الكاتب: محمد الأحيدب

سجائر وطنية

البعض يتعامل مع الموظف المنتج أو المبدع بمنتهى الجحود والتنكر، تماماً مثل ذلك الذي يحتضن سيجارة بين أصابعه ويشعل رأسها لتحترق ثم يقبل مؤخرتها بين الفنية والأخرى ويمتص من السيجارة بشراهة ما يعتقد أنه يدخل إلى رأسه النشوة ويستمتع باحتراق السيجارة وبنفثه لدخانها وفجأة وبعد أن يقضي منها وطراً يطرحها أرضاً وينظر إليها نظرة كبرياء ثم يدوسها بقدمه ويمعن في فركها على الأرض.
كان ذلك تشبيه استعارة فقط أعتقد أنه القريب جداً لتمثيل ما يحدث مع الفارق الكبير بين الموظف المنتج والسيجارة من حيث النفع والكرامة ومردود الاحتراق.

أعتقد جازماً أن تعامل بعض المسؤولين من وزراء ووكلاء وزارة ومديرين عامين ومديرين تنفيذيين مع الموظف المبدع المنتج ذي الخصائص الفريدة بهذه الصورة هو أحد أهم أسباب تدني الإنتاجية وشح الابداع في دوائرنا الحكومية.

الأخطر من ذلك أن البعض يستغل جهد الموظف المتميز لخدمته شخصيا وعندما يتحقق مأربه ويصل إلى هدفه يرمي به بأسلوب رمي عقب السيجارة فتحدث الصدمة وتخسر موظفا متميزا مبدعا مخلصا ومنتجا دون أن تتحقق الاستفادة منه للمؤسسة الحكومية ويؤثر ما آل اليه من مصير جاحد على بقية زملائه فيصابون بالاحباط والعزوف عن الاخلاص للعمل وبذل مزيد من الجهد وهذا خطير.

تنقصنا ثقافة إعطاء كل ذي حق حقه والامتنان والتقدير للموظف المبدع المتميز ويصعب على أنفسنا للأسف أن نقول بثقة إن هذا المنتج من جهد ذلك الموظف.

كتبت عدة مرات عن المديرين الذين يسرقون إنتاج موظفيهم وينسبونه إلى أنفسهم دون حياء لا من الموظف ولا من جميع زملائه الذين يعرفون الشاعر الحقيقي للقصيدة.. وقد حظي ذلك المقال بتجاوب كبير عبر البريد الالكتروني والاتصال الهاتفي مما يدل على أن ثمة معاناة كبيرة من هذا السلوك.

وموضوع تنكر المدير لجهود وتفاني الموظف والتعامل معه بطريقة عقب السيجارة «القطف» أعتقد أنه لا يقل في شكل وحجم وانتشار المعاناة لدى الكثيرين.

وأجزم أننا لا يمكن أن نحقق طموحاتنا الكبيرة في الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة في مجالات عدة اذا استمر هذا الشعور الذي ينم عن تخلف والمتمثل في أن الرئيس يعتقد أن اعترافه وتسميته لمن هو خلف انجاز حققته ادارته هو انتقاص له أو تقليل من قيمة المدير.

وسيكون الأمر أكثر خطورة إذا مارس المدير سياسة «دوس السيجارة» مع موظفيه لأنه بذلك نسي بسذاجة أن وجود عشرين موظفا في علبة ادارته يختلف عن العشرين سيجارة في علبة الدخان فالإنسان يتعلم من تجارب غيره واذا كان سحب سيجارة لإحراقها يتم بسلاسة حتى آخر واحدة لانعدام المشاعر وعدم توفر صفة الاستفادة من تجارب من سبق فإن الوضع في التعامل مع الموظفين يختلف فالانطباع ينتشر والتعلم يتم بسرعة والنتائج السلبية لكل ذلك يعاني منه المجتمع والوطن.

لو لم تسلم الجرة

أعتقد أن معاناتنا الحقيقية تكمن في سوء التقدير، ليس فقط في أمر توقع وقوع الخطر وتلك معضلة قديمة طالت، ولكن أيضاً في سوء تقدير نتائج وقوعه والانفعالات التي يمكن أن تصاحب حدوث وفيات جماعية في حافلة أو تجمع أو سوق أو مدرسة وخلافه.
مثلاً، عندما تحققت معجزة ونجت عشرات من الطالبات من الغرق في داخل حافلة النقل بنفق السويدي وتم إنقاذهن جميعاً على أيدي مجموعة شباب جازفوا بأرواحهم فإننا احتفلنا بنجاح عملية الإنقاذ وانشغل إعلامنا بتمجيد أولئك الشبان وإجراء الحوارات معهم وهو أمر مستحق بل علينا أن نكرمهم رسمياً فقد أنقذوا عشرات المسؤولين والأطراف عندما أنقذوا الطالبات.

ولكن دعونا وبشيء من المصارحة نتخيل صورة كان من الممكن أن تحدث بنسبة كبيرة جداً بل وأكثر احتمالاً من أمر النجاة، ماذا لو كان السيل أسرع وطمرت المياه الحافلة وغرقت الطالبات في مقاعدهن داخل الحافلة ولم يكن أمامنا إلا سحب الحافلة تحمل جثثاً بريئة غارقة داخل عباءات الستر وعدد من الجثث تحيط بالحافلة لشبان من ذوي النخوة ممن حاولوا إنقاذ الطالبات لكن الماء والطين وسقف النفق كان أقوى من إمكاناتهم فسلب أرواحهم وزاد من عدد الضحايا؟!.

تلك الصورة المأساوية كانت واردة الحدوث بنسبة كبيرة جداً لكننا لم نتطرق لها بشيء من المحاسبة لأنها وبكل بساطة لم تحدث!!.

من سنحاسب لو وقعت الكارثة بصورتها المحتملة جداً التي حاولت تخيلها أو بصورة أكثر بشاعة وهو أمر ممكن أيضاً؟!.

هل سنحاسب من ردم قنوات صرف مياه السيول بمخلفات البناء وتسبب في تراكم المياه في النفق؟ أم سنحاسب من أهمل الرقابة على سلامة القنوات قبل سقوط المطر؟!

هل سنحبس صاحب مؤسسة النقل الذي وظف سائقاً غبياً أنانياً جازف بأرواح الطالبات ثم هرب بجلده ومرافقته أم سنعزل من تعاقد مع مؤسسة غير مؤهلة؟!.

ما عسانا قلنا عن الدفاع المدني الذي حضر غير جاهز وتفرج أفراده؟!.

بل هل كنا سنتحدث إعلامياً عن الكارثة ونكتب حولها مقالات لوم مطولة ونقداً لاذعاً ومطالبات عزل وفصل وإعفاء مثلما تعاملنا مع حريق مدرسة مكة؟! وهل كنا سنكتفي بسرد القصص الطريفة مثلما فعلنا الأسبوع الماضي ونحن نتحدث عن عملية الإنقاذ والمسن الذي حاول المشاركة في الإنقاذ لكنه شاركهن في الغرق وتم إنقاذه بأعجوبة هو الآخر؟!.

لو أن الحادثة انتهت نهاية مأساوية هل كان ثمة فرصة للقائمات على الكلية والقائمين على التعليم لأن يحولوا الاهتمام واللوم على من صور بالجوال فقط لصرف النظر عن أسباب القصور الأهم وهي عدم الاكتراث في أمر نقل الطالبات وإيكاله لمؤسسة تستخدم أجهل فئات العمالة وأقلهم اكتراثاً؟!.

مشكلتنا الكبرى أيها السادة والسيدات أننا لا نعتبر بما يحدث ولا نتقي ما كان يمكن أن يحدث ولا نتعلم من السلامة ما ندرأ به الخطر ولذلك فإننا لا زلنا لا نفرض مخارج طوارئ وخطط إخلاء لمراكزنا التجارية، ولا نعاقب سائق حافلة النقل الجماعي شخصياً إذا ساق بسرعة جنونية معرضاً أرواح الركاب للخطر وهو ما يحدث تكراراً ومراراً دون رادع لا من المرور ولا الشركة في انتظار وقوع كارثة، ومع أن ركاب الحافلة لا يقلون كثيراً عن عدد ركاب طائرة إلا أن الشركة لا تمارس فحص الصحة العقلية للسائقين وكأن خطرهم يقتصر عليهم هم فقط!!. بل اننا لا نتعامل جدياً مع ما وقع من إنذارات حوادث القطارات وسوء صيانة سكة الحديد الوحيدة!!.

علينا أن نكون أكثر جدية وحذراً في إجراءات الوقاية من الحوادث الجماعية فإذا وقعت ولم ينجم عنها وفيات لأن الله ستر فإن علينا أن نتعامل معها وكأنها لم تستر!! كان علينا أن نتعامل مع حادثة نفق السويدي وغيره وكأن الموت حدث والحزن عم وإلا فإننا لن نحتاط للقادم من الأحزان ونتلافاها.

لتكن حكمتنا في معاقبة المقصرين أن الجرة لا تسلم كل مرة!!.

السجون تكشف تخاذل الجامعات

في محاضرته التي القاها في كلية الآداب بجامعة الملك سعود تحت عنوان «دور الجامعات في توعية المجتمع تجاه المساجين» وضح على مدير عام السجون في المملكة اللواء الدكتور علي بن حسين الحارثي أنه يعاني كمسؤول عن السجن والسجناء من عدم تجاوب الجامعات ممثلة في أعضاء هيئة التدريس فيها نحو القيام بدورهم في إلقاء المحاضرات على السجناء أو توعية المجتمع لقبول المفرج عنهم وحمايتهم من العودة لطريق الضياع.
اللواء قالها صريحة وبألم وقال إنه خاطب التعليم العالي بهذا الخصوص بل إن بعضهم يقطع على نفسه وعداً بالقاء المحاضرة ويرسلها مكتوبة في خمس ورقات ثم لا يحضر لإلقائها وهذا أدهى وأمر إذ يعكس انعدام الالتزام الأدبي لدى من يفترض أنهم القدوة أو النخبة واستهتارهم بدورهم نحو السجناء!!، وللأسف الشديد أن حجة الجامعات أو أعضاء هيئة التدريس جاءت مخجلة على لسان أحدهم «عضو هيئة تدريس» فهم يريدون مكافآت وحوافز نظير تلك المحاضرات.

نفس هؤلاء عندما يدعوهم التلفزيون أو إحدى الصحف لندوة أو حوار فإنهم لا يترددون مطلقاً وعلى استعداد أن يدفعوا للمشاركة بل إنهم يدفعون فعلاً ثمناً باهظاً لمشلح مميز وغترة أنيقة ويحضرون قبل الموعد بساعة وتزيد!! أي أن الوقت ليس المشكلة إنما المشكلة في الإخلاص النقي من كل مصلحة ذاتية والذي يفترض أن يكون جزءاً من شخصيتنا ولنا في الدعاة قدوة حسنة حيث يجندون وقتهم جله أو كله لإعطاء محاضرات للسجناء والطلاب ونزلاء دور الرعاية وغيرهم.

إن من صور التناقض الغريبة في مجتمعنا وجامعاتنا أن أساتذتنا يحاضرون خارجياً في أي بلاد من المعمورة دون مقابل غير ذلك الذي تدفعه لهم الدولة في شكل انتداب مجز وتذاكر درجة أولى وسكن وخلافه بينما لا تتكلف الدولة المضيفة دولاراً واحداً بل إنهم يدفعون رسوم التسجيل في المناسبة العلمية. وفي الوقت ذاته فإننا حينما نعقد مؤتمراً أو ندوة في جامعاتنا أو مؤسساتنا العلمية والطبية ندفع للمتحدث ونتكفل بتكاليف إقامته في أغلى الفنادق وبتذاكره وتنقلاته ولعلنا البلد الوحيد المتقدم علمياً وطبياً الذي يفعل ذلك.

هذه الازدواجية الغريبة على ثلاثة محاور متناقضة (مطالبة أستاذ الجامعة بمكافأة عندما يحاضر في أبناء مجتمعه ومنهم السجناء، وتكفل الدولة بانتدابه وتكاليفه كي يتعلم أو يحاضر في مجتمع آخر، ثم دفعنا تكاليف من يحاضر لدينا ببذخ زائد) أقول إن هذه الازدواجية تحتاج إلى وقفة معالجة على مستوى وطني فمع احترامي لأساتذتنا في جامعاتنا فإن جشعهم في غير محله وأصبحوا يريدون الكسب على حساب المجتمع بل على حساب أضعف فئاته إما في شكل بيع مذكرات الزامية على الطلاب أو استغلال حتى المساجين لاشباع رغبات كسب غير مشروع.

الذي كنا نعرفه ونحن طلاب ثم معيدون ثم محاضرون أن الجامعة تتدرج تصاعدياً في انفتاحها على المجتمع وأن هذا الانفتاح أحد أهم أهداف مديريها ورؤساء مجالسها في ذلك الزمن القديم الجميل، أما اليوم فلعل القائمون على الجامعات من الضعف بحيث فقدوا السيطرة حتى على سياسة الجامعة ونبل أهدافها وإلا فإن مدير كل جامعة خاصة جامعة الملك سعود يعرف ترف أعضاء التدريس فيها من حيث قلة النصاب التدريسي مقارنة بالمتعاقدين سابقاً وحالياً و«بحبوحة» الوقت الذي يمضونه في متابعة انشطتهم الشخصية وتجارتهم وأسهمهم مقارنة بغيرهم من الموظفين الذين يوقعون دخولاً صباحياً مبكراً ومغادرة محددة بالثانية والنصف بعد الظهر بصفة يومية دون فراغ لأعمال خاصة. وحري بمدير الجامعة أن يفرض رد بعض الدين للمجتمع في شكل مثل تلك المحاضرات.

لقد لاحظنا منذ عدة سنوات أن المطالبات المادية لاعضاء هيئة التدريس في الجامعات هي السائدة وأن عطاءهم للمجتمع هو النادر باستثناء ما يحقق لبعضهم الشهرة وعرض نفسه على قطار المناصب إما بالكتابة في الصحف والإحجام عن المجلات العلمية (على عكس ما هو مفترض وسائد في العالم!!) أو الظهور في برامج تلفزيونية في أي مناسبة مما يدل على سعة في الوقت مع أنانية في التوزيع.

إن اشتراط أساتذة الجامعات فرض مكافآت على إدارة السجون أو غيرها مقابل نقلهم جزءاً مما تعلموه إلى شريحة يهم المجتمع إصلاحها هو قمة الانغلاق على المجتمع وهو سلوك تتحمله وزارة التعليم العالي ومديرو الجامعات وليس أدل على هذا التقهقر مما لمح إليه اللواء الحارثي عند قوله إن السجين مواطن له حقوقه كاملة من كافة قطاعات الدولة واشادته بالتعاون الدائم من وزارة التربية والتعليم والمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني ووزارة الثقافة والإعلام والرئاسة العامة لرعاية الشباب ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والارشاد وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة.

هذا التعداد المفصل للجهات المتعاونة فيه إشارة واضحة لحجم العتب والإحباط وخيبة الأمل في الجامعات التي يفترض أنها السابقة للتعاون الدائم.

بين الأمانة والنقل

بمهنيته المعتادة حاول الزميل خالد الزيدان أن يكشف لنا أسباب الأزمة المزمنة المتكررة والمتمثلة في فشل تصريف مياه السيول في العاصمة الرياض رغم أنها سيول متوقعة وليست كارثة كونية كالتي أحدثها تسونامي.
الزيدان حاور المسؤولين عن المشكلة :أمين مدينة الرياض سمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف آل مقرن ووكيل وزارة النقل للطرق المهندس عبدالله المقبل. أما أمين مدينة الرياض فرمى بالمسؤولية على الاعتمادات المالية لمشاريع تصريف السيول التي اعتبرها قليلة جداً مقارنة بالتصريف الصحي وأما وكيل وزارة النقل فرمى كرة المسؤولية في حادثة نفق السويدي على الأمانة.

المشكلة وطنية ولا بد أن لها حلاً فنحن جزء من هذا العالم الذي يمر عليه السحاب ويمطر وتبتل الأرض ولا تغرق ولا نحبذ أن يضيع دم كل مشكلة بين قبائل المسؤوليات المؤسساتية مثلما حدث مع أزمة حمى الوادي المتصدع. ففي كل بلاد العالم ثمة وزارة نقل وأمانات مدن ووزارة مالية ويجري التنسيق بينها بما يضمن تلافي غرق الشوارع والطرق الرئيسة رغم توزيع المسؤوليات.

لماذا لا نعترف أن المشكلة هي أننا لم نثر المشكلة إلا بعد حدوثها؟!

خذ الدليل من اتفاق الطرفين على أن أهم أسباب تراكم المياه في كل من نفق السويدي «وهو مسؤولية الأمانة» ومخرج 24 على شارع الترمذي «وهو تابع لوزارة النقل وتحت مسؤوليتها» هو انسداد قنوات التصريف «الموجودة» بسبب ردمها بمخلفات البناء التي يرميها «ضعاف النفوس» من أصحاب الشاحنات!!.

وقد حاول وكيل وزارة النقل بذكاء سد ثغرة عدم الرقابة والمتابعة على هؤلاء بقوله: إنه رغم الملاحقة ومعاقبتهم إلا أن ذلك لم يؤد إلى نتيجة!! ومع ذلك «يناشدهم» بإدراك المسؤولية!!

إذا كانت الملاحقة والمعاقبة لم تؤد إلى نتيجة فكيف للمناشدة أن يستجاب لها؟!.

هنا أيضاً جدير بنا أن نعترف أنه لا توجد رقابة فعلية على هؤلاء عندما ارتكبوا فعلتهم وأننا لم نستشعر خطورة مخالفاتهم إلا بعد أن وقع الفأس في الرأس وكثيراً ما يقع!!

رددنا كثيراً «لتكن العقوبات والغرامات رادعة لكن ذلك لم يحدث بل إن الرقابة نفسها ضعيفة وقاصرة رغم أنها عنصر أساسي لدرء الأخطار إلا أنها توكل لمراقبين في وظائف دنيا غير مشجعة ويعين عليها بحكم تواضعها أناس لا يفوقون المخالف لا وعياً ولا تأهيلاً ولا وطنية ولا إحساساً بخطورة الإهمال.

أساس المشكلة أن القنوات التي انشئت باعتمادات مالية وتكاليف باهظة طمرت وسدت أثناء وقت الجفاف عندما كنا نستسقي ولم ندرك انها دفنت إلا عندما سقينا!!

علينا أن نعمل في وقت الرخاء وكأننا في شدة حتى لا تقع الكوارث والله المستعان.

ماركة غازي وحق المواطن

لن أضيف إلى غازي القصيبي الوزير شيئاً إذا امتدحته فلديه رصيد وافر من المواقف والمبادرات والصدق والنزاهة جعله يحظى بعدد كبير من المعجبين والمادحين في وقت شح فيه المديح لمستحق فعلياً، فلن يزداد رصيده إن امتدحته قيد أنملة.
ولن أنقص منه شيئاً إذا انتقدته لأن جانب النقد سيكون في المساحة المخصصة لعدم الكمال فلابد من جزء يسير عند أمثال الدكتور غازي القصيبي متاح لحدوث حالة الجزر دون حد الكمال لأنه بشر «أنا هنا أتكلم عن غازي الوزير أما غازي الإنسان فشيء مختلف لا أملك الإلمام بمكنوناته ومشاعره ولا أعتقد أن أقرب المقربين إليه يستطيع إصدار حكم قاطع فيه له أو عليه».

ما اتخذه وزير العمل الدكتور غازي القصيبي من خطوات سريعة محرجة بل و«مفحمة» في التعامل مع وضع البطالة وخاصة «حملة التوظيف» وما تبعها من إعلان أرقام مدروسة ومدققة من أرض واقع «لا توقع» هي خطوات مخلصة تحمل ماركة غازي المسجلة بسمته المعروفة «الوصول إلى الهدف من أقصر الطرق وأوفرها وأكثرها وضوحا في الرؤية». على أقل تقدير عرفنا منها النسبة الحقيقية للبطالة ونسب فئات العاطلين ومستوى تعليمهم.

اختلفت مع الدكتور غازي القصيبي عبر هذه الزاوية مرتين حول توجهه بعدم تحديد حد أدنى للأجور للسعوديين في القطاع الخاص فالدكتور القصيبي يرفض تماماً هذه الفكرة «تحديد حد أدنى لأجر العامل السعودي» وله أسبابه التي أعلنها مراراً وتتلخص في عدم إنسانية التفريق بين العامل المواطن والوافد في الحد الأدنى واستحالة تحديد حد أدنى للسعودي دون الوافد أو حد أدنى لكل منهما، ورفض معالي الدكتور غازي من حقه، لكن من حقنا عليه ألا يتجاهل حجتنا في عدم واقعية أسبابه، فأنا لا أفترض غروراً أن على الدكتور غازي قراءة ما أكتب أو بعض ما كتبت ولكنني أرى أن لديه جهازاً للعلاقات العامة يطلعه على الرأي الآخر وهو جهاز مشابه لذلك الذي أطلع معاليه عندما كان وزيراً للصحة على مقالة كتبتها عن التبرع بالدم فطلب مني خطياً أن أنضم إلى لجنة التبرع وفعلت، أفلا يحق لي أن أحظى بتجاوب على حجتي وأن أضم إلى لجنة معارضة قرار معاليه برفض الحد الأدنى للأجور.

قلت إن الواقع هو أن ثمة أجورا مختلفة جداً في الجامعات والمستشفيات تعتمد على ما يسمى بسوق العمل وتكلفة المعيشة في بلد العامل وبصرف النظر عن إنسانيتها من عدمه فإن راتب الطبيب من أمريكا الشمالية يفوق راتب الطبيب السعودي أما الطبيب الأوروبي فراتبه ضعف أو ثلاثة أضعاف العربي وأربعة أضعاف الآسيوي (النسب غير دقيقة تماما ولكنها تقريبية معبرة عن الواقع) علماً أن الميزة للجنسية وليس العرق أي أن الأمريكي من أصل آسيوي راتبه أضعاف الآسيوي من أصل آسيوي. وسؤالي هو ما الذي يمنع والحال هكذا أن يكون للسعودي حد أدنى كونه يختلف في متطلباته المعيشية عن الوافد؟! وهل يزمع د. غازي أن يرفع راتب الطبيب السعودي ليكون مساوياً لذلك الوافد من أمريكا الشمالية؟! وأن يطالب بجعل بدلات وأساس راتب الصيدلي السعودي مساوية لتلك التي يتقاضاها زميله الأمريكي أو الكندي؟!

إن التفاوت في الأجور بين العمالة حسب الجنسية موجود سواء في الدوائر الحكومية أو القطاع الخاص بل حتى في فئة العمالة المنزلية التي بذل الدكتور غازي جهداً كبيراً في توزيع حصص التأشيرات لها حسب عدد أفراد الأسرة، يوجد تفاوت في الرواتب مبني على جهة القدوم رغم انعدام فوارق التعليم والتأهيل لأنها غير مطلوبة أصلاً.

أنا لا أريد من معاليه أن يقبل بحججي أو وجهة نظري، كل ما أريده هو دحضها بحجج واقعية مقنعة لا تكيل بمكيالين وإن كنت على قناعة تامة ان من حق المواطن أن يتميز في وطنه لاعتبارات متطلبات الإعاشة لأسرته ومن يعول في نفس الوطن ولأنه وطنه الذي لا خيار له غيره أما الوافد فلو وجد إغراء عند غيرنا ما جاء إلينا ولا بقي لدينا. وغني عن القول إننا مركز تدريب عالمي يدفع للمتدرب بسخاء «راجع إن شئت المؤتمر الصحفي لمعالي وزير الصحة حول الممرضات والإيدز»!!.

الغيرة المهنية

كنا أجمل كثيراً فيما سبق، كان الواحد منا يفرح بنجاح الآخر ، يفرح بالإنجاز الوطني الذي يحققه غيره وكأنه حققه هو!! لم نكن نحاول التقليل من إنجاز الآخر ونجاحه كما يحدث الآن.
الغيرة المهنية طبيعة بشرية منذ الأزل بدليل أن أول أبناء آدم قتل أخاه بسبب الغيرة، لكنها لم تكن طبيعة سائدة أو منتشرة مثلما هي الآن!! على الأقل في مجتمعنا.

أنا لا أنظر إلى ما حولي بنظارة سوداء ولكنني أحاول أن أصور الواقع بشفافية مطلوبة وصراحة تعاهدنا عليها اليوم.. وواقعنا اليوم يشير إلى أن معظم صور مصادرتنا لإنجاز زملائنا تتم بسبب استشراء الغيرة المهنية التي كانت موجودة لكنها زادت.

لم تعد الغيرة المهنية حكراً على الأقل تعليماً ومنصباً وثقافة بل على العكس، أصبح الطالب في المرحلة الثانوية أو حتى الكفاءة إذا غار من زميله يجد ليصبح مثله بينما الموظف في المنصب الكبير والمستوى التعليمي العالي والثقافة التي يفترض أن تنعكس وعياً، لا يسعد بإنجاز غيره ويحاول جاهداً التقليل منه!! وكل ذلك لأنه يريد أن يكون هو الوحيد في الأعين، الوحيد في الصورة متجاهلاً أن قاعدة الكرسي تنطبق على كل شيء وأعني «لو دام لغيرك ما أتى اليك!!».

الغيرة المهنية بصورتها السلبية انتقلت إلى موظفين كبار وفي مراتب عليا وإلى أطباء ومهندسين وصيادلة وأساتذة جامعات وصحفيين بل ووزراء ووكلاء وزارات وأصحاب نفوذ إداري.

الهدف من الاشارة لهذه الظاهرة ليس تعريتها أو تعرية المجتمع الذي تتم فيه ولكن التنبيه إلى أن ما يسمعه المسؤول من تقليل من شأن الآخرين أو من نجاحهم وإنجازهم ربما يكون وليد «غيرة مهنية» فعلينا أن نأخذ هذا الشعور النفسي في الحسبان ونحن نحكم على أحد من واقع همس آخر!!، وحتى لو أخذ ذلك الهمس طابع التلميح الذكي أو في صورة حق مزيف فقد تكون كلمة حق أريد بها باطل!!.

الهدف الآخر من الاشارة في هذا الصوت الصادر من القلم هو التساؤل عن أسباب انتشار هذه الظاهرة؟!.

هل هو نحن لأننا نقيم الناس بظاهرة صوتية ونستعجل في الحكم عليهم مما أدى لأن تكون النميمة والوشاية طريقاً قصيراً وسهلاً للصعود على أكتاف الغير والنيل منهم؟!، أم أننا أصبحنا نستعجل الخلط بين ما هو نجاح وإنجاز حقيقي وما هو ادعاء لإنجاز فنمنح ثقة ومكافأة للنوعين دون تمييز فأصبح هذا الـ «تمييز» يستغل للوصول لمآرب شخصية كبرى دون جهد وعلى حساب المجتهد.

علينا أن نراجع أنفسنا، نراجع أحكامنا ونراجع بدقة وذكاء صكوك الثقة المطلقة التي منحناها لمن حولنا ولبطاناتنا فلعلنا استعجلنا منح هذا الوسام لمن توسمنا فيه خيراً وكان منه بعيداً.

الأنوف الشائكة

تمتد الأسلاك الشائكة لتمنع مرور «متطفل» إلى منطقة محظورة ليس من حقه العبور إليها إما لأن ملكيتها تعود لغيره وغيره هذا لا يريد لأحد أن يدخلها غيره أو لأنه ليس من المفترض أن يطلع على ما بداخلها رغم أنها ملكية عامة أو من أجل منعه من الإضرار بها وحمايتها أو لحمايته هو كون هذه المنطقة المحاطة بأسلاك شائكة تحتوي ما قد يعرضه للخطر.
بالنسبة للأسلاك الشائكة الأمر طبيعي جداً ومقبول بل مطلوب فهي مصنوعة من جماد ويتكون غالباً من الحديد المطاوع وإن قام بمدها وإحكامها البشر.

ثمة أجساد بشرية شائكة لم يمدها أو ينصبها أحد لكنها مدت نفسها لتحيط بشخصية عامة وتحرم غيرها من الاقتراب من تلك الشخصية بل تجتهد في المنع وكأن ذلك المدير أو المسؤول شيء تمتلكه أو منطقة محظورة بقرار ممن يحيطون به من الأجساد الشائكة.

في عصر الوعي والشفافية والرغبة في الاحتكاك بأكبر عدد ممكن من الناس ومن شرائح وفئات مختلفة ومتعددة يحرص المسؤول عن شأن ما أن يستمع للجميع ويحاور الغالبية وينوع مصادر اطلاعه واحتكاكه بالناس. لكن من يحيطون به يصرون على ممارسة الوصاية على محيطه ويتحولون فجأة إلى أنوف شائكة تمارس شم رائحة القادم الجديد المرفوض أصلاً بالنسبة لهم مهما كانت رائحته وينصبون أمامه العوائق التي تناسب طبيعته أو «رائحته» بالنسبة لهم.

فإذا كان ممن لديه أنفة وعزة نفس وحساسية مفرطة لما ينال من كرامته فإن التطفيش وإشعاره بعدم الرغبة فيه كفيل برده.

أما إن كان كثير المشاغل فعلاجه بكثرة المواعيد، وهكذا فإن لكل قادم أسلوب «لتصريفه» إلى أن يأتي من تفوح منه رائحة عدم الإحساس ولا الأنفة ولا الذكاء وهذا يتركونه وشأنه ليجتاز كل العوائق لأنهم يعلمون أنه لن يحظى بالقبول ولا يشكل خطراً على منطقتهم التي يملكونها أو يدعون ملكيتها.

بقي أن نقتنع بنظرية الأنوف الشائكة تلك وإذا اقتنعنا فإن المدير الذكي أو المسؤول الأذكى هو من يعمد إلى الخروج من دائرة الأجساد الشائكة ليقابل الناس بعيداً عنها لأن أحداً لن يستطيع منعه.

بل ما رأيك في إجراء تغيير دوري للأنوف من حولك؟!

من رمى رميان؟!

حوادث كثيرة شبه يومية تنجم عن إهمال خطوة وقائية بسيطة كان بالإمكان لو طبقنا تلك الخطوة الوقائية أن نتلافى حادثا ووفيات وإصابات.
لا أحد يلتفت لتلك الحوادث وربما ينقل خبر الحادث دون تركيز يذكر على الإهمال الذي أدى إليه.

ولأن الرياضة تسترعي انتباه الغالبية وتحظى بشعبية كبيرة وهامش حرية وتغطية صحفية فورية فقد حظي حادث سقوط الشاب رميان الرميان من أعلى نقطة في مدرجات استاد الأمير فيصل بن فهد في الملز على الأرض باهتمام الصحافة الرياضية.

الاهتمام ركز على كونه مشجعا سقط من علو شاهق وأصيب بكسور في بعض فقرات العمود الفقري وان رئيس النادي زاره وعرض عليه علاجه في أي مستشفى يختاره في تنويه إلى إنسانية الزيارة والمبادرة وهذا جيد بل رائع.

ثمة تساؤلات أهم كثيراً مما سبق وهو دورنا هنا. كما أنه دور كل صحفي غطى الحدث، يفترض أن لا يخلو خبر أو تعليق أو حوار مع المصاب أو الجهات المسؤولة إلا وتطرق لها. على الأقل حتى لا يتكرر مثل هذا الحادث الذي يندر أن تتكرر معه النجاة من موت محقق.

الملعب وتحديداً المدرجات مكان تتواجد فيه شريحة كبرى من الشباب والمراهقين وصغار السن بل فئة من شريحة الشباب الأكثر «شقاوة» وحركة وانفعالات وشجار ومزاح، فلماذا تترك أعلى نقطة في المدرجات دون سياج حديدي حاد يستحيل الجلوس عليه؟! وهل من الحذر والوقاية أن تكون هذه النقطة جدارا منخفضا أملس عريضا يغري بالوقوف عليه «وهذا حدث في المباريات الجماهيرية»؟! ناهيك عن إغرائه بالجلوس عليه من قبل مشجع كروي تبلغ انفعالاته وحماسه ونسيانه نفسه أشدها وهو يجلس على جدار لا سند له ولا سياج.

ماذا عن المزاح بل الشجار أو الدفع المتعمد؟! لماذا نترك سبيل القتل مفتوحاً أمام أكثر فئات المجتمع تهوراً ومجازفة؟!.

أين الجهات المعنية بمنع وقوع الخطر وتطبيق اجراءات السلامة وأولها الدفاع المدني من هذه المساحة المتاحة للموت المحقق؟! والتي تشكل ثلاثة أرباع قطر المدرجات!!.

التساؤل الثاني كتبنا عنه كثيراً جداً ولعل هذا الحادث يلفت النظر إليه بقوة ويؤكد ما ذهبنا إليه فبعض الأحداث الرياضية تجد صدى أكبر من غيرها لما للرياضة وصفحاتها من جذب على كل المستويات.. وأعني بهذا التساؤل رفض المستشفى «أقرب مستشفى حكومي للملعب» استقبال المصاب بحجة عدم حمله لبطاقة الأحوال (!!) مع انه مصاب سقط من علو شاهق ولطف الله به و بقي على قيد الحياة أفلا تلطف البيروقراطية البالية بنا وتكون أنظمة المستشفيات في مستوى تطور الطب لدينا؟!

التعليمات وأعني تعليمات وزارة الصحة على اختلاف وتعدد من مر عليها من الوزراء تقضي بأن غرف الطوارئ يجب أن تستقبل المصاب بصرف النظر عن كونه مواطنا أو مقيما وتجري له كافة الإسعافات والاجراءات الطبية مهما بلغت الى ان تستقر حالته ثم ينقل الى المستشفى الذي يتبع له فكيف يمتنع مستشفى حكومي أو خاص عن اسعاف مثل ذلك المصاب؟! وهل كان لابد أن يتقطع إرباً حتى يقبل كمصاب؟!

انني أرجو وقد رجوت كثيراً معالي وزير الصحة د. حمد المانع حضورياً وهاتفياً وكتابياً أن يضع حداً واضحاً لهذا التقاعس.

أتباع المغناطيس

فيما مضى من الزمان وحينما كنا صغاراً، كنا نلعب لعبة علمية جيدة وملفتة للنظر، إنها لعبة البرادة والمغناطيس، البرادة بضم الباء وفتح الراء غير المشددة هي قطع صغيرة خفيفة من الحديد المبشور والمغناطيس كنا نسميه «الماص».
تضع برادة الحديد على سطح ورقة ثم تضع قطعة المغناطيس تحتها فتبدأ عشرات أجزاء البرادة الحديدية في التوجه نحو المغناطيس وتتحلق عليه وتتحرك كيفما تحرك، ان تحرك شمالاً سارت الجحافل خلفه جهة الشمال وان تحرك يميناً توجهت الجحافل جهة اليمين، ونحن نضحك على هذه التبعية الغريبة التي تحدث رغم أن المغناطيس يختفي تحت الورقة وكأن القطع الحديدية التابعة تتحرك بإرادتها بينما الواقع أنها تتبع حركة المغناطيس بمجاملة وخنوع.

لو حدث أن اختلط مع برادة الحديد قطع خشبية أو بلاستيكية ليس من طبيعتها التأثر بالمجال المغناطيسي للسيد «الماص» فإنها لا تتحرك ولا تتأثر بحركة برادة الحديد بل تبقى في مكانها بكبرياء وكرامة لكن السيد المغناطيس لاينجذب لها هو الآخر لذا تبقى مكانك سر «اقصد مكانك قف».

تذكرت لعبتنا تلك وأنا أتابع بعض مؤسساتنا ودوائرنا عندما يحدث تغيير إداري فالذي يتغير هو السيد مغناطيس لكن حركة برادة الحديد لا تتغير بل ما تلبث أن تتجمع حول «الماص» الجديد وتتراقص وفقاً لحركاته وتتبعه إن يميناً فيمين وإن شمالاً فشمال على وزن «الشور شورك يايبه».

بعض الموظفين مثل برادة الحديد لديهم قدرات فائقة على الانجذاب للجديد بل وجذبه وتغيير طبائعهم للتوافق مع طبيعته وبعضهم لديه قدرة أكبر بكثير فهو يستطيع أن يغير طبيعة المغناطيس نفسه لينجذب إليه.

البعض الآخر مثل القطع الخشبية والبلاستيكية في اللعبة لا تنجذب ولا تجذب وتبقى على موقفها!!

في النهاية يحترق الخشب ليضيء للآخرين و«يموع» البلاستيك رغم نقائه وشفافيته وتبقى برادة الحديد تتراقص رغم السلبية في انتظار المغناطيس رقم 100 «انهم لاينتهون أبداً لأنهم يتلونون».

الشعب الصالح

هكذا هي عادة أبناء هذا الوطن ينجحون بتفوق كلما اتيحت لهم فرصة لدخول امتحان حياتي ويثبتون انهم على قدر كبير من الامكانات المختزنة التي لا تحتاج إلا لفرصة اكتشافها.
عندما بدأ الابتعاث إلى خارج المملكة بأعداد كبيرة جداً تصل خانة الآلاف من الشباب خريجي الثانوية العامة وإلى دول غربية مثل اميركا ودول أوروبا الغربية، كان امام هذه البلاد الخيار الصعب إما ان تجازف وتبتعث ابناءها إلى بلاد لم يروها من قبل وتختلف عن بلادهم في كل شيء أو أن تتركهم على مستوى ادنى من التحصيل العلمي الذي لم يستفد من تجارب الدول المتقدمة ثم ابتعثهم الوطن ويده على قلبه!!.

وقد كان الشاب السعودي اهلاً للمسؤولية وعلى درجة كبيرة من تحملها رغم خروجه من قرية نائية اشبه بالثقب إلى مدن صاخبة اشبه بالفراغ الكبير لكنه لم ينفجر وعاد غانماً بتخصص نادر ابدع فيه وشهادة مشرفة خدم بها وطنه ولا يعتد بالقلة القليلة التي عادت فاشلة أو متضررة ومتأثرة فالعبرة بالغالبية التي اجتازت تجربة الفرصة بنجاح.

الفتاة السعودية خرجت مع زوجها الشاب المبتعث وقد راهن كثيرون انها ستكون عبئاً عليه أو تتسبب في عودته قياساً بالنقلة السريعة من بيئة إلى بيئة معاكسة، لكنها هزمت كل التوقعات وكل المراهنين وعادت هي الأخرى بشهادة لا تقل أهمية أو بحصيلة لغوية وثقافية ربما فاقت ما حصل عليه زوجها، وقد كتبت منذ اكثر من عشرين سنة في زاوية هوامش صحفية بجريدة الجزيرة عن مواقف ايجابية لزوجات مبتعثين بعضها كان خارقاً ومبهراً أذكر منها الآن تلك الزوجة التي عندما أخذ احد الأساتذة موقفاً مجحفاً في حق زوجها رغم بروزه تحولت إلى محامية ورافعت عنه في الجامعة وكسبت القضية وأنصف زوجها الذي كان نابغاً في علمه لكنه خجول في طبعه.

اذا كان الشباب والفتيات من ابناء هذا الوطن شرفوه بنجاحه رغم خوفه عليهم ووضع الوطن ليده على قلبه قبل ان يمنحهم الثقة، فإن الشعب السعودي حقق نجاحاً حديثاً تمثل في نتائج الانتخابات البلدية التي تمت في الرياض. كان كثيرون يراهنون هذه المرة على تأثر الناخب بمخيمات الولائم العامرة بـ «الحاشي» المحاط بعشرين ذبيحة، ولم ينجح من اهل الحاشي أحد!!.

راهنوا على الانتماء القبلي وتأثيره على النتائج ولم يحدث اي شيء من هذا.

كان الخوف من التأثر بالوعود البراقة خاصة ممن ذهبوا أبعد من صلاحيات عضو المجلس البلدي، فكان الناخب اعقل!! توقع البعض أن تسخيره لمال ورثه أو حصل عليه مصادفة سيجعله أول السبعة، ولم يفده ماله شيئاً إن لم يضره. لقد كان الناخب باختصار أذكى من بعض المرشحين واعمق فجاءت نتائج الرياض مخيبة لآمال من يقللون من قدرات وعقلية المواطن السعودي في كل محفل. وستكون نتائج المدن والمناطق الأخرى بنفس درجة الوعي والنجاح.

أما قناة «الجزيرة» التي كعادتها تتعامل مع هذا الوطن المحسود بعدائية غريبة فقد حاولت الإيهام بأن جميع المرشحين ينتمون إلى التيار الإسلامي وقد أنستها العدائية انها انتخابات بلد هو الوحيد في العالم الذي يشكل الإسلام دينه الوحيد والواحد وان 100٪ من سكانه مسلمون وذو غالبية كبرى وسطية ملتزمة ومن الطبيعي بل من شواهد نزاهة ونجاح انتخاباته أن يفوز المشهود لهم بالصلاح لأنه مجتمع صالح في عمومه وغالبيته.