الكاتب: محمد الأحيدب

للشعب فقط

عايشت أغلب عمليات فصل التوأم السيامي التي تمت في المملكة بحكم عملي في الشؤون الصحية بالحرس الوطني إحدى قلاع الرحمة الكثيرة في مملكة الإنسانية، ولكن شعوري بالرغبة في البكاء كان على أشده يوم الاثنين الماضي يوم عملية فصل التوأم البولندي، ليس لأن تعاطفي مع الطفلين البولنديين كان أكبر، فنحن في مملكة الحب ننظر لكافة الأطفال نظرة واحدة منبعها دين الرحمة الإسلام الحنيف لكنني شعرت بالرغبة في البكاء الممزوج بالفرح عندما عشنا عملاً جماعياً شاملاً يحدو كلاّ منا فيه حبّ هذا الوطن والرغبة الجامحة في دحر الانطباع المغلوط الذي يحاول أعداء كثيرون قريبون وبعيدون ترسيخه.
كنا في أمس الحاجة للانتقال من أجواء العمل المفرد الشاذ المسيء للوطن إلى روح العمل الجماعي الذي يعكس حقيقتنا وطبيعتنا وتربيتنا الدينية والوطنية وجاء فصل التوأم البولندي ليعكس هذه الروح الرائعة فجاء معه بكاء الفرح.

رغم برودة الجو كان الجميع دون استنثاء يعملون بسخونة والهدف تفريج كربة طفلتين بريئتين وإنصاف وطن.

في اللجنة الرئيسية غير الطبية اتفقنا جميعاً أن تحمل العملية رسالة للعالم، نحن لانحتاجها ولكنهم يحتاجون معرفتها عنا فتخيلت واقع وطني الحبيب فوجدت أن كثيراً من العبارات تصفه على حقيقتة منها السعودية مملكة الإنسانية، والسعودية مملكة الحب والسعودية إنسانية الأفعال، والسعودية الرحمة سفيرها للمعمورة ولأننا لابد أن نختار واحدة اخترنا «السعودية مملكة الإنسانية».

الإعلام السعودي والإعلام الغربي «المنصف» والإعلام العالمي المحايد كان لديه نفس شعورنا.

القناة الأولى للتلفزيون السعودي كانت حاضرة منذ الصباح الباكر لتنقل الإنجاز على الهواء مباشرة وتتفرغ لهذا النقل بروح عمل تنبض بحب الوطن.

«الإخبارية» كانت مهنية رائعة كعادتها فقد تابعت العملية على محورين هامين، رصد تاريخي لعمليات فصل التوائم الثمانية السابقة واتصال مباشر مستمر مع والديهم في مصر والسودان وماليزيا والسعودية والفلبين ونقل حي للعملية، في عمل إعلامي حي ينبض بجهد جبار وشعور وطني يستحق بكاء الفرح.

الإعلام المكتوب واكب الإنجاز قبل وأثناء وبعد حضور التوأم وعج المركز الإعلامي بشباب «يحترق» حباً للوطن و«ينفجر» طاقات إعلامية تفخر بمملكة الرحمة.

قنوات دبي والكويت والعربية والـ إم بي سي وراديو وتلفزيون العرب كانت جميعاً حاضرة حضوراً يتناسب مع أهمية الحدث بمراسليها ومراسلاتها أو نقلاً عن التلفزيون السعودي.

أشففت كثيراً على حال قناة «الجزيرة» من قطر فرغم أنها تجيد التظاهر بالحيادية فقد صعب عليها أن تقهر شعور العدائية وتجامل متابعيها بنقل الخبر كونه، على أقل تقدير، حدثاً إنسانياً يعنى بطفلين بريئين بدلاً من أن تتجاهل الخبر تماماً رغم مافيه من إحياء لنفس برئية وكأن القناة تخصصت في أخبار قتل النفس.

كان يمكن «للجزيرة» أن تتحامل على كرهها (غير المبرر) لهذا البلد وشعبه وتشير للخبر ولو بطريقة تم في بلد (بعض الناس) إجراء عملية إنسانية لفصل توأم سيامي، وهي القناة نفسها التي انقطعت لنقل حي ومتواصل لعملية فصل التوأم الإيراني التي انتهت بوفاتهما!! وفشل طبي ذريع.

عندما يختص الأمر بمصلحة المملكة تشعر أن هذه القناة ناطقة بالعبرية.

لقد استطاع التوأم البولندي أن يكشف «لا أقول الأقنعة» بل الوجوه القبيحة الممعنة في القبح وعسى أن يكون في ذلك خير لتصحيح المفهوم المغلوط لدى قلة من المنخدعين بأد عياء الحياد، فالحياد يكون في السراء والضراء معاً.

لاعلينا فقد تعودنا على أشكال من هذا الحسد للنعم التي نعيشها وهي كثيرة ولذا فحسادها كثر. وعلينا الأن ونحن مملكة الإنسانية وأرض الحب للجميع أن ننتج فيلماً يرصد مواقفنا العديدة ومنها عمليات فصل التوأم التي تميزنا بها عالمياً وفي المركز الأول وأكرر نرصد أعمالنا ولا أقول نوظفها لأنه تذكير بأعمال حقيقية ولمسات إنسانية بحتة، وهذا الفلم الوثائقي غاية في الأهمية ويفترض ان نسعى لبثه في كافة أنحاء العالم لأننا نوجهه للشعوب وليس الحكومات والمجموعات التي تعرفنا حق المعرفة وتتجاهلنا قمة التجاهل.

لقد نجحت أمريكا في توظيف الإعلام لحروبها وعدوانها وقتلها للأنفس لخدمة دعايتها للديمقراطية والإنسانية رغم التناقض بين القتل والإنسانية والتهجير والديموقراطية فمن باب أولى نذكر نحن إعلامياً بمواقفنا الإنسانية الحقيقية وننشرها للشعوب فقط.

تحضرني هنا كلمة رائعة للسفير البولندي في المملكة حيث قال: ان السفراء الدبلوماسيين يتغيرون مع الزمن ولكن هؤلاء التوائم الذين فصلوا في المملكة سيبقون سفراء لها في بلدانهم إلى الأبد!!.

خبـر عاجـل

في الأسبوع الماضي كتبت موضوعاً بعنوان «رقابة الجباية» أشرت فيه إلى أن رقابة بعض الجهات لدينا أصبحت تغمض العين عن ما يختص بقصور الجهة في وقت تركزفيه عين المراقب على المخالفات التي تستدعي تطبيق غرامة مالية على المخالف، واستشهدت بعدة أمثلة منها أنني في حي التعاون بالرياض رصدت انكسار غطاء غرفة تفتيش أو حجرة مجموعة خدمات عميقة جداً وواسعة ولاتزال مكشوفة وتشكل خطراً على المارة والأطفال رغم أن انكشافها حدث في شهر شعبان الماضي ورغم أن السكان وضعوا علامات تنبه لوجودها ولا تمنع السقوط فيها، إلا أن مراقب البلدية لم يفعل أي شيء حيالها مع أنه مرّ وسجل عدة مخالفات بناء وتسرب مياه وخلافها مما يؤكد انه بات يعتقد أن دوره يقتصر على جباية الغرامات وليس التبليغ عن كل العيوب بما في ذلك تقصير البلدية أو مؤسسات الخدمة!!.
في نفس الحي أيضاً يوجد مريضان نفسيان قريبان من الحفرة، أحدهما من سكان الحي ويصدر منه تصرفات غريبة أحياناً والآخر ممن لامأوى لهم ويجوب الحي يفتش في حاويات القمامة والأخير مسؤولية معاناته تقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية التي لم تفعل شيئاً يذكر لرعاية من يهيمون في الشوارع رغم جهود جريدة (الرياض) في نشر التحقيقات الصحفية عن كثير منهم ولعل أبرزها وأكثرها تولاه الزميل مناحي الشيباني بمهنية عالية.

قلت إن الحفرة وضع لها السكان علامة تنبيه وهي بالمناسبة حاوية قمامة بلاستيكية.

الآن دعونا نربط بين الحفرة والحاوية والمريض النفسي، خاصة وأنني ذكرت أن أحد المرضى النفسيين «وهو الهائم دون مأوى» يفتش في حاويات النفايات بشكل دائم خاصة في الليل!!، فمن الممكن جداً بل قوي الاحتمال أن يقع ذلك المريض المسن في تلك الحفرة ولن يكتشف أمره إلا بعد أن تتحلل جثته وتفوح رائحتها لأن أحداً لن يسأل عن هائم ضائع.

الذي سيحدث عند اكتشافه أن الدفاع المدني سيعاني أفراده لإخراج الجثة من تلك الحفرة النتنة، وأن البلدية ستحضر بكامل طاقمها ومسؤوليها ، والسلطات الأمنية سوف تنزعج كثيراً وتحضر للموقع بكثافة، ووزارة الصحة سوف تستدعي طاقم الطب الشرعي وتجند مختبراتها للبحث عن أسباب الوفاة وهل هو عمل جنائي أم حادث سقوط وحسب وسيكون من الصعب التعرف على هوية الضحية كون وزارة الشؤون الاجتماعية ليس لديها سجل بالهائمين وهو لا أقارب له وجثته متحللة.

قناة «الجزيرة» بحكم أن العدائية لديها تسبق المهنية وتتفوق عليها «ستنقل الخبر على أنه عمل إرهابي وأن الجثة قد تكون لأحد الرعايا الغربيين وسوف تستخدم أبواقها الخارجية والداخلية للتعليق على «الخبر العاجل».

كل تلك الجهود وذلك الإزعاج وهذا «الهيلمان» الإعلامي سيحدث لأن مراقب البلدية لم يقم بدوره ولأن البلدية لم تتجاوب مع تبليغات السكان ولأن وزارة الشؤون الاجتماعية لم تفعل ما يجب تجاه هائم مجهول.

ليتنا ندرك كم يسبب إهمالنا لعملنا من إزعاج لوطن أعطانا الكثير بكرم وجزالة ولم نرد جميله ولو بتحليل الراتب.

الجمر بثوب تمر

من حكمة الخالق سبحانه وتعالى أنه يمهل ولا يهمل ويأتي نصره ولو بعد حين، ولعل ما شهدناه مؤخراً من تخبط كل أوكار الإرهاب في العالم عامة وفي هذا البلد خاصة جاء لأن الله أراد أن ينصر دينه، وينير بصيرة من اختلط الأمر عليهم أو من هم في شك من أمر الفئة الضالة ليثبت لهم بأفعال الفئة نفسها أن دين الإسلام براء مما يفعلون ويدعون.
ولأن الله يمهل ولا يهمل جاء الأمر في البداية وكأنه موجه لغير المسلمين فحدث خلط لدى من ينقصهم التعمق في هذا الدين وممن فات عليهم أن من ادعى أهل الضلال أنهم يستهدفونهم هم من المستأمنين والمعاهدين.

ثم بدأ القناع ينكشف تدريجياً بدأ بحادثة المحيا ومروراً بمبنى المرور وانتهاءً بنفق في شارع عام ضحيته الوحيدة قتلاً سائق سيارة أجرة يسعى لكسب قوت يومه وإعاشة من يعولهم.. كان قد امتطى سيارته استجابة لأمر ربه بأن يسعى في مناكب الأرض ويأكل من رزقها بعد أن فرغ من أداء صلاة العشاء ليجد من يقتله وكأنما قتل الناس جميعاً، وكان يريد قتلهم جميعاً بغير حق لأن الشيطان نجح في إضلاله وصور له طريق الخلد في النار على أنه طريق الخلد في الجنة، وهو ديدن ابليس في تصوير القبيح حسناً عندما قطع على نفسه وعداً أن يغوي بني آدم أجمعين إلا عباد الله الصالحين، فزين لهؤلاء سوء عملهم.

أما المصابون والمروعون فهم أطفال مسلمون كانوا يمارسون الرياضة أو مشاة أبرياء مسلمون خرجوا للتو من المساجد.

أعتقد أننا لم نعد في حاجة لتوعية الناس بأن الإسلام براء مما يحدث فقد بدرأ الله دينه وكشف قناع من أراد أن يبرر أعماله الإجرامية بوضعها في ثوب الدين والدين منها براء وقد أصبح لزاماً علينا الآن أن نحول الجهود لتوعية المواطنين والمقيمين بكيفية التعاون مع رجال الأمن لمحاربة كل من تسول له نفسه المساس بأمن وطننا وأطفالنا ونسائنا ومكتسباتنا.

ركزنا كثيراً على جانب تبرئة الدين مما يفعلون ولم نعد في حاجة إلى ذلك فقد برأ الله دينه بأعمالهم.. ولعل من عجائب الصدف أن يتزامن استشهاد اثنين من رجال الدفاع المدني هما العريف علي منصور العبدلي والجندي محب محمد السابطي غرقاً وهما يحاولان إنقاذ شابين احتجزتهما السيول في القنفذة ليتمكنا من إحياء نفس من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ويستشهدان بهذا الشرف، يتزامن مع انتحار اثنين من الإرهابيين في السلي بالرياض وهما يحاولان قتل أكبر عدد من الأنفس من قتل منها واحدة فكأنما قتل الناس جميعاً ويموتان دون ذلك بخاتمة مصيرها الخلد في النار كما ورد بوضوح في القرآن والسنة.

إن الرب سبحانه الذي حمى البيت ويحميه سيحمي دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ادعاءات الفئة الضالة وحوادث أول أمس، وقبلها كثير، برأت الدين لذا فإن علينا أن نحول جهودنا الإعلامية والتوعوية، على أساس أن براءة الدين أمر مفروغ منه، نحولها إلى نشر الوعي بطريقة التعاون مع رجال الأمن وخاصة ما يتعلق بثقافة الشك التي طالبت بها كثيراً والتي على أساسها يتم التبليغ عن أي أمر مريب فذلك المواطن الذي صرح لـ «الريـاض» أنه سأل عن أمر «الكراتين» التي كان المطلوبون ينقلونها إلى الشقة رقم 6 المجاورة لشقته في حي التعاون، عندما شك في الأمر وأجابوه أنها كراتين تمر، أقول ذلك المواطن لو كانت تمت توعيته بضرورة التبليغ عن أي أمر ونميت لديه ثقافة الشك الإيجابي والتبليغ عن كل أمر مستغرب فلربما كان في مقدوره منع الكثير مما حدث بإذن الله، وأجزم أن كثيراً من النجاحات الأمنية التي تم خلالها مهاجمة الإرهابيين في أوكارهم كان لشك جيرانهم وتبليغهم دور في القبض عليهم قبل أن ينفذوا نواياهم الإجرامية.

أعتقد جازماً أن علينا أن نكون أكثر حرصاً وإيجابية في التبليغ عن كل أمر مريب، كما أن على أجهزة الأمن أن تتقبل بصدر رحب البلاغات المبالغ فيها أو التي لا تسفر عن اكتشاف، وتشجع أصحابها فهكذا هي جهود الحيطة والحذر تكلف كثيراً لكنها تنجح مرة واحدة فتعوض خسائر مئات المرات.

ما لم أقله في «الإخبارية»

بمناسبة التوجيه الدائم لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الذي جدده وأكد عليه في الأسبوع المنصرم ويقضي بضرورة إنجاز معاملات المواطنين وتيسير شؤونهم خصصت قناة الإخبارية حلقة برنامج الوجه الآخر يوم السبت الماضي لمناقشة أداء الدوائر الحكومية، وسبل المتابعة والرقابة على هذا الأداء، وكيف يمكن تفعيل توجيهات سموه، وكنت طرفاً في ذلك الحوار إلى جانب مدير عام إدارة الاستشارات بمعهد الإدارة العامة.
لا عذر لمن تستضيفه «الإخبارية» إذا لم يقل ما يتمنى قوله لأن هذه النافذة تتمتع بالقدر المطلوب من الشفافية الرزينة وعندما يكون المحاور أستاذاً أكاديمياً كالدكتور عبدالله الطاير فإنك تعيش تجربة المسؤولية المزدوجة، مسؤولية قول ما تؤمن به دون تحفظ تقديراً لسؤال جريء وشفاف، ومسؤولية انفرادك بالرقابة على ذاتك لأن أحداً لن يشعرك ولو برسالة عين أنك تجاوزت الحدود لأن الحدود في الإخبارية أنت من يضعها. ومن واقع متابعتي لهذه القناة الوطنية المشرفة خاصة برامجها المباشرة فإن بقية المحاورين والمراسلين يتمتعون بنفس الدرجة العالية من المهنية مما يؤكد أنها سياسة قناة وليس أفراد.

لا تهدف هذه المقدمة لإطراء أحد أو امتداح قناة، لكنها مدخل ضروري للتأكيد على أن ما لم أستطع قوله في ذلك الحوار جاء بسبب ضيق الوقت أو أن إسهابي في إحدى النقاط جاء على حساب أخرى وليس بسبب ضيق هامش الحرية.

قلت إن تكرار التوجيه يدل على أن من يحمل هم المواطن لمس وجود التقصير. وحريص على إنجاز معاملات المواطنين وتيسير أمورهم أي أنه لا مجال لأن يتولى موظف حكومي تبسيط المعاناة وممارسة التحفظ في هذا الصدد فالمشكلة موجودة وملموسة والمطلوب هو تحرك القيادات الإدارية في الجهات الخدمية بجدية في تنفيذ التوجيهات وتحمل المسؤولية بالمتابعة الجادة والحزم وإنشاء إدارات إستقبال شكاوي المواطنين ومتابعة الاستجابة لها حتى يتم فعلاً تيسير أمور المواطنين وإنجاز معاملاتهم أسوة بالإدارات الكبرى التي تنشأ للعلاقات العامة ومهمتها تلميع المسؤول إعلامياً، وحيث أن هذه الجدية والمتابعة لم تتم بعد فإنه لابد من إنشاء إدارة مستقلة لاستقبال شكاوي المواطنين على الدوائر الحكومية، غير ديوان المظالم المعني بالتظلم من قرارات وإجراءات دوائر حكومية على مستوى أكبر من الإعاقة اليومية لمصالح المواطن وسير معاملته وتيسير شؤونه، لأن ديوان المظالم ينظر في قضايا كبرى تستغرق وقتاً طويلاً وتستلزم مستندات نظامة أو شرعية وما نحن بصدده إدارة مستقلة لمتابعة سير وتيسير شؤون المراجع، واقترحت أن يكون لهذه الإدارة فرع في كل وزارة تماماً مثلما أن لوزارة المالية ممثلاً مالياً في كل قطاع حكومي أو حتى مؤسسة صغيرة.

ما لم يسعفني الوقت للتأكيد عليه هو ضرورة التغيير الدوري لمواقع القائمين على هذه الفروع لأن إحدى مشاكلنا تأتي من العلاقة الحميمة التي تنشأ بفعل الزمن بين الرقيب ومن يراقبه ومشكلتنا الأكبر تنبع من إمضاء الموظف زمناً طويلاً في نفس المركز يلغي ميزة تجديد الدماء ويحرم الوظيفة من طاقة جديدة متحمسة، فنحن نلمس أن مؤشر الإنتاج ينخفض كلما ارتفع زمن بقاء المسؤول وشعر بالاستقرار.

ما لم يتم إنشاء قنوات للشكوى داخل أسوار المؤسسات الحكومية لكنها مستقلة ستبقى الصحف تتحمل عبء نشر قضايا وشكاوى فردية هي مستحقة وواقعية ومبررة كان يمكن التعامل معها عبر تلك القنوات دون نشرها لتتفرغ الصحف لدورها في النقد ونقل الخبر.

لم يسعفني الوقت وليس الهامش للقول أن بعض الدوائر تسن أنظمة بعضها أساسي وتغير أخرى رغم أن الآلية الصحيحة لإصدار الأنظمة – حتى التفصيلية منها – يتم عبر مجلس الوزراء مروراً بمجلس الشورى لتخرج كأنظمة مدروسة من جميع الجوانب وبمنتهى الحياد وبما يخدم المصلحة العامة التي خير من يقرر فيها هو مجلس الوزراء وغني عن القول أن بعض القرارات المرتجلة لبعض المؤسسات الحكومية تسبب إرباكاً يؤدي إلى مزيد من التذمر والشكوى وتنتهي بالتغيير أو الإلغاء بعد أن تشكل صداعاً اجتماعياً ما كان ليحدث لو مرت عبر القنوات الصحيحة.

الأمن الحياتي

يفترض في القطاع الخاص أن يستثمر في المجالات التي يحتاجها الوطن والمواطن والتي تشكل أولوية ضمن الاحتياجات الوطنية الأساسية خاصة وأن الخيار يبقى مفتوحاً دائماً لانتقاء مجالات الاستثمار لوجود حاجة ماسة لكثير من العناصر الأساسية التي إذا ما اختارها المستثمر فإنه يحقق نجاحاً مضموناً تصاحبه تلبية احتياج وطني وتخفيف العبء على المؤسسات الحكومية وتحقيق اكتفاء ذاتي في احتياجات أساسية ودعم للاقتصاد الوطني.
الواقع يشير إلى أن هذا التوجه الوطني موجود لدى عدد من الشركات خاصة تلك التي يتكون مجلس إدارتها من غالبية ممن مارسوا العمل الحكومي أو يدير دفتها مدير عام يحمل همّ الوطن ولديه قدر كاف من الحس ورجاحة العقل المسخرين لخدمة الوطن وليس خدمة الذات واستغلال الفرص لمكاسب شخصية.

ويشير الواقع أيضاً إلى أن هناك شركات ومؤسسات أخرى تركز على مجالات غير أساسية ولايمكن أن يقال عنها «ثانوية» لأنها تأتي في آخر درجة من سلم الأولويات إذا ما قورنت بعناصر هامة لا تقل عنها في الجدوى الاقتصادية مع تميزها بتلبيتها لاحتياج وطني أو إنساني.

في المجال الصناعي مثلاً تجد أن الاستثمار في صناعة المواد الغذائية يتجه لصناعة مواد لا يمكن أن يطلق عليها أغذية مثل «الشبس» و«الفشفاش» و«العلكة» وغيرها من المنتجات الضارة في وقت نستورد فيه معظم الأغذية الأساسية المصنعة في دول أخرى والتي لا يوجد لها منافس محلي وتعتبر صناعة رابحة ومربحة للوطن.

في صناعة الدواء، هذا العنصر الأساسي الذي يأتي «أمنه» في المركز «الأول مكرر» مع الأمن الغذائي نجد أن البعض يلهث بسذاجة وبأسلوب يفتقد للحد الأدنى من الشعور بالمسؤولية خلف تصنيع مقو جنسي في الوقت الذي نعتمد فيه على الاستيراد من الخارج للأدوية المنقذة للحياة رغم سهولة تصنيعها وأهميتها!! نصنع المقويات الجنسية ونحن نستورد أدوية اعتلال القلب، والسكر، وفشل الكبد ورفض الجسم للاعضاء المزروعة «خافضات الرفض المناعي» ومذيبات الجلطات ومنتجات الدم المعالجة للنزف وغيرها من الأدوية التي تعنى بأعضاء حيوية أساسية للحياة تركوها جميعاً ليركزوا على اختراع دواء لعضو واحد!!

في مجال إسهام القطاع الخاص في الرعاية الصحية تجد أن التنافس على أشده في مجال «نفخ الشفايف» وجراحات «الإغراء» في حين ترك علاج السرطان لجهود القطاع الحكومي والأعمال الخيرية!!.

أنا لاأعترض على حرية الاستثمار – مع التحفظ على صناعة المواد الضارة تحت مسمى غذائية – إلا أنني أرى أن يقتصر الدعم الحكومي والتسهيلات والتشجيع على الاستثمار الذي يقيم وزناً للمردود على الوطن وتلبية احتياجاته وليس ذلك الذي يلبي رغبات شخصية أو يقوم على ما قل شأنه ونجح إعلانه!!

لتكن الأولوية في التشجيع لمن يسهم في تحقيق الأمن الغذائي أو الأمن الدوائي أو الأمن المائي، أما الأمن الجنسي فليس من الأساسيات الوطنية ومن العبث أن نقدمه على غيره.

التساؤل الخامس

في إذاعة «بانوراما» صرح الدكتور حسين الفريحي أمين عام الهيئة السعودية للتخصصات الصحية أن الهيئة كشفت أعداداً كبيرة من المتخصصين في المجال الصحي وهم يعملون بشهادات مزيفة، وذكر أنهم يكتشفون شهادة مزيفة كل اسبوع على أقل تقدير وأن بين الشهادات المزورة التي اكتشفت هذا العام واحداً وثلاثين طبيباً مزوراً!! ورداً على استنتاج مقدم الحلقة الدكتور عبدالله الفوزان بأن هذا العدد من الأطباء المزورين كفيل بقتل واحد وثلاثين ألف مريض، أجاب رئيس الهيئة السعودية للتخصصات الطبية بالايجاب!!.
هذا الرقم المخيف من غزاة مهنة الطب بشهادات مزورة وغيرهم من المئات الذين اكتشفوا يعملون في الصيدلة والمختبرات والتمريض والأشعة وغيرها من التخصصات الصحية أقول هذه الأرقام المخيفة تثير لدينا تساؤلات يقشعر لها البدن.

التساؤل الأول هو كم بلغ عدد ضحايا الأطباء المزيفين منذ بداية الطفرة التي شهدت توسعاً كبيراً في الاستقدام للقطاع العام والخاص وحتى بداية الهيئة السعودية للتخصصات الطبية تطبيق اختباراتها وفحصها للشهادات ومصادرها؟!.

كم من مريض عبث بأحشائه من يحمل شهادة جراح اشتراها «بتحويشة» أعمال غير الطب في وطنه؟! وكم طفل قطف زهرة عمره طبيب أطفال مزور؟! وكم من امرأة وفتاة تعورهما وعبث بهما طبيب نساء لم يدرس الطب ناهيك عن أخلاقيات هذه المهنة بل بلغ من انحطاط الأخلاق الممزوجة بالجرأة أن يزور هذه الشهادة العليا بعد أن جمع قيمتها من ممارسة مهنة بعيدة عن الطب.

التساؤل الثاني هو كم نسبة من تم اكتشافهم مقارنة بمن لم تصل لهم يد الهيئة بعد أو تحايل القطاع الخاص لإخفائهم مثلما تهاون في أمر التعاقد معهم، أو كان التزوير أدق من أن يكتشف؟!.

التساؤل الثالث يكمن في آلية الردع وسياج الحماية الذي تم اتباعه من منطلق معاقبة من تم اكتشافه فهل العقوبة رادعة فعلاً للطبيب المزور والمهني الصحي المزور؟! وهل يعاقب المستشفى أو المستوصف الذي آواه بالغلق؟! أم أن العقوبة مغرية لمن يرغب دخول التجربة كمزور جديد وأعني عقوبة التسفير أو الغرامة التي نحرص على التأكيد على أنها لا تتجاوز حداً معيناً لا يعادل أجرة توليد ولادة طبيعية لأم تعودت على الولادة؟!!.

التساؤل المخيف رابعاً هو ما هي حال المهن التي لا تختص بها هيئة التخصصات الصحية مثل مهنة الهندسة والمحاسبة وغيرهما من المهن التي لابد أنها ترضخ تحت وطأة تزوير ليس له هيئة تكتشفه؟! وهل بين من يشيدون لنا البناء مهنيون مزيفون؟! بل كم من المعلمين الذين تعج بهم مدارسنا الحكومية والأهلية والخاصة من يحملون شهادات مزورة خاصة وأن هذه الفئة تقبل بأجور متدنية تسببت في حرمان كوادر وطنية تعليمية مؤهلة من الفرص الوظيفية؟!.

إن ترك الأمور بهذا الشكل هو مدعاة انتشار المخالفات، وغياب الفحص والمراجعة أكبر إغراء للمزورين ويليه ضعف العقوبة فإذا كان حامل الشهادة الصحية المزورة سيرتدع من دخول بلادنا لعلمه بوجود الهيئة فإن مزور الشهادة التعليمية سيجدنا وسطاً مناسباً ومغرياً. فمتى يكون لكل تخصص هيئة سعودية نشطة؟! هذا هو التساؤل الخامس والأهم.

رقابة الجباية

الرقابة يفترض أن تكون ذات جوانب متعددة أهمها جانب حماية الإنسان والتأكد من سلامته ثم يأتي ما يتعلق باستمرار الخدمات وجودتها وأمانها ثم منع الهدر وبعد ذلك رصد المخالفات والتوعية بطرق تلافيها وطبيعي أن يأتي عندئذ جانب العقوبات والغرامات.
لن يجرؤ أحد على اتهامي بالتشاؤم إذا قلت إن معظم دوائرنا تركز حالياً على العنصر الأخير وهو ما يتعلق باستحصال الغرامات وجباية الرسوم دون أدنى اهتمام بالجوانب الأخرى الأهم والأكثر أولوية خاصة ما يتعلق بالسلامة والحماية، ولعلي أستمد ثقتي في عدم اعتباري متشائماً من حقيقة ان ما أصوره هو الواقع الذي يدركه الجميع ويعيشه الغالبية في تعاملاتهم اليومية.

ليس لدينا أدنى مشكلة في رصد المخالفة التي تستدعي دفع غرامة أو ايقاف خدمة، لكن مشكلتنا الكبرى في التفاعل مع إهمال الجهة ذات العلاقة نفسها أو أخطاءها في الصيانة أو المحافظة على الحد الأدنى من دواعي السلامة وهذا يشير بوضوح إلى أن المراقب أو الرقيب موجود لكن عينه متأثرة كثيراً بثقافة الجباية أكثر منها ثقافة الحماية وهذا التأثر خطير جداً إذ انه يلغي تماماً الجانب الأهم والدور الأساس إلى الأدوار الثانوية، في حين يفترض أن يحدث العكس أو تتكامل الأدوار على أقل تقدير.

في حي التعاون رصدت انكسار غطاء غرفة تفتيش عميقة جداً داخل الأرض يبدو أنها تؤدي إلى حجرة تجمع خدمات كابلات كهرباء وهاتف وخلافه، وبالرغم من كبر الفتحة وخطورتها ووضع السكان لعلامات تنبه السيارات لخطورتها لكنها لا تمنع سقوط الطفل أو الكفيف إلا أن الحفرة لا تزال مكشوفة وتشكل خطورة وقد يبدو للوهلة الأولى أن مراقب البلدية لم يمر في هذا الشارع منذ انكسار الغطاء في بداية شهر شعبان إلا أن الواقع هو أن عدداً من المنازل أوقف عنه الماء بسبب تسرب بسيط أو عدم التسديد وعدداً ممن يقيمون مباني جديدة تم تغريمهم على مخالفات بناء مما يدل أن المراقب يجوب المنطقة لكن تلك الحفرة لم تحرك فيه ساكناً كالذي حركته المخالفات.

نفس الشيء يقال عند مقارنة حضور دوريات المرور للحوادث والذي يتسم بالبطء الشديد مقارنة بحضورها لتطبيق غرامات السرعة على الطرق، وينطبق على وزارة المياه والكهرباء في عدم التجاوب مع بلاغات تسرب الشبكة أو انكسار خط أنابيب ينزف كميات هائلة من الماء المهدر بينما يكون رقيبها حاضراً في الصباح الباكر لتسجيل غرامة سكب «سطل» ماء من منزل. أو سرعة فصل شركة الكهرباء للتيار بسبب عدم التسديد مقارنة بسرعة اصلاح عطل أو صيانة أسلاك عارية تهدد الأطفال.

لا اعتراض مطلقاً على أداء المراقب لعمله لكن الاعتراض على درجة التناقض بين الهمة في أداء نفس الدور حسب نوع الملاحظة .. وأملنا أن تحظى الحماية بنفس حماس الجباية!!.

السعودة بفصل السعودي

رغم أنني كنت ومازلت ممن يعتقدون ان أهم معوقات توظيف الشباب السعودي والشابات في القطاع الخاص هو عدم جدية كثير من شركات ومؤسسات القطاع الخاص في التجاوب مع دعوات السعودة وأنهم يأخذون في الحسبان (فقط) تكلفة اليد العاملة السعودية من حيث المرتب الشهري دون عمل أدنى حساب للمساهمة مع الدولة في حل مشكلة البطالة التي تنعكس عليهم بطرق غير مباشرة في شكل مشاكل أمنية واجتماعية ومعوقات لتقدم المجتمع ككل.
أقول رغم ان هذا هو اعتقادي إلا انني لابد أن أسوق لمعالي وزير العمل مقترحاً أعتقد انه بمثابة حجر نلقمه لآخر فجوة متبقية في طريق السعودة لأن التعامل الحضاري يفرض علينا أن نلقم المتهرب مادة نظام تسد أمامه كل منافذ المراوغة وأعتقد ان معالي الدكتور غازي القصيبي يعمل جاهداً ومجاهداً في هذا الصدد، وهو ممن تمرس في مجال سد الأبواب أمام كل محتال ولعّاب ولا يحتاج لأكثر من الصلاحيات القوية للحد من المتاجرة في العمالة الأجنبية!!

اقتراحي يكمن في سن آلية مرنة لاستبدال الموظف السعودي في القطاع الخاص بآخر إذا أبدى رب العمل تذمراً من أدائه، فما يحدث حالياً هو استحالة فصل الموظف السعودي المقصر في أداء عمله حتى رغم استيفاء مسببات الفصل من تواصل الغياب أو رفض العمل.. الخ مما جعل مجرد تعيين موظف سعودي في إحدى الشركات بمثابة (منحة أبدية) فربُّ العمل لا يستطيع التخلص من موظف سعودي متقاعس بينما الموظف يمكنه ترك العمل في اليوم التالي إذا وجد أفضل منه.

هذا الأمر جعل القطاع الخاص يحسب ألف حساب لتعيين موظف سعودي وقد يكون أحد أسباب التخوف من السعودة لدى مؤسسات القطاع الخاص خاصة الصغيرة منها، فما أن تنتهي من مشكلة إلغاء عقد موظف سعودي بعد جهد جهيد مع مطالباته وشكاويه حتى «تحلف» أن لا تعيد نفس التجربة مرة أخرى، وأعتقد «غير جازم» أن تطبيق آلية مرنة تقوم على أساس استبدال سعودي بآخر عند فشل الأول سيحقق أمرين إيجابيين: الأول اطمئنان رب العمل أن الخلاص من موظف سعودي متقاعس بات ممكناً وبالتالي لا مانع من خوض التجربة مع آخر، عسى ولعل أن يكون جاداً ومناسباً وبذلك نتخلص من فوبيا السعودة ولا ندعها حجة للباحث عن الحجج.

أما الأمر الإيجابي الثاني فهو أن بديل السعودي هو سعودي آخر بناءً على هذه الآلية وبالتالي فإننا نوظف رقماً جاداً أو عسى أن يكون جاداً بدل رقم متخاذل ومثلما أن القانون لا يحمي المغفلين فإنه يجب أن لا يحمي المتخاذلين وأن يكون البقاء للأصلح وتبقى فقط قضايا التظلم من الوقوع ضحية للمؤامرة أو الاستهداف وهذه من السهل التعامل معها كحالات فردية إذا توفرت المرونة.

احذر مستشارك

عندما يتظلم شخص واحد فقط ويورد حججاً قوية وأسئلة منطقية فإنه جدير بأن يقارع بالحجة وتجاب استفساراته بأجوبة مقنعة أو يقبل تظلمه ويرد له حقه.
وعندما تكون الشكوى من مائة شخص أو أكثر ويتفقون على نفس الحجج والتساؤلات فإنهم أقرب الى الحق من الإدارة التي ادعواعليها ولابد للمسؤول أن يضع في حسبانه أن ادارته تعاني من خلل ما أدى إلى تضرر كل هؤلاء وتظلمهم ويحاول جاهداً أن ينصفهم ويصحح أخطاء إدارته.

وعندما يتظلم أكثر من ألف شخص من وضع واحد فأعتقد أن من المستحيل أن يتفق هذا العدد على ادعاء ما ويكون الحق مع خصمهم فهذا التظلم لابد أن يكون محقاً ولابد من ترك كل صور البيروقراطية وحجج النظام وإعطاء هؤلاء حقهم دون تردد أو مجاملة لموظف أو حتى مسؤول لأن العدد وحده كاف للإقناع، بل إن كل دراسات وأبحاث العالم وما ينتج عنها من استنتاجات تقوم على دراسة أعداد من الناس تقل عن هذا الرقم ومع ذلك تعتبر النتيجة حتمية ومقنعة وموثوقة.

من جانب آخر ذو علاقة فإنني أتمنى على كل من يقف على رأس الهرم في أي مؤسسة حكومية. سواء كان وزيراً أو محافظاً أو رئيس مجلس ادارة أو من هو في حكمهم أن لا ينسى أمراً مهماً وهو أن الفارق كبير في الحكم على القضايا ذات المساس بشريحة كبيرة من المجتمع بين المسؤول الذي هو في الواجهة كالوزير وبين أحد موظفيه أو مستشاريه ممن هم ليسوا في الصورة أمام الناس، وربما لو وضع هؤلاء في فوهة المدفع لكان حكمهم على القضية نفسها مختلفاً وحاولوا حماية أنفسهم وتحسين صورهم في أذهان الناس.

يعطي المستشار رأيه وهو خلف الكواليس فيضع نصب عينيه فقط مواد النظام وفقراته ولا يعنيه مطلقاً حجم الشريحة التي سيؤثر فيها هذا الرأي أو عدد المتظلمين ونظرتهم للوزارة ممثلة في شخص الوزير، هذا إذا أخذنا احتمال حسن النية، رغم أن ثمة احتمالاً ليس ضئيلاً بأن رأيه كان ينطوي على رغبة في خلق انطباع سلبي عن المسؤول لدى شريحة كبيرة من الناس.

المسؤول الذكي – في رأيي المتواضع – لا يأخذ عبارة «النظام لا يسمح» على علاتها خاصة عندما يتعلق الأمر بشكوى عامة لشريحة كبيرة لا يمكن إلا أن تكون على حق وأنها ضحية تقاعس غير مكترث أو خلل في الأنظمة ويفترض أن يضع نصب عينيه حقيقة أن مد جسور من الحب بينه كمسؤول وبين عدد كبير من الناس عنصر هام يفترض ان يضعه في ميزان حكمه وأن أحداً من مستشاريه أو موظفيه البيروقراطيين لا يعنيه هذا الجسر أو قد يهمه إضعافه لذا فإن رأيه لا يؤخذ على إطلاقه وأن من أهم أسباب تميز الوزير بصلاحيات مفتوحة لمنع الاستثناءات هو كون حكمه على كل قضية منفردة تحكمه نظرة واسعة شاملة تحسب حساباً لكل أبعاد الحكم وليس مجرد ما تسمح أو لا تسمح به الأنظمة حسب رأي موظف لا يعدو كونه وعاء لحفظ مواد النظام لا يفكر أو يفكر بأهداف سلبية.

ثم إن تفاعل الوزير أو المحافظ أو رئيس مجلس الإدارة مع أصحاب المطالبات بالاقتناع أو الإقناع أمر بالغ الأهمية للوطن وليس لذلك المسؤول وحسب فمن أسباب شيوع الحب في الوطن وللوطن أن لا نترك في قلب أحدهم غصة لاعتقاده أنه مظلوم فإذا كانت الأعداد كبيرة أصبح أمر إزالة «الغصص» أكثر أهمية.

ضحايا المجاملات

بالرغم من أننا قطعنا شوطاً جيداً في الشفافية والحوار وقبول الرأي الآخر، ونحن في هذا الطريق سائرون، إلا أن دوائرنا الحكومية فيما بينها لاتزال تتبع أسلوب التحفظ الشديد والمجاملة والصمت وعدم التعبير الذي ينعكس سلباً على كثير من المستفيدين أو المواطنين كما يحلو لنا تسمية الطرف الثاني في العلاقة بين الدوائر الحكومية والمستفيد.
لو كان هذا الصمت على المستوى الاعلامي فقط لقلنا إن الجهات الحكومية لدينا تتحاور فيما بينها وليس من الضروري أن يخرج الصوت للاعلام.

لكن بعض الأمور الهامة ذات العلاقة بالمواطن والتي تختلف فيها وجهات النظر بين دائرة واخرى بوضوح تبقى معلقة بين وجهة نظر وزارة وأخرى دون أن تحل، بدليل أن المواطن يعاني من هذا الاختلاف دون حتى مجرد أخذ ورد بين دائرة وأخرى مما يدل دليلاً قاطعاً على وجود اختلاف في وجهات النظر مع عدم ابداء هذا الاختلاف أو مناقشته!!

خذ على سبيل المثال المشكلة المستعصية لأكثر من ألف وأربعمائة خريج دبلوم لغة انجليزية لمدة سنتين من أكاديمية الفيصل العالمية تحت اشراف جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية الذين دفع كل منهم 25000 ريال هي تحويشة العمر على وعد من اعلانات الجامعة في الصحف بأن الدبلوم معتمد من وزارة الخدمة المدنية على المرتبة السادسة وتصريحات عدد من المسؤولين من وزارة التربية والتعليم أذكر منهم رئيس وحدة اللغة الانجليزية بالوزارة لجريدة عكاظ ذكر بالحرف الواحد أن الفرصة ستتاح للحاصلين على دبلوم الإنجليزية وكليات المعلمين بتدريس هذه المادة في الصف السادس. لكنهم فوجئوا بعد التخرج برفض وزارة التربية والتعليم القاطع لقبولهم بحجة أن الوزارة لا تقبل إلا حاملي البكالوريوس!!

دعونا الآن من مساءلة وزارة التربية والتعليم في شرط البكالوريوس لتدريس أبجديات مادة جديدة لطلاب مرحلة ابتدائية لنسأل السؤال الأهم وهو أن اعلانات عمادة المركز الجامعي لخدمة المجتمع والتعليم المستمر كانت تنشر تحت سمع وبصر وزارة التربية والتعليم وكانت تحدد بوضوح انه دبلوم تأهيل معلمي اللغة الانجليزية للمرحلة الابتدائية وانه مصنف على المرتبة السادسة وكان وقت الاعلان يتزامن مع حادثة اخرى حصلت لمئات من خريجي أحد المعاهد الصحية الذين رفضتهم وزارة الصحة وجمعية الهلال الأحمر وانتشر صيت القضية حتى أصبحت اجتماعية، فلماذا لم تبين وزارة التربية والتعليم موقفها في حينه عن طريق نفس وسائل النشر أو في اجتماع طارئ عاجل مع جامعة الامام ووزارة الخدمة المدنية التي صنفت الدبلوم، بل لماذا لم تصحح تصريح رئيس وحدة اللغة الانجليزية المشار اليه في حينه؟!

نعود لنفس المربع الأول في بداية الموضوع وهو أن الدوائر الحكومية تجامل بعضها وتتحفظ على حساب المواطن!!.

هؤلاء الشباب طرقوا كل الأبواب وحجتهم قوية واحدى حججهم أظهروها لوزارة التربية والتعليم في لقائهم مع الوزير وهي لائحة الوظائف التعليمية المنشورة في جريدة الجزيرة في 23/9/1424هـ والتي تحدد (للمستوى الثالث أحد المؤهلات التالية وذكر في الفقرة ب دبلوم تخصص في حقل التعليم لمدة لا تقل عن سنتين بعد الثانوية العامة). ولكن رغم قوة حججهم فاإهم وقعوا ضحية صمت دائرة تجاه اخرى وربما انهم ضحايا أكثر من مجرد صمت ولكن مواقف متعنتة.

أستشهد بهذا المثل لأن وزارة التربية والتعليم أكثر الوزارات دعوة للحوار وقبول الرأي الآخر وانشاء المجالس التي ترسخ هذا المفهوم بين الطلاب وأملي أن تقبل رأيي هذا حول النتائج المأساوية في المجاملات الوزارية!.