الكاتب: محمد الأحيدب

هدف المياه تسلل

وزير المياه والكهرباء ظهر في حملة إعلامية مكثفة يحمل أكياساً زرقاء وبعض أدوات الترشيد وقال إنها ستوزع مجاناً على المواطنين لتسهم في ترشيد استهلاك المياه وتحدث عن كل واحد منها بإسهاب وبشرح أقرب إلى النواحي الفنية السباكية منه إلى الاستراتيجية المدروسة وكان واضحاً أن تلك الأدوات لا تكفي لعشر سكان مدينة واحدة حيث كانت الأرقام “أرقام الكميات” في خانة مئات الألوف في بلد يقارب تعداده العشرين مليوناً، فكان واضحاً ان الأدوات كانت إعلامية أكثر منها عملية وأن هدف الحملة التحضير لما ذكره الوزير في حواراته المتلفزة سواء في القناة الأولى أو قناة المجد أو غيرها وهو زيادة تعرفة استهلاك المياه والتي صورتها معادلة المشروب الغازي مع صهريج الماء، وبمناسبة هذه المعادلة لدى تساؤل بريء وهو أن كثيراً من المواطنين يشتري صهريج الماء بصفة اسبوعية وبمبالغ تصل إلى 300ريال وذلك بسبب عدم وصول الماء إلى أحياء في وسط مدن كبيرة أو بسبب انقطاع الماء لفترات طويلة جداً أقول وبالله التوفيق في هذه الحالة هل ستعوض وزارة المياه والكهرباء ذلك المواطن عن ما دفعه بسبب تقصير الوزارة؟! وهل سيكون التعويض في شكل نقود أو ما يعادلها من المشروبات الغازية؟!
ثم لماذا كان معالي الوزير حنوناً بشركات الكهرباء عندما اقترح عليه بعض المتصلين رفع تعرفة الماء بنفس النسبة التي تخفض بها تعرفة الكهرباء المبالغ فيها جداً فقال ان شركات الكهرباء تشتكي ولديها مشاكل(!!) وهل وصل بنا الأمر إلى الإصغاء لشكوى الشركات وصرف السمع والنظر عن شكوى المواطن؟! هل هذه هي أدوار الوزراء اليوم؟!

ثم ان معالي الوزير في جميع لقاءاته التلفزيونية المصاحبة للحملة تحاشى التطرق للمسابح كشكل من أشكال الهدر وعندما سئل في قناة المجد في برنامج “ساعة حوار” عن مقال كتبه الفقير إلى عفو ربه محدثكم في هذه الزاوية بعنوان “الترشيد ليس فرض كفاية” قال انه لم يقرأ المقال فما كان من المحاور إلا أن أخبره بفحواه وكان رد معاليه: انه “حسب علمي” فإن الاستراحات والمسطحات الخضراء لا تسقى بماء التحلية وإنما من الآبار وانتهى رده هنا، وأنا حسب علمي أيضاً ان الوزير يفترض ان يعرف ان ثمة استراحات تسقى من ماء التحلية وأن عليه إذا أراد للحملة أن تكون ناجحة أن يذكر كل أوجه الهدر وليس السيفون والصنبور فقط.

ثم انه “وحسب علمي” ان المزارع تسقى من ماء الآبار وأن الحد من الأنشطة الزراعية كان سببه الرئيس ترشيد المياه وتوفير مخزون مائي فكيف نبرر غض الطرف عن هدر الماء في استراحات ومسطحات خضراء بالقول انها تسقى بماء الآبار وهو ذاته نفس الماء الذي انعكس ترشيده على الزراعة، مع أني اؤكد ان بعض الاستراحات التي أشرت إليها تسقى بماء التحلية.

في هذا الزمن بالذات يفترض في المسؤول أن يكون صريحاً وشفافاً ويتجه لمرمى الهدف مباشرة وإلا فإن هدف الترشيد سيكون “تسلل” إلى موضوع زيادة التعرفة بينما يفترض ان نتحدث عن التعرفة في مناسبة أخرى وبنفس الشفافية والاتجاه المباشر للهدف، وأن نأخذ في الاعتبار المطالبة بتزامن رفع تعرفة الماء مع خفض كبير في تعرفة الكهرباء، لأنه إذا كانت قيمة صهريج الماء في التعرفة تعادل قيمة علبة مشروب غازي فإن تكلفة إنارة منزل شعبي صغير شهرياً بالتعرفة الحالية للكهرباء تعادل قيمة شراء ماطور كهرباء (مولد) عمره الافتراضي يزيد عن عشرين سنة.

“المعلقة” يا وزير الفقر

أحد أهم أدوارنا ككتّاب هو أن نوصل للوزير معلومة قد تكون غائبة عن ذهنه لعدم تقصيه أمر وزارته أو محجوبة عنه بقصد، لأنه في اجتماعاته وزياراته التفتيشية إن وجدت لا يرى إلا كل حسن ولا يسمع إلا كل جميل.
ولأن الوزير قد يغرر به “مثلما أنه هو قد يمارس تجميل الأحوال للمسؤولين” فإن عليه أن يستخدم في وزارته جهازاً رقابياً صارماً، صادقاً ولحوحاً، وأن يأخذ ما يكتب من نقد مأخذ الجد والثقة والاهتمام مثلما يتأثر بما يقرأ من مديح في شكل سعادة ونشوة وتصديق.

وإلى جانب الجهاز الرقابي ومتابعة ما يكتب فإن عليه أن يقف بنفسه على بعض الأوضاع لأنه أول من يتحمل وزرها!!

مثلاً هل يعلم وزير الشؤون الاجتماعية أن “المعلقة” وهي أكثر النساء اضطهاداً محرومة من حق الضمان الاجتماعي بفعل “البيروقراطية” وقدم وجمود أنظمة الضمان بل وقسوتها وسوء تعامل القائمين عليها وقسوة قلوب بعضهم؟!

التعليق هو أسوأ أشكال اضطهاد المرأة، ولذا فقد حذرت منه آيات قرآنية وأحاديث نبوية ونهى عنه ديننا الحنيف في أكثر من موقع لخطورته، ولأن المعلقة ليست مع زوج يعينها ويسترها ولا مطلقة تحمل مستندات الانفصال وتعيش حياتها أو تتزوج مرة أخرى ولأن المعلقة في الغالب على خلاف مع زوجها الذي حرمها كلمة الطلاق وطبيعي أن يكون بقسوته قد منعها من الحصول على أي مستندات ولأن المعلقة محرومة من كل شيء تنعم به المتزوجة أو المطلقة فقد حرمها “بيروقراطيو” الضمان الاجتماعي من حق الحصول على “حفنة” من الريالات السنوية لكي تعيش!!

سيقول جهابذة الضمان: إننا لو فتحنا الباب فإن كل متزوجة ستدّعي أنها معلقة وهنا تأتي الفرصة الذهبية لإشعار هؤلاء أن دراسة أحوال طالبي هذا الحق هي الوسيلة الصحيحة في كل أنحاء العالم!! وفي كل منطق عاقل!! وليس مطالبتهم بأوراق ثبوتية يعجز عن إحضارها الفقير الحقيقي ويستطيع تزييفها من في نفسه مرض وليس في حاجة فعلية، أو محتاج اضطرته تعقيدات رجالات الضمان على سلوك دروب التزييف.

لماذا لا يكون التقرير في الفقر بناء على دراسة الحالات، لا نقول عن طريق وقوف المسؤول على أحوالهم كما كان يفعل عمر رضي الله عنه ولكن بنفس المفهوم وعن طريق فرق الدراسة الاجتماعية والبحث الاجتماعي.

سيقول “بيروقراطيو” الضمان الاجتماعي اننا نفعل ذلك وأقول تطبقونه بعد استكمال التعقيدات الورقية والطلبات التعجيزية متناسين أن الأولى هم من لا يسألون الناس إلحافاً وأنتم تجعلونهم محرومين من حقوقهم لأنهم لا يسألون!! وإذا اضطروا لا يستطيعون توفير المستندات ومنهم المعلقة مثلاً وإذا استكملوا الأوراق جاءت الزيارة أملاً في حرمانهم أو تخصيص مبلغ زهيد لا يغطي تكلفة “ليموزين” المراجعات يصرف سنوياً بعد عناء وانتظار في الشمس وتوسلات.

الاتصالات تفتح باب الفتنة

عندما مارست شركة الاتصالات السعودية إجراءً غير مشروع تمثل في تحمل المشترك مبلغ خمسة وعشرين ريالاً مقابل استبدال رقم الصفر الذي أدخلته عنوة بالرقم خمسة في (نفس الخانة) قطعت على نفسي وعداً بأن أتجه للجهات الرقابية لرفع هذا الظلم عن شخصي بصفتي الشخصية، خصوصاً وأن هيئة الاتصالات السعودية التي يفترض أن تكون الرقيب على هذه الشركة وفي صف المواطن وقفت موقفاً سلبياً وصامتاً تجاه هذا الظلم، ليس هذا فحسب بل إنها أعلنت عبر محافظها ما يشير إلى أنها مع هذا الإجراء الظالم.
وعندما كتبت عن هذا الموضوع سابقاً اتصل بي أحد قيادات الشركة ولمح إلى استعداد الشركة لحل “مشاكلي مع الاتصالات إن وجدت” ولعلي أشعرته بطريقة مباشرة بعدم نزاهة عرضه ولن أفصح عن اسم المسؤول في شركة الاتصالات ولا عن تفاصيل محبطة وأخرى تنم عن سطحيته ونظرته لأهداف الناس بعين طبعه، لأنني سأحترم في اتصال ذلك المسؤول تجاوبه وأصفح عن إغراءاته وأدعو له بالهداية ولوطننا الغالي بأن يتخلص من مفهوم تغليب المصالح على الصالح.

يعيب اتجاهي إلى الجهات الرقابية أن الشركة لا يهمها 25ريالاً لمشترك واحد ولن تحضر الجلسة وستعفيني من الدفع، وهو ما لا أهدف له فالهدف هو أن توقف كل استغلال تمارسه لمواطنين ومشتركين هم أحوج مني لهذا المبلغ وغيره لذا يجب أن يكون الحل جذرياً وليس كما يعتقدون من أن الحلول الفردية ستنهي صداعهم.

وما دامت هيئة الاتصالات وهي جهة حكومية لم تنصف المشترك فإن الجهات الرقابية هي الملجأ الذي وضعته الدولة لينصف المظلوم في خطوة تمثل ما تتحلى به هذه البلاد من عدل وإنصاف سواءً صغر الغبن أو كبر، وقد كان للاجهزة الرقابية مواقف إيجابية عديدة في رفع ظلم أقل وضوحاً أو به مجال للنقاش وطرح الحجج من الطرفين مثل إعادة موظف مفصول أو خلافه.

وسوف استند على الحيثيات التالية:

لقد أدخلت الاتصالات السعودية الصفرالبغيض في هواتفنا دون أن يكون لنا حق الاعتراض بل كان شعار حملتها الدعائية المدفوعة من جيوبنا وأسهمنا هو “أهلاً بالصفر في جوالك” مرغمة إيانا على الترحيب بما سبب لنا إزعاجاً وقلقاً وتغيير أرقام وفقدان اتصالات محلية ودولية هامة بحجة زيادة سعة المقسمات وما أن مضى على إدخال الصفر بضعة أيام، لعبت “بالكرت” المستهدف حقاً، وكشفت نيتها للإستغلال المادي وطرحت خيار استبدال الصفر بالرقم خمسة مقابل 25ريالاً وكانت تعلم مسبقاً إمكانية إدخال الخمسة بدل الصفر من البداية لكنها كانت تهدف لاستغلال أكبر من دفع تسعة ملايين مشترك لمبلغ مائتين وخمسة وعشرين مليون ريال بواقع 25ريالاً لكل مشترك والاستغلال الأكبر هو في أن تجبر المشترك على المحافظة على رقمه بالصفر ورقمه الجديد بالخمسة وفي هذه الحالة سيدفع رسوم اشتراك رقم لا يستخدمه وهي 120ريالاً لكل فاتورة إضافة إلى مبلغ 120ريالاً لكل فاتورة للرقم الذي يستخدمه أي ما مجموعه حوالي ثلاثة عشر مليار سنوياً للتسعة ملايين مشترك.

هذا الرقم الفلكي الذي سيدفع كرسوم فقط (رسوم ظالمة) هل هو هدفنا من التخصيص وهل نسمح لشركة أن تستثمره من دم المواطن، شركة واحدة فقط تمن علينا حتى بالسعودة؟!.

وإذا امتنع المواطن، لأنه لا يستطيع تحمل مزيد من الرسوم فمن سيتحمل وزر ما سيحدث بل بدأ يحدث من إزعاج بسبب تغير الأرقام خاصة ما يمس المشتركات النساء من اتصالات خاطئة ستجر إلى محاولات تحرش وهنا (قد) ينتج عنها مشاكل أسرية وانحدار أخلاقي وإزعاج للنساء؟!.

إن هيئة الاتصالات أصبحت أرحم على الشركة من رجالات الشركة وهذا أمر خطير يؤيده ويؤكده صمت محافظ الهيئة عن التعليق على الانتقادات الكثيرة من جميع الاتجاهات التي تلت تصريحه الشهير “لن نسمح بحرب أسعار بين مقدمي الخدمة”.

وإذا كان هذا واقع أول خطوة نحو التخصيص في بلادنا فإن أول مولود للتخصيص خرج مشوهاً!!، ربما لأن أبويه من نفس الأسرة ولم يخضعا لفحص ما قبل الزواج وعندما تتوافق الجينات الوراثية بين المراقب ومن يراقبه يصبح المنتج مشوهاً جداً وتصبح الرقابة دعماً بل يصبح الرقيب الحكومي أرحم على الشركة المطلوب مراقبتها من ملاكها وكبار مساهميها!!.

تربية الوزير

في ندوة “المصداقية بين الأداء الحكومي والأداء الصحفي” أبدى وزير التربية والتعليم د. محمد بن أحمد الرشيد عدم قناعته بما ذهبت إليه ورقة بحث “علمية” تعتمد على احصاءات ونسب ودراسات قدمها أستاذ جامعي هو الدكتور علي بن شويل القرني “استاذ الإعلام” في أعرق جامعة سعودية هي جامعة الملك سعود.
ومأخذ الوزير على الورقة انها تشير إلى تنامي الاتجاه الإيجابي في الصحف وهو ما يخالف وجهة نظر الوزير إلا إذا كان المقصود جانب الأخبار فقط فوزير التربية والتعليم يرى ان وزارته تتلقى نقداً سلبياً مركزاً “يتعامى” عن الإيجابيات وخاصة في مقالات الرأي أ. هـ رأى الوزير.

من هنا اتضح جانب جديد يضيف إلى ما نعرفه ان وزير التربية والتعليم لا يرفض الرأي الآخر الذي لا يؤيده وحسب بل ويرفض البحوث والاحصاءات والدراسات التي تخالف أمانيه ورغباته.

أبو أحمد هو وزير أكثر الوزارات استغلالاً لصفحات المحليات السبع في كل صحيفة كانت موضع دراسة الدكتور علي بن شويل القرني خاصة في نشر مشاريع الأحلام وأخبار الزيارات وافتتاحات الاحتفالات للجوائز العائلية وكلمات الوزير السنوية بل نصف الشهرية أحياناً ومع ذلك يرى الوزير ان الصحافة سلبية تجاه وزارته حتى وإن كانت الدراسات العلمية الاحصائية ترى عكس ذلك.

هذه مصادرة ليست للرأي الآخر وحسب بل للبحث والدراسات الدقيقة وأخشى على الوكلاء ومديري العموم والمديرين والمعلمين والطلاب أن يتأثروا بهذا النهج الذي يصادر الرأي الآخر والدراسات اما رؤساء الأقسام والمشرفون التربويون فقد حذرهم معاليه مباشرة في لقاء بهم تم قبل أيام مما يكتب في الصحف ملمحاً إلى عدد من الكتاب السعوديين ومطالبا إياهم بالرد على هؤلاء الكتاب وكأنه يتحدث عن الباري عطوان أو “سعد الاسماء المزيفة” وهذا فيه مصادرة لتفكير شريحة هامة في هيكل التعليم لها ذكاؤها وقدراتها على تقييم ما يقال ويكتب هم المشرفون التربويون وهم ليسوا في حاجة لمن يوجههم لو لم يعجبهم ما يقرأون أو لم يسعدهم ما كتب!!، ثم لابد قياسا بعقليتهم الناضجة أن يتساءلوا بصوت خافت: “ولماذا لا تردون أنتم؟!”.. و”أين قبول الرأي الآخر الذي تحثون عليه في خطبكم؟!”.

ماذا يريد الوزير منا ككتاب؟! هل يريدنا أن نقول إن مشروع “وطني” نجح وطبق ولم يتوقف دون معرفة الأسباب وهو المشروع الذي تمنى معاليه في أحد لقاءاته المتلفزة أن يستمر ليرى مشروع “وطني” وقد أصبح حقيقة واقعة واستمر ولم يستمر المشروع.

هل يريدنا أن نقول ان الطلاب يدرسون في مدرسة هشام بن عبدالملك على “كنبات” كتلك التي في مكاتب الوزارة وهم يجلسون على بساط كذلك الذي سمعنا عنه في الكتاتيب؟! هل يريدنا أن نقول ان الكتب متوفرة وهي لم تصل بعد؟! هل يريدنا أن نقول إن “فقاعة” تعليم الانجليزية للصف السادس الابتدائي لم تنفجر بعدم حضور المعلم؟! هل يريدنا أن نقول ان الطفل سعد بدر الدكان هو الذي دهس الشاحنة داخل المدرسة؟! هل يريدنا أن نقول ان نفسية المعلمين لم تتأثر بوجود إداريين على كادرهم رغم انهم لا يمارسون التدريس ويعملون في مكاتب مكيفة لها خصوصية؟! هل يريدنا أن نقول ان الوزارة تعاني من شح الميزانية والمخصصات وبعض المكاتب كلف الملايين من الريالات في حين لا تتوفر دورات مياه مناسبة للاستخدام الآدمي في المدارس.

يا معالي الوزير شق هذه الوزارة أكبر من أن يرقعه إعلام أو صديق أو قريب أو مشرف تربوي والغريب انكم لا ترون هذا الشق والأغرب انكم لا تريدون منا أن نراه، وإذا رأيناه تريدون منا أن نسكت وإذا لم نسكت فنحن خصوم للوزارة يعاتب على ما نكتب القريب والصديق والندوات والبحوث!!

الوادي والوادي الآخر

يكون الإجراء مقبولاً عندما يكون منطقياً، ويكون منطقياً عندما يطبق بطريقة لا تتعارض مع العقل.
الناس لا تريد أكثر من الاقتناع بما يحدث وسوف تستجيب وتتجاوب على الفور دون تذمر أو ضجر بل ولا حتى نظرة استغراب.

كأني بسنوات الوضع الاقتصادي الموسوم بالشح أو سنوات ترشيد الصرف أو التقشف كونت لدى الناس استعداداً نفسياً لقبول أي إجراء أو خطوة أو جديد حتى لو لم يكن له علاقة بالجانب الاقتصادي، وهذه واحدة من إيجابيات الأزمات لأنها تروض النفوس التي ربما تعودت على الرفاهية ولكن ليتها تنجح في ترويض كل النفوس وأكاد أجزم أنها لم تفعل، بل إن نسبة غير قليلة من الناس لا تزال تعيش نفس ممارسات الطفرة وكأن شيئاً لم يحدث، وهنا تكمن الخطورة، ومن هنا يبدأ الإحباط، فطبيعة النفس البشرية تحب أن يكون المصير جماعياً، عاماً، غير خاص، ليس فقط في المكاسب بل حتى في المصائب، أي أن الإنسان تهون مصيبته إذا علم أنها عامة، لذا تراه يقول “الموت مع الجماعة رحمة”.

لا يحب الناس أن يروا أنهم في وادٍ وغيرهم في وادٍ آخر!!

ولذلك فإن كل خطوة نرى فيها مصلحة لهذا الوطن الغالي ونبدأ في تطبيقها يجب أن نعي أن مقومات نجاحها أن تكون شاملة، تتوجه للكبير قبل الصغير وللأهم قبل المهم وللمسؤول قبل الأقل مسؤولية، وللغني قبل الفقير، وسنجد وبكل سهولة أنها مقبولة، سهلة الوقع على النفوس، يسيرة التطبيق.

مشكلتنا حينما يحدث العكس، عندما نريد من صغار الموظفين أن يلتزموا بما لا يلتزم به كبارهم، أو نريد من الناس أن تتقشف ونحن نمارس البذخ والصرف المبالغ فيه أو نريد من مواطن أن يعالج على حسابه بسبب ازدحام المستشفيات وهو يرى أن مواطناً آخر يراجع أربعة مستشفيات لنفس المرض ويحمل بطاقة برقم ملف في كل مستشفى حكومي يتمناه. أو نريد لصاحب “الربع بوصة” أن يرشد استهلاك المياه وهو يرى الهدر يمر عبر أنابيب “ست بوصات” أو أن نشحذ همم الناس لإطفاء مكيف صحراوي لتخفيف أحمال الكهرباء على المولدات وهم يرون أن الكشافات تقول للشمس في رابعة النهار أيّنا أسطع؟!

الناس على استعداد للتجاوب فقد روضتهم الأزمات وأصبحوا أكثر وعياً وكل ما يحتاجون إليه هو القدوة الحسنة في المنزل والمكتب والمجتمع والوطن عامة.

الترشيد ليس فرض كفاية

تعتزم وزارة الكهرباء والماء بدء حملة مكثفة للحث على ترشيد استهلاك المياه وربما ليس مجرد حث بل تشجيع بصرف أجهزة تساعد على تقليل استهلاك الماء وقد يتطور هذا الحث والتشجيع إلى مرحلة الإجبار والفرض وعسى ان لا يكون توطئة لتحميل المواطن أو المستهلك بصفة عامة أكثر مما يحتمل في شكل زيادة تعرفة أو ما شابه ذلك من أصناف الإجراءات التي يتضرر منها غير القادر بسبب سلوك المقتدر!! ويدفع بسببها الضعيف ثمن أخطاء القوي، ويزداد الفقير فقراً لأن الغني ازداد بطراً.
دعونا لا نستبق الأحداث وندعو الله العلي القدير أن يلهمنا من أمرنا رشداً ويلطف بنا فهو وحده المستحق للتضرع والدعاء والتذلل. أما الحديث عن حملة ترشيد استهلاك الماء فقد أعلنت وربما بدأت بشكل أو بأخر والحديث عنها ليس استباقاً ولكن إسهاماً في إنجاحه.

أقول وبالله التوفيق إن ترشيد استهلاك المياه يجب أن يبدأ بأكثر أشكال هدر المياه حجماً واستنزافاً، لا أن نبلع “الهيب” ونغص “بالإبرة” فأنا ضد استخدام رسمة صنبور ينقط قطرة قطرة شعاراً لصور الهدر ونكتب تحتها عبارات الحث على الترشيد وكأن صورة الهدر هو ذلك التقطير من الصنبور ونحن في بلد يستنزف كل مصادر الماء في سقيا مسطحات خضراء في استراحات اتخذت من عمق الصحراء مكاناً لها، لا يزورها أهلها للاستمتاع بالخضرة إلا مرة كل سنتين.

يجب أن لا نركز على صندوق الطرد المسكين “السيفون” كواحد من أسباب هدر الماء، ونحن نعلم أن المسابح تشغل مساحة لا محدودة من مسطحات بيوتنا ويتغير فيها الماء بصورة آلية ثلاث مرات أسبوعياً فنعتب على “السيفون” وعن المسابح نغض “العيون”.

ترشيد المياه، شأنه شأن كل ترشيد، لا يمكن ان يكون فرض كفاية يقوم به البعض ويسقط عن الآخر، بل يفترض أن يبدأ بالأهم قبل المهم وهدر الأكبر قبل الأصغر ففي صور وأشكال الهدر يتمثل دائماً منظور النسبة والتناسب بمعنى أن الأكثر قدرة على تحمل التكاليف هو الأكثر استعداداً لهدر جزء منها لكنه لا يدفع التكلفة.

كم أتمنى على وزارة الكهرباء والماء في سعيها لترشيد الاستهلاك أن تكون منطقية وواقعية وقوية بحجم قوة حب الوطن.

تنويه واعتذار

في مقال يوم الأربعاء الماضي بعنوان تجارة التعليم الطبي دخل جزء من مقال سابق عن التعليم في آخر الزاوية مما أحدث نقلة غريبة في الموضوع.. أعتذر والعتب على قدراتي المتواضعة في استخدام الحاسوب.

تجارة التعليم الطبي

التجارة الجديدة التي نشأت مؤخراً تنذر بخطر كبير لأنها متاجرة بمخرجات تعليم متخصص يمثل التدريب والتطبيق فيه أساساً هاماً لنجاح العملية التعليمية وتأهيل الخريج.
استغل القطاع الخاص فرصة محدودية القبول في الجامعات الحكومية خاصة في مجال التخصصات الطبية والصحية بصفة عامة فوجد في فتح كليات تجارية لتخريج الأطباء وأطباء الأسنان والمتخصصين الصحيين والممرضين فرصة لتجارة مضمونة الربح مادياً للتاجر لكنها خسارة كبيرة للمجتمع تهدد صحته ومستوى أطبائه وممرضيه والمساعدين الصحيين.

تلك الكليات التجارية ليس لديها الحد الأدنى لأهم مقومات التعليم الصحي وهو المستشفيات وإمكانات التأهيل اثناء الدراسة ومواقع التدريب الذي يعتبر اساسياً، بل ان بعض تلك الكليات التي حصلت على موافقة إنشائها ليس لديها مستشفيات مطلقاً ولا تتبع لمؤسسات صحية وهذا معناه انها ستكون كليات تجارية مانحة لشهادات نظرية ستهدد مستقبل الطب في بلادنا وتطعنه في مقتلين هما من أهم ما يميز وطننا حالياً أحدهما مستوى الرعاية الصحية المتقدمة التي تميزنا بها عن من حولنا وأصبحنا نقارع بها دولاً متقدمة سبقتنا والثاني مستوى وتأهيل الطبيب السعودي والمتخصص الصحي السعودي وهو الآخر سجلنا فيه بحبر من ذهب في اللوحة العالمية فعرفت المملكة كواحدة من مخرجات المبدعين والمتميزين في مجال الطب ومن غير المنصف لوطننا أن نضحي بصحة أبنائه أولاً وسمعته ثانياً لمجرد أننا نستعجل المتاجرة في التعليم الطبي!!

ان ما يحدث من موافقة على منح تراخيص إنشاء كليات طب أو كليات صحية لقطاع خاص ليس به مستشفيات أو لديه مراكز صحية أو حتى مستشفيات محدودة وغير مؤهلة ما هو إلا دلالة على أن الجهة المانحة غير مراعية للتفريق بين ما يمكن وما لا يمكن وعلينا أن ننقذ ما يمكن إنقاذه ونحيل أمر ترخيص تلك الكليات إلى هيئة متخصصة تشتمل على ممثلين من جميع القطاعات الصحية والاكاديمية المتخصصة في التعليم الصحي وتحدد مسبقاً الشروط والمقومات التي يجب أن تتوفر في الكلية الخاصة بحيث لا تقل بأي حال من الأحوال عن تلك الحكومية القائمة لأن الهدف ليس اضعاف المخرجات ولكن مضاعفة عددها مع الحفاظ على الجودة.

إن علينا ان نستفيد من أخطاء الماضي والمتمثلة في الإفراط والتفريط في الثقة في منح التراخيص للقطاع الخاص في مجالات حيوية وجدنا مع الزمن اننا كنا فيها مفرطين وانعكست على سير حياتنا لكنها لن تكون بخطورة إنشاء كليات طب غير مؤهلة.

لا تريد الوزارة بكافة مسئوليها بسبب سياستها العليا أن تعترف بأنها قاسية على المجتمع لينة على ملاك المدارس ولا تريد أن تقول انها اختارت الوظائف التي لا تستلزم سوى رواتب زهيدة بل ليس لها سلم رواتب معروف يمكن المقارنة به وانها لا تريد أن تجرح المدارس والمعاهد الأهلية بسعودة وظائف التعليم لأن ذلك قد يؤثر على أرباح تلك المدارس مقارنة بتوظيف متعاقد “أقل تأهيلاً” بربع أو خمس الأجر المتوقع للسعودي، والمؤسف ان تعمد الوزارة إلى تبرير هذا القرار بالتشكيك في قدرات وتأهيل ابن الوطن الذي كافح وعمل بكل إمكاناته ليخرّج أبرز المعلمين الأكفاء والأطباء والعلماء والمهندسين وأساتذة الجامعات.

الكيل بفنجان

الكيل بمكيالين واحد من أكثر السلوكيات استفزازاً وإثارة للضغينة والكراهية خاصة عندما يكون هذا الكيل بمكيالين مختلفين معلناً أو ظاهراً للعيان فإنه بطبيعة الحال سيكون أكثر استفزازاً للمشاعر من حيث العدد والقوة.
نحن العرب يفترض أن نكون أكثر الناس حساسية وحذراً من ممارسة الكيل بمكيالين لأننا “اكتوينا” بناره ورأينا نتائجه وآثاره في قضيتنا الكبرى “فلسطين” وجميع تفاصيل علاقتنا مع الدولة العظمى التي باتت تحكم العالم وتحرم علينا ما تحلّه لإسرائيل ولنفسها، حتى ان ما حدث ويحدث للعالم أجمع من زعزعة في الأمن وخوف ورعب ونقص في الأموال والأنفس والثمرات سببه الأول الكيل بمكيالين!!

والكيل بمكيالين ليس حكراً على السياسة والغضب منه ليس حكراً على السياسيين أيضاً.

الأب قد يمارسه مع أبنائه فيعاقب أحدهم على مخالفة لم يعاقب على مثلها أخيه، أو يمنح أحدهما ما لم يمنحه للآخر أو يمنع أحد الأفراد من فعل سمح به لفرد من أفراد الأسرة، وعندما يحدث ذلك فإن الحقد يعم أركان الأسرة ويزعزع استقرارها!!

“الواسطة” التي يحاول البعض إباحتها بالتبرير أن بعض صورها ينفع أحداً دون أن يضر بالآخر هي صورة من صور الكيل بمكيالين لأن مصلحة شخص تنجز قبل الآخر أو إعفاءه من إجراء أو متطلب لا يعفى منه غيره واذا اتفقنا أن هذا الاختلاف يستفز المشاعر فإنه يقع ضمن المحظور.

المدير والمدير العام والوكيل والوزير اذا لم يكن مكيال كل منهم لموظفيه واحد فإن الاستفزاز يحدث والضغينة تكبر ومن المؤسف ان في مؤسساتنا ووزاراتنا أطقماً مختلفة من “المكاييل”، مكيال للقريب ومكيال للصهر ومكيال للقرية ومكيال للشلة ومكيال لمن أوصي عليهم ومكيال لمن له ظهر و(فنجال) يكال به للعموم!!

تطبيق الأنظمة والاجراءات والعقوبات إذا أصيب بفيروس الاستثناء من الاجراءات أو تطبيق العقوبة على أحد دون غيره فإن الأمر يتعدى حدود الكيل بمكيالين إلى عدم وجود مكيال أصلاً وهذا أكثر خطورة.

ليتنا نتذكر أننا كأمة عربية اكتوينا بنار المكيال حتى يتسنى لنا في إدارة شؤون مجتمعاتنا أن لانكيل بمكيالين فنصبح غير استفزازيين.

بساط التعليم الأحمدي!!

الزميل محمد السهلي نقل لنا عبر صفحة المحليات في هذه الجريدة “الرياض” في عدد يوم الأحد الماضي 5شعبان 1425هـ خبراً مؤثراً وصوراً أكثر تأثيراً وإيلاماً لحال التعليم في بلادنا.
الخبر يقول إن الطلاب والمعلمين يفترشون الأرض بمدرسة الحكم بن هشام بالرياض رغم مرور الأسبوع الثاني من الدراسة لأن المدرسة لم تؤثث بعد ولايوجد بها لا كراسي ولا طاولات ولا وسائل تعليمية مما تسبب في حرمان 500طالب من الحضور إلى المدرسة وبدء الدراسة أسوة ببقية الطلاب أو أن هؤلاء الصغار يحضرون لافتراش الأرض على “البلاط” وأن حوالي ثلاثين معلماً يحضرون لإثبات الوجود ويفترشون إحدى قطع الفرش ويتبادلون أطراف الحديث (الموضوع مدعوم بالصور التي لو وجدت من يخجل لرأينا خطاب استقالة!!).

أنا لا أشفق على هؤلاء الصغار من الجلوس على البلاط لأنه أمر لم يمر علينا ولم نجربه نحن جيل الإمكانات المتواضعة فقد كنا نجلس على طاولات خشبية قوية ومريحة “أي أن التعليم لدينا تخلف إلى مرحلة ماقبل جيلنا وهذا خطير”.

ولا أشفق على المعلمين في افتراشهم بساطاً في موقع يفترض أنه موقع عمل يمارسون فيه الرسالة التي أحبوها لأنني لا أستطيع أن أتخيل وضعهم النفسي فلم نجربه أيضاً في جيلنا القديم فتراجع تعليمنا المعاصر تعدى جيلنا إلى ماقبله ويبدو أنه حن لجيل الكتاتيب!!.

أشفقت على الطلاب والمعلمين لأنهم لم يتمكنوا من تطبيق ما استمعوا إليه في كلمة معالي الوزير السنوية من نصائح لايمكن تحقيقها على بساط الفقر!!.

أشفق على الطلاب والعلمين عندما يقرأون في الصحف أو يسمعون في المذياع والتلفاز عن فكرة الوزارة في تطبيق المدرسة الإلكترونية التي تقوم من الألف إلى الياء على التقنية الإلكترونية المتقدمة وهم جلوس على بساط!!، وأشفق عليهم عندما يسمعون عن نية وزارة التربية والتعليم إلغاء الكتاب المدرسي واستبداله بالقراءة من الكمبيوتر والإنترنت لأنني أعرف جيداً أن العمل على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي والنظر إلى شاشته سيكون صعباً جداً ومؤلماً للظهر إذا عملت وأنت جالس على بساط أو بلاط!!.

سامح الله زميلنا السهلي فقد استفز مشاعر العموم بنشر تلك الصور وأصابنا بالدهشة وخيبة الأمل مع أنني على ثقة انه ربما أساء فهم الوزارة وسوف يأتيه الإيضاح قريباً فحسب ما “نسمعه” من الأفكار الطموحة لمعالي الوزير فإنني أعتقد أن الوزارة ستقول بأن البساط الذي يفترشه طالبان في وسط الصور ماهو إلا بساط الريح الذي صممه برنامج “وطني” ومهمته نقل الطالب للاطلاع خلال ساعات معدودة على التجربة “اليابانية” ثم يعرج به على هولندا ليتعلم الانضباط في المواعيد ويستفيد من التجربة الهولندية ثم يحط به البساط في باريس ليتعلم فنون الرسم.. وهكذا تماماً في نفس خط سير قيادات الوزارة صيف هذا العام الذي ادى إلى تأخر الإستعدادات.

أما الحجرة التي يقبع فيها عدد يفوق الأربعين طالباً جلوساً على البلاط فإنها تمثل مركبة السفر إلى الماضي البعيد وهي نتاج “رعاية الموهوبين” من الطلاب الذين اخترعوا هذه المركبة ليتمكنوا من الاطلاع على وضع الطلاب في الزمن الفائت ليشعروا بالفارق الكبير بين زمنهم وزمن مضى ويقدروا انجازات الوزارة ويمتنوا لها ويكتبوا ويتحدثوا عنها إذا تخصصوا في مجال الإعلام.

أما صورة مجموعة المعلمين الذين يفترشون قطعة بساط فما هي إلاصورة من انعقاد جلسة لأحد مجالس التحاور بين مسؤولي الوزارة والمعلمين للاستفادة من تجربتهم وتلبية رغباتهم وقد استخدم البساط ليدلل على أن الأمور في وزارة التربية والتعليم تتم منا قشتها على بساط أحمدي!!.

كراسي الشهرة

ما أن يدعى مسؤول لإجراء حوار مع قناة تلفزيونية خارجية حتى يتأبط “بشته” وأوراقه ومستنداته ومذكراته الشخصية ويشد الرحال إلى حيث “استوديو” الحوار والى حيث يقبع مذيع أو مذيعة جمع معلوماته من زملاء وإعلاميين سعوديين وراح يسأل عنها بطريقة تنم عن عدم إلمام يؤدي الى حوار وعدم حماس يبحث عن إجابة ومجرد اجتهاد خاص يهدف الى ترويج القناة في بلادنا التي لا يوجد ما يربطها بالقناة سوى جدولة البرامج “بتوقيت السعودية” ومن ثم الحصول على اكبر قدر من الاتصالات ذات الانتظار الطويل الذي غالباً ما ينتهي بعبارة “انقطع الخط” بعد أن تكون نقود المتصل قد استنزفت لصالح اتفاقات شركات الاتصال والقناة الفضائية صاحبة الرقم.
وعندما يدعى نفس المسؤول من قبل احدى قنواتنا الفضائية لمناقشة شأن محلي هو في صميم عمله وواجبه وسيحقق اطلاعه المباشر على أوجه القصور في وزارته وتواصلاً يندر أن يتحقق مع أكبر عدد ممكن من المواطنين الذين اشترت الدولة وقته وخبراته وحنكته (إن وجدت) من أجلهم ومنهم المفكر الذي قد يعينه، والناقد الذي قد يبصره، ومحاور من نفس الأرض التي عملت، لتخرجه وتوصله الى ما وصل إليه وتدفع راتبه مقابل ما كانت تأمل من تقديره لأبنائها، فإن ذلك المسؤول يعتذر عن الاستضافة أو ينيب عنه واحداً من صغار مساعديه!! ممن جندهم للدفاع والنفي وتبسيط الأمور وربما مغالطة الناس!!.

قبل أن تغير قنواتنا التلفزيونية نهجها كنا نتمنى لو أنها فعلت!!، وبعد أن نجحت فعلاً في بث كم هائل من البرامج الحوارية المباشرة المتميزة وزادت هامش حرية الحوار إلى حد لا يقل عن غيرها من القنوات بل يتميز عنها بصدق الأهداف ورزانة الطرح، انكشف الساتر واتضح ان بعض القابعين على رؤوس أهرام المسؤوليات همهم أصبح أكبر من الوصول إلى المنصب والاستفادة والإفادة منه وتعداه إلى استخدامه سلماً للوصول إلى شهرة خارج حدود الوطن باسم الوطن!!

هذه الأنانية وهذا التنكر للأرض التي اهتزت وربت وأنتجت أعلاماً هي من علمهم ووسع مداركهم وأوصلهم إلى ما وصلوا إليه.. أقول هذه الأنانية جعلتنا البقعة الوحيدة في هذا العالم التي تناقش هموم أبنائها ودوائرها ومؤسساتها من خارج حدودها رغم أنها أصبحت تملك القناعة والحرية والتقنية لإدارة حوار مباشر لا يقل حرية من الداخل.

الأمر يحتاج إلى تذكير البعض أن الكرسي للوطن ومن الوطن وأنك تجلس عليه لتخاطب من أمامك وأنه صنع دواراً ليستقبل غيرك لا لأن تديره لتتوجه باحثاً عن المزيد لذاتك!!