الكاتب: محمد الأحيدب

الذئب الأمين

نحن نتحرى الأمانة في من نوكل إليهم المسؤوليات الجسام وهذا مهم للغاية، ولكن الأمانة وحدها لا تكفي {إن خير من استأجرت القوي الأمين} آية تدل على أن القوة تأتي قبل الأمانة في الأهمية عند استخدام عامل، لكن لا بد من توفرهما معاً لكي يكون من استأجرت نافعاً ومفيداً وخيراً.
وإذا كانت القوة في استئجار العامل ترمز للقوة البدنية فإن المسؤوليات الجسام تحتاج إلى قوة الشخصية، وقوة الموقف، وقوة اتخاذ القرار، وقوة الإقناع، وقوة مواجهة الآخرين والتصدي لمن يهدفون إلى استغلال المواقف لخدمة مصالحهم الذاتية على حساب المصلحة الوطنية.

الأمانة في المسؤوليات صفة سائدة، ليست نادرة ولله الحمد ولا يصعب توفرها ووجود أشخاص يتسمون بها لكنها لا تكفي دون القوة، مثلما أن القوة تكون خطيرة ما لم يتسم صاحبها بالأمانة!!

في الوقت نفسه فإن القوة الإدارية وصلابة الموقف صفة نادرة ويصعب أن تجدها في كل مسؤول أو غالبية المسؤولين فهي كالشجاعة والإقدام في الحروب تجدها في واحد من كل عشرة آلاف مقاتل إذا كنت محظوظاً جداً وهذا ما جعل عنترة بن شداد وحيد زمانه.

الإدارة هي الأخرى حالة حرب على الفساد والاستغلال وتحيّن الفرص لتحقيق مصالح خاصة على حساب الوطن، وحرب مع النفس ورغباتها ، وحرب مع شركات أجنبية ومحلية تريد أن تنهش إذا وجدت ضعفاً ، وحرب مع موظفين إذا لم يكن رئيسهم قوياً استضعفوه، ومواجهة مع ذئاب في مواقع متعددة إذا لم تكن ذئباً أكلتك.

نحن في بعض اختياراتنا نميل للحبيب المسالم الأمين بطبيعة الحال دون أن نحسب الحساب لقوته التي نحن في أمس الحاجة إليها لكي نرتاح ونطمئن إلى أن لديه القوى اللازمة للتجديف بالمسؤولية إلى بر الأمان، لديه القدرة على منع التسيب والفساد وحماية مصالح الوطن من جشع الانتهازيين وضمان حقوق المؤسسة في مواجهة الشركات والمؤسسات الأجنبية، أي باختصار لديه القدرة على أن يكون ذئباً فلا تأكله الذئاب وتأكل معه حقوق وممتلكات المسؤولية التي أوكلت إليه رغم أمانته وحبابته وبساطته.

الآنسة ناموسة (2 – 2)

إن البعوض بات فعلاً يدمي مقلة الأسد لأننا أسد في إنجازاتنا الطبية، وأسد في كوادرنا المتخصصة المتابعة للدراسات والاحصاءات والواعية بدرجة الخطورة، وأسد في جمال مباني البلديات وحضارتنا الاسمنتية، لكننا رغم كل هذا الكم من التقدم لا نزال عاجزين عن تجميع قوانا العلمية والمعلوماتية وقدراتنا المالية لقتل بعوضة!!.
ذكرت في هذه الزاوية في عدد يوم الخميس أن سبب توقف محاربة البعوض وجعله ينتشر بالصورة الخطيرة حالياً يعود لافتقادنا للحماس للجهود المشتركة التي لا تبرز أحداً بعينه، والحرب على البعوض جهد مشترك لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة ويستدعي تضافر جهود وزارات عدة، لكنني يجب أن أذكر أيضاً أن الجهد المشترك إذا أهمل فلابد من فرضه خاصة إذا كان يتعلق بالصحة ويستنزف طاقات الوطن، واعذروني أيها الرجال الأشاوس إذا قلت إن الآنسة ناموسة خير مثال على ذلك فمجرد إهمال محاربة البعوض الذي لا يكلف مبلغاً يذكر مقارنة بما يصرف لعلاج النتائج أدى إلى انتشار الملاريا في مناطق لم تكن موبوءة وعلاج هذا المرض إذا أمكن لا يمكن مقارنة تكلفته بتكلفة الرش.

ثم إن مسؤولية البعوض عن نقل بعض الأمراض التي تنتقل بنقل الدم تشكل هاجساً لعلماء الأمراض الوبائية وغني عن القول إن المحافظة على مريض الايدز حياً تعادل تكلفة رش عدة مدن، ناهيك عن الأمراض الاخرى وعلى رأسها أمراض التهابات الكبد الفيروسية.

وإضافة إلى تسبب إهمال محاربة البعوض في حدوث وانتشار الأمراض التي ينقلها فإن هذا الاهمال أدى إلى اضطرار الناس لاستخدام الادوات المنزلية للقضاء على البعوض مما أدى إلى رواج أقراص تنفث مواد ذات خطورة شديدة على الإنسان خاصة تلك التي تتولد بفعل أجهزة كهربائية وأبخرة لمواد مسرطنة ومضرة بالكبد وخاصة لدى الأطفال، ومرة اخرى فإن علاج هذه الأضرار لا يمكن مقارنة تكلفته الباهظة على ميزانية الوطن بتكلفة الوقاية من انتشار البعوض هذا إلى جانب التأثير الأهم وهو الإضرار بصحة الأبرياء ممن لا يمكنهم العيش المريح المنتج مع الآنسة ناموسة، فيضطرون إلى استخدام مبيدات منزلية لها خطر غير مرئي أو محسوس لكنه ثابت ومتوقع كان يمكن تلافيه لو قامت كل وزارة بدورها في عمل وطني مشترك للقضاء على حشرة صغيرة ما زالت تزهو بكونها أدمت وتدمي مقلة الأسد وتضرب مثلاً صارخاً على أننا نصر على أن نعمل «فرادى» لكي نبرز «أفراداً» في حين يفترض بنا أن نعمل معاً لكي يبرز الوطن.

الآنسة ناموسة (1 – 2)

لأن الوقاية جهد مشترك بين عدة وزارات فإننا لا نجيد أداءه على الإطلاق، لذا فإننا نبذل جهداً كبيراً ونصرف أموالاً طائلة على العلاج وكأننا نستهوي ترك المشكلة، أي مشكلة، تحدث ثم نحاول أن نبرز أنفسنا كمسؤولين في محاولة يائسة لعلاجها.
إذا صح هذا الافتراض الذي أراه واقعاً مريراً فإننا لا نعير الوقاية اهتماماً لأنها عمل مشترك لا يبرز فيه شخص بعينه، بينما نهتم بمحاولة معالجة الجهة المختصة لكارثة سمحنا لها بالحدوث لأن هذه الجهة ترى أن البروز هو الهدف..

وقائع كثيرة صحية وبيئية واجتماعية واقتصادية تؤيد هذه الفرضية، لكن ما نحن بصدده اليوم هو واحد من أبسط الأمثلة. وفي الوقت ذاته أخطرها وأوضحها وأكثرها انتشاراً رغم أنه أسهلها في العمل الوقائي المشترك الذي لا نجيده..

البعوضة تلك الحشرة الصغيرة الخفيفة الضعيفة شكلاً القوية مضموناً لأنها المسؤولة عن نقل أهم عنصر حيوي في جسم الإنسان وهو الدم من مريض إلى سليم والعكس لا يهم، وبالتالي فإنها «الناقل الرسمي» لجميع ما عرف وما لم يعرف من الأوبئة التي تنتقل من مريض الى سليم بحدوث دورة حياتية لجرثومة داخل جسم تلك الحشرة مثل الملاريا القديمة الجديدة أو بالنقل الجماعي لمجموعة من الفيروسات ونشر عدد من الأمراض الخطيرة التي تنتقل بنقل الدم، ولعل الدراسات الحديثة بدأت تدق ناقوس خطر مسؤولية البعوض عن نقل الأمراض الفيروسية وعلى رأسها من حيث الخطورة والمأساة مرض الإيدز.

الملاحظ مؤخراً أن البعوض يسرح ويمرح ليس في مناطق نائية وقرى تتوفر فيها ظروف صعبة لتكاثر البعوض وصعوبة محاربته مع عدم استحالة القضاء عليه بل في مدن رئيسة والعاصمة على رأسها، فالبعوض أصبح شريكاً لنا في جميع المدن والقرى والأحياء دون أن يتعرض له أحد، ولذا فإنني ألقب أنثى البعوض بالآنسة لأن أحداً لم يتعرض لها.

لو كان ثمة جهد مشترك يهدف الى تحقيق انجاز من الجميع وللجميع لكانت وزارة الصحة تبنت الحرب على الناقل الأول لأخطر الأمراض ودعمت بالأرقام والاحصاءات والدراسات خطورة الوضع وبحثت مع البلديات أسباب اطلاق حرية البعوض واشتركت وزارة الزراعة في دراسة احتمال عدم فاعلية المبيدات إن وجدت مع أن الواضح في العاصمة على الأقل ان الرش الذي كنا نسعد بالركض خلف سيارته لم يعد موجودا على الإطلاق ناهيك عن جهود رش وردم المستنقعات بعد السيول وطفح المجاري.

الشورى وهيئة الدواء والغذاء

لا ألوم أعضاء مجلس الشورى عندما يطول الجدل وتكثر المقترحات حول مشروع نظام الهيئة العامة للغذاء والدواء ويدلي كل بدلوه حول هذه الهيئة رغم بعده عن التخصص فالموضوع يعني كل واحد منا في غذائه ودوائه وصحته وصحة أبنائه والأجيال القادمة.
لكن الواضح حسب الجدل الذي دار الأحد الماضي ونشرته جريدة «الجزيرة» ان أمر الهيئة العامة للغذاء والدواء يناقش وكأننا أول دولة تطبق هذا الاحتراز المهم في الشأن الغذائي والدوائي والذي جاء لدينا متأخراً مقارنة بمستوى طموحنا وتطورنا وقفزاتنا الحضارية.

كان أهم اختلاف في الآراء في جدل مجلس الشورى يدور حول الخيار الأول أو الرابع والأمر يتعلق بصلاحيات الهيئة العامة للغذاء والدواء وهل تكون تشريعية رقابية تنفيذية أم ان تقتصر على التشريع والرقابة دون التنفيذ ويترك التنفيذ لجهات الاختصاص مثل وزارة الصناعة والتجارة أو الصحة.

يبدو لي من هذا الاختلاف ان لجنة الشؤون الصحية والبيئة عندما أعدت الدراسة لم تراجع جيداً أو مطلقاً تجارب الدول التي سبقتنا في هذا الاحتراز وأقربها تشابهاً لأساليب الترخيص والمتابعة لدينا هي الولايات المتحدة الأمريكية ويبدو أيضاً ان اللجنة لم تعتمد في هذا الصدد ضرورة ان نبدأ من حيث انتهى الآخرون خاصة في هذا الموضوع شديد الحساسية سريع التغير والتغيير وفقاً للمستجدات والممارسات الخاطئة والتعديل والتبديل الذي يهدف لمنع تلك الممارسات.

واستنتاجي بعدم رجوع اللجنة لتجارب الآخرين جزئياً أو كلياً يؤيده تصريح سعادة رئيس اللجنة الدكتور محسن آل تميم لجريدة «الجزيرة» الثلاثاء 17 ربيع الأول 1426ه الذي جاء فيه ان الفريق العلمي المتخصص الذي أُلف لمشروع النظام أجرى مسحاً للجهات المشرفة على الغذاء والدواء في «المجتمع السعودي» انتهى.

كان من المفترض الرجوع لتجارب الدول المتقدمة، والصيادلة في مصانع الأدوية والمستشفيات ولجان التسجيل بوزارة الصحة يعرفونها جيداً وثمة تبادل خبرات واستشارات وزيارات في هذا الصدد خاصة مع FDA في أمريكا وأحسب أن اخصائيي التغذية ايضاً لهم نفس الخبرة وإذا ما أردنا ان ننطلق من حيث انتهت دول عانت في هذا الصدد وغيرت وبدلت وحسنت حتى أصبحت مرجعاً فقد كان الأجدر أن نرجع للصيادلة وخبراء الغذاء الممارسين وليس الاكاديميين فقط.

هيئة الغذاء والدواء في كل الدول المتقدمة لها صلاحيات تنفيذية قوية ونافذة غير قابلة للتدخل من أي جهة أخرى بما فيها الوزارات المختصة كالصحة والزراعة والتجارة وخلافها هذا إلى جانب صلاحيات الهيئة في مجالات التشريع والرقابة، والأمثلة العالمية في هذا الخصوص كثيرة وأهمها (FDA) في أمريكا و(TGA) في استراليا وهذا الموضوع لا تحكمه خصوصيات اجتماعية أو تقاليد وعادات حتى نطمح لأن يكون لنا أسلوبنا الخاص المختلف عن بقية دول العالم.

ثم إن جهات الاختصاص لدينا ومنها الصحة والتجارة والزراعة لم تتمكن من الحد من أضرار أدوية وأغذية ومنتجات زراعية كثيرة على مدى هذا العمر التنفيذي الطويل فكيف نوكل لها بالتنفيذ تجاوزاً للهيئة؟! ولعل مثال مشروبات الطاقة التي ثبت ضررها علمياً وطبياً ومازالت ثابتة في أرفف البقالات والأسواق أصدق دليل على العجز.

أما الدليل الثاني فهو عجز وزارة الصحة عن منع الدعاية للأدوية في لوحات الشوارع رغم ان التشريع يمنع الإعلان عن الدواء.

إن تشريعات الدواء والغذاء لابد أن تكون نافذة وفعالة على أرض الواقع لأنها لا تقبل الارتجال ولا التوسط والشفاعة والفزعة، هذا إذا أردنا أن نأمن على أنفسنا من خطر الغذاء والدواء.

ترميم الأركان الضعيفة

عندما يتم توجيه ملياري ريال نحو مشاريع الإسكان في المناطق الأكثر احتياجاً فإن هذا معناه أننا نتوجه التوجه الصحيح نحو تقوية الأركان الضعيفة في بنائنا الاجتماعي وتدعيمها حتى تصبح قادرة على التحمل ومسايرة كافة أركان البناء فلا ينهار أو يميل.
نحن في أمس الحاجة في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى لتقوية الضعيف وطبيعي أننا في هذه البلاد لم نسع قط إلى إضعاف القوي أو حتى إرهاقه.

في سنوات عديدة مضت، خاصة في المرحلة التي شهدت طفرة وفائضاً كبيراً في الميزانية تم التركيز على تشجيع المواطن على الاستثمار وفرش له طريق الإثراء بالورود والدعم والتسهيلات دون مقابل وبأقل قدر من القيود، واستغل كثيرون تلك الطفرة فتحول المتوسط إلى غني وميسور الحال إلى ثري وشهدت بعض ضربات الحظ تحول بعض الفقراء المعسرين تحت خط الفقر إلى أثرياء فوق خط الثراء الطبيعي ولكن تلك كانت نادرة لم تشمل الكثير من الفقراء الذين بقوا تحت خط الفقر إلى درجة أنه لا مساكن لهم ولا عيشة تتناسب مع إنسانيتهم وهذا ما نقصده بضعف بعض الأركان مقارنة بالأخرى في البناء الاجتماعي الذي يشكله الإنسان.

تحويل الملياري ريال من الفائض نحو هؤلاء الضعفاء هو النهج الذي سوف يصحح الإعوجاج ويقوي الركن الضعيف ليتماسك البناء.

هذا التوجه والتوجيه الكريم من لدن صاحب السمو الملكي ولي العهد «نصير الضعفاء والمهموم بالفقراء» يبشر بمزيد من الترميم لمواقع الضعف في الهيكلة الوظيفية كما هي الهيكلة الاجتماعية،، بمعنى أن يتم تدعيم بدلات ومميزات صغار الموظفين دون كبارهم لأن الموظف في المرتبة فوق العاشرة مثلا يعيش فوق حد الغنى الوظيفي وبعضهم ينعم ببدلات ترفيهية كبيرة جداً لكنّ موظفي المراتب الأقل أو الوظائف الدنيا لا يكاد راتب أحدهم وبدلاته وما يستدين معه يعينه على سد رمق أبنائه وبناته وهذا الركن يحتاج إلى دعم مشابه وأقصد تقوية صغار الموظفين دون كبارهم.

منبر «الغفران»

من السهل جداً تبني الشعار ومن الصعوبة بمكان الالتزام به، ومن الممكن بسهولة ادعاء الحياد ومن شبه المستحيل ممارسته خاصة عندما لا يكون الحياد هو الغرس الحقيقي والاستقلال بالرأي واحترام الرأي الآخر هو الثمرة الطبيعية.
استطاع مؤسس قناة «الجزيرة» تسخير المال لشراء التقنية الحديثة وإغراء عناصر صحفية متمرسة وذات مهنية عالية و«استئجارها» لتمثيل دور الإعلام المستقل المحايد.

لعل التمثيلية أثرت في مشاعر الكثيرين تماماً مثلما يتأثر عدد كبير من المشاهدين بأحداث مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي يداعب المشاعر ويشابه واقعاً مر بهم لكنه ليس الواقع نفسه.

لا الغرس كان لبذرة حياد حقيقية ولا السقيا جاءت بماء نقي فخرجت الثمرة جميلة الشكل لكن مذاقها يسوء يوماً بعد يوم تذكرك بالأغذية المعدلة وراثياً تحظى بالشكل وتفتقد القبول وتحس بخطورتها على الأجيال مستقبلاً.

الحياد في إعلامنا العربي لايزال حلماً بل أضغاث أحلام وإن وجد الرأي فإن الرأي الآخر لا مكان له إلا لهدف يخدم الرأي الأول ولا يتعارض معه أما منبر من لا منبر له فليس إلا رابغ الغول والعنقاء والخل الوفي!!

إذا كان بعض ما يرد في قناة «الجزيرة» يستهوي نفوس البعض ويشفي غليلهم فإن ادعاء هذه القناة للحياد، وتوفير منبر لمن لا منبر له، واتخاذ الرأي والرأي الآخر شعاراً ادعاء أثبتت كارثة «فخيذة الغفران» بطلانه وانكشاف ستره الذي نعترف انه كان قوياً وممعناً في السواد والغموض.

قبيلة «آل مرة» لماذا لم تكن قناة «الجزيرة» منبرهم عندما لم يجدوا منبراً؟!

ورأيهم لماذا لم تطرحه قناة «الجزيرة» وقد كان آخر؟!

عندما تتفاعل قناة «الجزيرة» مع فرد تعاطفاً مع إنسانيته وتهمل قبيلة أو فخذاً من قبيلة يتعرض أكثر من خمسة آلاف منهم للسجن والمداهمة وللتغريب والفصل من العمل ومسح انتمائهم إلى بلدهم وإسقاط الجنسية عنهم أباً عن جد وحياً ومتوفى فإن هذا يجب أن يجعل المشاهد مهما بلغ من البساطة والطيبة يعيد حساباته ويفكر جيداً في حقيقة شعار الرأي والرأي الآخر وهل هو شعار أم قناع يخفي وجهاً آخر من وجوه التبعية وعدم الحياد يمارس كذبة كبرى.

نريد من المشاهد المخدوع أن يتساءل أين المنبر من «فخيذة الغفران» وهم لا منبر لهم؟! مع أنهم لا يبعدون سوى أمتار إن لم تكن أشباراً عن المنبر بمراسليه وآلات تصويره ومذيعيه ومذيعاته؟!

لماذا كتب على العربي كلما أراد أن يفرح لا يجد مطرحاً للرأي والرأي الآخر؟!

السكين «الدثرة»

الرعيل الأول من رجالات مجتمعنا كان لديهم أسلوبهم الخاص في تقييم الرجال وتصنيفهم عن طريق وزن أفعالهم وتصرفاتهم بميزان فراسة بالغ الدقة عالي الحساسية.
حتى في مجال العمل الوظيفي والمسؤوليات كان لهم قدرة فائقة على تكوين انطباع لا يجانبه الصواب عن المسؤول من حيث قدراته، جرأته أو تردده، سرعة اتخاذه للقرار أو بطئه، قدرته على وزن الأمور من عدمه، ومدى نجاحه في ملء المكان الذي يشغله.

كانت لديهم قدرة عجيبة في اختزال تقييم الرجل في عبارة واحدة ذات معنى ومختصرة جداً تغني عن الكم الهائل من الورق الذي نطبعه لتقييم شخص وتجدها في النهاية صحيحة ومعبرة ترن في أذنك كلما تعاملت مع الشخص وعرفته عن كثب.

يعجبني من تلك العبارات المختصرة جداً والمعبرة عندما يصفون الموظف او المسؤول ذا المسؤولية التنفيذية بأنه «سكين دثرة» تعبيراً عن عدم قدرته عى القطع في اتخاذ القرارات وهذا النوع من المسؤولين متعب لموظفيه وللمراجعين وللوظيفة وللمجتمع ولمن أعطاه الثقة.

تماماً كما هي السكين غير الحادة أو مثلومة الشفرة «الدثرة» لأنها لا تقطع بسرعة فإنها تتعب من استخدمها وتعذب الذبيحة (وهي القرار هنا) وتحرق أعصاب من ينتظرون وجبة شهية من الإنجازات.

بالمناسبة هم لا يحكمون على صفة واحدة أو جانب واحد ويعممونه بل العكس فإن حكمهم إذا صدر بأن فلاناً من المسؤولين «سكين دثرة» فإنهم يعنون ما يقولون عن شخصيته ككل وليس عن جزء منها.

نحن في تقييمنا للتنفيذيين في وظائفهم لا نعير هذا الجانب الأهمية المطلوبة بدليل أننا نحاسب على الأخطاء فقط أما من نعينه ولا يحرك ساكناً فإننا نرضى عنه رغم سلبيته المستمرة بينما من ارتكب خطأ ارتكبه لأنه يعمل ويقطع في اتخاذ القرارات وتكون له لمساته الواضحة التي يراها الأعمى وتسمع الأصم.

السكين الحادة تخطئ بسبب حدتها فتجرح إصبعاً لا يلبث أن يشفى لكن السكين غير الحادة «الدثرة» تجرح القلوب وتهلك النفوس وتؤدي إلى الإحباط ومع ذلك تجد من يصبر عليها.

في هذا الزمن المتسارع نحن في أمس الحاجة وطنياً لعناصر حية فعالة لديها مخزون كبير من الثقة في النفس والجرأة والتضحية، تعمل وتخطئ وليس تلك التي تقبع على الكرسي تتحسسه في جمود وعدم حراك خشية أن يتحرك.

الوجه الآخر للعرق المحلي

أولاً لابد أن نحيي الحملة الأمنية المركزة التي تتعاون فيها جهات متعددة للقضاء على أشكال متعددة من المخالفات في البطحاء ومنفوحة وعدد من أحياء الرياض التي نما فيها العفن والطحالب قبل أن تضيء عليها شمس تلك الحملة الموفقة.
قبل تلك الحملة وأثناءها وأرجو أن لا يكون بعدها كنا نطالع بين الفينة والأخرى أخباراً عن القبض على عمالة تمارس صناعة الخمور والتقطير في براميل كبيرة بطرق بدائية قذرة لتنتج ما يُعرف بالعرق وهو ما اصطلح على تسميته “مقطع عرق” ومنتجه يسمى عرقاً مصنعاً محلياً ويسميه السكيرة “عرق وطني” مع أنه لا يمت للوطنية بأدنى صلة ولكن من سوف يستكثر كلمة (سكران) أو يعتب عليها؟!.

لفت نظري أنه رغم كثرة حالات اكتشاف مصانع الخمور تلك والقبض على القائمين عليها وفضح أمرهم ورغم الكميات الكبيرة التي يقبض عليها، مما يدل على أن لديها سوقاً رائجاً، فإن التوعية بطبيعة هذه النوعية من العرق وخطورته معدومة تماماً وهذا قصور تعودنا عليه من الأكاديميين والمختصين فالأخبار ترد وتتردد عن اكتشاف (المقطع) دون معلومات عن خطورة استخدام المنتج نفسه.

مقاطع العرق تلك تستخدم إلى جانب النفايات القذرة من الفاكهة المتعفنة وأواني الزبالة والمواسير الصدئة والأيادي الملوثة والمواقع التي غالباً ما تكون دورات مياه تعج بالصراصير ويختلط فيها ماء الحمام بماء الاستحمام، أقول تستخدم إلى جانب هذا كله إضافات سامة شديدة الخطورة على العصب البصري وخلايا المخ وخلايا الكبد وتسبب السرطان.

إنهم يستخدمون مواد بديلة للكحول الإثيلي الذي يخضع لرقابة مشددة في بلادنا ولله الحمد فيضعون بدلاً منه مادة “البايردين” التي تستخدم كمذيب صناعي وفي صناعة المواقد وهي مادة تؤدي مباشرة إلى تكسر خلايا الكبد وثبت قطعاً أنها من المواد المسرطنة.

كما أنهم يستخدمون الكحول الصناعية والكحول المثيلي (ميثانول) وهو النوع السام من الكحول ويسبب تلف العصب البصري وفقدان البصر التام بعد حين كما أنه يسبب تليف الكبد بسرعة كبيرة ومنهم من يستخدم كحول التعقيم في المستشفيات (الأيزوبروبايل) وهو سام جداً وله تأثير مباشر على خلايا المخ والكبد والكلى ويسبب الفشل الكلوي بعد فترة قصيرة من الاستخدام وبصورة مفاجئة.

هذه معلومات أنقلها لكم كصيدلي وأؤكدها كباحث حيث سبق أن أجريت تحاليل عدة في كلية الصيدلة على عدد من المنتجات المقبوض عليها فوجدتها تعج بتلك الإضافات المميتة موتاً بطيئاً لكنه موت خسيس كفانا الله وإياكم شره فهل من متعظ يدرك خطورة ما يحدث.

غني عن القول أن تأجير الدور العلوي من الجسد وهو المخ يعتبر من أخس الأفعال سواء كان المستأجر نقياً أو ملوثاً فالسكءر في حد ذاته قتل لنعمة العقل فإذا ما صاحبه قتل للجسد فلا غرابة.

من يراقب مجالس الإدارة؟!

بمجرد أن تتحول الشركة إلى شركة مساهمة فإن السلوكيات المالية لرئيس وأعضاء مجلس ادارة الشركة المساهمة لم تعد شأن مؤسس أو أفراد عائلة فقد أصبحت تمس شريحة كبيرة في تعدادها وإن كانت صغيرة في نسبتها وهم المساهمون الذين يفترض أن يمتلكوا ما لا يقل عن 40٪ من أسهم الشركة حسب توجه الدولة الهادف لإتاحة فرص الاستثمار أمام المواطنين والذي نتمنى أن يفرض قريباً.. وعلى أي حال فإن امتلاك أي نسبة كانت من قبل الجمهور كاف لفرض رقابة خارجية على مصروفات مجلس الادارة وسلوكه المالي ويفترض أن يكون أهم شروط تحويل الشركة إلى شركة مساهمة لأن الهدف الحقيقي والسامي من إشراك المواطنين ليس مجرد رفع سعر السهم في السوق وشراء وبيع أسهم وحسب.
المراقب الوحيد حالياً على مجالس الادارة في الشركات المساهمة هو مراجع الحسابات وهذا وإن كان مكتب محاسبة خارجياً نظرياً فإنه في الواقع لا يعدو كونه موظفاً لدى مجلس الإدارة يأتمر بأمره!!

إن السلوكيات المالية لمجلس ادارة الشركة المساهمة حالياً لا تخضع لرقيب ونقصد سلوكيات رئيس وأعضاء المجلس حتى في بدلاتهم وانتداباتهم وتكاليف عقد مجلس الادارة في عاصمة أوروبية وخلافه من السلوكيات التي كانت في يوم ما تدخل ضمن صيغ المبالغة في المسرحيات والتمثيليات ولم تعد كذلك اليوم حيث أصبحت تشكل عبئاً مالياً على الشركة والشريك الذي هو المساهم الصغير.

إن السلطة المطلقة لأعضاء مجلس الادارة دون رقيب خارجي مستقل باتت تهدد حتى سلوكيات سوق الأسهم وأسعارها والتي عادة ما يذهب ضحيتها صغار المساهمين الذين تتم التضحية بمصالحهم لخدمة أهداف خاصة ومصالح شخصية لمجلس الادارة، خاصة عندما يكون رئيس المجلس أو أحد أعضائه أو بعضهم أو حتى جميعهم أعضاء في مجالس شركات أخرى أي عندما يكون عضواً في أكثر من شركة ويوظف هذه العضوية المتعددة لخدمة احدى الشركات والإضرار بالأخرى وهكذا «دواليك».

إننا للأسف ونتيجة التأثر بطفرة سوق الأسهم نتعامل مع الشركات المساهمة على أساس أنها أسهم تُشترى اليوم وتباع غداً وكأنها رموز لاستثمار يومي بينما واقع الحال انها تمثل شركات صناعية أو زراعية أو دوائية وخلافها من الأنشطة الأساسية في حياتنا واقتصادنا والمساهم فيها في أي وقت هو شريك يفترض ان تحترم شراكته وماله الذي تمثله أسهمه وأن لا يفترك مستقبل، بل وواقع تلك الشركات المساهمة الأساسية لحياة المجتمع تحت سلطة مطلقة غير مراقبة لمجلس الإدارة.

دوائرنا مصابة بجنون بقر الأسهم

لم أستغرب حجم التجاوب مع ما عبرت عنه من قلق شديد بسبب تأثير الانهماك في متابعة سوق الأسهم عبر الانترنت من مكاتب الموظفين على حال الانتاجية في مجتمعنا بعد أن أشغلت السوق نسبة كبيرة من المسؤولين على اختلاف مسؤولياتهم والموظفين خاصة موظفي المراتب العليا والمستويات الادارية المعنية بإنهاء اجراءات المواطنين فقد أصابتهم متابعة شاشات الأسعار من مكاتبهم بعزوف تام عن متابعة أعمالهم وإنهاء مصالح المواطنين ومعاملاتهم وشؤونهم الصحية والوظيفية.
وعدم الاستغراب من التجاوب الكبير يعود إلى كون المشكلة تمس مصالح الجميع ومعاملات الجميع ومراجعات الجميع ويشهدها الكل في كل مكان يراجعه.

المستغرب حقاً هو أن الأمر يحدث وينتشر في المجتمع وفي كافة دوائره دون أن يحرك أحد ساكناً نحو معالجة وضع سلبي يهدد انتاجية مجتمع بأكمله في حقبة هامة من تاريخه.

لا أحد من الباحثين أو أساتذة الجامعات أجرى دراسة لتأثير «آفة» متابعة الأسهم من المكتب على انتاجية مجتمعنا رغم مرور وقت ليس بالقصير.

لو أجريت رصداً«ببليوجرافياً» للأبحاث التي تمت في هذا الوطن مستخدماً كلمة «آفة» في بحثك فإنك ستجد مئات البحوث تحت مسمى آفة سوسة النخل وآفة تلويث البيئة وآفة الأخبار رواتها لكنك لن تجد شيئاً عن آفة سوسة متابعة الأسهم التي تنخر في مجتمع بأكمله مع أنها أهم من آفة النخيل وتلويث البيئة من حيث حجم وسعة وكمية التأثير وخطورته الاقتصادية.

التجاوب جاء كبيراً من المواطنين الذين يحترقون هماً وتفوح قلوبهم غيرة على هذا الوطن أما البقية فإنهم على ما يبدو منشغلون بمتابعة الأسهم!!

التعليقات على المقال المذكور جاءت عبر موقع المقالات بجريدة «الرياض» وعبر البريد الالكتروني والهاتف وهي تعبر عن أن حجم المعاناة كبير جداً.

أحدهم يؤكد لي أن المعلمين أيضاً منشغلون بمتابعة الأسهم عن حصصهم وطلابهم وموادهم حتى إن بعضهم يتحدث بالجوال أثناء الحصة وأمام الطلاب مع زميل آخر وربما أجرى صفقة بيع والطلاب ينتظرون مواصلة الدرس.

الآخر يقترح أن يتحول التداول إلى فترة المساء فقط ويوقف تماماً أثناء الدوام وهنا أذكر ان دوام المستشفيات لا ينتهي إلا بعد السادسة مساء وهو الآخر من ضحايا الأسهم!!

كنت قد كتبت أن بعض صغار الموظفين يلاحظون انشغال مديرهم عن عمله وعدم تكليفهم بأي أعمال بسبب متابعته لأسهمه وحول هذا الأمر ذكر لي أحدهم أن مديرهم أكثر اهتماماً بعمله!!، فهو يكلفهم هم بمتابعة أسعار أسهم الشركات التي يتعامل مع أسهمها ويطلب منهم الاتصال به في قاعة الاجتماعات لإخباره عن تغير الأسعار ليخرج من الاجتماع ويشتري أو يبيع.

يا جماعة سيطروا على الوضع فقد خرج عن السيطرة ونجم عنه انخفاض حاد في مؤشر الانتاج في وطننا، انهم يتحدثون عن سوق الأسهم في غرف العمليات وإذا خسر أحدهم فقد يخسر المريض أحد أعضائه أو ينزف حجماً من دمه يعادل حجم التداول فلقد انخفضت حتى القيمة الدفترية للإنسان أما سعر مصالحه في السوق فقد بلغ أدنى حد له عند الإغلاق ولم يتدخل أحد لوقف التعامل بهذه الطريقة.

قلت رحم الله طفرة العقار فقد كانت «مبروكة» لم تتعارض مع الأداء الوظيفي أما جنون الأسهم فقد تسبب في خلق مجتمع غير منتج وظيفياً وعدداً من القدوة الوظيفية السيئة وعدم التركيز في العمل أي أنه أخطر على مجتمعنا من جنون البقر!!