الكاتب: محمد الأحيدب

تميرات الهلال الأحمر

اختلفنا كثيراً مع بعض القائمين على جمعية الهلال الأحمر السعودي من أجل مصلحة وطنية، وذلك الاختلاف لم يفسد قط للود قضية، لأننا نختلف للجمعية وليس عليها.
ولأننا نختلف من أجل تصحيح صورة نراها مهزوزة من الزاوية التي نقف فيها ونصر على تبليغ المسؤول بذلك ونلح في إقناعه بشتى الطرق، فإننا لا يمكن ان نتردد في تهنئته بالنجاح إذا تحقق والشد على يده عندما نرى من نفس الزاوية التي نقف فيها أن ثمة صورة جميلة صافية “ونون الجماعة هنا تشير إلى منسوبي العمل الصحفي وحاشا أن تكون للتعظيم”.

وفي رأيي المتواضع ومن زاويتي التي أطلت الوقوف فيها رأيت خطوة رائعة ليست جديدة ولكنها تزداد جمالاً خاصة انها نهج وقائي، والوقاية دلالة حكمة وبعد نظر واتساع أفق وفكر اقتصادي نير.

بحكم ظروف عملي، خاصة ساعات العمل في رمضان كنت عميلاً شبه دائم، أو قل ضيفاً يومياً يحل في ضيافة شباب جمعية الهلال الأحمر السعودي الذين تطوعوا لتفطير الصائمين عند اشارات المرور ومواقع الازدحام بعد أن تبنت الجمعية هذه الخطوة الرائعة مع مؤسسة تفطير الصائم الخيرية.

ولقد شحذت همم التركيز لديّ وسخرتها لمتابعة تأثير الوجبة على السلوك العام في الطريق، وخدمني ان الطريق طويل وشاق يمتد من خشم العان في جنوب شرق الرياض إلى حي التعاون في شمالها الغربي مروراً بعدد كبير من التقاطعات الخطرة وكنت ألحظ على سلوك المركبات انها تسير بسرعة جنونية وفي انحناءات متعرجة وتجاوز لإشارات المرور الحمراء وتحايل على بعضها بسلوك الطريق الأيمن ثم الدوران وكل ذلك من أجل اللحاق بلحظة الصفر “الفطور”، لكن ذلك السلوك الفوضوي المستعجل سرعان ما يهدأ ويتحول إلى سلوك عقلاني بمجرد اقبال ذلك الشاب الذي يرتدي حزاماً عاكساً ليقدم وجبة أنيقة متكاملة تتكون من تميرات نظيفة مغلفة محشوة باللوز “أشهد ربي انني لم أذق في حياتي قط ألذ منها، وربما ان للتوقيت والحاجة لاتباع السنّة النبوية دوراً، لكنها لذيذة وصحية حقاً”، ومعها علبة عصير جزلة، وعبوة ماء مرورية، وشطيرة بسكويت مزدوجة ومنديل معطر، ومطبوعات توعوية جمعت في علبة أنيقة ملمومة.

امتصاص عامل الاستعجال ذاك قصدت منه الجمعية تقليل الحوادث بشكل كبير والاستغناء عن خدماتها الاسعافية بخدمات وقائية فحققت هدفها بأسلوب سهل وتواصلت مع الناس مدللة انها إذا وجدت الامكانات قادرة على تجهيز عربة إسعاف متكاملة مثلما كانت ذواقة في تجهيز هدية افطار أنيقة وصحية وهادفة.

تنمية الشك

كلما ازدادت حالات النصب والاحتيال والسرقة واستغلال طيبة الناس ونقاء سريرتهم كلما أصبح من الضروري تنمية إجراءات الحذر على المستوى الوطني.
التوعية جانب مهم جداً في الحرب على النصب والاحتيال والسرقة، وأهم خطوات التوعية تمارسها الصحافة حالياً بنشر أخبار حالات التحايل لسلب الأموال والتي تتم بصور عديدة منها تقمص شخصية رجل أمن لسلب المال أو مصادرة جوال أو الحصول على رشوة ، وقد تم نشر خبر القبض على بعض من يمارسون هذا الاسلوب في الرياض بعد مطاردتهم في حي المرسلات.

نشر الأخبار بشفافية ووضوح يرفع درجة الحذر لأنه يعرف ببعض أساليب الممارسات والحيل التي يتم بها خداع الناس فيؤدي إلى حذرهم منها، على عكس ما كان حجة في السابق لعدم النشر وهو ترويج الأساليب والتعريف بها فهذه نظرة قاصرة تفترض ان المحتال لن يخترع الحيلة إلا إذا قرأ عنها في الصحف وهذا خطأ كبير، فالسارق والنصاب لا تعييه الحيل ولا ينضب بركان أفكاره الشيطانية، والمهم أن نعرف الناس بتلك الأساليب ليحذروها فيساهموا مع رجال الأمن في التصدي لها.

ولكن نشر الأخبار وحده لا يكفي أيضاً فنحن أصبحنا في أمس الحاجة لتنمية ثقافة الشك الإيجابي المحمود الذي يجعل الشخص يتحقق من كل من يتعامل معه ويطلب منه ما يثبت إدعاءه، ودون ذلك فإنه لا يسلمه أي نقود أو إثبات شخصية أو يتجاوب لطلباته إلا بعد التأكد من صحة انتمائه للجهة التي يدعيها.

نحن عانينا كثيراً من الطيبة الشديدة وحسن الظن بالآخرين وأعتقد أن معظم حالات النصب والاحتيال التي نشتكي منها ونخسر بسببها تعود إلى عدم الحذر والشك المحمود في تعاملاتنا.

نفس الشيء ينطبق على العمالة الوافدة لدينا فهم يعانون من حسن ظنهم وتصديقهم لادعاء نصاب بأنه رجل أمن أو ضابط جوازات أو حتى ادعاء أنه أحد رجال هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمعاناة مع حسن الظن والتصديق وعدم الشك قديمة جداً لكنها بدأت في البروز أكثر وأكثر مع تزايد البطالة والحاجة مع قلة الوازع الديني.

بقي أن نؤكد أن تنمية ثقافة الشك والتحقق تستدعي تنمية الوعي لدى رجال الأمن والسلطات الأخرى بضرورة قبول التحقق من الهوية واعتباره حقاً من حقوق المواطن والمقيم حتى لا ينتهي الأمر إلى تشابك بالأيدي مع الشخص الصحيح.

ضحايا الإيذاء الجسدي

لاتزال غرف الطوارئ في مستشفياتنا تستقبل حالات يقشعر لها البدن من أشكال الايذاء الجسدي للأطفال مثل علامات الجلد بسوط أو عقال أو عصا أو علامات العقاب بالكي بالنار أو الضرب المبرح على الوجه وسائر الجسد والذي ينتج عنه إصابات بالغة وكسور وربما إعاقات.
ظاهرة الايذاء الجسدي للأطفال الصغار سواء من قبل الوالدين أو الاخوة أو الخادمات لا يشعر بخطورتها إلا من يعملون في المستشفيات وفي غرف الطوارئ وأقسام الخدمة الاجتماعية تحديداً.

لذا فإن من الضروري إجراء مزيد من الدراسات والاحصاءات التي تصور الظاهرة على حقيقتها وأتوقع من واقع المعايشة عن قرب أن تكون الحقيقة مرة جداً بل مخيفة، لأن نتائج تلك الممارسات العنيفة لا تقف عند حد إهانة الطفل نفسياً وإيذائه جسدياً وإعاقته، بل تتعداه إلى اضافة رقم إلى مجتمعنا يتسم بالغضب من المجتمع والحقد على أفراده وحب الانتقام وربما تقمص شخصية من سبب له الأذى الجسدي في شكل إيذاء للجميع.

وكلما تزايدت أرقام الأطفال الذين تم إيذاؤهم جسدياً أو جنسياً “وهذا يحدث أيضاً” فإن الأرقام السلبية التي تضاف إلى المجتمع من غير الأسوياء ومحبي الانتقام تتضاعف وفي ذلك خطورة بالغة تستدعي مزيداً من الاهتمام بهذا الأمر وعدم اعتبار ضرب الوالدين أو الأقارب أو الخدم للطفل وإيذائه جسدياً شأناً أسرياً خاصاً وإنما هو للوطن والمجتمع بصفة عامة.

نعم لقد أنشأنا لجنة عليا تختص بهذه المشاكل وتبت فيها في بعض المحافظات، لكن هذا لا يكفي مطلقاً، فتلك اللجان تستقبل ما يحال إليها فقط وتحسن التعامل معه دون أدنى شك، لكن الأمر الذي يوازي أهمية البت في ما يحال من حالات هو ضرورة إجراء الدراسات وتقصي أوضاع الأطفال الذين قد لا يصلون إلى المستشفيات الحكومية فلا يعرف عنهم.

وتشكيل لجنة تعنى بالإيذاء الجسدي والجنسي للأطفال أمر رائع لكن هذه اللجنة علاجية ونحن نحتاج هنا إلى جانب الوقاية الذي لا يتم إلا بنشر الوعي وتكثيف النصح والإرشاد والوعظ في هذا المجال.

وغني عن القول بأن تنفيذ العقوبات والتركيز على الإعلام عنها ونشرها حتى بدون أسماء وبدون تشهير تشكل رادعاً مهماً يُشعر من تسول له نفسه ظلم طفله أو ابن زوجته أو يتيم أم أو أب ان ثمة عقوبة دنيوية في انتظاره غير تلك التي تنتظره يوم الحساب.

الممنوع الموجود

يكون القرار انفعالياً مرتجلاً إذا بُني على حادثة بعينها أو استند على محاربة سلوك البعض على حساب الكل ولم يتم بناؤه على دراسة احصائية محايدة تهدف للصالح العام بعيداً عن دخول عنصر الرأي الواحد أو حتى الآراء المتعددة لهدف واحد والتي لها طابع الأهواء الشخصية أو أحادية الفكر أو “الايديولوجية” الواحدة حتى لو كان خلفها مجموعة.
وليس أدل على أن القرار انفعالي غير مدروس من صعوبة تطبيقه على الجميع أو على أصل المشكلة المستهدفة، فدائماً ما يصاحب القرارات الانفعالية، غير المدروسة استحالة في التطبيق لأن تطبيقها لم يدرس أصلاً مثلما ان اتخاذ القرار لم يكن مدروساً في أساسه.

وميزة الدراسة المحايدة الشاملة انها تلم بكل جوانب الموضوع: بسلبياته وإيجابياته وإمكانية معالجته وآليتها وإمكانية تنفيذها.

“إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة” وهو الخالق عزت قدرته، ووسع علمه وحكمته كل شيء سبحانه، فدعونا ونحن الخلق محدودو العلم والحكمة لا نستحي أن نضرب مثلاً بقرار منع الجوال ذي أداة التصوير “الجوال بكاميرا” أو بصورة أدق تنفيذ واجراء المنع، الذي لا يتمتع بكثير من الحكمة أو حد أدنى من المنطقية ولا قدر من الشمولية.

تحدثنا في السابق وتحدث الكثيرون عن أن الكاميرا في الجوال ليست سوى أداة موجودة في القلم والولاعة وسلسال الزينة فمنع فعل التصوير أو إساءة استخدام أداة التصوير لا تتم بمنع الجوال الذي يحملها ولكن بمعاقبة مرتكب فعل التصوير غير المباح عقوبة رادعة قاسية وهذا لا يحدث بالدرجة المطلوبة وقد لا يحدث مطلقاً أو هو غير مسنود بنص واضح ورادع في الجزاءات والعقوبات وهذا وربي عين الخطأ ومصدر الخطر.

أما أسلوب منع الجوال بكاميرا ومصادرته فهو الشائع وهو الذي يطبق بطريقة غير حضارية وغير عادلة، تتلخص في تكسير جوال المستخدم وترك بضاعة البائع والمروج في أرفف زجاجية شفافة وتحت ضوء ساطع.

إن في تكسير ممتلك شخصي لمستخدم لم يستخدمه في منكر استفزازاً لا تحمد عقباه قد يولد لدى الشباب والشابات كرهاً لمن نفذ فعل التكسير خاصة في ظل السماح ببيعه علانية، ولأنني أحب رجال الأمن ومنسوبي هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأريد من غيري ان يستمر في حبهم لما فيه خير البلاد والعباد وأن يدعمهم ويشجعهم ويساندهم بل ويعمل معهم لإيمانه الراسخ بأسس عملهم ونبل دورهم فإنني أنصح بأن لا يكون فعل التكسير والمصادرة والاستفزاز من أدوارهم، بل ان لا يكون أبداً وأن نركز على معاقبة من يسيء استخدام هذه الآلة، دون أن نمنعها، وأن نتشدد في معاقبة من يرتكب الفعل المشين، لا أن نحمل وازرة وزر أخرى، فالمذنب بطبعه لا يكره من يعاقبه لأنه يشعر في قرارة نفسه بعظم جرمه فيكره نفسه لا من عاقبه، بينما البريء يكبر في نفسه مصادرة ما يملك دون ذنب خاصة إذا كان يملكه غيره وبيعه مباح.

وغني عن القول ان إعلان شركتي الاتصالات الحالية والقادمة عن خدمة الاتصال المرئي التي لا تتم إلا بجوال الكاميرا تؤكد اننا نعيش ازدواجية منع الأداة والسماح للتقنية وهذا يزيد من “شرهة” شاب صودر جهازه ولا نقول امنعوا التقنية ولكن امنعوا سوء استخدامها، وأؤكد على عدم استخدام رجال الأمن ورجال الحسبة في دور غير مقنع فنحن في أمس الحاجة إلى تحبيب النشء والشباب والشياب في هذه المهن ومن يمارسها والجهات التي ينتمون إليها. والله أعلم.

سعودة التسوّل

المسؤولون عن مكافحة التسول أو القائمون على الشأن الاجتماعي في هذا الوطن عندما يتحدثون عن التسول كظاهرة سلبية يركزون كثيراً على التأكيد بأن غالبية المتسولين هم من غير السعوديين.
هذا النمط التقليدي القديم في نفي كون بعض الصور السلبية لها علاقة بالمواطن لم يعد الخيار النافع إعلامياً كما كان يعتقد في السابق.

في هذا العصر عصر الشفافية ومعالجة الجرح بفتحه وتنظيفه وهو العصر الأكثر إشراقاً لابد أن نعتق أنفسنا من بعض الأنماط الإعلامية البالية التي تحرص على التأكيد “أن كل شيء تمام” !! لأنه ليس كذلك بل لا يمكن أن يكون كل شيء كاملاً بصورة مطلقة ولكن يمكن أن نخفض نسبة السلبيات مقارنة بالإيجابيات عن طريق عمل كل ما يمكن عمله وطنياً لعلاج السلبيات بناء على أسبابها الحقيقية، وبناء على هدفنا الذي نريد أن نصل إليه.

في شأن التسول، لا شك أن الهدف هو القضاء على التسول كظاهرة بصرف النظر عمن يمارس هذا السلوك” وان كنت شخصياً أتحفظ على طريقة المحاربة، التي تعتمد على محاربة السلوك دون معالجة أسبابه” ولكن الغريب أننا حتى في أسلوبنا الخاطىء في التعامل مع التسول نخطىء إعلامياً.. كيف؟!!.

تركيز مسؤولي المكافحة أو القائمين على الشأن الاجتماعي على أن غالبية المتسولين هم من غير السعوديين يتم بطريقة توحي لك أن ثمة رغبة في (سعودة التسول)، خاصة أننا في خضم حملة إعلامية للسعودة.

عندما تقول أن 70% من موظفي الشركة الفلانية غير سعوديين فإنك، بناء على التوجه العام للسعودة، تقصد أن تلك الوظائف يجب أن تتم سعودتها، وعندما تقول أن 90% من المتسولين غير مواطنين فإنك وضمن نفس التوجه توحي بأنهم لو كانوا سعوديين فإن الأمر مقبول.

يؤكد هذا تصاريح شهود العيان للصحافة عندما تحدثوا عن القبض على ثلاثة آسيويين يتسولون بثياب سعودية لكي يوهموا الناس والمكافحة أنهم “متسولون وطنيون” وكأن المشكلة هي في الجنسية وليس السلوك.

لم يغب عن ذهني أن هدف المسؤولين من هذا التصنيف أبعد مما ذكرت فالهدف الأهم هو أن “الأمور تمام” وأن المواطن غني عن أن يتسول، وهذا الذي لم يغب عن ذهني هو ما يقلق ذهني!!، وهو الخطر الأكبر وهو ما قصدته بالأسلوب الإعلامي التقليدي.

يركزون على التسول ويسارعون في التجاوب مع أي تبليغ عنه ويحرصون على التأكيد أن ممارسيه من غير السعوديين بينما هم بطيئون جداً في التعام مع الفقر رغم الاعتراف به وتوجيه القيادة بضرورة معالجته بأسرع وقت ممكن.

أخبار مكافحة التسول تملأ الصحف والتجاوب مع الإبلاغ عن المتسولين يتم بلمح البصر وعن طريق أسطول من سيارات المكافحة ، بينما كتبنا عن وضع الفقيرة (المعلقة) ولم نحرك ساكناً إلا في إحدى قنوات أوربت، (قناة اليوم) تحديداً التي ما أن نشر الموضوع حتى دعت كاتبه إلى حوار مباشر حول الموضوع ولمدة 25دقيقة. فهل أصبح الإعلام يتجاوب مع ما يطرح في الإعلام عن الفقراء أكثر من المسؤولين أنفسهم؟! أم أن الإعلام لم يجد من يتجاوب مع الإعلام فأصبح الإعلام يتجاوب مع نفسه؟!!.

عطر رنا ونتن الوصولي

عندما كنت أقرأ أخباراً صحفية غريبة جداً مثل “الحاسب الآلي يطالب امرأة عجوزاً بتسديد مخالفة سير وهي بطبيعة الحال لا تقود وليس لديها سيارة ولا سائق” كنت أعتبر تلك الأخبار من المبالغات الصحفية على وزن “رجل يعض كلباً”.
ولكن عندما اطلعت عن كثب على شكوى “رنا” بكل ما تحمله من مستندات وإثباتات وقبل هذا وذاك تحمل الظلم عدة سنوات دون وجود قناة للشكوى واسترداد الحقوق علمت أن ما يقال عن أخطاء الحاسب الآلي قابل للتصديق مهما بلغ من الغرابة والندرة والطرافة.

الحاسب الآلي ليس هو المسؤول عن الخطأ فالمسؤولية تقع على من يُدخل نظاماً لا يحتوي خطوات تدقيق وتأكيد ويدعمه بالمراجعة، وللمرور في شركة الاتصالات عبرة ومثال يُتجنب ولا يحتذى في ارتكاب الكثير من الأخطاء بحق المشتركين بحجة الحاسب الآلي من فصل خدمة عن مشترك لعدم تسديد آخر، أو مطالبة من لا يحمل جوالاً بملايين الريالات كفاتورة لجوال وكل ذلك تزعم أنه بحجة ادخال التقنية الحديثة بينما التقنية مما يحدث براء فالتكنولوجيا تخدم من يخدمها وتفيد من يعرف كيف يستفيد منها ولذلك فإن الحاسب الآلي لا يخطئ في رواتب هوامير الاتصالات ولا بدلاتهم وأسهمهم وانتداباتهم ومكافآت أعضاء مجلس الإدارة وعدد جلساتهم ولو أخطأ “لا سمح الله” لتم تغيير نظام الحاسب وموظفيه ومعداته وأجهزته على حساب المساهمين.

“رنا” ليست فتاة في الخدر كما قد يتخيلها بعض الفضوليين والهائمين في الأحلام الوردية.. رنا هو الاسم الثالث للأخ محمد نعيم باكستاني يقطر عرقاً ويفوح برائحة الكد والكسب الحلال “أعشق رائحة الكادحين إذا امتزجت بفوح صبر على ظلم مثلما أكره رائحة بخر فم وصولي متسلق متملق ذليل”.

لا أدري كيف عرف محمد نعيم رنا أن المعاناة في بلادنا لا تزول إلا عند طرحها صحفياً!! ولكنه طلب مني طرح معاناته المتكررة التي أجهدت دخله الشهري الزهيد كعامل يتصبب عرقاً كي يجمع 1200ريال شهرياً يأكل منها بتقتير ثم يدفع للبنوك نسبة منها لتحولها إلى عائلته في بلاده لكن المرور لم يتركه وشأنه ففي كل مرة يحاول فيها السفر أو تجديد الإقامة أو إصدار تأشيرة خروج وعودة يفاجأ بأن الحاسب الآلي سجل بحقه مخالفات مرورية تارة في جدة وأخرى في حائل وثالثة في الرياض وكل مخالفة لا تقل عن 300ريال (ربع الراتب)، بل انه سدد في أقل من سبعة أشهر 600ريال مخالفات مرور مع أنه لا يملك سيارة ولا رخصة قيادة ولا يعرف القيادة ولم يسبق أن ركب سيارة في مقعد السائق حتى والسيارة واقفة!!

رنا سبق أن فقد إقامته منذ حوالي أربع سنوات وأعلن عن فقدانها على الفور وحصل على رخصة إقامة بدل فاقد ومنذ ذلك الحين وهو يسدد مخالفات ارتكبها غيره!! فهل المشكلة في الحاسب أم هي في توافق رقم رخصة سير أحدهم مع رقم رخصة إقامته أم أن أحداً وجد إقامته المفقودة وأصبح يستخدمها للأغراض غير المشرفة وهذا خطير إذ يفترض أن يميز رقم الإقامة بدل فاقد عن المفقودة حتى لا يساء استخدامها.

المهم أن ما يدفعه محمد رنا من مخالفات مرور وهو لا يقود سيارة تتحمله ذمة كل من له علاقة بحل مشكلته فهل يتفاعل مدير عام المرور مع وضع رنا ويرد له حقوقه؟!

قنبلة على السكين

قمت يوما ما بالتبليغ عن احد المتاجر الغذائية الكبيرة على اساس قيام ركن اللحوم والأجبان فيه ببيع (مرتديلا) لحم نعام منتهي الصلاحية، وقبل التبليغ كنت قد وثقت الحادثة بالشهود وبشراء (قنبلة) كاملة من لحم النعام تزن حوالي (واحد كيلوغرام )منتهية الصلاحية عليها ملصق المتجر ومعلومات الحاسب الآلي فيه (شكل عبوة لحم المرتديلا الكاملة تشبه القنبلة أعاذنا الله وإياكم من القنبلة والمرتديلات منتهية الصلاحية لأن لكل منهما خطورته التي لا يستهان بها).
تفاعل معي الشباب من منسوبي مكافحة الغش التجاري بشكل جيد وحضروا للمتجر الكبير وضبطوا مزيداً من الاجبان المنتهية والمخالفات الأخرى، وواجهوا موظفاً شرساً من دولة عربية (لم تسعود وظيفته ولن تسعود) كان متبجحا وسليط اللسان عليهم ويتكلم بلهجة المسنود بظهر قوي فلم يقل لهم (تكرم عينك) ولا (على راسي من فوق) فزاد ذلك التبجح الشباب حماساً وحرصاً على معاقبة المتجر الا أنهم كانوا في حاجة الى مزيد من الاثباتات والمسوغات وجلسة شبه محاكمة يحضرها محامي المتجر والمدعي الذي هو أنا وممثل مكافحة الغش التجاري حتى يمكن توجيه (توبيخ) للمتجر بعدم بيع ما يضر بالمواطنين!!.

حسناً، أنا مع التثبيت والمحاكمة وإعطاء الفرصة للطرفين وإن كان في ذلك إرهاق لصاحب البلاغ الذي يفترض أن ينوب عنه ممثل وزارة التجارة آنذاك بعد أن ثبت لدى اللجنة واقعة بيع مواد منتهية الصلاحية ومع هذا كله أكرر أنني مع المحاكمة وفرصة الدفاع عن النفس، لكن هذه الفرصة يجب أن تمنح للجميع دون تفريق أو محاباة أو مجاملة لتاجر على حساب (تويجر)، أي أن حق الدفاع عن النفس وعدم اتخاذ اجراء الا بعد محاكمة يفترض أن يستفيد منه الجميع على حد سواء ويتساوى في هذا الحق صاحب ذلك المتجر مع فقيرة تحاول كسب ما تسد به رمق عدد من اليتامى بالبيع على الرصيف أو قرب الأسواق والتجمعات.

من يصارعون ظروف الفقر والبطالة والحاجة ويحاولون كسب العيش بالبيع على الطرقات وعلى ظهر الونيتات يتم التعامل معهم باتخاذ الحكم على الهواء مباشرة وركل البضاعة ومصادرتها وربما تطبيق غرامة مالية كبيرة مثلما يحدث مع باعة (الحبحب على السكين) حيث تصادر البضاعة ويدفع غرامة لا تقل عن ألفي ريال ولا يترك له غير السكين (صحيح لماذا لا يصادرون السكين؟!.) وأظنكم تذكرون صاحب وانيت الحبحب الذي طارده مراقب البلدية بالسيارة ثم صدمه ونفذ فيه حكمه هو بضربه في موقع الحدث في أسرع تنفيذ لعقوبة جسدية تم قبل الحكم!! (ألم أقل لكم انه على الهواء مباشرة ودون مسوغات) وبالرغم من أن جريدة الجزيرة كتبت الخبر وعقبت عليه في هذه الزاوية، وربما علق غيري كثيرون الا أن القصة مرت وكأنها لم تحدث!!.

ما بين مخالفة بائع المرتديلا بلحم النعام منتهي الصلاحية وبين بائع الحبحب الصالح هوة كبيرة في فروقات التعامل وبون شاسع في حفظ الحقوق، هذا البون إذا لم نقلصه وتلك الهوة إذا لم ندفنها بتعميم التعامل على أساس الحقوق للجميع، سنكون نمارس مجازفة اجتماعية على السكين!! وهنا لن تكون الحبحبة دائماً حمراء فقد تكون سوداء لا تسر المتفائلين!!.

في حارتنا وزير

إلى متى سنستمر في هذا المجتمع نتعامل مع حياتنا على أساس “إدارة أزمات طارئة”؟! بمعنى أننا نسمح بتهيئة وسط مناسب لحدوث المشاكل ثم إذا وقعت وأوجعتنا صحنا بأعلى الصوت نطالب الكل ليدلي بدلوه في محاولة حلها، ثم تحولنا جميعاً المتخصص وغير المختص، المثقف والأمي الأديب والفني، الطبيب والسباك كل ينظر ويقترح ويشجب ويستنكر معتقدين أننا بهذا النهج نعالج المشكلة من جهة ونسلط الضوء عليها من جهة أخرى وننشر الوعي حولها من جهة ثالثة ونجمع أصوات الاستنكار لها وشجبها كهدف رابع هو الهدف الأساس.
الأخطر من هذا أننا بتركيزنا على مشكلة واحدة نترك كل همومنا ومشاكلنا الأخرى تتنامى في وسط مناسب وتكبر ونحن منشغلون بواحد من الهموم دون غيره فإذا ما برزت الهموم والمشاكل الأخرى على السطح تحولنا إليها بنفس القوة والشحن والتركيز دون أن ننهي علاج الجرح الأول وهكذا تتراكم علينا الهموم وتنتشر ونحن نلهث وراء حلول غير منهجية لأزمات طارئة ويكلفنا العلاج غير الكامل قناطير مقنطرة لأننا وببساطة لا نصرف درهماً واحداً على الوقاية!!.

ثم إننا ننسى أن قبول الإنسان، خاصة محدود الوعي، لحملات التوعية والنصح والإرشاد يكون أضعف بكثير جداً عندما تأتي بعد وقوع مشكلة أو حدوث أزمة، ذلك أن المتلقي يكون قد نصب نفسه حكماً يستمع لطرفين بنفس الإصغاء هما مسبب المشكلة ومعالج المشكلة بينما كان بإمكاننا كوطن أن نكسب المواطن في صفنا دون منافس لو توجهنا إليه قبل وقوع الفأس في الرأس ناصحين محذرين من الانزلاق في خطر كنا قد توقعناه بما أوتينا من فطنة وحرص وذكاء وإخلاص في شأن الوقاية من الأزمات لا اللهث في التعامل الارتجالي معها بعد وقوعها!!.

إننا نهمل كثيراً جانب التهيئة الدائمة للمجتمع لاستقبال الأزمات بتوعيته بما لم يقع قبل أن يقع ونهمل أكثر في كسب المواطن بأن نشركه في الكثير قبل أن نطلب منه أن يشترك معنا في الحرب على الأزمات.

إذا عرف المواطن العادي أن ذلك الوزير رحيم به والوزير الثاني حنون عليه والثالث نصير له والرابع يعمل من أجله لا عليه والخامس يقدر ظروفه والسادس يفتح صدره لهمومه والسابع ينصفه ممن قد ظلمه وأن جميعهم يفعلون ذلك قبل أن يحتاجون إليه في أزمة فإن المواطن سيصبح تلقائياً مستخدماً في كل وزارة ووزيراً في كل حارة والله أعلم.

مساهمة المواطن الحـلوب

مسكين هذا المواطن، يسمع عن التكنولوجيا ويقرأ عن تطبيقها وتسخيرها لخدمته لكنه لا يراها واقعاً ملموساً حينما يتعلق الأمر بأحد تطبيقاتها التي تريحه وتوفر وقته وجهده لشيء أهم مثل الإنتاج وتسخير ما توفر من وقت وجهد ومزاج لخدمة وطنه.
ما يحدث من فوضى هذه الأيام في البنوك المحلية وشد عصبي وقلق نفسي، وانزعاج ومشادات كلامية وتدافع ودعاء وشتم أحياناً من أجل الاكتتاب في اتحاد اتصالات الإماراتية، هو نفسه ما حدث منذ أكثر من خمس وعشرين سنة عند الاكتتاب في شركات مساهمة قديمة مثل نادك والنقل البحري وسابك وغيرها.

كل وسائل التقنية الحديثة من حاسب آلي وربط عبر الحزم الضوئية والهاتف ثم الربط عبر الشبكة العنكبوتية “الإنترنت” لم تغير من الأمر شيئاً يستحق الذكر منذ 25سنة وحتى اليوم.

بل إن العكس يحدث فصور التخلف في ازدياد مطرد وكبير بين ذلك الوقت وهذا الوقت والسبب أن المتغير الوحيد هو عدد المكتتبين الذي أصبح يصل إلى الملايين بينما كان لا يتعدى الآلاف في ذلك الوقت الأمر الذي جعل صور الفوضى تتضخم أكثر وتجعلنا نسمع عن مواقف مضحكة وأخرى مبكية عن كل اكتتاب بل كل خطوة يكون للبنوك أو بعض الجهات الخدمية علاقة بها مع كم كبير من المواطنين.

أليس من صور التخلف تلك الازدحامات الكبيرة غير المسبوقة أمام فروع البنوك صباح ومساء كل يوم، وتزاحم أرتال من البشر عند البوابات، وما يعانونه من نقص الاستمارات، وما حدث من بيع استمارات الاكتتاب في سوق سوداء بأكثر من 250ريالاً للاستمارة، وما يحدث من شجار وتدافع وأحياناً تشابك بالأيدي بين الراغبين في لاكتتاب وموظفي الاستقبال في البنوك. بل ما صاحب التصاق أعداد كبيرة من حملة النقود وتزاحمهم من فرصة ذهبية للنشالين الأمر الذي أدى إلى تعالي صرخات ضحايا النشل ولك أن تتخيل قوة الحبال الصوتية لإنسان استدان مبلغاً ليكتتب به ثم دفع قيمة نموذج الاكتتاب في السوق السوداء ثم وقف أمام بوابة البنك منذ ساعات الصباح الباكر ولم يتمكن من الدخول وجاء في المساء ليعاود المحاولة ثم بعد هذا كله يكتشف أن يداً تسللت إلى جيبه “فنشلت” ما استدانه، وسرقت أمله في كسب العيش وتركت له نموذج اكتتاب لا يسمن ولا يغني من جوع بعد أن حرم من فرصة الاستفادة من تقنية العالم الحديثة لتلافي كل ما حدث.

ألم يكن من المفترض الاستفادة من خدمات الإنترنت في تعبئة النموذج وإرساله ودفع قيمته والحصول على تأكيد الاكتتاب؟! علماً أننا في بلد يقوم تداول مليارات الريالات فيه عبر الإنترنت خاصة في مجال سوق الأسهم..

لو كان ثمة مسؤول واحد يؤمن بضرورة استغلال اندفاع الشركات نحو الإثراء من نقود مواطن هذا البلد وطموحه وعصاميته وحرصه على الكسب الحلال لكانت الشركات المساهمة والبنوك قد مولت اشتراكات مجانية عبر الإنترنت وتزويد كل موقع بطرفيات بل ربما تزويد كل راغب في الاكتتاب بما يشجعه على استخدام الشبكة العنكبوتية من أي موقع في أي مدينة وقرية فكلا الشركات والبنوك رابح لا محالة من مواطنين مندفعين يحملون سيولة ورؤوس أموال ولا يقبلون نسباً ربحية ويتنازلون طواعية بل ورغبة عن كل زيادات من هذا النوع فقد كان بالإمكان تأسيس بنية تحتية صلبة من وسائل التيسير التقني على المواطن بما فيه نشر “الطرفيات مجانية الاستخدام” في عدة مواقع ميسرة تحت المراقبة.

لكن المؤسف أن لدينا من يبحث عن التيسير على البنوك والشركات على حساب التعسير على المواطن الحلوب!!

رسوم الطريق اليتيم

تطبق الدول رسوم الطرق عندما يكون استخدام الطرق السريعة، المريحة خياراً أقرب إلى الترفيه منه إلى الضرورة، بل عندما يكون السفر بالسيارة الخاصة هو الخيار الثالث بعد الحافلة المريحة المزودة بدورات المياه والخدمات الأساسية والطعام والشاي والقهوة والجدول المنتظم والخيار الواسع لمواعيد السفر، أو القطار السريع، المريح، الآمن، المنظم، الذي تشمل سككه الحديدية كل قرية وهجرة ناهيك عن المدن.
أي أن تطبيق رسوم على الطرق يأتي بعد تجهيز كل البدائل للطبقة الكادحة التي تتأثر بكل جزء من ريال وليس 5- 15ريالاً.

وزارة النقل لدينا صمت آذانها عن كل المطالبات بشبكة سكك حديدية شاملة وقطارات مريحة وآمنة وأغلقت على نفسها زجاج برج عاج لكي لا تسمع أن الطريق بازدواجية مساره، وتعرجاته، وحيواناته وعدم صيانته وعدم تزويده بوسائل الإيضاح وأقل حد ممكن من إرشادات الطريق هو السبب الأول لحصد أرواح أعداد كبيرة من البشر وجاء وزيرها ليقول بصوت عال وبتصاريح متتالية ومتضاربة تتحدث عن رسوم على الطرق.

وزير النقل يطل كل شهر ليتحدث عن الرسوم المقترحة على الطرق، تقليداً لدول لديها ليس طرق بديلة رائعة فحسب بل وسائل نقل منظم أخرى كالقطارات وليس مجرد قطار واحد يصطدم شهرياً مع نفسه أو يخرج عن السكة.

ليت حديث وزير النقل عن السكك الحديدية مثل ربع حديثه عن رسوم الطرق.

لا أدري لماذا يعتقد كل وزير خدمة أن إنجازه يتحقق عندما يقترح فرض رسوم على خدماته.

هذا التوجه لو جاء وقت الطفرة لقلنا إن الوزراء يريدون أن يستغلوا ما يشهده بعض المواطنين من طفرة مالية ليسهم في التنمية، مع أن الطفرة لم تشمل الجميع آنذاك.

لكن تلك المقترحات بتحميل المواطن أكثر مما يطيق تأتي الآن وفي زمن مختلف بل وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى أخبار مفرحة تزيل شيئاً من الجمود والكآبة والإحباط الذي مر على شريحة كبيرة من المواطنين من ذوي الدخل المتدني.

لماذا يركز الوزراء على مقترحات فرض الرسوم على المواطنين في هذا الوقت بالذات وهو الوقت غير المناسب لا اقتصادياً ولا اجتماعياً ولا نفسياً، هل هي تقليعة بدأها أحدهم وأعجبت نظراءه؟! أم أنها تغطية على عجز في تحقيق إنجاز حقيقي يحتاج إلى جهد؟! أم لأن رأي المواطن فيهم وفي أفكارهم لا يعنيهم بشيء؟! أعتقد أن لكل عنصر دوره الهام كسبب.