الكاتب: محمد الأحيدب

فراغ هيئة الغذاء!!

الهيئة العامة للرقابة الغذائية والدوائية صدر قرار مجلس الوزراء بإنشائها في السابع من المحرم عام 1424هـ لتكون هيئة ذات شخصية اعتبارية لها ميزانية مستقلة ترتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء وتناط بها جميع المهمات الاجرائية والتنفيذية والرقابية التي تقوم بها الجهات القائمة حالياً ومنها بطبيعة الحال وزارة الصحة فيما يخص الدواء ووزارة التجارة والصناعة فيما يخص الغذاء والهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس فيما يتعلق بالمقاييس والمواصفات ذات العلاقة بالغذاء والدواء.
وهذه الهيئة العامة للرقابة الغذائية والدوائية كانت بمثابة بشرى سعيدة طال انتظارها لتحقق أهدافاً طالما ضاعت بين الوزارات المعنية لتداخلها وحساسيتها وحاجتها لجهة مستقلة ولعل أهم هذه الأهداف التي ركز عليها القرار الصادر بإنشاء الهيئة هو ما يتعلق بسلامة الغذاء والدواء للإنسان والحيوان ووضع سياسة واضحة للغذاء والدواء والتخطيط لتحقيق أهداف هذه السياسة.

القرار حدد أن تباشر الهيئة مهماتها على مرحلتين، مرحلة أولى ومدتها خمس سنوات تبدأ من تاريخ القرار وتباشر فيها الهيئة المهمات الاجرائية والتقييسية والرقابة الاشرافية أما المرحلة الثانية فتبدأ بانتهاء السنة الخامسة من المرحلة الأولى وتباشر فيها الهيئة المهمات التنفيذية اضافة إلى مهمات المرحلة الأولى.

لفت نظري ما نشر من تقرير مفصل في جريدة الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي حول ما يسمى بمشروبات الطاقة وهي مشروبات ثبت ضررها وخطورتها على الصحة وأن لا علاقة لها بإمداد الجسم بطاقة حرارية أو قوة كما يقال بل ان لها تأثيرات منبهة وتزيد دقات القلب وتسبب التعود لاحتوائها على مركبات تطرقت لها في مقال سابق بعنوان “القرار الهش” ووعدت ان أعود للتحدث عن دور هيئة الغذاء والدواء.

الملفت للنظر ان هذه المشروبات الضارة نوقش خطرها عن طريق لجنة خاصة لا علاقة لها بالهيئة العامة للرقابة الغذائية والدوائية وخرجت اللجنة بقرارات أو توصيات هشة لا تعدو اجراءات تنظيمية لتسجيل هذه المشروبات “أي تناولها مسجلة وإحداث أضرارها تحت غطاء قانوني”. ولا أرى مساحة كافية لإعادة ما كتبته حول ذلك القرار، لكن السؤال هو لماذا لم تمارس الهيئة مهمة المرحلة الأولى في هذا الصدد من وجهة نظر اجرائية وتقييسية ورقابة إشرافية؟ فعلى أقل تقدير ان تمارس الهيئة دورها بتشكيل اللجنة والاشراف على التوصيات وطلب تفعيل قرار قوي مفيد يضمن حماية إنسان هذا الوطن من مستحضرات أو منتجات هي في الواقع ليست دواء فنتحمل أضراره لتحقيق نفع وليس غذاء له قيمة غذائية.

لا أدري ماذا تنتظر الهيئة العامة للغذاء والدواء لتبدأ المرحلة الأولى رغم مرور حوالي سنتين على القرار، ورغم أن ثمة مواضيع كثيرة يمكن للهيئة رسم سياساتها ووضع الاستراتيجيات لها حتى قبل مرحلة الصلاحيات التنفيذية؟!

لعلي ألفت نظر مجلس ادارة الهيئة الموقر وفي عضويته معالي وزير الصحة ومعالي وزير الصناعة والتجارة ومعالي وزير الزراعة إلى ان الخطر الحقيقي يكمن في فترة الثلاث سنوات المتبقية لبدء ممارسة الهيئة لصلاحياتها التنفيذية لأن هذه الفترة تشكل مرحلة فراغ سلطة تنفيذية ولو بشكل نفسي لأن الادارات المعنية في الجهات القائمة حالياً كوزارة الصحة والصناعة والتجارة والزراعة وهيئة المواصفات والمقاييس تمارس بالكاد مهامها الروتينية بأقل حماس ممكن لأنها تعلم ان الصلاحيات ستنتقل منها لا محالة وغياب المسؤولية المستقبلية يدعو (شئنا أم أبينا) إلى توقف جهد الابداع ورسم السياسات، والهيئة الجديدة تعيش نشوة التعيين وتنعم بمهلة طويلة بقي منها ثلاث سنوات عدداً وبالتالي فإن فراغ السلطة التنفيذية تزداد خطورته وقد يؤدي إلى دخول منتجات يصعب سحبها بل يستحيل إذا أخذت طابع القانونية طالما أوصت اللجنة ان يتم تسجيل هذه المنتجات الضارة!!

حذار

نجح الإعلام السعودي بكافة وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة في التعامل مع ماشهده الوطن من محنة الإرهاب وكان أساس النجاح في نظري عدة عوامل منها:
التعامل بمهنية عالية مع النتائج المأساوية لما حدث من إفساد في الأرض وتخويف للآمنين وتغطية أخبار الأعمال الإرهابية والتعامل معها حيّاً على الهواء ونقل ما حدث ويحدث نقلاً مباشراً بكل ما فيه من مآسٍ ومفاخر، مآسٍ للضحايا ومفاخر لرجال الأمن ولعل قناة “الإخبارية” الاوفر حظاً في التغطية الحية حيث أبدت مهنية رفيعة لشباب جدد في تواجدهم امام “الكاميرا” وخلف الميكرفون لكنهم كبار في طموحهم وقدراتهم ومخزونهم اللغوي وثقتهم في انفسهم ورزانتهم في الانتقال المباشر الى المشاهد دون حواجز او “مونتاج” او “رقابة” تخفف عنهم حمل المسؤولية “وكم هي كبيرة مسؤولية الكلمة المباشرة والصورة المباشرة فقد اسقطت امبراطوريات وليس خريج إعلام جديد في بداية طموحه وتجربته”.

الشباب السعودي في “الاخبارية” دخلوا الامتحان من أصعب أبوابه وأخطرها وفي أكثر مواده حساسية حيث لا”دور ثاني” ولا إعادة امتحان، إما نجاح في أول الطريق أو عودة من أوله أيضاً.

العامل الثاني لنجاح الإعلام السعودي في التعامل مع هذه المحنة – ولا أقول تلك المحنة لأنها لم تنته بعد – كانت الريادة فيه للقناة الاولى عندما فتحت أبواب الحوار والتوعية على مصراعيه وجندت طاقتها لمناقشة قضية الإرهاب على بساط كبير واستقطبت نخب المجتمع في العلم الشرعي والفكر والإعلام والثقافة والمؤسسات الاكاديمية.

القناة الثانية والقناة الرياضية لعبتا ايضاً دوراً كبيراً استغلت فيه كل واحدة منهما طابعها الخاص والشريحة التي تتوجه لها في الغالب.

إذاعة القرآن الكريم وإذاعة الرياض والبرنامج الثاني بل الإعلام المسموع بصفته العامة رغم محدودية “فيزيائيته” وهي مخاطبة القناة السمعية كان في قمة لياقته وتركيزه علماً انه السابق بين كل أشكال الإعلام في طرحه الشفاف والجريء منذ زمن وفي كل مناسبة.

الاعلام المقروء لايستغرب عليه ما قدم فهو ليس بالجديد في معايشته للأحداث بصراحة وشفافية ونقد للواقع بكل صوره بكل ما اوتي من امكانيات وقدرات خبيرة وتعاملها قديم مع مناسبات كثيرة كان دائماً خلالها (الإعلام الحر بعقل) وهي خاصية فريدة في هذا الوطن فكثيراً ما تقترن زيادة هامش الحرية بشيء من التهور في دول كثيرة تدفع أحياناً ثمن تهور إعلامها المكتوب!!.

بقي أن نقول خلاصة القول وهي أن ذك النجاح الإعلامي الكبير يجب أن لايقع ضحية للشعور الخاطئ بانتهاء المهمة أو قصر النفس أو مايسمى باستراحة المحارب لأن المهمة لم تنته بعد فنحن أمام معالجة فكر وليس حادث انتهى. إن علينا أن نستمر بنفس القوة ونفس المهنية ونفس الرزانة لأن طريق التوعية طويل جداً بل ولانهاية له.

يجب أن لانكون إعلامَ حدثٍ وحسب لأن دورنا لم يكن مجرد تغطية الحدث ولكن منع تكراره.

حذار من إعلام الجرعة الواحدة فنحن أمام مرض عضال يحتاج إلى الاستمرار على مضاداته الفكرية.

حصانة العلم الشرعي

لابد لنا أن نسجل ملاحظاتنا الشخصية بتجرد تام علنا نسهم في لفت النظر لسلوك قد يغيب عن ذهن غيرنا عطفاً على أن ما تلاحظه قد يفوت على غيرك والعكس صحيح.
شخصياً لاحظت أن البعض – وليس الكل بطبيعة الحال – مهما بلغ من الثقافة أو المركز المالي أو المركز الوظيفي أو الدرجة العلمية إذا أراد أن يداخل في موضوع طبي مثلاً في مجلس يجمعه بالأطباء فإنه يبدأ وينتهي بعبارة جد مؤدبة يكرر فيها اعتذاره للأطباء بتدخله في مجال تخصصهم الذي يجهله، ويعيد ويكرر إنني لا أفهم في مجال الطب ولكنني سمعت أو قرأت أن المرض الفلاني يمكن معالجته بالطريقة الفلانية أو أن الدواء العلاني ينفع لعلاج حالة معينة.

نفس الشخص عندما يكون الحديث عن شأن يختص بالعلم الشرعي فإنه يناقش فيه بإلحاح ودون تلك العبارة الاعتذارية رغم أن خلفيته في العلم الشرعي ضئيلة جداً قياساً بعمق هذا العلم وقد لا تعدو ما تعلمه من مبادئ في مراحل التعليم العام أو ما مر عليه سماعاً أو بقراءة عابرة، وهذا التعدي على العلم الشرعي غريب وغير مبرر.

ورغم أنني أنتمي إلى فرع متين من فروع العلوم الصحية هو الصيدلة وهو الأقرب للفرع الآخر علم الطب فإنني أرى أن العلم الشرعي هو الأجدر بالحصانة بأضعاف مضاعفة آلاف المرات إذا قورن بالعلوم الصحية ومنها الطب فالعلوم الصحية متغيرة عرضة للتطوير والتحديث وربما التغيير المعاكس لما كانت عليه لأن بعضها وإن قام على حقائق علمية فإن جلها قائم على نظريات.. أما العلم الشرعي فثابت منبعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن يريد أن يجادل علماءه لابد أن يمر بما مروا به من تعمق في القرآن الكريم وحفظ بعضهم له عن ظهر قلب وإلمام بتفسيره الصحيح الراسخ ودراسة عميقة للسنة النبوية المطهرة وإبحار طويل في علم الحديث ورواته يميز الصحيح والحسن والضعيف والموضوع ومعرفة المسائل التي أجمع عليها أهل العلم وتلك التي كانت موضع خلاف.

لابد لكل من يريد أن يخوض في أحد الأمور ذات العلاقة بالعلم الشرعي أو يفتي فيها بما يراه أن يدرس كل ما ذكر دراسة متأنية، وإذا فعل، فأجزم أنه سيتحول من التشكيك في حكم ما إلى الدفاع عنه ومن التهور إلى العقلانية.

محصلة القول أنني لم أجد لملاحظتي تلك والمتمثلة في التأدب عند الخوض في حديث عن أمر طبي والتجرؤ غير المحدود عندما يكون الحديث عن شأن شرعي أقول لم أجد لها سبباً يبررها ولا تفسيراً لهذا المسلك المتناقض في التأدب مع تخصص والجرأة على آخر ولعله أحد أسرار النفس البشرية الأمارة بالسوء وواجبنا يقتضي أن لا نتيح لها ذلك وأن نرسخ مفهوم حصانة العلم الشرعي في كل المناسبات إذا أردنا أن نحصن مجتمعنا شباباً وشيباً، نساءً ورجالاً، أطفالاً وبالغين.

القرار الهش

حقيقة أستغرب كثيراً هشاشة القرار لدينا فيما يختص بما يضر بالصحة من الأغذية والمشروبات عديمة الفائدة والتي هي في الواقع ضرر في مجملها وليس لها أي مردود صحي ايجابي أو أي قيمة غذائية على الإطلاق.
ومصدر الاستغراب الشديد هو اننا نمتلك قدراً كبيراً من الإدراك لاقتصاديات الصحة وتكلفة علاج آثار ما يضر بالصحة سواء في أجهزتنا الحكومية أو مؤسساتنا العلمية ومواطن صنع القرار أو تقديم المشورة حول القرار، هذا من جانب الإلمام باقتصاديات الصحة.

ومن جانب إدراكنا لمستوى الوعي الاجتماعي المتدني لدى عامة الناس ومعرفتنا بعدم قدرة نسبة كبيرة منهم على استيعاب التحذيرات الصحية والنصح فإننا أيضاً لدينا خلفية جيدة تدرك اننا لا يمكن أن نقارن في هذا الجانب “وأعني مستوى الوعي الاجتماعي” مع دول متقدمة يكفي النسبة الكبرى من شعوبها أن تعرف الحقيقة لتقرر الامتناع عن تناول ما يضر من عدمه ولعل لنا في التدخين عبرة فبالرغم من أنه اضمحل في دول أوروبا واختفى تقريباً في ولايات أمريكا إلا أنه في ازدياد عربياً وخليجياً وفي بلادنا تحديداً رغم تكثيف الحملات التوعوية والجهد العظيم للقائمين على مكافحة التدخين وعلاج إدمانه.

هشاشة القرار الذي يتخذ حيال المشروبات والأغذية المضرة بالصحة لا يتناسب مطلقاً مع ما ذكرناه من الوعي باقتصاديات الصحة وحجم الأضرار وشح الوعي الاجتماعي.

خذ على سبيل المثال ما يسمى بمشروعات الطاقة والتي لا أقول كثر الحديث، ولكن كثرت التقارير العلمية الموثقة عن انها مشروبات هدم طاقة صحية وجسمانية ومشروبات كلها ضرر صحي تنذر بأمراض نفسية وجسدية يصعب علاجها وتكلفته مرتفعة وما زلنا نتعامل مع أمر منعها بمنتهى الهشاشة تماماً كما فعلنا مع منتجات ولا أقول أغذية بالغة الضرر مثل “الشبس” و”الفشفاش” وما تحتويه من نسبة كبيرة من الصبغات الضارة التي لم ننجح حتى في منعها من التواجد في المقاصف المدرسية وحول المدارس إلا بقدر بسيط جداً وكأنها موضع خلاف.

نشرت جريدة الاقتصادية في عدد يوم الأربعاء الماضي 12شوال 1425هـ تقريراً موسعاً وملوناً مدعوماً بالصور وحديث الأطباء واخصائيي التغذية عن محتويات ما يسمى بمشروبات الطاقة من المواد الضارة التي لا علاقة لها بزيادة الطاقة الحرارية للجسم بل بزيادة الطاقة المنبهة مثل الكافيين والتورين والجنسنج وغيرها والتي تسبب أضراراً مثل القلق وزيادة حرارة الجسم وزيادة ضربات القلب واضطراب النوم وتسوس الأسنان والتبول والتعود والأعراض الانسحابية وتأثيرها على مرضى القلب والحوامل. ولو كانت تلك الأضرار أضراراً جانبية لدواء نافع في عمومه فإنها مدعاة لوقفه أو الحد من استعماله.

ومع أن هذه المشروبات ليست دواء ولا نفع فيها وتضر بالصحة وستكلفنا علاج هذه الأضرار إلى جانب الأهم وهو خسارة فادحة في صحة ونفسيات أجيالنا الحالية والقادمة كمواليد من أمهات يتناولنها على انها مشروبات طاقة فإن التوصيات والقرار لا تعدو ضرورة تسجيلها في وزارة الصحة و”التوصية” غير المنفذة بوقف تسويقها حتى يتم وضع تحذير أو لاصق يبين حقيقة محتوياتها وإزالة العبارات في الدعاية أو الملصق التي تشير إلى انها مشروبات طاقة.

هذا القرار أو التوصية الهشة التي لن ينفذ منها إلا خطوة أهش بكثير تفترض خطأ أن مجتمعنا يستجيب للتحذيرات الصحية وكأنه ليس نفس المجتمع الذي لا يكترث بلاصق التحذير على علبة السجائر إلا عند البحث عن تاريخ الانتهاء وكأن التدخين لا يضر إلا عند انتهاء تاريخ السيجارة!!.

للحديث بقية قريبة عن دور هيئة الغذاء والدواء التي لا تزال بعيدة عن القرار.

لا تنحروا الانتخابات

شخصياً لا أؤيد استعجال الحكم على الإقبال على تسجيل الناخبين والقلق من تدني أعداد المقبلين على التسجيل عن الحد المتوقع، لأن الوقت لا زال مبكراً ليس قياساً بعدد الأيام الخمسة التي مضت ولكن قياساً بالطبيعة الخاطئة لمجتمعنا الذي لا يتحرك إلا في آخر يوم حتى وإن كان الأمر يعني أكثر الأشياء فتنة وهو حب الثراء فتجده لا يتوجه لمراكز الاكتتاب في مساهمة تشهد إقبالاً إلا في آخر يوم، وحتى في توفير احتياجات منزله التي تعنى بغريزة أخرى هي إشباع البطن فهو لا يتسوق لرمضان إلا في آخر يوم من شعبان رغم أنه يعلم أن رمضان قادم منذ سنة.
فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بالتفاعل مع خطوة وطنية هي الأولى نحو مصلحة له لم يدرك بعد أبعادها وإيجابياتها وخطورتها على مستقبل مشاركته في القرار لاحقاً، ولم تتم توعيته بالدرجة الكافية لاستيعاب هذا المفهوم وإن كانت تمت دعوته للمشاركة بكثافة فبعض المواطنين ينفر مما يدعى إليه بإلحاح خاصة إذا لم يتوفر لديه مخزون كاف من الوعي والإدراك بمصلحته أو أن الدعوة أساسها منفعة لم يدركها.

لعل الاستشهاد بمثال لنتائج التخاذل في تجربة انتخابية أقصر الطرق للتحذير من التخاذل فأنا أتوق للأمثلة من الواقع حتى وإن كانت صغيرة أو محدودة.

يقوم اختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الصيدلية السعودية على الانتخاب وهي من أوائل الجمعيات المهنية التي شكلت في بلادنا وفي إحدى الدورات لترشيح مجلس “لا أريد تحديده لأن الهدف الاستشهاد وليس الانتقاد” تخاذل فطاحلة الصيادلة عن التوجه لصناديق الاقتراع ناهيك عن ترشيح أنفسهم للعضوية في المجلس، مع أنهم من الصيادلة الذين لديهم تجربة طويلة ومعاناة مع وضع المهنة والنظرة لها ولهم آراء نقدية حادة وجيدة. وكانت النتيجة أن غالبية الأصوات كانت لمجاميع قليلة الخبرة حديثة التخرج مملوءة بالحماس للسيطرة على المجلس وفرض توجه أحادي يخدم التوجه ولا يركز على تصحيح وضع المهنة وإعطائها المكانة التي تستحقها وتستطيع من خلالها فرض مفاهيمها الصحيحة التي تنعكس ايجاباً على المريض المستهدف بالرعاية الصحية، لأن مهنة الصيدلة – ولا أقولها تعصباً – لو أخذت ما تستحق فإنها أول “وأؤكد أول” عناصر حماية المريض، والصحيح قبل أن يمرض، ويكفي أنها أول أشكال الرعاية الصحية على وجه التاريخ.

فشل ذلك المجلس الصيدلي أعاد المهنة إلى نقطة الصفر فكان أول المتقدمين وأول النادمين هم من امتنعوا عن التوجه لصناديق الاقتراع بينما لا ذنب لمن تم ترشيحهم لأنهم وصلوا بعملية جد “ديموقراطية” لكنها لم تكن مدعومة بالوعي الكافي بخطورة العملية الانتخابية.

إن علينا كمواطنين أن ندرك أن عدم توجهنا للتسجيل أولاً سيحرمنا من ترشيح أنفسنا وسيحرمنا من ترشيح من نرى فيه مصلحة بلدتنا وبلادنا وسيترك الغالبية الواعية المجال لكثرة قد لا تعي غير مصالحها الخاصة ونزعتها “القرابية” التي يسيرها الدم وليس العقل والدم ليس إلا سائل ينسكب على الأرض إذا لم يحقنه العقل!!

إن علينا أن نقتنع كمواطنين أن نجاح هذه التجربة الانتخابية الأولى – بعد انقطاع – أمر يحدده توجهنا للتسجيل أولاً والاقتراع ثانياً وأن نجاحها يحدد مستقبل تطبيق تجارب مشابهة في مجالات أخرى وأن علينا أن نعمل على إنجاح هذه الخطوة الأولى مع تجاهل كل رغباتنا الشخصية وتعاطفنا مع القريب والصديق لأن الانتخاب ليس صدقة يفترض أن نراعي فيها الأقربين ولا منفعة فردية نبر بها الصديق والحبيب.

إن علينا أن نعمل لأن يصل لهذا المجلس من ينفعه، ولا ينتفع به بالضرورة، ومن لديه الفكر النير والتخصص والطاقة للعطاء والغيرة على المدينة والوطن، وهذا لن يحدث ما لم نجعل اصواتنا مسموعة بتسجيلها ونحث من نرى فيه تلك الصفات على ترشيح نفسه بعد تسجيل اسمه.

استراتيجية عربية للجراد

غزو الجراد لعدد من الدول العربية على التوالي وتعامل كل دولة مع هذا الهجوم بطريقتها الخاصة التي تفتقر للاستراتيجية الموحدة ربما كان من الضار النافع الذي يلفت انظارنا إلى أن صعوبة تنسيق المواقف السياسية العربية أحياناً ليس سببه الطبيعة الخاصة أو المعقدة للسياسة أو حساسية الموقف السياسي لاعتبارات مصالح كل بلد وتعهداته ودبلوماسيته.. وكأن الجراد جاء لتبرئة السياسة.
أسراب الجراد تطير بخط سير شبه معروف سلفاً، وفي هجمته لهذا العام لم يمارس الجراد أي تمويه أو تكتيك مخادع لخصومه، فقد سلك نفس خط السير المتوقع، بل إنه ساير أوضاع السياسة العالمية ومراكز القوى، فقد مر على فلسطين المحتلة أو ما يسمّى “إسرائيل” وعلى مدينة إيلات جنوب البحر الميت مرور الكرام دون أن يحدث أضراراً تذكر وكأنه يعلم أن أمريكا قد تلتفت إليه إذا هدد المصالح الإسرائيلية وتعتبره إرهابياً وتطارد فلوله في حرب تقضي على الحمام وطير الوروار وطائر الحب والبلبل الشادي وفراخ الحجل وتعجز عن الجراد!! لكن الجراد لا يريد أن يكون سبباً لإبادة مخلوقات أخرى.

الملفت للنظر هنا هو أنه حتى في أزمة الحرب على الجراد ورغم أنه سلك خط السير المتوقع فقد اختلف العرب ولم تكن لهم سياسة موحدة أو حتى تنسيق في طريقة التعامل مع أسراب الجراد فهذا بلد عربي يرشه بالمبيدات وبلد آخر يصدر فتوى بأكله كوسيلة للقضاء عليه وبذلك فإن الجراد المرشوش في بلد عربي سوف يؤكل في بلد عربي آخر بفتوى شرعية، ثم تواصل الأسراب الناجية من الرش أولاً والأكل ثانياً إلى أرض عربية ثالثة مستعدة لرشه بنوع آخر من المبيدات بينما أبناء البلاد العربية الرابعة على خط سير الجراد ينتظرون وصول أسرابه بالقناديل ويحتفلون بوصوله ويستعدون لتعبئة الأكياس وتناوله كوجبة شهية في طقوس احتفالية!!

ألم يكن بالامكان أن نتفق على أقل تقدير في حربنا مع الجراد على أحد “تكتيكين حربيين” إما “نأكله” أو “نرشه”؟!، حتى لا يأكل بعضنا جراداً رشّه البعض الآخر!!

حصل هذا الاختلاف مع أن الجراد ليس عضواً في الأمم المتحدة ولا دولة عظمى ولا عضواً دائماً في مجلس الأمن وليس له وزير خارجية مستقيل ستخلفه السيدة جرادة وليس له مصالح مشتركة مع الدول العربية ولن يؤثر في موازين القوى في المنطقة وليس محتلاً تحميه الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام “الفيتو” ضد أي قرار نتخذه بحقه وليس للجراد “كونجرس” ولا محافظون ولا صقور.

ولا أتذكر أن الجراد يربطه بأجدادنا العرب أي معاهدات أو التزامات سوى معاهدة “كل ونأكل” والتي أهم بنودها أن يأكل الجراد المحاصيل ونأكل نحن ما نتمكن من اصطياده منه ويواصل الناجي خط سيره كوجبة متحركة تسير بسرعة 20كلم في الساعة لتتوجه إلى بلد مجاور تأكل منه ويأكل منها وهكذا..

إذاً فالجراد مهاجم بسيط وفر لنا كل سبل الاتفاق حول مكافحته ولم نتفق فمتى نتفق؟!

التعليم بين الصوت والصورة

الظواهر الطبيعية وعلم الفيزياء يؤكدان أن الضوء أسرع من الصوت ولذلك فإن من الطبيعي أن تسبق الصورة الصوت.
في البث التلفزيوني تُبذل جهود كبيرة لإرسال الصوت والصورة في حزمة واحدة حتى يصلا معاً.

الإنسان بطبيعته لا يقبل أن يختل هذا التوافق لأنه يفقد الاستمتاع بما يشاهده عندما لا يتناغم الصوت مع الصورة فإذا سبق الصوت الصورة فإن عدم القبول يتحول إلى اشمئزاز وكراهية تنتهي بإيقاف أحدهما وغالباً يتم ايقاف الصوت وخاصة عندما تكون المتابعة لمباراة في كرة القدم، فالمتابع لا يريد ان يسمع ان هدفاً سجل والكرة لم تصل للمرمى بعد لأن ذلك يضيع متعته، هذا والهدف سيأتي حتماً بعد ثوان فما بالك إذا كان مجيء الهدف يشوبه الشك أو يستحيل أن يأتي. وهنا مربط الفرس لهذه المقدمة الطويلة التي نهدف منها لإقناع نرجو أن يتحقق.

مشكلة وزارة التربية والتعليم ان صوت الوزارة يسبق الصورة بمراحل أو هكذا نراها ونتمنى أن تقتنع الوزارة بهذه الرؤية وتقبل النقاش حولها!!

خذ مشروعاً من مشاريع الوزارة واستشهد به وستجد أنه إما بدأ صوتاً عالياً لم تعقبه صورة على الاطلاق مثل مشروع “وطني” أو أن الصوت سبق الصورة بمراحل ثم جاءت الصورة مهزوزة وغير متكاملة فكانت مزعجة جداً ومشينة في حق الوزارة مثل مشروع تدريس اللغة الانجليزية للمرحلة الابتدائية الذي سبقه أرفع صوت ثم جاء بأوطى صورة حيث بدأت الدراسة ولم يبدأ التدريس!! وأدخل المقرر قبل دخول كتبه ونزلت الحصة في جدول وعلى حساب مواد أخرى قبل أن ينزل المعلم في الكادر الوظيفي بل قبل أن يصل المعلم أصلاً إلى الوزارة ناهيك عن المدرسة، وهو ما يؤكد ان المشروع لم تتم دراسته من قبل أكفاء في مجال إدخال مقرر جديد وأخذ فيه بآراء أناس ربما خدموا أنفسهم بالمشروع واستفادوا منه أكثر من إفادتهم له، وهذه هي الحال دائماً عندما تكون الغاية هي من يبرر الوسيلة وليس العكس.

وأما الخطوات والمشاريع الأخرى التي تغنى بها الصوت كثيراً فإن صورتها غير مرئية للعموم، ووحده المعلم والمشرف التربوي والمرشد الطلابي من يقرر إن كانت قد فعّلت أم لا. لأنها أقرب إلى الخطوات النظرية التنظيرية منها إلى العملية مثل مشروع قياس كفاية المعلم ومشروع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة ومشروع لم شمل المعلمين والمعلمات وغيرها من الأسماء الرنانة.

إن على وزارة التربية والتعليم، وقد بدأت تستشعر متأخرة ان الإعلام إنما يمثل نبض الشارع الذي اجتمع على نقدها وهو محق في نقده، ان تسارع في استبدال النهايات الصوتية بعناصر عملية فاعلة ليس بالضرورة ان تستعجل العمل ولكن أن تجيده!!

الفتنة المستيقظة

التفرقة بين الناس بكل صورها وأشكالها هي أساس الداء الاجتماعي وأسرع الطرق إلى حشو الصدور بالكراهية وجعلها مستعدة لاحتضان معاداة المجتمع والنقمة عليه.
كل أنواع التفرقة خطير يجعل القلب وقوداً سريع الاشتعال بما يحرق الرطب واليابس، حتى التفرقة في التعامل بين الأولاد في محيط البيت الصغير تتسبب في مشاعر تهدد الأسرة وتنذر باستشراء المرض الأسري الخطير الذي يفرق بين أفرادها، فما بالك إذا جاءت التفرقة في مجتمع بأكمله.

إن التهاون في أمر تصنيف الناس على غير ما أمر به الحق سبحانه وتعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} يؤدي دون أدنى شك إلى نتائج لا تحمد عقباها، تبدأ بانعزال واكتئاب فئة من المجتمع وشعورها بالدونية وتنتهي بكارثة اجتماعية، وقد راعت دول كثيرة هذا الجانب الخطير وأولته جل اهتمامها بعد ان عانت من ويلاته واكتوت بناره لسنوات عديدة، فهذه الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما بها من عنصرية متخفية تعتبر داخلياً أن وصف الشخص بلون بشرته تمييز عنصري يعاقب عليه القانون حتى وصل المجتمع إلى مستوى من الوعي الاجباري جعله يستعيض عن ذكر لون البشرة بذكر أصول الشخص الأمريكي فيقال أمريكي أفريقي بدلاً من ذكر اللون وهو أمر لا غضاضة فيه في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي الوقت الذي تهتم فيه الدول المتحضرة بقفل هذا الباب الخطير، شاهدت في ليالي رمضان وضمن الكم الهائل من المسلسلات العربية المليئة بالغث، أو السيل من الإنتاج الفني الذي ثلاثة أرباعه زبد. شاهدت إحدى حلقات عمل فني اسمه “قرقيعان” يتكرر في عدد من الفضائيات العربية وقد ركزت الحلقة على السخرية من أحد طلاب الفصل كونه أسود البشرة بأن يتناوب بقية الطلاب على نعته بعدد من الصفات ذات علاقة مباشرة بلونه وشكل شعره بهدف إضحاك الناس بطريقة جد سمجة وخطيرة، لم تحسب أدنى حساب لمشاعر أبناء جلدته، وبسبب ضحالة وعي المعد والمخرج والممثلين فإن أحداً منهم لم يحسب البعد الخطر لهذا العبث!!

وشخصياً أعتقد ان الفنان الخليجي بصفة خاصة كونه يستعجل الشهرة ويفتقر للمخزون الثقافي والرصيد المعرفي والوعي بخطورة الرسالة الإعلامية لا يمكن ان يترك ليعبث بالمجتمع ويحدث فيه الفرقة والتمييز ويوغر صدور إحدى شرائحه.

ونظراً لحداثة التجربة خليجياً ومحدودية عدد المنتمين إلى التمثيل بسبب النظرة الاجتماعية تجاه الفنان بصفة عامة فإن ميدان التمثيل يشهد تنافساً بين نفس الوجوه ونفس العدد المحدود الذي يخلو من فئات المجتمع المتعلمة والمثقفة وحتى ذات الحكمة والفطنة ولذا فإن من الخطورة ان تتاح الفرصة لهم بالعبث بما يثير الفرقة ويوغر الصدور دون التحكم في إطار وسياسة وأبعاد ما يطرحون والتنبؤ بتأثيراته ليس عن طريق مقص الرقيب ولكن المطالبة باشتراك من يدرك ابعاد الأمور أو إجازة النص لضمان عدم إحداثه للفرقة التي تمس المجتمع ولا مانع بعد ذلك من الاستفادة من موهبتهم مع التشديد على ان يكون النص مكتوباً من شخص يدرك خطورة العمل وان لا يسمح بالخروج عن النص بصورة تسيء للثوابت والمسلّمات أو توغر الصدور وتسبب الفتنة، فالفتنة ملعون من أيقظها وهي نائمة فكيف بمن يزيدها نشاطاً وهي مستيقظة.

الغريب ان كل الأعمال الإعلامية في الخليج يحكمها إطار عقلاني ولها سياسة وخط ثابت إلاّ التمثيل والغناء ففيهما تجاوزات غريبة ليست جديدة.

الأمن بالدعاء

لا تحتاج إلى كثير من التركيز لتدرك سبب الأمن الذي تنعم به بلادنا، وسبب هذا الأمن لا يطلق عليه سر أمن هذه البلاد فهو سبب واضح وجلي تقف خلفه الرعاية الإلهية التي ننعم بها في شكل أمن ورخاء واستقرار ننعم به في كل الأوقات والأزمات التي تحيط بنا وتمر حوالينا ولا علينا.
لقد مر العالم بأزمات أمنية عدة بعضها كان أقرب إلينا من حبل الوريد، وكنا ولله الفضل والمنة البقعة الآمنة التي تحيط بها الأزمات ولا تتسرب إلى داخلها.

السبب الواضح والجلي، أدامه الله، يتمثل في أن الصلاح هو السائد والفساد هو الشاذ، والعض بالنواجذ على تعاليم الدين الحنيف هو الأصل والتساهل فيها هو النادر.

نحن البلاد الوحيدة التي تحكم شرع الله في جميع تعاملاتها وتتخذه دستور حياة، ومن يحكّم شرع الله يرضَ عنه ومن يرضَ عنه يستجب دعاءه وإذا ما علم القاصي والداني حال هذه البلاد التي تتميز بارتفاع أصوات الدعاء والتأمين عليه في كل الأوقات وفي كل المناسبات فإنه سيدرك دون عناء سبب قدرة هذه البلاد على تخطي الأزمات بل تلافيها والعيش في مأمن منها.

صوت الدعاء يعلو من مساجدنا ومن منازلنا ومن مؤسساتنا الحكومية والتجارية في كل وقت عبادة، والعبادة عندنا في كل وقت وفي كل ساعة وكل يوم وكل شهر ولكن دعونا نستشهد برمضان وخلال صلاة التراويح وصلاة القيام حيث الطابع الخاص والمميز عندما تتعالى أصوات الأئمة والمأمومين تلهج بالدعاء المصحوب بخشوع تام وبكاء وتذلل للخالق وتوسل ورجاء بكل ما يستحضره الإمام من أدعية وما تلهمه إياه المناسبة الروحانية من عبارات إضافة إلى ما تعلمه من أدعية نبوية مأثورة ومحفوظة.

العبرة ليست بإقامة صلاة التراويح فقط بل بسلوك البلاد وأهلها قبل وخلال وبعد الشهر الفضيل وبعدد من يؤدون الصلاة ونسبتهم إلى عدد السكان.

“اللهم آمنا في أوطاننا” دعاء كنا ولازلنا نردده في كل الأوقات والمناسبات قبل وبعد وخلال بعض الأزمات الطارئة التي مرت منا، وإن كان لي من ملاحظة عابرة فهي أن تجاوب المأمومين في نبرة الصوت مع كل دعاء يختلف بحسب فقدانهم للنعمة التي يطلبونها أو مداعبته لمشاعر في نفوسهم وهذه طبيعة الإنسان بقدر ما يمسه من ضر، فقد كان أعلى صوت لقول “آمين” يعلو عند الدعاء بالمغفرة للوالدين والموتى عموماً لأنه ما من إنسان الا وفقد حبيبا ففي سنوات مضت كان الدعاء بأمن الأوطان يمر عابراً بنبرة عادية، أما وبعد أن شعرنا بأن فئة ضالة كدرت بعض ما ننعم به من أمن وأشاعت الخوف في النفوس والإرجاف في المدينة فقد أصبح الدعاء بأمن الوطن ترتفع فيه الأصوات بالتأمين والبكاء والخشوع ولعل الله سبحانه وتعالى بحكمته قد أراد لنا ابتلاء وامتحاناً لنشعر بنعمة الأمن التي ننعم بها دون كثير غيرنا فالأمن في الوطن نعمة كبرى قد يتناساها من ينعم بها مثلما أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، فقد أراد الله لنا أن نرى نعمة الأمن وكنا ان شاء الله ممن نجحوا في ذلك الامتحان وقد اتضح ذلك في دعائنا وتضرعنا والدعاء عبادة ولابد أن يصحبه شكر النعم.ستبقى هذه البلاد ان شاء الله في نعيم هي عليه محسودة وهي به متميزة لأنها تميزت بتحكيم شرع الله وخدمة الحرمين الشريفين وأصبحت المآذن لها الطابع المميز وارتفاع صوت الحق والدعاء والوعظ نهج حياة لا يحد منه انشغالها بالتطور والرقي الذي بلغت فيه مبلغاً لم يبلغه نظراؤها لكن ذلك النهج يعبر عن أسمى مبادئها وهو سبب نعمتها.

رياض التحديات

نجحت الرياض عن طريق احتفائها بعيد الفطر هذا العام في فرض هجرة معاكسة من القرى والمدن والمحافظات المجاورة إلى العاصمة بعكس ما كان يحدث في أعوام كثيرة مضت عندما كان الناس يغادرونها إلى القرى ولا يعودون إلا بعد انتهاء آخر ساعة من الإجازة.
الذي ارتاد الطرق السريعة أيام العيد يلحظ بوضوح ان الاتجاه المؤدي إلى الرياض كان مزدحماً فحتى أولئك الذين غادروا ليلة العيد لمعايدة كبار السن في مسقط الرأس عادوا ادراجهم حتى لا تفوتهم احتفالات الرياض وذلك رغم وجود تحد واضح تمثل في جمال حالة الطقس الأنسب للقرية والمتمثل في البرودة ورذاذ المطر المستمر.

برنامج الرياض في احتفالات العيد شهد تطوراً ملحوظاً خلال تسع سنوات وبدأ في فرض العاصمة لنفسها كمدينة احتفال ترفيهي وثقافي للعائلات والأفراد رغم التحديات التي تواجه الرياض بصفة خاصة لعدة اعتبارات لا يمكن لمنصــــف إلا ان يعترف بها تتعلق بتوجهات الناس وأفكارهم ورؤاهــــم ولعل آخرها وليس أولها هو ارتباط الغالبية العظمى من سكانها المواطنين بقراهم وهجرهم ومســـــقط رؤوسهم، اضافة إلى ان الرياض ليست مدينة ساحلية ولا قريبة من شواطئ البحر الذي ارتبط بالترفيه والمتعة.

تجربة رياض التحدي والعمل الوطني الجاد يفترض أن يستفاد منها وأن تعمم لأن النجاح في وجود كم كبير من المعوقات هو النجاح الحقيقي.

وفي ظني المتواضع اننا إذا أردنا نجاح السياحة في المملكة على مستوى عالمي فإن علينا ان نبدأ باجتذاب المواطنين أولاً وهذا يتحقق في أسرع صورة إذا اجتذبنا ابناء البلد في مواسم الإجازات القصيرة التي تعتبر فيها فرص السفر العـــــائلي للخارج محدودة جداً.

هذه الإجازات القصيرة يجب ان نكثف فيها وسائل الجذب للسبب السابق ذكره وهو محدودية الفرص والرغبة للسفر خارجاً اضافة إلى ان الإجازات القصيرة لا تحتاج إلى نفس طويل وجهد مكلف وهو عامل مهم في بداية التجربة السياحية المضنية والتي أهم تحدياتها هي عناصر الجذب.

عندما نجتذب المواطنين ونفرض مدننا عليهم في الإجازات القصيرة سنجد ان من السهل تلقائياً ان يعشقوا السياحة الداخلية في إجازات الصيف الطويلة لأن عامل حرارة الجو لم يشكل عائقاً لدى دول أخرى تعاني من الحر والرطوبة والغلاء الفاحش.

وإذا نجحنا في جذب المواطن لسياحة داخلية وقضاء الصيف في مصايفنا أو حتى مدننا الحارة فإن السائح من الخارج لديه كم أكبر من أسباب الرغبة في زيارة بلادنا وسيكون جذبه أكثر سهولة.

فقط تذكروا سنوات كثيرة مضت عندما كان عيد الرياض عادياً جداً وكان الضغط في الطرق السريعة على الاتجاه المغادر وقارنوه مع عيد هذا العام وستجدون أن التحدي يعشق من يعمل بصمت بل ويخضع له.