميون .

صفقة «بيز»

زوجة أب رهف تعذبها بالضرب والحرق انتقاماً من زوجها الذي يضربها، ونفس أب رهف يضرب أم رهف أمام الناس في المستشفى عندما «حاولت» زيارة ابنتها .
وأم معلقة منذ عدة سنوات لا تستطيع تسجيل ابنتها في كلية الطب أو أي كلية رغم تخرجها بامتياز لأن زوجها علقها وذهب والتسجيل يحتاج إلى اذنه !!.

نفس الزوجة المعلقة تحمل عصاً كل صباح لتحمي نفسها وابنتها من ذئاب العمالة الأجنبية لأنها تقطن حياً شعبياً يعج بسكان «عزاب» هم من عمال الشركات (كتبت عن الموضوع سابقاً بعنوان «المعلقة يا وزير الفقر» ولم يتجاوب أحد) .

أعداد كبيرة من الزوجات المطلقات يحرمن من رؤية أبنائهن ناهيك عن حضانتهن لأن الأزواج يقررون العقوبة وينفذونها والزوجات لا يجدن الطريق السهل للشكوى وظروفهن وتعقيدات قنوات الشكوى تجعل الأمر أكثر صعوبة .

أعداد أكبر من الزوجات يصادر الأزواج رواتبهن وممتلكاتهن ويجبروهن على تولي الصرف على المنزل .

آلاف الأرامل الفقيرات يصرفن على أيتام ولا يملكن القدرة على متابعة الإجراءات البيروقراطية لطلب مساعدة من الضمان الاجتماعي أو الحصول على حفنة من الريالات أو «كرتون صغير من الأطعمة» من الجمعية الخيرية .

نفس الأرامل إذا أردن مصدراً للرزق وأنفقن تحويشة العمر على شراء بضاعة ألعاب أطفال أو ملابس أو حتى «طواقي» و«بيوز» فإن تجارتهن تلك قد تتحول إلى بضاعة مصادرة عند وقوف أول «وانيت» تابع للبلدية، وكأن البلد لا توجد به مخالفات ولا تجاوزات إلا في صفقة «بيز» !!.

كل أشكال المعاناة التي ذكرتها أعلاه – وغيرها كثير- تعاني منها المرأة الجادة المكافحة الباحثة عن حياة شريفة ورزق حلال ومع ذلك فإننا نركز في الإعلام والشورى والحوارات الثقافية على مواضيع ثانوية، تافهة أو ترفيهية مثار خلاف من النساء أنفسهن مثل قيادة المرأة للسيارة أو دخول المرأة للمطعم بدون محرم .

لنعط السيدات الجادات المثابرات أملاً في حياة هانئة، لنعطيهن حقوقهن المشروعة ونطبق من النظم والإجراءات ما يخفف عنهن معاناة العنف والاستغلال والحرمان ثم نفكر بعد ذلك في أمر من تريد أن تقلد مجتمعات نادمة .

صحيح أننا نشكل لجنة لكل ما يستجد من ظواهر مثل لجنة الحماية من الاعتداءات الجسدية على الأطفال تتعامل مع كل حالة على حدة، لكننا نريد سن نظم وإجراءات مكتوبة ومنشورة وميسرة التنفيذ لحماية النساء مما يتعرضن له سواءً من أزواجهن أو أقاربهن أو حتى المؤسسات الحكومية، فتلك السيدة التي تحمل عصاها كل صباح لتهش بها على ذئاب آسيوية تتحرش بها هي ضحية من سمح للشركات بإسكان العمالة في الأحياء السكنية الفقيرة .

وقس على ذلك ما شئت من تسهيلات للمرأة على العيش أهم مما نثيره بين تارة وأخرى من احتياجات ترفيهية أو بهدف التقليد والدعوة لانفتاح لا يتناسب مع التوجه العام المتعقل للمجتمع .