الكاتب: محمد الأحيدب

حقب الفقاقيع

أحسب أننا أصبحنا أكثر توجهاً للمظاهر والظهور من أي وقت مضى، وهذا مؤشر إلى تناقص الجوهر!!

كلما زاد الحرص على المظاهر فإنه إنذار مؤكد بندرة الجواهر.. وكلما غلب التوجه للظهور فإن في ذلك دليلاً على هشاشة البنية، فلا يطفو للسطح إلا المواد الخفيفة (فلين، خشب، وقشور)، حتى الجثة لا تطفو على سطح الماء إلا بعد أن تتعفن وتنتفخ!!، قبل ذلك وعندما تكون محافظة على تكوينها البشري وجوهرها فإنها تبقى في القاع.

الفقاقيع هي الأخرى تطفو إلى السطح بسرعة فائقة تفوق أي شيء آخر له وزن ثم ما تلبث أن تنفجر وتختفي.

في تاريخنا مع المظاهر والظهور مررنا بحقب عديدة “إن صح التعبير وجاز استعارة الحقبة كمرحلة”.

حقبة التباهي بالسيارات فكان هدير الثماني والاثني عشر “سلندراً” يعلن عن مرور فقاعة!! في شارع ضيق، وكان الطريق بمبانيه وأرصفته يرتجف من شدة التنافس بين “جاكوار” و”فراري” و”بنز”، لكن “الفولكس واجن” والعراوي وحتى الدباب كان سيجد نفس المساحة للسير بسرعة أقل ربما لأنه كان يحمل فكراً أثقل!!

ثم جاءت حقبة التباهي بالخدم والحشم وحاملة الشنطة وحامل البشت، لكن تأشيرات الاستقدام وزهد أجر العمالة الآسيوية كان كفيلاً بإنهاء هذه الحقبة وبسرعة وتقليل فرص التميز.

بعدها جاء السفر عنصراً لادعاء التميز وللأسف فإننا في سفر التنافس لم نحقق واحدة من فوائد السفرالسبع لأن أياً منها لم تكن الهدف!! كان الهدف “رحنا جنيف”، “رحنا لندن”، “كنا في باريس” لم يكونوا يسافرون إلى “كوبنهاغن” ربما لصعوبة نطق الاسم مما يلغي فرصة التباهي.

ثم أصبح الاسمنت والأدوار وسيلة تحد لا بأس بها فهي على الأقل تضيف فناً عمرانياً ومؤشر نهضة اسمنتية.

واليوم سيطر الظهور كثيراً على المظهر فأصبح الظهور الإعلامي هو مؤشر سباق المظاهر.

أصبحنا ظاهرة إعلانية في قصائدنا وشكرنا وصدقاتنا وتهانينا وأفراحنا وأتراحنا وكل ما أخشاه بأن تتحول الفضائيات العربية من الإعلانات التجارية إلى إعلانات التهاني وشعر الثناء وعبارات الإطراء والشكر على زيارة والتعبير عن امتنان.

الغريب أن حقب التنافس تلك لم تشهد تنافساً على تحصيل علمي أو نبوغ فكري أو اختراع بل ربما شهدت مثل هذا التنافس لكن كونه من العيار الثقيل لم يكن يطفو إلى السطح، فلم يكن مجرد فقاعة أو فلين!!

اللجنة الموبّخة

عاتب معالي وزير التجارة أعضاء اللجنة الدائمة لسلامة الأغذية المشكلة بموجب الأمر السامي رقم 1916/7/م وتاريخ 1416/11/11هـ وذلك لأن اللجنة تأخرت في إصدار التوصيات بشأن عدة مواضيع هامة ومن أهم هذه المواضيع تواجد مادة “الأكريلاميدا” المسرطنة المتواجدة بالأغذية المحمصة والمحمرة والتي سبق ان أعلن علماء سويديون في نهاية العام الماضي انها تتواجد في بعض الأغذية مثل القهوة المحمصة والبطاطس المقرمشة.

وقد جاء العتاب الحامل للتوبيخ بعد أن مرت ثلاثة أشهر على إحالة الموضوع للجنة الدائمة للأغذية ولم تتخذ توصية قاطعة فيه إلا انها أوصت منذ ثلاثة أشهر ماضية بتشكيل لجنة من وزارة الصحة والتجارة والشؤون البلدية والقروية والهيئة العربية للمواصفات والمقاييس لدراسة هذا الموضوع كتابيا وميدانيا.

وقد أفادت مصادر جريدة الجزيرة التي نشرت الخبر يوم الاثنين الماضي 1423/11/10هـ ان تلك اللجنة المصغرة لم تجتمع في الأصل لرفع ما توصلت إليه اللجنة الدائمة لمتابعة سلامة الأغذية لإصدار التوصية المناسبة بشأنها.

أعجب كيف يتوقع وزير التجارة وغيره أن يعالج هذا الموضوع عن طريق إحالته إلى لجنة؟!.

هل بلغنا هذه الدرجة من التطور الصحي في مجال التشخيص والعلاج ولا نزال نعتقد ان التأكد من كون مادة أو عدة مواد غذائية مسرطنة أم مأمونة يمكن أن يتم عن طريق لجنة دائمة ليستغرق الموضوع ثلاثة أشهر يحال بعدها إلى لجنة مصغرة من عدة جهات ولا تجتمع.

هل يختلف بطاطسنا عن بطاطس العالم المقرمش؟! وهل تختلف قهوتنا عن قهوة السويد المحمصة “نستورد كل أنواع القهوة” بل لنفرض أن ثمة اختلافاً، هل يستدعي تأييد نتائج بحث علمي متخصص أو التشكيك فيه إحالته إلى لجنة؟!.

ان تحذيراً صدر مبنياً على بحث أو دراسة أجراها فريق مختص في بلد متقدم يجدر أن يبدأ التفاعل معه بإيقاف ترويج المادة أو على أقل تقدير التحذير منها أخذاً في الاعتبار الاحتمال الكبير لصحة نتائج الدراسة.

والخطوة التالية سهلة لا تستدعي ولا تحتمل انتظار اجتماع لجنة ثم اتخاذها قراراً وطباعة محضر وانتظار التوقيع عليه ثم رفعه، هذا إذا اجتمعت اللجنة ووجدت الوقت لادراج هذا الأمر في أجندة الاجتماع “عادة لا يسمح وقت اللجان لمناقشة نصف جدول الاجتماع لأن كثيراً من الوقت يعتبره الأعضاء حقاً من حقوقهم في استعراض قدراتهم على الكلام وفرض الآراء… إلخ”.

كل ما يفترض ان يحدث كخطوة ثانية هو الطلب مباشرة من مختص في هذا الفرع الدقيق من العلم إجراء مراجعة سريعة للدراسة وتحكيمها لمعرفة امكانية الاعتماد على توصياتها ثم اجراء بحث خاص على المادة المشكوك فيها، علماً أن إثبات ان المادة مسرطنة أم لا أمر يستغرق وقتاً طويلاً قد يصل إلى سنة وهذا الوقت أمضاه فريق العلماء من السويد ومع عظيم الاحترام للوزير واللجنة الموبخة فإن هذه اللجنة لو عقدت اجتماعا متواصلا لمدة سنة فلن تتمكن من الحكم على صحة نتائج الدراسة من عدمها لأن ثمة فرقاً شاسعاً بين البحث والدراسة وبين العبث والفراسة.

وأخيراً ما كان للوزير أن يوبخ لأنه ما كان للموضوع أن يقتل بإحالته إلى لجنة.

وما ذكرته أعلاه لا ينفي أهمية تشكيل تلك اللجنة الدائمة لممارسة أدوارها الممكنة خاصة تلك المعنية برسم الاستراتيجيات والنظم والاجراءات أو استشعار مخاطر بعض الممارسات الخاطئة وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى الآراء والإجماع أكثر من العمل الميداني.

سلطة المظاهر

يبرز الاعتماد على المظهر عندما تفتقد القدرة على اختبار الجوهر، وذلك نتيجة لضعف مؤهلات المخولين بالتقييم سواء كانوا على هرم المسؤولية الإدارية أو ضمن مواقع في تشكيل الهرم المعني بالتقييم أو في المجتمع بصفة عامة.

كثيرون استغلوا اعتمادنا على المظهر في تحقيق مكاسب وظيفية واجتماعية ونفوذ بل وتسلط وممارسة القوة ضد الآخرين بناء على فروقات شكلية لا تحتاج إلا إلى حفنة نقود أو زمن أو هرمون أو مسمى أو لقب مع توفر استعداد اجتماعي شبه عام لمنح فرصة النفوذ لتلك الخاصية الشكلية غير المبنية على أدنى مبرر جوهري.

الانخداع بالمظهر تزداد فرص حدوثه كلما زاد في المجتمع الاهتمام بالشكليات، بينما في المجتمعات التي لا تعير اهتماماً يذكر للشكل يستحيل أن تحقق نفوذاً أو سلطة أو مكسباً لمجرد قدرتك على التلون أو “الحرباوية” أو تقمص شكل فئة معينة لأن الفئوية لا مكان لها في تحديد النفوذ.

بمعنى آخر فإن ارتداء بنطال “جينز” لا يقلل مطلقاً من فرص احترام الشخص على انه مسؤول كبير أو صاحب نفوذ وسلطة مثلما أن ارتداء “بدلة” ثلاث قطع فاخرة لا يعني حصول الجسد داخلها على أدنى مميز أو استثناء أو حتى احترام خاص إلى أن يثبت أنه جدير به بناء على واقعه وهو عارٍ.

في المقابل فإننا نعطي للمظهر دوراً رئيساً في إصدار حكمنا الأولى على الشخص وهو طبع متأصل منذ أن مد أبو حنيفة رجله.

لو حدث طارئ يجعل مسؤولاً يقطع ممارسة الجري ويحضر إلى مقر عمله مرتدياً بدلة الرياضة، مثلما حدث ذات مرة لمسؤول لا تنقصه الشهرة، فإنه يجد صعوبة بالغة في الدخول ناهيك عن فرض احترامه ونفوذه المعتاد عندما كان يتجول بالبشت!!.

في المقابل فإن البشت كان ولا زال تصريح دخول من الفئة “أ” لكل دائرة ومكتب حتى أن مدير المكتب وهو بواب أنيق يعترف أن قمة الحرج والتردد تحدث أمام الجسد المغلف ببشت!!.

وأعرف حامل بكالوريوس صنف وظيفياً ضمن حملة الدكتوراه لأن من حوله كانوا ممن ينادون خريج أي كلية صحية بلقب دكتور وقد أحيل للتقاعد دون أن يكتشف جهازه أنه مجرد حامل للبكالوريوس.

وهرمونياً قد نحكم على الأمرد بأنه مثقف لأن حلق الشنب واللحية صفة ارتبطت شكلاً بفئة تدعي الثقافة.

وهرمونياً، زمنياً، فإن خروج الشعر بغزارة لا يستغرق أكثر من سجن ثلاثة أشهر ومع ذلك فإن نموه قد يمنح الشخص سلطة ونفوذاً لا يشق لهما غبار.

وأخيراً فإنه يكفيك أن تستعير سيارة فخمة لتدخل من كل البوابات دون معارضة في حين قد يمنع برفسور من دخول مواقف الجامعة لمجرد أنه اضطر للحضور في “وانيت”.

أرجو أن نكون بفعل تراكم الخبرات والتجارب والزمن قد تعلمنا أن المظهر ليس أساساً للحكم على الأشخاص وأنه يمكن أن يستغل استغلالاً خطيراً وأن نكون أكثر حرصاً على طلب ما يثبت جوهر الشخص قبل الحكم عليه سلباً أو إيجاباً.

النشالون الثلاثة

سوف أروي لكم المواقف وأترك لكم ولجميع الجهات المعنية أمر التفكير في الحلول واتخاذ الخطوات الاحترازية والعقوبات الرادعة لمنع تفشي هذه الظاهرة التي يجسد الموقف أحد أمثلتها لكنه بالتأكيد ليس المثال الوحيد.

بعد صلاة الجمعة في أحد مساجد مدينة الرياض الكبيرة حيث يعرض عدد كبيرمن الباعة بضاعاتهم المختلفة حول المسجد ويتم التسوق في وضع اعتبره جيداً بل محبوباً لأنني من محبي أسواق ما بعد صلاة الجمعة وأحسبها تذكرنا بأسواق البيع في القرى بعد الصلاة فيما يسمى بالمجلس في القرية (ربما لأنه يحتوي على كراسي لجلوس كبار السن مبنية من الطين تحيط بالسوق الصغير من جهاته الأربع).

أقول في ذلك السوق تم القبض في أقل من ساعة على ثلاثة نشالين بحوزة كل منهم عدد من المحافظ كاملة بكل محتوياتها من نقود وبطاقات صرف آلي وبطاقات أحوال ورخص قيادة وخلافها.

الموقف لم يخل من الطرافة، فبعد أن أودع رجل الشرطة النشالين في المقعد الخلفي للسيارة خرج ومعه كم هائل من المحافظ وبدأ في قراءة أسماء أصحابها من واقع البطاقات (فلان الفلاني) والرجل يرد (حاضر) ثم يخترق الزحام حول سيارة الشرطة لاستلام محفظته).

ما حدث مضحك مبكي، المضحك، توزيع المحافظ وتفاعل الناس مع عملية التوزيع بتلاوة الأسماء وما كان يحدث تلك اللحظة فمن هول عدد المحافظ كان كل منا يتلمس جيوبه ليتأكد من وجود محفظته بل ان أحد “الصحاح” كان يصرخ في من حوله “اسكت نسمع لا يعد أسمى”، رد عليه “ياخي فتش جيوبك أسرع!!”.. أما المبكي فهو أن يستشري النشل في مجتمعنا الذي صممت جيوب ثيابه على أساس الأمن الدائم، وعدم التفكير في أمر السرقة كمشكلة، تماماً كما هي بيوتنا في السابق حيث مفتاح الخشب والمجرى الذي يمكن فتحه بمجرد ادخال الذراع خلفه، وجدران السطوح المتلاصقة المنخفضة إلى درجة سماع شخير النائمين في السطوح ناهيك عن آهاتهم!!، “صرخ احدهم بصهره المجاور ذات ليلة قائلاً تكفى ارفق يا بوفلان!!”.

من الملاحظات المبكية أيضاً في موقف النشل ذلك عدم تجاوب المنشولين مع ضابط الشرطة بمرافقته لدائرة الشرطة لتحرير محضر شكوى، فكل من استعاد محفظته قبلها وذهب، ولو كنت مكان ذلك الضابط لما أعدت المحافظ إلا في مركز الشرطة ولو كنت صاحب قرار لرفعت من مستوى عقوبة السرقة إلى أقصى حد رادع لأنها وعلى ما يبدو أصبحت مشكلة وطنية.ولو كنت مكانكم مواطنين عاديين أو مسؤولين لفكرت في أسباب انتشارها والحلول لهذا الموقف المضحك المبكي.

أغرب شكر!!

يا لهذا القطاع الخاص، كم هو خاص جداً، خاص في ذكائه وفي اكتشافاته وفي معايشته للظروف والمتغيرات وتكيفه حتى مع طبع المسئولين ورغباتهم!!

هذا القطاع الخاص لم يكتف بدراسة ميول ورغبات وطباع المستهلك ويستغل الإعلان لمخاطبة احتياجاتهم ومداعبة مشاعرهم وإشباع نهمهم وأهواء نفوسهم وحسب، بل فعل الشيء نفسه مع المسئولين، بل لعله أصبح يوظف الإعلان لإشباع رغبات المسئول أكثر بكثير من الشريحة المستهدفة من العملاء، وكأنه اكتشف وبسرعة توجه البعض ورغبتهم الجارفة في التواجد إعلامياً!!

قد يعتقد البعض أن شكر وزير أو نائبه أو هما معاً على اعتماد افتتاح منشأة تجارية. أمر لا يضر!!، لكن الواقع انه مؤشر خطير جداً وتوجه ينم عن تخلف يعكس صورة سيئة عن المجتمع، قد تكون صورة ظالمة غير حقيقية من تلك الصور الكثيرة التي يرسمها البعض فتسيء للكل.

الواقع أننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو تقليص البيروقراطية والمركزية في كثير من اجراءاتنا بما يوحي أن الوفاء بمتطلبات الجودة هو المحك الحقيقي لاعتماد دخول القطاع الخاص في معترك التعليم أو الصحة أو غيرهما من المسئوليات التي كانت الدولة تضطلع بها وحيدة دون مقابل.

وأن تلجأ منشأة تعليمية تجارية إلى الإعلان لكافة الناس انها تشكر وزير المعارف ونائبه على اعتماد افتتاحها فإن في ذلك تصويراً للناس في الخارج قبل الداخل ان افتتاح معهد في بلادنا أمرٌ فيه الكثير من العوائق البيروقراطية التي تستوجب الشكر وتجعله مديناً طوال عمره المديد إن شاء الله لمعالي الوزير ونائبه.

وقد يصور الإعلان للناس في الخارج أننا بلغنا مبلغاً من المداهنة يجعل مثل هذا الإعلان مطلباً أو فرض عين على كل راغب في ترخيص بصرف النظر عن الوفاء بمتطلبات الجودة والكفاءة “وهو أمر نحن منه براء”.

وقد يعتقد آخر ان ثمة صعوبات تكمن في اعتراض من جهات منح الترخيص نتيجة عدم اكتمال المتطلبات ذللها المسئول فاستحق عليها الشكر علناً وهذا فيه إحباط لكل من اجتهد وطالب بتطبيق النظام.

إضافة إلى ما ذكر فإن هذا السلوك يشيع روح المداهنة العلنية الممقوتة وقد يجعل منها على المدى الطويل عادة سيئة تضاف إلى عادات دخيلة كنا نأمل في أن تختفي في عصر الشفافية والمصارحة وانكماش الحواجز والفروقات وبروز معطيات زوال التكلف.

تخيل لو أن كل تصريح لمصنع أو ترخيص لمستشفى أو منح إذن لمكتب محاسبة يقدم صاحبه شكراً معلناً في الصحف للوزير المختص أو وكلاء الوزارة، كيف ستكون حال مجتمعنا؟! بل كيف ستبدو حالنا لغيرنا؟!

من هذا المنطلق أرى ان هذا الباب ما كان له أن يفتح وعندما فتح كان من المفترض ان يقابل باعتراض المشكور قبل غيره.ً

مساجد الفقراء

المساجد بقع طاهرة يتوجه منها العبد إلى ربه بالصلاة والدعاء. ويفترض أن تكون المساجد على درجة واحدة “درجة عظيمة” من النظافة والطهارة وتهيئة الأجواء المناسبة من تكييف وإضاءة وحسن تنسيق وتنظيم في المداخل إلى جانب تصميم معماري منسق يعكس أهمية هذا المكان بصرف النظر عن الحي الذي أقيم فيه.

الملاحظ أننا نبدع في تصميم وبناء وتأثيث المساجد في الأحياء الجديدة أو بصورة أكثر شفافية في الأحياء الغنية فتجد المسجد روعة في الجمال والسعة والإضاءة الطبيعية والكهربائية، تتوسطه ثريا تشغل ثلث مساحة سقفه وأخريات يتقاسمن الثلثين الباقيين بنظم جميل ومتناسق. وللمسجد مداخل تضمن حمايته من الأتربة والأوساخ. أي اننا نقوم بالواجب أو جزء منه نحو إضفاء لمسات الابداع والجمال في مساجد تلك الأحياء وهي في الغالب مساجد تكفل ببنائها فاعل خير موسر يبحث عن الأجر والثواب أو عدد من الموسرين.

في الأحياء القديمة أو الشعبية، أو ما يسمى بعد الاعتراف بالفقر أحياء الفقراء، يفترض أن يكون المسجد بنفس القدر من النظافة والجمال وحسن التصميم وجودة البناء لأنه يبقى مكاناً يتوجه منه العبد إلى ربه ويفترض أن تنطبق عليه معايير ثابتة ومواصفات لا تقل مطلقاً عن المسجد في الأحياء الأخرى، خاصة وأن المساجد كلها تتبع لوزارة واحدة هي وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وتهتم بها لجنة عليا واحدة هي اللجنة العليا لبرنامج العناية بالمساجد وبالتالي فإن الاختلاف في شكل وهيئة المنازل أو تنظيم وتنسيق الأحياء بين الأحياء الشعبية وتلك الحديثة لا يمنع على الاطلاق أن تكون المساجد على درجة واحدة في الشكل والهيئة والتنظيم والتنسيق والنظافة والجمال ويجب أن لا ينعكس هذا الاختلاف بين حي وآخر في صورة اختلاف مساجد الأحياء لأن العباد سواسية ويجب أن يكونوا سواسية في تهيئة مكان العبادة حتى ولو اختلفوا في الدخل والرصيد الدنيوي فإن أكرمهم عند الله اتقاهم.

وأعتقد جازماً ان وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد يفترض أن توظف حرص كثير من الموسرين في هذا البلد وتسابقهم إلى بناء مساجد غاية في الروعة والجمال توظفه في شكل عناية بمساجد الأحياء الشعبية بل إعادة لبنائها بشكل لا يقل جمالاً وروعة ونظافة عن مسجد الأحياء الحديثة في شمال الرياض مثلاً وإن كان يقل مساحة. بل يجب أن تستغل الوزارة الوفر الذي تحقق جراء إسهام فاعلي الخير في بناء المساجد نيابة عنها وتحوله إلى إعادة إعمار المساجد القديمة والعناية بها.

إنك حينما تدخل حياً فقيراً ويدخل وقت الصلاة وأنت فيه وتدخل المسجد تلمس قصوراً واضحاً في جوانب كثيرة فالغبار يتراكم بين طبقات السجاد (الوزارة كريمة في السجاد حتى أصبح طبقات) وهذا فيه خطورة شديدة على مرضى الحساسية. ومداخل المسجد غير محكمة الغلق فلا تمنع الأتربة والغبار وأجهزة التكييف قديمة ومزعجة والجدران أرهق الزمن شكلها ولونها وبعض مساجد أسواق الخضار أو المناطق الصناعية حيث الورش تلحظ عدم نظافتها ونظراً لقرب مخالع الأحذية من السجاد وغياب التنظيف الدوري للسجاد فإن بقع الطين والزيت والسواد تغطي مواضع السجود.

كل تلك منغصات لأجواء العبادة وغير مشجعة على البقاء في المسجد وأداء النوافل ناهيك عن الأهم وهو أنها توحي بأن ثمة فرقاً شاسعاً لا يفترض وجوده في هذا الجانب فحتى فروع البنوك (أعز الله المسجد) لا تختلف في ديكورها وجمالها بين حي شعبي وآخر حديث.

لا نحلم بمساجد نظيفة في الأحياء الشعبية وحسب بل مساجد مطابقة لتلك في الأحياء الأخرى ولكن بمساحة تتناسب مع عدد المصلين. نريد للمسجد أن يكون لؤلؤة تشع جمالاً حتى لو كان يقع بين منازل رثة في حي متواضع.

دراسة يا معالي الوزير

تمنيت منذ أكثر من شهرين على معالي وزير الصحة الأستاذ الدكتور أسامة عبدالمجيد شبكشي، وهو الرجل المشهور بإنسانيته وخلقه الرفيع وبعد نظره، تمنيت منه أن يقتطع جزءاً يسيراً من وقته الثمين ويجمع نفراً من الأطباء الممارسين من ذوي الميول الأكاديمية ويطلب منهم إعداد دراسة عادلة على أثر الغش في تاريخ صلاحية الأدوية على الحالة الصحية لآلاف المرضى ممن تعتمد صحتهم على تناول هذه الأدوية مثل مرضى السكر والقلب وأمراض ضغط الدم والتهابات الكبد وزراعة الأعضاء وغيرهم من المرضى المزمنين ومرضى الحالات الحادة التي يفترض من دواء صالح للاستعمال أن ينقذ حياتهم بإذن الله.

والأضرار والأخطار الصحية الناجمة عن تناول دواء غير فعال حقائق معروفة لكنها لا تحرك ساكناً نحو تطبيق عقوبة صارمة بحق ممارسي جريمة تغيير تاريخ انتهاء الأدوية والحليب والتي أصبحت ظاهرة لا يمر يوم إلا وطالعنا تحقيق صحفي عن كشف أحد أوكارها ولكن بدون أسماء، وكأن قرار التشهير لم يفعل بشكل يوازي عدد الاكتشافات أو أنه يمارس بتردد واستحياء ومجاملة للهوامير أو أن التستر على هؤلاء المجرمين بات أهم من حياة أبرياء يفقدونها رغم دفعهم لقيمة الدواء الداء!!.

واقترحت على معاليه أن يكشف عن تأثير هذا الغش على الاقتصاد الصحي وأقصد هنا تكلفة تنويم وعلاج وإعادة تأهيل مريض انتكست حالته الصحية وتدهورت لأنه انقطع عن الدواء الفعال بتناول دواء منتهي الصلاحية ناهيك عن تأثير تحول الدواء الى سم زعاف بعد تحول مركباته بفعل الزمن.

اشرح لهم يا معالي الوزير كم يكلف هذا الغش ميزانية الصحة بقطاعاتها المختلفة وهل يتناسب حجم الخسارة الاقتصادية مع حجم الغرامة التي لا تشكل سوى “قرصة أذن لذلك المجرم”.

وبيّن لهم يا معالي وزير الصحة إذا كانت عبارة “عيب يا شقي” تكفي في حق من يتعمد خداع الناس في صحتهم، في راحتهم، في استقرارهم، في أمنهم الصحي.

لا أقصد الغش عبر المنافذ الجمركية وحسب إنما أقصد أولئك الذين يمارسون جرائم تغيير تاريخ الصلاحية والتزييف في الداخل وقد فضحت تحقيقات جريدة الرياض وحدها وفي مدينة الرياض فقط العشرات من الوقائع المثبتة لكن عدد إعلانات التشهير لا يصل إلى واحد من مائة من الوقائع بل على العكس تكرر كلمة وافد وهذا الوافد لابد أن خلفه ضميراً محلياً راقداً ألا نوقظه بفضح أمره؟!.

يؤسفني أعزائي القراء أن نلجأ إلى التأثير الاقتصادي للجريمة لنطالب بأقصى العقوبة فجدير بنا أن نفكر أولاً وأخيراً بأثرها على الإنسان ولكن لا بأس إذا كانت لغة الاقتصاد مؤثرة فلماذا لا نستخدمها؟!.

لذا فإنني لا أرى غضاضة من الإلحاح في المطالبة بإجراء تلك الدراسة وذلك الربط بين البعد الصحي والبعد الاقتصادي لهذه الجرائم، ولأن الطموح والأمل والثقة في المسؤول لا تقف عند حد فإنني أتمنى عندما يتحقق حلم إجراء مثل هذه الدراسة وتتضح النتائج الخطيرة صحياً واقتصادياً للدواء غير الفعال أن نكتب تحت النتائج عبارة “صورة لمن يدعو إلى منح تراخيص لمختبرات تحليل أدوية أهلية للاطلاع على نتائج ما سيحدث من تلاعب في شهادات الجودة والمطابقة”.

مختبرات تحليل الأدوية.. الخطر الجماعي

حذرنا كثيراً من فكرة تولي القطاع الخاص إنشاء مختبرات خاصة لتحليل الأدوية واعتماد شهادات هذه المختبرات لافساح الدواء سواء المستورد أو المصنع داخلياً.

أما وقد أصبح الموضوع يدرس بجدية أو على وشك الموافقة عليه فانه لابد من المزيد من المصارحة والشفافية وايضاح أبعاد ما يعتقده البعض نشاطاً صحياً يمكن للقطاع الخاص ممارسته مثلما يمارس العلاج!!.

الدواء ليس سلعة عادية أو مادة استهلاكية تتوفر لها المشابهات والبدائل في كل الأحوال.

الدواء مادة أساسية استراتيجية تستخدم لممارسة الاحتكار في أحيان كثيرة بل إن كثيراً من انواع الدواء التي لم يمض على طرحها في السوق سنوات حق البراءة هي في الواقع محتكرة وبشكل كبير وبدائلها قليلة جداً أو معدومة وفي كثير من الدول خاصة في العالم الثالث تأتي ميزانية توفير الأدوية، اما في المرتبة الاولى أو الثانية بعد ميزانية شراء الأسلحة.

أريد القول ان المبالغ التي يتم التعامل بها لتوفير هذه المادة الأساسية، السرية، النادرة هي مبالغ ترقى إلى الأرقام التي تثور من أجلها الحروب والفتن وتستحق في نظر “المافيا” ان تشتري من أجلها الذمم وترخص لها الأرواح.

ثم إن المعلومة الدوائية معلومة مشتركةة عالمياً، يقوم لها العالم جميعاً ويقعد، بمعنى انه لو قرر مختبر دولة ما أن الدواء الفلاني التابع للشركة الفلانية لا يحتوي مادة فعالة أو ينطوي على خطر ما فإن جميع دول العالم تتفاعل مع هذه المعلومة وان كان بدرجات تتفاوت حسب قيــــــمة الإنســــــان فيها.

ثم ان حجم العقود لتوفير الدواء في هذه البلاد وغيرها يشكل مبالغ كبيرة جداً والشروط التعاقدية تنص على إتلاف الدواء الذي لا يجتاز التحليل وليس استرجاعه، أي ان قرار مختبر التحليل بالنسبة لوكيل الدواء أو الشركة الأم هو قرار حياة أو موت، هو قرار خسارة مئات الملايين أو ربح عشرات الملايين فهل يمكن ان نوكل منح شهادة نجاح الدواء لتاجر ومجموعة موظفين معظمهم من غير السعوديين بل وحتى وان كانوا سعوديين فإن انتماءهم وولاءهم وتحديد مصيرهم الوظيفي في يد تاجر.

قد يقول قائل ولماذا نفترض عدم الثقة في القطاع الخاص أو التاجر دائماً؟! وهنا نقول لقد منح القطاع الخاص ثقة كبيرة في أمور تتعلق بالحياة والموت لافراد وليس جماعات كموضوع الاجراءات الطبية والعلاج، أما يتعلق بمصير جماعي مثل فسح دواء يفترض ان ينقذ حياة الآلاف وإذا فسح وهو ليس فعالا فانه سيبقى طوال مدة الصلاحية (ثلاث سنوات) يخدع الروح تلو الاخرى فإن الأمر يختلف. ثم ان تجربتنا مع الثقة في القطاع الخاص غير مشجعة على الاطلاق خاصة في مجالات الصحة.

ألم تبع تقارير الإجازات المرضية؟! ألم تمنح شهادات الخلو من الأمراض لخادمات يحملن الايدز؟!.. ألم يسمح بممارسة الطب وجراحة المخ لمن لا يحملون غير خبرة في السباكة؟! ألم يخدع المريض بإعلانات طبية مبالغ فيها؟! ناهيك عن أطنان الأدوية منتهية الصلاحية التي استُبدل تاريخها وبيعت للمرضى وقد تكون أحد أسرار الوفاة المفاجئة لمرضى السكر والقلب والضغط والصرع والربو.

وفي الجانب غير الطبي ألسنا نصبح يومياً لنطالع خبراً يقشعر له البدن للممارسات التي تكتشفها لجان الغش التجاري وآخرها إعداد وجبات المرضى من لحوم بقر مفرومة ومخزنة في الزبالة؟!..

إن السؤال المنطقي هو لماذا نفترض حسن النية في القطاع الخاص ونمنحه الثقة طالما ان الأمر يتعلق بحياة أو موت جماعي مثل تحليل الأدوية.

اننا حينما نفعل ذلك فانه يفترض ان يكون لدينا جهاز رقابي حكومي فاعل وكبير بحجم خطر إفلات دواء واعداد هذا الجهاز سيكلفنا مبالغ تفوق ما نحتاجه لتطوير المختبرات الحكومية ودعمها بالأجهزة والموظفين وتركها تشكل رادعاً يصعب اختراقه ويقلق كل من تسول له نفسه الكسب على حساب أرواح الناس.

بقي ان أذكر بأن الأمن الدوائي لا يقل أهمية عند جميع الأمم عن أشكال الأمن الاخرى “الأمن الخارجي، الأمن الداخلي، الأمن الغذائي والمائي” وطالما أننا يستحيل ان نوكل اصدار الجواز وبطاقة الأحوال والاقامة للقطاع الخاص فإن من المنطلق نفسه يفترض ان لا نوكل اليه أمراً يتعلق بالأمن الدوائي!!.

أرجو من معالي وزير التجارة ومعالي وزير الصحة التفكير ملياً في هذا الأمر لأن خطورته لا تسمح بأدنى حد من المجاملة.

مشاغل السرطان

يبدو أننا تطورنا شكلياً في أشياء كثيرة، حتى مسببات انتشار الأمراض أصبحت أجمل وأكثر أناقة وبريقاً.

كانت دكاكين الحجامة أحد أهم أسباب انتشار أمراض الدم وخاصة التهابات الكبد، ولعلها لا زالت كذلك لأننا للأسف لازلنا نعتبر الحجامة موروثاً يجب المحافظة عليه بعيوبه وأخطاره ونحن نضعف بشكل كبير أمام الموروث وفي الوقت ذاته لا نملك الحماس للمحافظة عليه ولكن بطريقة تواكب متطلبات الوقاية.

الآن ثمة دكاكين أخرى اكثر جمالاً وجاذبية ومواكبة للموضة واهتماماً بالديكور تلعب الدور الحديث في نشر الأمراض القاتلة بل ربما كانت ولا تزال احد مسببات تزايد حالات السرطان!!.

المشاغل النسائية التي لا تخضع لأكثر من رقابة رجال الحسبة بل تعمل في معزل تام عن الرقابة الصحية لأننا لا نفتش السيارة التي تركب فيها امرأة فكيف نفتش مشغل تجميل النساء؟!.

هذه المشاغل ومراكز التجميل والتي تطورت من مشاغل خياطة الى حلاقة نسائية ثم عناية بالأظافر ثم مراكز تجميل للوجه إلى ان كبرت بشكل سريع فأصبحت مراكز عناية بالجسد والتخسيس بحمامات الشمع والمواد الكيميائية.

تلك الدكاكين كبرت بسرعة والرقابة عليها لم تكبر إن لم تكن صغرت كثيراً فالرقابة عندنا تصغر كلما أصبح الهدف كبيراً!!.

يذكر الواعي من النساء أن العمل في تجميل المرأة عندنا في تلك المشاغل يتم بطريقة لا تطبق أدنى أسس الاحتياط في مجال استخدام المواد الكيميائية فالأصباغ تعجن ثم تلطخ على الرأس وتتصبب على الوجه ناهيك عن تسرب عصارتها إلى جلد الرأس.

والمواد الكيميائية التي تستخدم كمثبتات للشعر أو أصباغ تبخ بشكل مكثف في مكان مغلق مكتوم. ناهيك عن غمس الجسد الناعم كاملاً في حمامات من مواد التخسيس الشمعية ولساعات طويلة تكفي لوصول تلك المواد الى تراكيز عالية في الدم.

بقي أن أقول كصيدلاني إن طرق استخدام الأصباغ والمواد الكيميائية في مراكز التجميل تلك تحقق أسرع طرق الامتصاص ووصولها إلى الدم فنفاذ عصارة تلك العجائن إلى قشرة الرأس يعني ملامستها لأكثر أجزاء جلد الإنسان امتصاصاً وفي موقع قريب من المخ (إن وجد!!). كما أن بخ رذاذ تلك الكيماويات في مكان مغلق يعني استنشاق كميات كبيرة منها ودخولها لرئة المرشوشة والراشة وحاضرة الرش. ولست هنا لأصف مدى حساسية الرئة وسرعة تأثر نسيجها بالمواد الكيميائية سواء في شكل حساسية أو ربو أو خراجات أو أورام سرطانية.

إن معظم تلك المواد الصبغية مجهولة التركيب ولا صحة لما يدعيه أصحاب تلك المشاغل من أنها “صبغة فواكه” أو “حناء نقي” بل هي تركيبة معقدة من المادة الكيميائية الفعالة وعدد كبير من المركبات الأخرى المجهولة تماماً إلا أن المعلوم بدرجة لا تدع مجالاً للشك أن ثمة علاقة وطيدة بين تلك الأصباغ الصناعية والسرطان خاصة حينما تصل للدم وهو ما تسهله ممارسات المشاغل بالاستخدام المكثف لتلك المواد دون تطبيق أبسط متطلبات منع وصولها للدورة الدموية أو الجهاز التنفسي.

الغريب ان المجتمع برمته من جهات صحية وإعلام وأساتذة جامعات ورجل شارع جميعهم يتساءلون عن أسباب زيادة حالات الأورام وأمراض الحساسية والتشوهات الخلقية للأجنة والصداع النصفي مع أن نصف المجتمع وعدد من النصف الآخر يتم رشهم بمواد تغير لون الشعر والجلد فهل فكرنا في إمكانية أنها تغير أشياء أخرى؟!.

أرجو أن نتنبه للدور المحتمل للمشاغل النسائية في التشوهات الخلقية مثلما تنبهنا سابقاً لدور بعضها في التشوهات الأخلاقية!!.

أسر السجناء والنخيل العوجاء!!

قبل الاعتراف التاريخي بمشكلة الفقر في هذه البلاد وهو الاعتراف الذي سيسجله التاريخ بماء الذهب لأنه القرار التاريخي لعلاج الذات بتشخيص العلة والاعتراف بوجودها والبدء في محاربتها وهذا هو نهج الشخصيات التاريخية العظيمة في كل شيء. وهو ما سيسجله بإذن الله كاتب الخير كماً هائلاً من الحسنات لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الذي اتخذه لأنه سعى الى تفريج كرب الآلاف ممن عانوا من عدم الاعتراف بمشكلتهم عشرات السنين.

أقول قبل ذلك الاعتراف كان بعض القائمين على الجمعيات الخيرية التي تركز على تحويل الصدقات لخارج هذه البلاد يحاولون جاهدين تجاهل فقراء الداخل بل في بعض المقالات والتعقيبات كانوا يتناسون “عفا الله عنهم” النصوص التي تحث على ذوي القربى او تكرر أن “الاقربون اولى بالمعروف” مع ان النصوص في هذا الصدد واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ولايمكن ان يتجاوزها إلا منحازٌ لتوجهه ورأيه او مستنفع.

وعلى أي حال فقد انتصر الله الرؤوف الرحيم للفقراء فسخر لهم قلباً رحيماً زارهم في جنح الظلام وخفف من معاناتهم وجعل النصف الآخر لوزارة العمل والخاص بالشؤون الاجتماعية يعمل بنشاط وحرص وسرعة أكبر.

جريدة “الرياض” هي الاخرى سلطت الضوء على فئة اخرى شديدة الحاجة قد لاتصنف ضمن الفقراء وحسب بل المنكوبين الا وهم أسر السجناء “زوجاتهم، بناتهم، ابناؤهم ومن كانوا يعولون” هؤلاء ربما لم يتعودوا الفقر بل أصابهم فجأة وأصابتهم نكبة!! وتوالت عليه الأزمات التي ربما لم يعتادوا عليها.

العائل أودع في السجن وليس في المقبرة وهذا معناه توقف رواتبه وعدم توفر إرث يعينهم على استقبال الفقر تدريجياً أو تقاعد يذهب للمستحق منهم لأن السجين يرث نفسه وتقاعده له.

يصاحب هذه النكبة أزمة ثقة وأزمة تفكك أسري وأزمة سيطرة على أفراد أسرة السجين وكبح جماح ردة فعل فقدانهم للقدوة والمربي وردة الفعل العكسية لموقف المجتمع منهم.

فئة أسر السجناء هذه شريحة خطيرة من الفقراء كان أصحاب “النخيل العوجاء” أو جمعيات التبرع للخارج تتجاهلهم أكثر من تجاهل فقراء السبالة وما شابهها وجدير بنا الآن توجيه مصرف كبير من مصارف الصدقة لهم وأن لاننتظر ماستنجزه لجنة في طور التأسيس هي اللجنة الوطنية لرعاية أسر السجناء فاللجنة سيكون لها دراستها ونظمها وإجراءاتها التي ستفيد على المدى الطويل لكنها ليست العلاج السريع الذي سينقذ مايمكن إنقاذه.

ان العلاج السريع أن يتولى الموسرون بأنفسهم أو عن طريق رجالاتهم الموثوقين التنسيق مع إدارات السجون لمعرفة أسر السجناء وإيصال الصدقة لهم مباشرة والتعرف على أحوالهم ودعمهم والوقوف معهم وتصحيح نظرتهم للمجتمع فليس أفضل ولا ألذ من صدقة تتأكد من وصولها إلى المحتاج. وعلينا كمجتمع أن ندرك بأن ابن السجين أخطر يتماً من يتم من ودع أحد أبويه الدنيا في مقبرة وجموع الناس تحيطه بالحنان والعزاء والثناء على والده، حتى وإن كان ابن السجين ينتظر عودة والده لكنها عودة يخشاها ايضاً ويخشى تفاعل المجتمع السلبي معها.