الكاتب: محمد الأحيدب

سلة الإحباطات

المعطيات تشير الى أننا نتفاعل مع الواقع والظروف بسرعة وجدية أكثر من أي وقت مضى، نحاول أن نسد الذرائع وندحض الحجج ونفعّل الإصلاح.
نسد الذرائع وندحض الحجج في الأمور والادعاءات التي نؤمن ونجزم أنها مختلفة أو مبالغ فيها وهذه تحتاج إلى جهد إعلامي وإعلام مضاد لدحضها وتبيان الحقيقة وقرع الحجة بالحجة وهذا جيد ويجب أن نكثف نشاطنا فيه ونعدد قنواتنا لمحاربته بإيضاح الصورة وسيادة الحقيقة وتلميع زجاج الشفافية ليصبح شفافاً أكثر.

ونفعّل الإصلاح في الجوانب التي وصلنا الى قناعات بأنها تعاني من قصور حاد، وممارسات خاطئة، وسلوكيات تسيء لنا كمجتمع وتستفز الكل بسبب سلوك البعض، والواضح أن لدينا النية والجزم على تفعيل الإصلاح ولكننا نخلط أحياناً بين دحض الحجج والادعاءات الواهية وممارسة الإصلاح كفعل واستجابة لقناعات.

الخلط يحدث أحياناً في استخدام سلاح الإعلام للتوجهين توجّه الدحض وتوجّه الإصلاح فالإعلام فعال في الأول ويجب أن يكون مكثفاً وشاملاً للداخل والخارج أما في الثاني فإن الإعلام ليس مطلباً أولياً للتحدث عن خطوة او خطوات حيث يفترض أن نبدأ بالفعل والتطبيق على أرض الواقع ثم نسخر الإعلام لتسليط الضوء على ما تم إنجازه وليس على ما سوف ينجز أو ما نزمع عمله!!.

أيضاً الأولويات تختلف وأهمية ترتيبها مختلفة هي الأخرى، ففي جانب تصحيح الصورة إعلامياً والرد على ادعاءات باطلة يمكنك ان تبدأ بأي منها وتتناول الادعاءات دون ترتيب بل يلعب التوقيت دوره فقط.

أما في جانب تصحيح مسارات اقتنعنا بأنها خاطئة فيفترض ان تكون الأولوية للأهم والأكثر تأثيراً في شريحة أكبر أو الأكثر استفزازاً للغالبية أو الشريحة الأكثر تأثيراً وحيوية.

فمعالجة بطالة الشباب مثلاً أهم وأكثر أولوية من إتاحة الفرص لمشاركة المرأة في مجالات محددة وضيقة، فبطالة الشباب أكثر تأثيراً على كافة المجتمع في شكل الحاجة والفاقة والعطل والفراغ ومن ثم السرقة والقتل وتقبل الأفكار المنحرفة وممارسة الجريمة، في حين أن مشاركة المرأة تبقى موضوع خلاف بين قلة وغالبية. هذا مجرد مثال توضيحي للمقارنة بين الأولى والأكثر أولوية.

ويمكن القياس والمقارنة بين عوامل كثيرة من مسببات الإحباط والبدء بالأهم منها قبل الأقل أهمية وتفعيل الإصلاح في ماهو أهم قبل ماهو مهم.

الفساد الإداري واستغلال المال العام واستغلال السلطة إذا ما وضعت معاً فيما يمكنني تسميته “سلة المحبطات” ووضع معها التأخر عن الدوام أو عمل الموظف الحكومي في التجارة خارج وقت الدوام أو رواج الواسطة والشفاعة، فما من شك أن المجموعة الأولى أولى بالإصلاح وأكثر اهمية كونها الأكثر استفزازاً في سلة الإحباطات تلك.

إهانة متبرع

أذكر أنه منذ أن كان الدكتور غازي القصيبي وزيراً للصحة دعيت لعضوية لجنة للحث على التبرع بالدم ولبيت الدعوة التي حضرها معالي الوزير بنفسه وشرح خلال الجلسة الأولى مدى الحاجة الملحة لتشجيع الناس على التبرع بدمائهم بسبب ما نعانيه من نقص بسبب عوامل كثيرة أهمها ارتفاع معدل حوادث السير ورغبة الوطن بالاكتفاء الذاتي في هذا المجال والاستغناء التام عن الدم المستورد غير المأمون.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم كان الحث والتشجيع على أشده وصل حد منح أوسمة عالية وهدايا وأخبار لتبرع كبار المسؤولين ليكونوا قدوة لغيرهم.

اليوم أضافت الظروف الأمنية عاملاً آخر يحتم ضرورة أن يزداد الاهتمام بالتشجيع على التبرع بالدم ففي حادث الوشم وحده كانت الإصابات تفوق المائة والخمسين في لحظة وليست ساعة، كما أن حوادث السير الدامية استمرت في ارتفاع حسب إحصائيات موثقة ومعلنة.

كعادتنا فإن التشجيع والحث الإعلامي وخطط التوعية تحقق نجاحاً سريعاً وتأثيراً قوياً لأن المواطن يتمتع بدرجة كبيرة من الوعي والتدين وحب عمل الخير ولا يريد إلا منحه الفرصة التي تحافظ على كرامته.

أي أن التجاوب من الناس ليس مشكلتنا الكبرى بل لا يشكل مشكلة إطلاقاً. المشكلة تكمن في أن التنفيذ في واد والتشجيع في واد. كيف؟؟.

دعوني أستشهد بموقف واحد حدث يوم الأربعاء المشؤوم، يوم تفجير إدارة المرور بالوشم، حيث اتضح بحكم الظرف وما ورد في وسائل الإعلام والدعوة عبر مواقع الإنترنت ورسائل الجوال أن ثمة حاجة ماسة لكميات من الدم.

أعرف صديقين من الوزن الثقيل (ولا أقول الدم الثقيل لأن هذا المفهوم يتعارض مع روح المرح والنخوة) لكن المؤكد أن دم كل منهما يغلي حباً للوطن ونجدة للمواطن والمقيم وهو شعور جميل جعلهما رغم أن يوم الأربعاء نهاية الأسبوع ورغم التزاماتهما الأسرية ورغم انهما يخرجان من الدوام في الخامسة مساءً فقد ذهبا مباشرة إلى مجمع الرياض الطبي للتبرع بالدم وهناك طلب منهما تعبئة استمارة والانتظار.

يقول أحدهما: لم يكن في موقع التبرع سوى موظف واحد بنجلاديشي الجنسية وآخر سعودي ممشوق القامة يبدو أن له دوراً قيادياً يتضح من توجيهاته لنا فقد طلب منا تعبئة الاستمارة والانتظار بعبارة (انتظروا هنا مع غيركم حتى نطلبكم)، وكان في المكان حوالي خمسة عشر رجلاً من راغبي التبرع ينتظرون مثلنا، وخلاف ما ذُكر فإنه لا يوجد طاقم تمريض لسحب الدم ولا موظفو استقبال أو تنظيم وكراسي التبرع خالية وكان واضحاً أن ذلك الموظف يطلب انتقال ممرضين للموقع لسحب الدم لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

يقول: طال بنا الانتظار وكأننا جئنا إلى مكتب الضمان الاجتماعي حيث لا ينعم المراجع بأي ترحيب أو حتى تقدير مشاعر بل يمن عليه بالجلوس والانتظار.

ويردف قائلاً التفت إلي زميلي قائلاً “الظاهر انهم يعتقدون اننا جئنا نطلب الدم وليس لنتبرع، أو أن ثلاجاتهم لم تعد تتسع للدم” وبقينا ننتظر مع غيرنا دون أن يبدأ سحب الدم لمن هم قبلنا فكيف بنا، فقررنا أن نذهب للمستشفى التخصصي فربما أن الحاجة هناك!! وخرجنا ومعنا “استمارات” التبرع ولم يكلف أحد نفسه أن يسألنا لماذا غادرنا بمن فيهم الموظف البنجلاديشي وكأن هماً قد انزاح عن قلوبهم وليس (صهريجا) دم قد غادرا!!.

يقول ذهبنا للتخصصي وهناك رفض دخولنا بسبب الإجراءات الأمنية وأخبرنا أن استقبال الدم توقف ولم يعد هناك حاجة (انتهى ما ذُكر).

قلت: هل هكذا يتم استقبال من وضعنا في اللجنة المذكورة الخطط والإجراءات لتشجيعهم وتساءلت ولا زلت هل مشكلتنا في هذا البلد أزمة تبرع بالدم أم أزمة من ليس عنده دم؟!!.

لجنة الانطباعات

لا شك أن الاسطوانة المشروخة والتي كان يرددها البعض ليعلق عليها أخطاءه وأعني هنا عبارة “وعي المواطن” أصبحت الآن أقل استخداما وترديداً لسبب واقعي وطبيعي وهو ان استخدامها في السابق بكثرة وفي كل مناسبة لم يكن في محله ولم يكن منطقياً والسبب الثاني أن المواطن انفتحت أمامه السبل لإيضاح نفسه فأثبت المواطن العادي أنه لا يقل وعياً عن المواطن المسؤول في شأن وظيفي وربما كان أكثر إدراكاً واحساساً بالمسؤولية ووعياً بما حوله.
لعل جل مشاكلنا تكمن في التخمين والحكم بناء عليه وسوء التقدير وبناء الحكم عليه!!

قد تكون عبارة فيها الكثير من الفلسفة بمفهومها الشائع أو السجع، لكنها “ركبت” معي هكذا ولم اقصد بها أن ألحن أو أسجع أو “أتفلسف”.

فقط أردت أن أقول إننا نعتمد في أحكامنا على ما نعتقده وعلى انطباعات غير مبنية على دراسة احصائية أو مسح سكاني مع توفر كل الإمكانات البشرية والأكاديمية والمادية والمؤسساتية لأن نجري مثل هذه الدراسات لكي تكون أحكامنا ليست صادرة عن تخمين أو مبنية على أساس سوء تقدير!!

معظم قراراتنا تتخذها لجان مناقشة وليست لجان دراسة مع أننا نقول “درستها اللجنة” والواقع أن اللجنة ناقشتها بأصوات مرتفعة نابعة من انطباعات منخفضة لأنها غير مدعومة بدراسة أو مسح!!

أحياناً لأنها غير مدعومة بدراسة أو مسح!!

أحياناً نحاول أن نزين اللجنة بمجموعة من الأكاديميين من أساتذة الجامعات، لكننا لا نطالبهم بدراسات وبحوث علمية فهم يأتون بهويتهم الوظيفية وليس بناء على ما يتأبطونه من دراسات أو احصائيات أو أبحاث وبالتالي فإن استضافة طالب علم جامعي يجري بحثاً أهم وأكثر فائدة من اختيار استاذ جامعي وصل “بشته” قبله، لأننا في واقع الحال في أمس الحاجة إلى دارس لا مدرس، نحتاج إلى دراسة لا فراسة!!.

في حياتي الوظيفية التي اشتملت على أكثر من جهة دعيت واخترت في عدة لجان واعترف لكم أن معظم الاختيار أو الترشيح أو الدعوة للجنة كان على أساس وظيفي أو فراسة أو خبرة لا على أساس أني صاحب دراسة، ولأن الرفض أو الاعتذار عن الترشيح للجنة يعتبر تقاعساً وأحياناً يصل حد التمرد على من رشحك فقد قبلت ببعضها ورفضت كثيراً.

وفي اللجان التي شاركت فيها استطيع أن أعطيكم حكماً مبنياً على دراسة احصائية وليس مجرد انطباع شخصي أو تخمين وهو أن جميع اللجان التي حضرتها شهدت قرارات حاسمة وتمس شريحة كبيرة من الناس وكانت نسبة القرارات التي اتخذت بناء على آراء واجتهادات الأعضاء هي 100% وأستطيع أن أؤكد لكم أن عدد المرات التي سأل فيها رئيس اللجنة أحد الأعضاء سؤالاً هاماً هو “ما هو مرجعك، الذي تستند إليه في حكمك؟!” هو صفر!! أو صفر ونصف من المرات والرقم الأخير ليس له مرجع في الرياضيات وليس مهماً المرجع.

بنوكنا ونكتة الحكومة الإلكترونية

أكثر المتفائلين بتطبيق الحكومة الإلكترونية لدينا أعتقد أن عليه أن يعيد حساباته بناء على واقع بيروقراطي متأصل لدينا يصعب تغييره وإليكم الدليل:
البنوك يفترض أنها أكثر الجهات حرصاً على قطع دابر البيروقراطية والحرص على التحول قدر الإمكان إلى المرونة في الأداء حتى الوصول إلى حد الإلكترون، وهي تفعل ذلك عندما يعود الأمر لقبول المرونة في الأداء حتى الوصول إلى حد الإلكترون، وهي تفعل ذلك عندما يعود الأمر لقبول إيداعات وتكديس مبالغ عملاء في حسابات يشغلها البنك.

لكن تلك البنوك تعود إلى نظام العصور الوسطى عندما يتعلق الأمر بالصرف من الحساب أو التسهيل على العميل وهذا واقع للأسف حتى في بنوك ذات شراكة أوروبية يفترض أن تتأثر بالمرونة ونبذ التعقيد.

لم أتحدث عن الدليل بعد لأنه في نظري “نكتة” بنكية لأن شر البلية ليس ما يضحك فحسب، بل ما لا تجد له سبباً ومبرراً على الإطلاق لا مقبولاً ولا غير مقبول.

المعروف أن توقيع العميل هو الفيصل: ليس على مبالغ بسيطة ولكن على شيكات تحمل أرقاماً فلكية!! ومعروف أيضاً أن فواتير الخدمات اتفق على أن تسدد عن طريق البنوك وخصص في بعضها خانة لهذا الخصوص كفواتير الاتصالات مثلاً.

هذه الفاتورة بعد تعبئة العميل لهذه الخانة وتوقيعها بما يخول للبنك خصمها من حساب العميل لديه يفترض أن يتم تنفيذها بصرف النظر عن طريقة وصولها للبنك، هل تم بريدياً أو عن طريق الصراف أو منقولة بيد سائق أو حتى موضوعة تحت باب البنك قبل فتح أبوابه. فهي تفويض موقع من العميل لتسديد فاتورة باسم العميل نفسه من حساب العميل نفسه.

تصوروا بنكاً ذا شراكة أوروبية، يعيد مجموعة فواتير اتصالات موقعة من العميل وهي لهواتف باسم العميل وحساب العميل لدى البنك فعّال، ولماذا تعاد؟! لأن السائق الذي أحضرها للبنك ليس لديه تفويض رسمي أو وكالة بأن (يحمل فواتير موقعة للتسديد!!.

وأقول يحمل لأن السائق لن يقرر شيئاً هنا، هو لن يحدد البنك أو الحساب أو قرار التسديد حتى يطالب بتفويض بتسديد فواتير!! هو فقط ساعي بريد أو ناقل لمستندات موقعة متكاملة، ليس بها أي ثغرة يمكن أن يستغلها الحامل أو يحتج بها العميل ومع ذلك يصر البنك على إرسال تفويض رسمي أو وكالة، ليس هذا فحسب بل أن البنك كلف نفسه وطبع نموذج التفويض النكتة!!.

الغريب أن مؤسسة النقد لا تتدخل مطلقاً فيما يمارس من تضييق على العملاء وتعقيد لإجراءاتهم رغم علمها أن البنوك تعيش على خيرات العملاء وخيارهم الرافضين للأرباح ولا تقدم لهم أي تسهيلات خاصة تلك التي تحتمل المجازفة، علماً أن مثالنا هذا لا مجال فيه للمجازفة مطلقاً وما يحدث تجاهه ما هو إلا مثال على أن التعامل عن طريق الحكومة الإلكترونية حلم قد يستحيل تحقيقه إلا إذا كانت الجهة ستطلب منك إحضار جهازك المحمول لتصوره مع بقية المستندات وتطالب بختم العمدة على شاشة جهازك ثم تقوم بإدخال المعلومات أمام الموظف ليقال أننا نعمل إلكترونياً.

تفجير المرور.. براءة المناهج

ضحايا تفجير مبنى المرور في شارع الوشم سواء منهم من استشهد أو أصيب أو روع أو تعرض لخسائر مادية، من هم؟! نحن نعلم الجواب، ومن خطط لاستهدافهم يعرف، ومن قدم حياته ليفجرهم بها كان يعرف ثم تعرض لشيء ما من التلاعب بالصورة في ذهنه وتفكيره وذاكرته، تلاعب استغل وبخبث مرحلته السنية وقصر تجربته في الحياة وسهولة تشكيل تفكيره ورؤيته، خاصة في ظل ظروف وإرهاصات وضغوط وظلم تتعرض له الأمة أجمع وربما كانت تتعرض له أسرة ذلك الذي حول من إنسان عادي إلى إنسان آلي مبرمج.
الدليل يكمن في إجابة من هم ضحايا التفجير في شارع الوشم؟!

إنهم مسلمون، عرب، مواطنون فرغوا من أداء صلاة الظهر، ومنهم من بقي في المسجد لأداء السنة ومنهم من بقي يتلو آيات من الذكر الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومنهم من خرج بعد أن تلى الأدعية المستحبة بعد الصلاة وآية الكرسي ورجع إلى مكتبه ليحلل راتبه حتى موعد بدء الانصراف الثانية والربع ظهراً.

معظمهم كما هي العادة خشي أن تدركه صلاة العصر قبل أن يصل إلى منزله فتوضأ وتطهر وردد الشهادة.

منهم من كان عيناً ساهرة ليأمن ذلك المفجر منذ أن كان يحبو بين أحضان أمه وأبيه اللذين عصاهما وهجرهما وقال لهما أكثر من “أف” بسبب ما أحدث فيه من تغيير عجيب يصعب على الجميع تخيله!!

من الضحايا من كان يعول عشرات الأيتام ويصرف على عشرات العاجزين والقصر ويتصدق على عشرات المساكين.

من الضحايا مدني جاء ليعقب على مجموعة إجراءات مرورية ليحصل على قوت يومه وعياله ووالديه ومنهم آخر كان يستعد لإلقاء محاضرة دعوية إسلامية وإرشاد ونصح.

منهم مؤذن يصدح بذكر الله وإمام مسجد يمضي جل وقته في الصلاة والعبادة والنسك، يدعو المسلمين بالأمن في الأوطان وعلى أعدائهم يقنت ويدعو عليهم بالدمار ورد الكيد في النحر.

ليس بين هؤلاء معقب أمريكي جاء لتجديد رخصة عملائه ولا خبير أمريكي في علم تصوير رخص القيادة ولا كاتب (معاريض) بريطاني يفترش الرصيف لترجمة طلب رخصة القيادة.

مخطئ، في نظري، من يقول بأن ثمة “تحول” في طريقة وأهداف الإرهابيين، فهي لم تتحول قط لكنها أولويات جرى ترتيبها حسب عنصر المفاجأة والفرص والثغرات المتاحة ومحاولة الضرب على وتر الدين الذي هو من كل ما يحدث براء!!.

المبادئ المبنية على معتقدات دينية حتى لو كانت خاطئة أو مثار جدل وموضع خلاف لا تتغير ولا تتنازل ولا تبيح اليوم ما حرمته بالأمس حتى ولو كانت مفاهيم مبنية على فتاوى خاطئة!! إلا على افتراض واحد نسبته ضئيلة وهو أن عامل صغر السن لعب دوره عندما تخلى أصحاب الفتاوى التكفيرية على أولئك الأحداث فكرياً والقصر ذهنياً وتم عزلهم عنهم وعزلهم عن المجتمع والتضييق عليهم فأصبحوا يفتون لأنفسهم بجواز تغيير أهدافهم بل والتفجير لمجرد إحداث انتحار مدو ليس فيه الجهاد الذي صور لهم وغرروا به، وإذا كان هذا الافتراض صحيحاً فعلى من أفتاهم أول مرة أن يدرك حجم العبث الذي مارسه مع قاصرين فكرياً أوقفهم في منتصف طريق تحيط به الهاوية من كل مكان.

ولأننا أجبنا سلفاً على السؤال الأهم وهو من هم ضحايا تفجير شارع الوشم فإن علينا أن نعترف ببراءة المناهج مما حدث، تلك المناهج التي درسناها جميعاً ونجحنا فيها جميعاً وحفظناها عن ظهر قلب لا علاقة لأي نص فيها باستباحة دم أي من ضحايا تفجير مبنى المرور لا بالفهم ولا بسوء الفهم.

إن المناهج كانت ضحية ترتيب الأولويات على جدول الإرهابيين وأن تحميل مناهجنا مسؤولية ما حدث ويحدث خاصة من قبل الإعلام الأمريكي انما يعكس سطحية واستعجال الأمريكيين وتسرعهم وهو ما يبدو جلياً في ما تكشفت عنه تحقيقات اللجنة المختصة بأحداث 11سبتمبر واعتراف عدد من مسؤولي الأمن القومي والاستخبارات بسوء التقدير والتفسير الذي يعاني منه الأمريكيون. هذا وبطبيعة الحال إضافة إلى تحينهم الفرص لتحميل الإسلام ومناهجه مسؤولية أي حادث أو فعل هو منه براء.

التلفزيون وأبطال البجادية

في زمن عز فيه الشكر، وكثر فيه النقد والتجريح أرى “والله أعلم” أن علينا أن نرسخ ثقافة الشكر والامتنان والتكريم وإبراز الكفاءات المخلصة في كل مجال سواءً كان أمنياً أو إدارياً أو مهنياً وفكرياً.
هذا إذا أردنا أن نحذو حذو دول متقدمة عملت جاهدة ومن خلال إعلامها الرسمي وغير الرسمي أن تعطي كل ذي حق حقه وتعمل كل ما من شأنه الترغيب في بذل الجهد والإخصلاص للعمل وخلق روح التنافس بين العاملين وتغيير أجواء الإحباط والركود وردود الفعل السلبية إزاء النجاح.

في هذه الجريدة “الرياض” وفي عدد يوم الاثنين 22صفر 1425هـ نقل لنا الزميل محمد الفارس من البجادية خبر عمل بطولي استطاع من خلاله عدد من رجال الدفاع المدني بتوفيق من الله إنقاذ حياة تسع معلمات وطالبتين وسائق حافة نقل المعلمات بعد أن أشرفن على الموت بفعل مداهمة السيول الجارفة للحافلة وإغراقها بالكامل إلى حد أصبح معه سقف التنفس للضحايا محدوداً جداً وبدأ العد التنازلي لحجم الهواء المتاح لهن يمر سريعاً مع وصول منسوب المياه إلى سقف الحافلة. وحسب الخبر فإن الإمكانات كانت محدودة جداً لا تعدو سيارة (وايت) ولفة من الحبال، لكن أولئك الرجال بذلوا أنفسهم وأقدموا على الشهادة واستغلوا ذكاءهم الفطري حيث يبدو من الصورة أنهم لم يكونوا مجهزين حتى بملابس السباحة، ناهيك عن أدوات الغوص والأكسجين فعندما رأوا أن سحب الحافلة بمن فيها بات مستحيلاً وأن الركاب سيغرقون أمام أعينهم، توكلوا على الله وأقدموا على الشهادة وجعلوا من ذلك “الصهريج” مركبة برمائية ودفعوا به وهم من فوقه في عمق المياه مجاوراً للحافلة الغارقة واستخدموا الحبال لنقل الضحايا من مركبة غارقة مغمورة بالمياه إلى أخرى أرفع بقليل لكنها ومن عليها تحت خطر الغرق في أي لحظة وتمكنوا من إنقاذ جميع من في الحافلة وعددهم اثنتا عشرة نفساً بشرية، من أحيا واحدة منها فكأنما أحيا الناس جميعاً.

علينا أن نسأل أنفسنا، ماذا لو كانت الصورة المنقولة عبر “الرياض” تمثل حافلة دخلتها المياه وتسبح بداخلها اثنتا عشرة جثة مات أصحابها موتاً بطيئاً أمام أنظار رجال الدفاع المدني بسبب ضعف الامكانات؟! أجزم أن الصحافة المكتوبة ستتحدث وعلى مدى شهر كامل عن عقوبات وإقالات وإعفاء وسجن لكن هؤلاء الأبطال أنقذوا الضحايا وأنقذوا معهم عشرات المسؤولين!!.

ألا يستحق هؤلاء أن نكرمهم؟! ألا يستحقون ظهورهم على شاشات التلفزيون المحلي وإجراء الحوار معهم كما نفعل مع لاعب كرة قدم جلب لنا لقباً أو أنقذ هدفاً؟!.

إنني أشفع بعلاقة الحب والإعجاب التي تربطني بشباب قناة الرياضة (قناة الشباب) وقناة الإخبارية وهي علاقة حب لم تتجاوز كتابة حرف أو اتصالاً هاتفياً لكنها كانت كفيلة بأن يتجاوب أولئك الشباب مع اقتراح طرحته في هذه الزاوية بعنوان (فلم بطولة البطالة) خلال أقل من ثلاثة أيام ويطبقون ما اقترحته بحذافيره نحو استضافة ضحايا البطالة في ملعب كرة قدم وشرح معاناتهم وهي حلقة لا تزال راسخة في أذهان الناس تمثل قمة الشفافية والعمل الصحفي المهني التلفزيوني الذي كنا نفتقده قبل أن نفتح صدورنا لعدد من الشباب الذين لا يقل حماسهم وإخلاصهم ومهنيتهم عن وسامتهم وبشاشتهم.

إن أسماء أبطال البجادية وتحديداً مدخل هجرة الريشية يفترض أن تتصدر وسائل الإعلام مثلما زينت أسماؤهم خبر جريدة “الرياض” وهو ما يسجل للزميل المتابع محمد الفارس ولقسم المحليات في الجريدة.

وأتمنى أن نراهم في التلفزيون يتحدثون بفخر عن حبهم لمهنتهم وأن يكون علم هذه البلاد خلفية وديكوراً جميلاً للحوار لأن ترسيخ حب هذا العلم هو حب للوطن ولأهله مبني على كلمة التوحيد بلا مجاملة ولا نفاق إلا لمن استحق المجاملة والإطراء والتكريم.

الاقتراح أعلاه أسوقه للزملاء في القنوات الفضائية المحلية الجديدة وما يقال عن تكريم أولئك الرجال يقال بحذافيره عن غيرهم من رجال الأمن الذين يخاطرون بأنفسهم يومياً كي نأمن نحن.

الصحة الإجبارية

في لقاء جمعني بمعالي وزير الصحة وتشرفت خلاله بحديث مطول مع معاليه وعندما أقول “تشرفت” لا أقولها محاباة أو مجاملة ولكن لأنه يشرفني حقاً أن أتبادل أطراف الحديث مع من هو في مثل وطنية وحماس ذلك الرجل الذي يحمل هم صحة أبناء هذا البلد معه أينما ذهب فالواضح أنه لا يكترث بحمل اللقب بقدر حمله للهم وهذا أمر مشرف.
كان اللقاء بحضور طبيبين مخلصين يحملان أيضاً هم مرضى السكر هم الدكتور خالد الربيعان والدكتور عبدالرحمن النعيم فزادني شرفاً أن أشترك في الحوار الذي أشعرت بأن لبه ليس للنشر أو لم يحن نشره بعد فلم ولن أنشره، أما الموضوع الجانبي فهو ما شاركتهم به برأيي المتواضع جداً قياساً بتخصص الثلاثة وفكرهم الصحي.

قلت وأقول إن مجتمعنا ومن واقع تجارب عديدة لا تكفي معه مجرد التوعية فقط، بمعنى أن التحذير من بعض العادات الغذائية وعلى رأسها “الهمبرجر والوجبات السريعة والمشروبات الغازية” لا يكفي وحده للحد من انتشار مرض السكر من النوع الثاني خاصة في سن الشباب أو الأطفال فوق 12سنة، وأن مجتمعنا يستجيب بصورة أكبر لثقافة الإلزام من ثقافة النصح والتوعية في كل شيء حتى فيما يتعلق بصحة الفرد وهو بذلك ليس المجتمع الوحيد فتجربة الإلزام نفعت أكثر من التوعية في مجتمعات مارست كل أصناف التوعية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً لم تنخفض نسب المدخنين بهذا الشكل الكبير جداً القريب من الصفر المئوية بسبب التوعية، بل حدث ذلك عندما أصبحت شركات التأمين الصحية ترفع بوليصة التأمين على المدخن أضعافاً مضاعفة بل وتضعه ضمن من لا تقبل التأمين على صحتهم وأصبح التدخين محرماً عملاً لا قولاً في كل الأماكن العامة والخاصة والحكومية بحيث أصبح المدخن معزولاً جداً يصعب عليه ممارسة هذا السلوك الخطر بشكل يساوي تعاطي المخدر.

بينما نحن لا زلنا ننهى ولا نلزم بشكل يوحي بعدم الجدية أو لا يشعر بدرحة الخطورة فحتى في مطاراتنا حيث يمنع التدخين لا تجد من يمنع المدخن حتى لو أشرت إليه مشتكياً.

وفي مجال العادات الغذائية الضارة لا تزال المدارس الحكومية والخاصة تمارس الترويج لها رغم النهي غير الجاد وغير المدعوم بالمتابعة.

أرقام مرضى السكر مخيفة في مجتمعنا وظاهرة السمنة المفرطة للطلاب لا تحتاج لبحث مضن، فأنت تراها عند الخروج من المدارس بل حتى عند إشارات المرور حيث تئن عجلات السيارات العائلية تحت أوزان مخيفة.

مستقبل الأجيال القادمة مخيف جداً، بل إن حال تكلفة الرعاية الصحية في الحاضر يتطلب أرقاماً فلكية لا يمكن مقارنتها بما يخصص لها في الميزانية من رقم محدود ربما بني على أساس الثمانينات، وإذا استمرت الحال على ما هي عليه فإن علاج مضاعفات ما نسميه “عدم وعي المواطن” سوف يفوق كل الإمكانات المتاحة أول الأرقام التي تخصص بشكل غير واقعي.

قلت ولا زلت أقول إننا يجب أن نتبع سياسة الإلزام جنباً إلى جنب مع التوعية وعلينا أن لا نتوقع الكثير من الثانية لأن الأولى هي الأنسب لطبيعة مجتمعنا وهو ما جربناه مع ربط الحزام في السيارة ومنع استخدام الجوال في الطائرة ومؤخراً الفحص قبل الزواج.

هل ثمة ما هو أخطر على الحياة وأكثر ترويعاً من حدوث خلل في كومبيوتر الطائرة بسبب تشغيل الجوال ومع ذلك لم يرتدع بعض الركاب إلا بعد أن أصبح مخيراً بين قفل الجوال أو النزول من الطائرة.

لم أكتب ما دار بين الوزير وبيني لأعيد اقتراحه على معاليه، فالوزير بدا مقتنعاً بالفكرة أو الطريقة، وإنما أكتبه علني أعين معاليه على سرعة وقوة التنفيذ فالهم كبير ومتشعب وأطرافه متعددة وبعضها من ذوي المصالح ممن يصعب عليهم قبول ما يخدم مصلحة الوطن والجماعة على حساب ما يعتقدون أنه مصلحتهم، وكبداية أرى أن رفع الضريبة الجمركية على السجائر ليصل سعرها في أوروبا وأمريكا أصبح مطلباً ملحاً وضرورة فرض رسوم عالية على مطاعم “الجنك فود” وتحديد مواعيد فتحها لتكون في أضيق الحدود ومنع تواجد فروعها في المؤسسات الحكومية والمدارس وتشديد الرقابة على مكونات الوجبة ومنع الهدايا المجانية من المشروعات الغازية والترويج لها ومطالبة وزارة التربية والتعليم بممارسة دورها نحو متابعة منع المشروبات الغازية والأغذية عديمة الفائدة وعديمة القيمة الغذائية في المدارس الحكومية والخاصة وما حولها أو تكليف جهة أخرى بهذا الدور.

كما أن تفعيل دور هيئة الغذاء والدواء بطريقة جد سريعة ومباشرة أصبح مطلباً ملحاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بأسلوب إلزامي إلزامي إلزامي. بعد أن لم يعد ثمة خانة للطرق الاختيارية.

خط إبليـس السـريع

من البديهي أنه كلما ازدادت الحاجة والفاقة، كلما استشرت سلوكيات الفساد والإفساد، وغني عن القول أن الوازع الديني يقف سداً منيعاً يردع أهواء النفس البشرية عن اللجوء للسلوكيات غير المشروعة في حل الأزمات المالية مهما عظمت.
لكننا لا نستطيع أن ندعي عموم الصلاح مثلما أننا لا نستطيع تعميم الفساد.

ومنذ زمن ليس بالقريب، وتحديداً في زمن الطفرة كنا نسخر من مجتمعات لا يسير فيها أمر ولا يتم فيها إجراء إلا بدهن السير!!.

وإذا كنا قد اعترفنا بأن الفساد الإداري المتمثل في ممارسات كبرى مثل الاختلاس أو العبث بالمال العام واستغلال السلطة يعتبر مشكلة تستحق المحاربة وناقشناها بمنتهى الشفافية ونسعى للحد منها، فإن الخلل على المستويات الدنيا التي تعاني من تدني الرواتب وتزايد الالتزامات المالية بدأ يظهر بشكل مقلق، ويحتاج الى علاج من نوع آخر غير ذلك الذي يتعلق بمن يريد أن يربو ماله ويحقق ثراءً فاحشاً على حساب الوطن.

العلاج يكمن في تصحيح الأوضاع لتحول دون الفاقة ونعني جعل أجور الوظائف الدنيا تتناسب مع الالتزامات المالية المتزايدة وارتفاع الكثير من الرسوم واحتياجات العيش في مستوى متوسط أو أقل من المتوسط دون اللجوء لرفع رواتب الوظائف العليا وهو ما سبق أن طالبت به كثيراً مدعياً أو معتقداً أن زيادة الرواتب لا يشترط أن تكون لجميع المستويات الوظيفية طالما ان المراتب العليا والوزارية تفوق دخول ومميزات موظفيها احتياجات ومتطلبات العيش المرفه جداً وتتسبب الزيادة الجماعية في ارتفاع الأسعار وتكاليف الخدمات وخلافه.

والى جانب معالجة موضوع الدخول المتدنية فلابد من التركيز على جانب الوعظ الديني، لكن جانب سد الذريعة الدنيوية يبقى مهماً جداً فالشيطان نهاز للفرص وعندما تنسد الدروب في وجه الإنسان فإن إبليس ينثر لوحاته ودعاياته في الخط السريع.

إن ثمة أموراً يجب أن نكون أكثر جدية وسرعة في فرضها ومتابعتها ومنها على سبيل المثال لا الحصر فرض حد ادنى للأجور فالمطالبة بالسعودة وحدها لا تفكي دون وضع حد أدنى لأجر الموظف السعودي في القطاعين الحكومي والخاص، إلى جانب زيادة فرص العمل في الوظائف الرقابية خاصة الدنيا منها، وهي الوظائف التي قد تكون عرضة للإغراء بالرشوة أو عرضها من قبل الموظف فوظيفة المراقب سواء في البلديات أو الصحة لم يطرأ عليها زيادة في عدد الوظائف رغم الزيادة الكبيرة في أعداد المؤسسات المستهدفة سواء المطاعم أو محلات بيع المواد الغذائية والمستشفيات والمستوصفات والصيدليات ومحدودية أعداد المراقبين وتدني دخولهم تجعلهم عرضة للإغراء كما تجعل منهم مستغلين لوظائفهم وهو ما تشرحه شكوى بعض اصحاب المؤسسات من الملتزمين والمستقيمين من أن بعض المراقبين تعود على دهن السير بسبب أو بدون سبب حتى لو اختلق مشكلة غير موجودة.

إذا كانت البطالة سبباً رئيساً لتزايد حوادث السرقة فإن تدني الأجور سبب هام في حدوث الفساد في الوظائف الدنيا.

فِـلم بطولـة البـطالة

مما شاهدته وسمعته (إما بحكم العمل الإداري أو بحكم الفضول الصحفي) من حاجة بعض أبناء هذا الوطن للعمل، اي عمل، ومعاناتهم من البطالة القاتلة وربما فقرهم وافتقار أسرهم لأبسط سبل العيش والتعايش مع مستجدات هذا العصر المادي بفواتيره وارتفاع اسعار مستلزماته الأساسية من غذاء ووقود ووسائل تدفئة أو تبريد ووسائل تنقل بين الأطراف المترامية.
أقول مما شاهدته وسمعته أجدني مضطراً إلى اقتراح تكثيف العمل الإعلامي لنقل الصورة الفعلية لهذا الواقع الأليم ولتكن المبادرة من القناة الرياضية التي تابعت من خلالها عدة أعمال صحفية ميدانية جيدة ومكلفة مثل حلقة “وين رايح” التي لا يمكن مقارنة الهدف منها ومردودها بحلقة عن البطالة ونقل معاناة شباب يبحث عن أي عمل ويعاني من هستيريا البحث عن مصدر رزق ثابت.

أعتقد أن الشريحة المستهدفة بالتوعية بهذا الواقع الخطير هم شريحة رجال الأعمال والقطاع الخاص بصفة عامة، ولا أقصد هنا التوعية الروتينية المتمثلة في الحث على السعودة وتوفير وظائف للسعوديين.

أريد من صحفي تلفزيوني بارع ومخرج وطني متحمس أن يجمع عدداً من الشباب في مكان محدد “لابد أن يكون المكان كبيراً بحجم ملعب كرة قدم ليتسع للأعداد الكبيرة التي سوف تتوافد” ويدع الميكرفون والكاميرا تنقل مشاعر التوسل والرجاء والألم الذي يعيشه كل واحد منهم وتترك له الحرية ليصف حجم المأساة التي يعيشها بسبب البطالة واستعداده للقيام بأي عمل شريف وعدم منحه تلك الفرصة في وقت تدق أرقام العمالة الوافدة من كل حدب وصوب أجراس الخطر من كل النواحي الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

أريد من المخرج أن ينتقي عدداً ممن يصفون معاناتهم وتصاحبهم الكاميرا إلى حيث يقيمون وتنقل معاناة أسرهم ووصف جيرانهم لمعيشتهم وكيف أن البطالة حولتهم إلى قنابل موقوتة يسهل على كل من أراد أن يعبث بها ويوسوس في عقول أفرادها.

نريده فلماً وثائقياً سريعاً عله يحرك المشاعر الساكنة والضمائر النائمة في الشركات والمؤسسات والشركات العائلية التي لازال أصحابها يعيشون على أنقاض حجة قديمة واهية مفادها أن المواطن السعودي لا يقبل إلا بعمل إداري مريح.

أريد لهذا الفلم ان يعرض في كل منتدى اقتصادي وكل مؤتمر وندوة او تجمع لرجال الأعمال لأنهم بحق في حاجة لتوعية فعلية وتجديد لأفكار قديمة، بحاجة لأن يروا ما رأيت ويسمعوا ما سمعت!! لقد رأيت شباباً أضناهم البحث عن وظيفة حتى دب فيهم اليأس وأصبحوا لا يصدقون عندما تقول قبلناك فيصاب بحالة هستيرية كمن وجد راحلته بعد طول ضياع وعطش وإرهاق.

من يسعفني؟!

لازال الناس يعانون أشد المعاناة من رفض المستشفيات والمستوصفات الخاصة للحالات الإسعافية بحجة أنها حالات حرجة في نظر أطباء الإسعاف في القطاع الخاص ومعظمهم من المتعاقدين الذين يقعون تحت ضغط شديد من المالك أو الملاك يتمثل في التشديد على الأطباء بعدم قبول الحالات الإسعافية بحجة أنها تشكل عبئاً على كاهل المستشفى أو المستوصف!!.
الملاك يستغلون أسوأ استغلال عدم وجود تعريف واضح وصريح للحالة الحرجة أو الحالة الإسعافية وهو غياب طال كثيراً لهذا التعريف وعدم وجود مواصفة واضحة (كريتيريا) للحالات التي يعتبر المستشفى أو المستوصف الخاص ملزماً بقبولها وهذا الغياب أدى إلى اعتبار كل الحالات أو جلها حالات غير إسعافية وغير حرجة في نظر الملاك وليس العكس أي ليس اعتبار جميع أو جل الحالات إسعافية أو حرجة، وانعكاس المفاهيم هذا شأنه شأن كثير من الممارسات يعود إلى أن الطرف الأقوى هو التاجر!! فهو من يستطيع فرض ارادته على مواطن أو مقيم فجع بإصابة لأحد أفراد أسرته وليس في وضع يسمح له بالتفاوض أو حتى الشكوى “هذا إن وجد من يستقبل شكواه”.

المستشفيات الحكومية هي الأخرى أصبحت مستشفيات قطاعات خالصة لا تقبل معالجة غير منسوبي القطاع وتحد كثيراً من قبول الحالات الطارئة لكنها تتميز عن المستشفيات الخاصة بأن القرار لا يتدخل فيها الجانب المادي التجاري والأمر متروك لقرار طبيب الإسعاف لكن هذا القرار محفوف بقلق يرجح جانب رفض الحالة وليس كما في السابق حين كان إسعاف المصاب وإبقاؤه عدة ساعات أو استضافته منوماً عدة أيام للتأكد من سلامته تماماً هو السائد.

لقد كنا أجمل كثيراً حينما كان أطباء المستشفى يحاولون إقناع قريب المريض أو هو نفسه بالبقاء للتأكد من سلامته وكانت المستشفيات تشتكي من أن “عدم وعي” بعض المرضى أو أقربائهم يجعلهم يصرون على خروج المريض ضد المشورة الطبية.

أما الأن فإن الشكوى قد تحولت إلى “عدم قدرة” المريض على الحصول على الرعاية الطبية التي يحتاجها ويستحقها.

إن من المرفوض وغير اللائق أن ينتقل أب بابنه المصاب في المقعد الخلفي لسيارته يبحث عمّن يسعفه وأن نتحول في غمضة عين من حالة “من يقنعني ؟” إلى وضع “من يسعفني ؟!”، كل هذا ونحن نقف في مصاف الدول المتقدمة في المجال الطبي.

والصيدليات لا تناوب

هدية للصحة ملاحظة تهديها زاوية بصوت القلم للرقيب في صحة الرياض إذا كان ثمة رقيب، فالصيدليات الأهلية التي تزين لوحاتها الكبيرة جداً بعبارة “خدمة 24ساعة” تغلق أبوابها صباح يوم الجمعة تماماً منذ الفجر رغم أن الإقفال للصلاة يفترض أن لا يبدأ قبل العاشرة والنصف وغني عن القول أن مرضى الضغط والسكر وغيرهم يفترض أن لا ينقطعوا عن الدواء ساعة واحدة ناهيك عن أمراض الأطفال والأمر لا يحتاج إلى ترجل الرقيب من سيارته فالسلاسل واضحة وإذا كان الأمر كذلك فإننا نسحب المطالبة بمنع بيع الدواء في البقالات ولا مانع من بيعه في “كل شيء بريالين” ويؤسفني كصيدلي أن نرضخ لذلك.