الكاتب: محمد الأحيدب

حلو الجوازات لا يكتمل!!

في تعاطينا مع «التكنولوجيا» وخاصة تقنية الحاسب الآلي ما أن نتحرر من عقدة حتى نسقط في أخرى!! والسبب يعود إلى حرص البعض على تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وتضييق حدود الاستفادة من التقنية التي تحقق سهولة الاجراءات للمواطنين والمقيمين.
استبشرنا خيراً بخطوة تسديد رسوم تجديد الجوازات والإقامة والخروج والعودة وكل ما يتعلق بالجوازات عن طريق «مكائن الصرف الآلي» صراف البنوك».

إجراء جميل ورائع وحضاري يهدف إلى التسهيل على المراجعين والبنوك وإتمام تحصيل الرسوم باستخدام تقنية الحاسوب البنكي الذي تنتشر نهاياته الطرفية في كل شارع وسكة، بعضها في صالات مكيفة وأنيقة والأخرى تتعامل معها وأنت في سيارتك والبعض الآخر ربما استطاع إجراءها وهو في منزله أو مكتبه عن طريق موقع البنك في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت). وبهذا فنحن مجتمع راق ومتحضر!!.

تأتي عقدة البيروقراطية والتنفيع فتلغي جل هذا الاستمتاع بالتقنية عندما تقرر تحديد البنوك المعنية بهذا الإجراء ببنكين فقط لا ثالث لهما!!.

ماذا عن بقية البنوك؟! لماذا لا يمكن التسديد عن طريقها؟! لماذا يستفيد من التقنية عملاء بنك أو اثنين فقط؟! بل ماذا عن النسبة الكبرى من المواطنين والمقيمين التي لديها حسابات في بنوك أخرى غير هذين البنكين؟!.

تلك كانت أسئلة وتساؤلات لابد أن ترد على ذهن كل من يفكر بواقعية وبتفكير عملي يهدف إلى تسخير «التكنولوجيا» لخدمة البشر اجمع.

الأهم من تلك الأسئلة هو الواقع الذي تمخض عن هذه المحدودية والتضييق، أتدرون ماذا حدث؟! أصبح عملاء البنكين المسموح لهما يقفون عند جهاز الصراف ويعرضون على كل من يريد أن يسدد رسوم الجوازات إعطائهم المبلغ مع إضافة (بدل أتعاب استخدام صراف) وهو مبلغ لا يقل عن خمسين ريالاً ليقوم هو كعميل لديه حساب في البنك المسموح، بالتسديد نيابة عنهم ويسلمهم الإيصال من الصراف!!.

أي أنه نشأت سوق سوداء للمتاجرة بالانتماء إلى بنك بعينه وتكليف المراجع المغلوب على أمره مبلغاً إضافياً ورجاء وتوسلات مع أن التقنية نفسها لم تجبره على ذلك.

الشكوى الأخرى من هذا الإجراء أن البنكين المصرح لهما لا يقبلان سوى تسديد يومي بحد أعلى 20,000 ريال أي أن الشركات والمستشفيات والمؤسسات والمصانع التي لديها مئات العمالة محددة بعمل خروج وعودة مثلاً لأربعين موظفاً فقط في اليوم الواحد لأن الشبكة لا تقبل تسديد أكثر من 20,000 ريال وهذا يعيق عمل اقسام خدمات الموظفين في المؤسسات والدوائر الكبرى التي تتعامل مع مئات الجوازات.

أعتقد اننا نعاني من اولئك الذين لا يجدون مفراً من الاذعان لعصر التقنية لكنهم يحنون الى ثغرات البيروقراطية أي ان لدينا فئة استطيع تسميتها (تيكنوبيروقراطية) وهذه تحرمنا من نعمة الاستمتاع بتقنية المعلومات والحاسب الآلي وتحددها وهي واسعة!.

الأسهم تمزق إنتاجية دوائرنا

من المؤكد أن ما يحدث من متابعة الغالبية العظمى من المواطنين لأسعار الأسهم عبر «الإنترنت» قد أدى إلى انخفاض حاد في الإنتاجية في الدوائر الحكومية والقطاع الخاص على حد سواء خاصة على مستوى القيادات والمستويات الإدارية التي يتاح لها متابعة «الإنترنت» من شاشات الحاسب الآلي في المكتب وهي شريحة كبيرة جداً.
وهذا النزيف الحاد في الإنتاجية يتضرر منه المراجع في شكل إهمال لشؤون المرضى في المستشفيات وتأخير وإعاقة لمصالح المراجعين في كافة الدوائر الحكومية.

وغني عن القول أن تحول الموظف خلف مكتبه إلى عيون شاخصة في شاشة كمبيوتر ولسان يتدلى وكأنه «كرفتة» وذهن يغرد خارج شؤون العمل سيؤدي بالتأكيد إلى شلل في الإنتاجية بشقيها الذهني والجسدي وتوقف للإبداع والابتكار والتخطيط والإنجاز وكل عمل إداري يحتاج إلى صفاء ذهني.

صغار الموظفين والكسرتارية ومدراء المكاتب يلاحظون انشغال مديرهم عن عمله وتصبب عرقه وهو يتابع أسعار أسهمه وعدم قيامه بالمسؤوليات المناطة به حتى أنه لم يعد يكلفهم بأعمال تشغلهم لكنهم مجبرون على البقاء لأن العبرة بتواجدك في المكتب، وهذا وربي سيؤدي إلِى إرث سيئ من القدوة السيئة سيكون له تأثير على مستقبل العطاء الوظيفي للأجيال القادمة، وصدقوني ليس أشد من المدير تأثيراً كقدوة سلباً أو إيجاباً.

رحم الله طفرة العقار فعندما بدأت في التسعينات الهجرية جذبت عدداً من الموظفين لكنها بطبيعتها لا تستغرق وقتاً ولا تشغل ذهناً، (استئذان) نصف يوم لإفراغ أرض ثم تنساها لأشهر أو سنوات ثم (تستأذن) لإفراغها بيعاً وليس بين الاستئذانين انشغال ذهني. حتى من نجحوا نجاحاً باهراً في العقار كانوا على درجة كبيرة من القناعة فتقاعدوا مبكراً أو استقالوا وتركوا الفرصة لغيرهم. بل أعرف من كان موظفاً صغيراً جداً واختلف مع الوزير شخصياً «كان الوزير يتفق ويختلف مع صغار موظفيه لأنه يشاهدهم ويتابعهم ويستقبلهم!!» فما كان من ذلك الموظف الصغير إلا أن استقال وتحول للعقار حتى أصبح اليوم يدعم مادياً أفكار ومشاريع الوزارة التي «طفشته».

هوامير الأسهم هم هوامير وظائف أيضاً وهم لا يتقاعدون ولا يستقيلون ولا يتبرعون ولا لرواتبهم يحللون، وهذا ما يجعلني أشعر دائماً أن كسب العقار ينعم بالبركة مقارنة بكسب الأسهم.

أما كيف نحل أزمة هدر الإنتاجية بسبب طفرة تجارة الأسهم ومتابعتها مكتبياً فلابد من رقابة صارمة على الإنتاجية اليومية وشحذ الهمم على مستوى وطني للسيطرة على الموقف أي أنها باختصار تحتاج إلى مخلص يغلب مصلحة الوطن على مصلحة أسهمه.

إن طفرة تجارة الأسهم تمزق طاقة الإنتاج خاصة الحكومي فأحذروها.

بنات القصيم.. القصف والمقصف

محنة الساعات الاثنتي عشرة في المدرسة الابتدائية للبنات بالرس لابد وأن تكون قد شهدت مواقف بطولية ومواقف تضحية وحسن تصرف من قبل موظفات سعوديات ولا أقول معلمات فقط، لأن المدرسة تحوي عدداً آخر من العاملات غير المديرة والمساعدة والمعلمات.
لك أن تتخيل مئات الطالبات الصغيرات وعشرات الموظفات اللاتي تعودن على الامن والامان يفاجأن بوابل من «القصف» ينهمر على المبنى الآمن الذي لم يتعود على أكثر من صوت قرع أحذية صغيرة لمجموعة من الطالبات يتسابقن الى «المقصف».

بون كبير وشاسع بين أن يضحكن حول «المقصف» وأن يتعرضن للقصف من حولهن.

العاملات في مدرسة الرس بجميع مستوياتهن الوظيفية بدءاً بمن تعارفنا على تسميتهن «بالفراشات» ومروراً بالمراقبات والكاتبات والاداريات ثم المعلمات والمساعدة وانتهاءً بالمديرة لابد أنهن قمن بعمل وطني خارق تمكن من خلاله وبقدر كبير من الصبر والتضحية وحسن التصرف أن يحافظن على الصغيرات، ليس على أرواحهن وحسب بل على صحة نفسياتهن مستقبلاً وادخال الطمأنينة على نفوسهن في وقت كانت نفسيات العاملات أنفسهن عرضة للتهديد والهلع، كيف لا وهن قوارير وجدن أنفسهن في موقف يفزع لشدته أشد الرجال؟!!.

ما كتب في الصحافة من وصف لبطولتهن رائع انشائياً لكنه لا يكفي،لابد أن التفاصيل كانت أكثر بطولة وشجاعة وحكمة وتضحية.

الموقف لا يميز بين معلمة ومديرة ولا مساعدة و«فراشة» ولا مراقبة وكاتبة او ادارية ولكن من الطبيعي أن تكون إحداهن أكثر شجاعة من الاخرى وأن يكون دور بعضهن أكبر من الآخر حسب القدرات الفردية التي لابد أن تكون مختلفة.

المهم وطنياً، ولكي نشجع مثل تلك المواقف البطولية ونجعلها مثالاً يحتذى أن يتم وعلى أعلى المستويات تكريم جميع منسوبات تلك المدرسة، ومحاولة تقصي تفاصيل المواقف والقصص فإذا ثبت تميز احداهن او بعضهن بقدر أكبر من الدور او التضحية فلها أن تتميز في التكريم بصرف النظر عن مستواها الوظيفي.

من عيوبنا التي يجب أن نصححها أننا دائماً ننسب الفضل للأعلى إدارياً وهو سلوك يخطئ غالباً!!.

لا نريد أن نهمل عاملة شجاعة بذلت تضحية كبيرة ونتركها تترقب الامتنان والثناء وهو يتخطاها الى غيرها ففي ذلك احباط خطير.

والأهم من هذا وذاك أن جميع منسوبات تلك المدرسة يجب أن يحظين بالأولوية في الترقية وتلبية رغبات النقل وتيسير شأنهن الوظيفي وعدم التعسير عليهن مستقبلاً فلا نريد أن يأتي يوم تشعر فيه احداهن أن ما فعلته قوبل بجحود بسبب بيروقراطية ادارية لأننا في وطن اشتهر عنه امتنانه لرجالاته وآن الأوان أن يمتن لنسائه.

التشكيل الجديد للقضاء

التشكيل الجديد لنظام القضاء وما شهده من استحداث لمحاكم متخصصة كالمحاكم التجارية والمحاكم العمالية سيشكل بإذن الله نقلة نوعية في السلوك الاجتماعي وانعاشاً لنفسيات الشارع السعودي ورفع لمعنويات أفراده.
أما كيف ولماذا ينعكس هذا التشكيل على السلوك الاجتماعي والنفسيات والمعنويات فإن ذلك سيكون عن طريق سرعة النظر في القضايا الحقوقية المتخصصة وسرعة البت فيها وتيسير قنوات الشكوى واسترداد الحقوق وهو ما سيشكل رادعاً لكل من كانت تسول له نفسه هضم حقوق الآخرين مستغلاً واقع أن المقاضاة والتداول وصدور الحكم كانت تحتاج إلى نفس طويل وصبر ووقت قد يجعل المشتكي الذي لا يتمتع بالنفس والصبر والوقت بحكم مسؤولياته أو مشاغله يترك متابعة قضيته وما أكثرهم.

وعندما تزداد أعداد «المغبونين» ممن لم يتمكنوا من استرداد حقوقهم فإن ذلك ينعكس سلباً على السلوك في المنزل والمكتب والشارع وعلى الحالة النفسية والمعنوية لأعداد كبيرة من لبنات البناء الاجتماعي فيصاب بالتصدع.

القضاء لدينا ولله الحمد والمنة يتمتع بأعلى درجات الدقة والانصاف والنزاهة واستقلالية القرار المبني على ما يراه قاض عدل يستند في حكمه على تشريع الهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وليس نظام من وضع البشر محدودي القدرات والالمام.

وكل ما كان ينقص محاكمنا هو توزيع القضايا بناءً على التخصص وبناءً على نوع وماهية وملابسات كل قضية، حيث كانت القضايا الصغيرة أو ذات التخصص تنتظر ضمن زحمة قضايا كبيرة ومعقدة، وقد تحقق ذلك التوزيع في التشكيل الجديد والذي سيمنح مجالا أوسع ووقتاً أقصر للتعاطي مع كل قضية حسب تصنيفها وسيؤدي إلى سير سريع «لطوابير» القضايا بل إعادة ترتيب الصفوف بناءً على تصنيف جديد ومن ثم انهاء كل «طابور» على حدة وبسرعة نتوقع أن تكون عالية جداً قياساً بتجارب سابقة مع نفس الجهاز عندما تم إعادة تصنيف كتابات العدل فأصبح صك المبايعة أو الوكالة أو خلافه يصدر خلال ساعات بدلاً من أسابيع في وقت مضى!!.

كل ما أتمناه والحال السارة ما حدث هو أن نرسخ ثقافة التقاضي لحل جميع الاشكالات مهما صغرت حتى لا نترك فرصة لضغينة أو غبن يجعل أحدنا يحاول أن ينصف نفسه بنفسه.

أقصد أن نصل إلى مرحلة من الوعي تجعل من تضرر يضبط اعصابه ويجهز اوراقه فقط لمقاضاة من اضر به اياً كان، ومن ينوي الاساءة إلى كائن من كان يتذكر انه سيقاضيه فيرتدع فإذا كانت الشكوى ممكنة وميسرة اصبح الردع وقائياً ومنع حدوث التساهل.

نريد أن يتمكن الفرد من أن يرفع دعوى ضد موظف عرقل سير معاملته أو خطوط طيران ألغت حجزاً مؤكداًترتب عليه الإضرار بمصلحته أو مؤسسة خدمية كهربية أو هاتفية أو مائية حرمت شخصاً من الانتفاع بالخدمة ولو لساعة واحدة.

إن فتح قنوات الشكوى على مصراعيها وتغريم المخطىء، سواء كان فرداً أو مؤسسة حكومية أو أهلية، غرامة مجزية كفيل بصيانة حقوق الناس ووقتهم واعتبارهم وملكيتهم.

«برفسورات» طب الرياضة

الطب من أكثر المهن الإنسانية نقاءً واستحواذاً على التقدير والاحترام، وهذا يحمل الأطباء مسؤولية أكبر في المحافظة على نقائها لأنها إذا دنست ولو بالشيء اليسير فإن الدنس يكون واضحاً تماماً كما هو الزجاج الشفاف تدنسه مجرد بصمة إصبع متعرق.
وليس أكثر تشويهاً لسمعة الطب من طغيان الأهداف الاستثمارية على الأهداف الإنسانية أو استغلال الإعلام لتميز غير مستحق لخدمة أهداف شخصية من ضمنها كسب شهرة تهدف إلى رفع الفواتير على المرضى وإجراء تعاقدات مع مستشفيات أهلية مبنية على تميز مفتعل إعلامياً يدفع ثمنه المريض وزميل المهنة المحافظة على أخلاقياتها.

هذا التوجه أصبح يحكم تعاملات كثير من الأطباء مع الإعلام إلا من يتمسكون بحقيقة أن الجيد يفرض نفسه دون مزايدة وأن الهدف هو خدمة أهداف إنسانية مقابل مردود نقي يسمو عن التدليس واستغلال الطرق القصيرة المعوجة!!

أطباء العظام ليسوا المثال الوحيد في الساحة لكنّ عدداً منهم ركب موجة الطب الرياضي وحصر نفسه بعلاج اللاعبين والتعامل مع الإعلام الرياضي بعيداً عن الرزانة المعهودة للأطباء فأصبحوا أكثر فئات الأطباء استغلالاً للإعلام إلى درجة المغالطة المكشوفة والمخجلة والتي تسيء لمهنة الطب.

من المعروف ان لقب «برفسور» هو لقب أكاديمي يطلق على كل من وصل إلى درجة أستاذ في سلم ترقيات أعضاء هيئة التدريس في الجامعة ويستخدم في النشر العلمي في المجلات المتخصصة للتعريف بالدرجة العلمية والخبرة أي في المحافل العلمية فقط.

ونعلم أيضاً ان نسبة كبيرة جداً من الأكاديميين في جامعاتنا وصلوا هذه المرحلة في كافة التخصصات ومنهم الأطباء من أساتذة الجامعات بطبيعة الحال.

من بين كل هؤلاء فإن أطباء العظام الذين هدفوا للظهور الإعلامي بحكم أضواء الرياضة هم فقط من يطلق على نفسه هذا اللقب في غير موقعه ويكرره في المحافل الإعلامية حتى بدا وكأن هذا البلد العظيم ليس فيه سوى اثنين أو ثلاثة (برفسورات) هم أطباء إصابات الملاعب مع أن في ذلك ظلماً كبيراً للمملكة العربية السعودية التي تعتبر من أكثر دول المنطقة تقدماً في المجال الأكاديمي والطبي وأكثرها من حيث أعداد الكوادر المؤهلة تأهيلاً عالياً وحاملي شهادة الدكتوراه في كافة المجالات ومنهم أعداد كبيرة وصلت درجة استاذ.

وذلك الإيهام المجحف في حق الوطن يأتي بسبب التنافس والبهرجة الاجتماعية على مستوى نخبوي ومن قبل شريحة يفترض انها أكبر من اللجوء لأساليب جذب تستغل «طيبة» وقلة إطلاع البعض خاصة في المجال الرياضي، وكان هذا السلوك قد بدأ بعدد قليل زاد العدد وهو بلاشك يسيء إلى النظرة للمجتمع ككل ومدعاة للسخرية من سلوكيات المجتمع خاصة انه يصدر من أناس على درجة من العلم.

ولعلنا شهدنا كيف أن تركيز بعض المجتمعات العربية على ثقافة الألقاب ومقدمات التبجيل وتعددها وتصنيفها كان مثار انتقاد وأحياناً تهكم.

ولعل أكبر دليل على أن التنازلات إذا بدأت استفحلت هو ما حدث من جدال بين طبيبين رياضيين في القناة الرياضية منذ أشهر حول إصابة أحد اللاعبين ووصل الجدال حد الشجار الصوتي وتبادل الإساءات وهو أمر دخيل على مهنة الطب فمن أخلاقيات المهنة أن لا ينتقص طبيب من زميله أمام العامة ويشكك في قدراته.

وما حدث دليل كبير أيضاً على أن ألد أعداء مهنة الطب هو استغلالها لأهداف استثمارية أو شهرة تخطط لمستقبل استثماري!!

حماية لمملكة الإنسانية

عبارة «السعودية.. مملكة الإنسانية» سبق أن صدر أمر ملكي كريم برقم 7/3003/م ب وتاريخ 29/11/1425هـ باستخدامها كشعار لجميع المبادرات الإنسانية للمملكة وأن تحظى بتركيز وسائل الإعلام وجعلها خلفية بارزة لكل تلك النشاطات حتى تنقلها وسائل الإعلام الخارجية لما لها من معان عميقة ومتعددة وصدق وواقعية.
وقد تم تعميم ذلك الأمر الملكي الكريم لجميع الجهات المعنية ونشرته الصحف، وبدأت بعض الجهات فعلياً باستخدام تلك العبارة خاصة في عمليات الإغاثة التي تقدمها المملكة للدول المنكوبة.

الذي أود التنبيه إليه لأنني لاحظت بعض مؤشراته هو ضرورة منع ووقف استهلاك مثل هذه العبارة الجميلة باستخدامها في أمور لا تمت لها بصلة كأن يتم تسمية بقالة أو مطعم أو حتى مؤسسة بهذا الاسم أو إطلاقه في مناسبات غير ذات علاقة بالهدف الجميل من تلك الرسالة الإعلامية الوطنية.

وكنت قد لاحظت أن العبارة استخدمت في بعض الحملات الدعائية في انتخابات المجالس البلدية وهو مجال بعيد عن هدف تلك الرسالة التي يجب علينا أن نحافظ عليها ولا نجعلها تستهلك باطلاقها كتسمية لمؤسسات أو مطاعم أو (سوبرماركت) وخلافه.

«السعودية.. مملكة الإنسانية» يجب أن تبقى ملكية وطنية محمية بحقوق الملكية لأنها وبموجب الأمر الملكي الكريم أصبحت بالفعل أحد الشعارات الوطنية الهامة الجديرة بالصيانة من الاستهلاك والتي يفترض حمايتها.

تلك الرسالة بدأ استخدامها أول مرة في مناسبة إنسانية حركت مشاعر العالم نحو هذا البلد عندما بدأت عملية فصل التوأم البولندي وتحولت أضواء كشافات مصوري القنوات الفضائية العالمية العالمية وفلاشات التصوير الصحفي نحو مسرح عملية الفصل وقاعة المؤتمرات الصحفية وقد كان لي شرف اختيار تلك الرسالة القصيرة «السعودية.. مملكة الإنسانية» حينما كنت أبحث عن استغلال أمثل لخلفية لصور الصحافة ولقطات كاميرات الفضائيات تحمل رسالة قصيرة جداً للعالم نفرضها على بعض الإعلام الغربي والعربي الذي لا يريد لإنسانيتنا أن تظهر بصورتها الحقيقية مثل قناة الجزيرة عربياً وبعض قنوات الغرب.

ليس سبب انزعاجي من استخدام تلك العبارة في غير محلها هو لأني اقترحتها في تلك المناسبة، بل على العكس فالهدف هو تذكير شعوب العالم في كل مناسبة بإنسانية هذه البلاد وإرسال رسالة تعيد التوازن بعد الرسائل السلبية التي بعث بها بعض من يحسبون على هذه البلاد.

وبمثل ما أسعدني نجاح تلك الخطوة ووصول الرسالة وأحداثها لتأثيرها ثم اعتماد تعميمها كعبارة وطنية فإنه يسوءني جداً أن تستهلك باستخدامها في غير محلها وأكرر رجائي بأن تتم حمايتها ضمن حقوق الملكية ويمنع استخدامها في غير الأغراض التي حددها الأمر الملكي الكريم.

أكمام البطريق

المسؤولية والامكانات كالثوب والجسد، إذا كانت المسؤولية أكبر من امكانات الشخص أصبح كمن يلبس ثوباً واسعاً طويلاً وافي الأكمام وصاحبنا قصير تحيل ساعديه أشبه بجناحي بطريق.
ليس كل من برع في مجال أو في مرحلة من مراحل المسؤولية قادراً على تحمل المسؤوليات الجسام ونحن أحياناً نستعجل إلباس الثوب الوافي للشخص «الهافي».

من يلبس ثوباً أكبر منه يضطر إلى اخفاء يده اليمنى بل ويخفي اليسرى لأنه لا يريد الظهور إلا لوجهه هو فقط وهذا من أسباب الشعور بالنقص وعدم الثقة، كما أنه وبحكم طول ثوبه يتعثر كثيراً ويسقط غالباً وهو لا يريد لأحد أن يتحدث عن سقطاته أو ينتقدها بل هو لا يريد أن يراها بنفسه لذا فهو يخفي رأسه داخل مساحة الثوب كما يفعل فرخ القطا عندما يريد أن ينام.

والثوب الواسع يخفي الترهلات والنتوءات الجسدية في جسد لابسه لكنه لا يخفي آثارها وما يترتب عليها من بطء في الحركة وانقطاع للنفس واستنجاد بآخر يساعده لكي يجعله يقف على قدميه فإذا وقف دفعه دون شكر وبتنكر واضح ثم لا يلبث أن يعود فيستنجد بالشخص ذاته دون خجل.

المسؤولية أمانة ذات علاقة بمصالح بشر وحياتهم ورفاهيتهم ونفسياتهم وأعصابهم وأبنائهم وبناتهم وصحتهم وأموالهم ووظائفهم فجدير بنا أن نوكلها لمن هو في حجم المسؤولية بل من هو أكبر منها ليفيدها لا ليستفيد منها.

نحن نستعجل أحياناً تقييم الأشخاص بالاستناد على بروزهم في جانب محدود أو في مرحلة ذات نفس قصير أو ننخدع بتلميعهم لأنفسهم أو تلميع الإعلاميين لهذا فإذا ما وضعناهم في المحك الحقيقي وألبسناهم ثوب المسؤولية وجدناه أكبر بكثير من امكاناتهم ووجدوه هم كذلك ودخلنا في مرحلة إخفاء العيوب والتعثر والسقوط تلو الآخر وبدأنا ننظر إليهم بعين الإحباط والمجتمع يترحم على من قبلهم ويترقب من بعدهم.

إننا لا نملك القدرة على تضخيم الأجساد لتملأ الثياب، ولكن لدينا الخيار الثاني الأسهل وهو تقسيم المسؤوليات إلى قطع صغيرة كل منها يشكل ثوباً صغيراً يليق بجسد لابسه ويناسبه ولا «يخب» عليه.

علينا أن لا نحمل الشخص ما لا يطيق من المسؤوليات وإن ادعى القدرة وعلى الأشخاص أن يقتنعوا بمحدودية إمكاناتهم وإذا لم يقتنعوا فإن المصلحة العامة أهم.

لا سقف للعقوبة

لطالما تساءلت ولم أجد إجابة وسأظل أتساءل عن أسباب «حنية» وهشاشة نظام الجزاءات لدينا عندما يتعلق الأمر بمقاول أو تاجر أو شركة موردة أو وكيل شركة.
مثالي اليون هو نظام الجزاءات الحكومية على المتأخرين في تنفيذ المشاريع أو المتأخرين في توريد الإمدادات أو المتأخرين في توريد الأجهزة الطبية.

حيث ينص النظام على خصم (1٪) عن كل أسبوع تأخير في التوريد على أن لا يزيد على (4٪) من قيمة العقد وخصم لا يزيد بأي حال من الأحوال على (10٪) من قيمة العقد فيما يخص مشاريع الانشاء والصيانة والتشغيل.

نسبة الخصم الضئيلة تلك لا تشكل شيئاً يذكر من قيمة العقد ولا من ربحية المستفيد من التأخير، بل إن كثيراً منهم إن لم يكن جميعهم يحسبون حساب هذه النسبة في عطاءاتهم أي أنها مأكولة سلفاً ومأخوذة في الحسبان بل إن هذه النسبة وبسبب ضآلتها يمكن أن تمنح كتخفيض لأي زبون عادي!!.

فما هو يا ترى سر هذا الرفق والحنية بالشركة أو المقاول المتعاقد رغم خطورتها الكبيرة على الوطن وأبنائه في شكل تأخير لأدوية أو إمدادات طبية أساسية للحياة أو عرقلة لمشاريع إنسانية وحيوية هامة جداً؟!.

ثم إن وضع حد أعلى للخصم لا يزيد على 4٪ في التوريد و10٪ في المشاريع مدعاة لمزيد من التأخير في الامدادات أو تنفيذ المشاريع حيث إن التأخير لعدة أسابيع لا يختلف عن التأخير لعدة أشهر عند بلوغ الحد الأعلى للخصم وهو سقف واطي جداً (4٪) أو (10٪)!!.

هذا الحد ليس منطقياً على الاطلاق وغير مبرر بمصلحة عامة بل يصور الحرص على مصلحة خاصة للتاجر وشركائه ويشكل أداة تشجيع على المماطلة بعد بلوغ الحد الأعلى تنعكس آثاره سلباً على المصالح الوطنية بل وسلباً على الدخل الحكومي من الجزاءات المستحقة.

ويشكل هذا الخصم المشروط المحدود عائقاً أمام تنفيذ مشاريع حيوية كثيرة وإمدادات هامة بعضها تعتمد عليه حياة بشر كثر، ويعتبر معضلة كبيرة تعاني منها الدوائر والمؤسسات والوزارات الحكومية في محاولتها دفع عجلة التنمية خصوصاً وأن جل عقود المشاريع أو الامدادات الحكومية (إن لم يكن كلها) يعتمد على المناقصة التي تسمح بدخول مقاولين وشركات ومؤسسات إمداد ضعيفة وغير مؤهلة وذات بنيان هش تتعمد المماطلة والاستفادة من ثغرات نظام الجزاءات والعقوبات مثل ثغرة السقف الواطي جداً للجزاءات فيكون المتضرر الوحيد هو نماء هذا الوطن وتطوره، فكم من المشاريع تأخرت وكم من الأدوية والإمدادات الأساسية للحياة انقطعت بسبب تكتيف يد المسؤول بمحدودية العقوبة التي لا يمكن إلا أن تتم (حسب النظام) والنظام قديم لا يواكب متطلبات التنمية وما جد على السوق من طالح الشركات وغثاء سيل المقاولين والوكلاء.

فمن أجل الوطن والمواطن الصالح الصادق المخلص ومن أجل المرضى والمعاقين ومن أجل دفع عجلة البناء وتسريعها لابد من إلغاء سقف العقوبة وجعله يتناسب طردياً مع التأخر بالوفاء بالالتزامات وعندها «أي عندما تمس العقوبة ربحية التاجر أو تهدده بالخسارة» فإنه سيكون أكثر جدية والعقد شريعة المتعاقدين.

تكسير المرايا

لو أن كل من نظر الى المرآة وشاهد بثور وجهه أو تورم عينيه كسر المرآة احتجاجاً على عكسها لعيوبه على حقيقتها لوجدنا شوارعنا وقد أصبحت مفروشة بأجزاء المرايا المكسورة، بل لما وجدنا في المنزل مرآة واحدة!!
بقايا المرايا المكسورة المنتشرة على الأرصفة ليست هي المشكلة والخسارة المتمثلة في تكسير ذلك الزجاج المصقول لا تمثل التفريط الوحيد.

مشكلتنا الحقيقية لو أن كل من شاهد عيوبه في المرآة كسرها هي أن العيوب ستبقى يراها الناس دون أن يشعر بها صاحبها!! ستبقى البثور كما هي، وتورم العينين سيبقى دون علاج .. وإذا صاحبه إفرازات عين لم ينتبه لها صاحب المرآة المكسورة فإن المنظر سيكون مقززاً ومثيراً للاشمئزاز دون أن يشعر صاحبنا.

تخيلت حالة هستيريا تكسير المرايا تلك وأنا أستحضر سلوك من يمارسون عادة الاحتجاج على النقد الصحفي والتذمر من ممارسة الصحفيين لدورهم في تنوير المسؤول ويهدون إليه عيوبه وعيوب ادارته على أساس أن الصحافة مرآة المجتمع!!.

صحيح أننا لم نعدم البعض الآخر من الوزراء وكبار المسؤولين الذين يقدرون للصحافة دورها الرقابي ويشدون على يدها ويعتبرونها عينهم الثالثة ان لم تكن الأولى الأقوى والأكثر حدة وحياداً.

لكننا ابتلينا ببعض آخر ربما أنه لم يستوعب بعد أهمية ما أوكل إليه من مسؤوليات الى درجة أنه يعتبرها مسؤوليات دون مسؤولية وحسابات لا يتبعها محاسبة.

لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي تلعبه صحافتنا في إبراز الجوانب الإيجابية والإشادة بها عبر صفحات المحليات التي كان لها دور كبير في تسليط الضوء على نشاطات بعض المديرين حتى وصلوا الى مراتب أعلى فليس من المنطق ولا من الإنصاف أن يستكثر ويستنكر تسليط الضوء على بعض عيوب وزارته بهدف المساعدة في معالجتها.

إن الاستمتاع بنشر أخبار النجاحات والزيارات المفاجئة يجب ألا ينسينا أن للصحافة دوراً أكثر أهمية وهو المحاسبة عند الإخفاق والتي يجب أن يتقبلها المسؤول ويسعد بها مثلما تقبل القارئ الإشادة به يوماً ما، فإذا لم يفعل فإن علينا ألا نقبل بشكواه من نقد الصحافة لأن الانتشاء بالمديح والاكتئاب من النقد ظاهرة غير صحية ولا مانع من إيضاح الحقيقة ومقارعة الحجة بالحجة وإزالة اللبس ولكن ليس بطريقة تكسير المرايا لأن الخاسر الأول هو الوطن الذي لا نريد له أن يخسر مرآة واحدة.

المدير «السوبرمان»

حدث لدينا الكثير من التحولات الإيجابية بالغة الأهمية والتي انعكست وسوف تنعكس في شكل نقلة نوعية في تعاملنا مع بعضنا وتعامل دوائرنا الحكومية مع المواطن وثقافة أفراد مجتمعنا في تفاعلهم مع الأشياء من حولهم.
حققنا تقدماً كبيراً في مجال الحوار وقبول الرأي الآخر وزيادة هامش الحرية الصحفية وتفعيل الانتخابات والتعامل مع بعضنا بشفافية.

ثمة جوانب أقل حساسية وأسهل للإصلاح مما ذكر لكنها لا تزال بعيدة عن رياح التغيير لأننا ما زلنا نتركها لسلوكيات أفراد وأهواء أفراد والفرد بطبيعته يصعب تغييره إذا كان أنانياً جداً ويصعب تأقلمه حتى مع تغير مجتمعه.

من تلك الجوانب ما كتبت عنه يوم الأربعاء الماضي تحت عنوان (سجائر وطنية) والمتعلق بالمدير أو المسؤول الذي يستخدم الموظف المبدع والمخلص لخدمته شخصياً ثم يتنكر له ويرميه كما يرمي «قطف» أو عقب السيجارة التي أحرقها لتنعشه ثم داسها. ولست هنا لأعيد ما كتبت فيمكن العودة له لمن يرى أهميته، لكنني أتطرق له لأن الجانب الآخر الذي أنا بصدد ذكره مرتبط به من حيث كونه سلوكاً فردياً للوزير أو الوكيل أو المدير العام أو المدير التنفيذي ويفترض بنا ألا نتركه للرغبة الفردية والأهواء خاصة وأننا نعيش مرحلة تحول إيجابي في مجالات أكثر حساسية.

الجانب الآخر الذي أقصده هو عدم إبراز الموظف المبدع الحقيقي الذي يقف خلف إنجازات الدائرة وتعمد بعض المديرين التعتيم على المبدعين وتركهم دائماً يعملون خلف الكواليس وممارسة (شخصنة) الإنجازات وجعلها تبدو وكأنها إنجاز المدير مع أنه يستحيل تصديق ذلك لأن إمكانيات المدير معروفة لموظفيه ورؤسائه وللناس من حوله فالبارز في مجال ما لا يمكن أن يبرز في كل المجالات لأن شخصية (السوبرمان) شخصية كرتونية غير حقيقية وإن كانت أثرت في طفولة البعض وجعلته يعتقد أنه يمكن أن يبدع في كل المجالات.

لا بد لنا لكي ننهض أن نعتمد سياسة تكريم كل صاحب إبداع عن طريق تقصي الحقائق ومطالبة رئيس الدائرة بالكشف عن الموظفين المخلصين المبدعين وترشيحهم وليس قبول دفن وإخفاء كل مبدع لأن رئيسه يريد الإنجاز لنفسه.

انظر الى قاموس انجازات بعض مؤسساتنا وستجد أن أكثر مفرداته تكراراً هو (الجندي المجهول) أو (العاملون خلف الكواليس) والمضحك المبكي أن المدير وأمام جمع محدود من موظفيه لا يتردد في الاعتراف بالشاعر الحقيقي للقصيدة لكنه لا يريد لهذا الامتنان أن يخرج للعموم في شكل تكريم أو حتى شكر أو إعلان ينسب الحق لصاحبه!! لأنه وعلى ما يبدو يصعب عليه نفسيا قبول نسب الإنجازات إلى أصحابها وهذه حالة مرضية فردية لا يجب أن يقف المجتمع أمامها مكتوف الأيدي وإلا سنجد أنفسنا يوماً ما بلا مبدعين ولا مخلصين!!

انه يريد أن تكون مؤسسته مملكة نحل يختفي فيها الذكر بمجرد قيامه بدوره المميز ولكن ثمة فرقا كبيرا فنحن في هذا الوطن لا ننشد طعم عسل في حفر من الشمع نحن نريد بناء دائماً وصلباً وهذا يتطلب رعاية وتشجيع المهندس الحقيقي للبناء بل وتفريخاً للمبدعين في كل المجالات ليكون لدينا مدير واحد وآلاف المبدعين.