الكاتب: محمد الأحيدب

النزاهة.. العملة النادرة

يتمتع الإنسان بقدرة كبيرة على التكيف مع المعطيات والظروف إلى درجة التنازل التدريجي عن أمنياته وطموحاته ليكتفي بالقليل جداً منها إذا شح الزمان بالكثير.

حتى في مجال الأحلام والأماني قد يختصر الإنسان امنياته إذا قلّت الخيارات، فالفتاة ترسم مواصفات عديدة في فارس أحلامها فإذا قل الفرسان اكتفت بأن يكون رجلاً وحسب. وقديماً قيل: الأعور في ديرة العميان مفتح لأن الديرة عندما خلت من المفتحين أصبح الأعور مميزاً.

نفس الشيء ينطبق على أمنيات الناس في صفات المسؤول عن قطاع ما، يريده الواحد منا أن يكون حريصاً على تحقيق الانجازات والرقي بخدمات القطاع والاخلاص لعمله ويريد الآخر نفس الصفات مع اضافة أن يكون حسن التخطيط واسع الخبرة في مجال عمله ويريد الثالث من المسؤول أن يكون حيادياً لا ينحاز لقريب أو ابن قرية أو إقليم، ويتمنى رابع أن يكون صاحب المنصب شعلة من نشاط قادراً على توظيف إمكانات القطاع المادية والبشرية في تحقيق أكبر قدر من الانتاجية في شكل مشاريع تطويرية ورقي بخدمات القطاع لما يحقق راحة ورفاهية المستفيد والوصول بخدمات المؤسسة إلى ما وصلت اليه الدول المتقدمة من تقنيات عالية وخدمات راقية، ويريده خامس أن يكون إضافة إلى كل ما ذكر متواضعاً، فاتحاً بابه للمواطن، مكثفاً جولاته التفقدية مهتماً بشكاوي المواطنين ومقترحاتهم وملاحظاتهم.

ولكن لأن الإنسان بطبيعته قنوع، سهل التكيف مع المعطيات والظروف فإنه ما أن يشعر بصعوبة تحقق هذه الأمنيات فإنه لا يمانع في التنازل عن الأمنية تلو الأخرى حتى يكتفي بالقول “يكفي من المسؤول الفلاني انه نزيه، نظيف اليد!!”.

وهكذا تختزل كل المتطلبات والمواصفات أعلاه بتوفر صفة النزاهة والعفاف ويكتفي الجميع بالقول أن فلاناً نزيه وهذا كاف.

السلامة من الفساد المالي مطلب هام، لكنه ليس منتهى الطموح أو أقصاه ولا يجب أن تتوقف كل القناعات أو جلها عند حد نظافة اليد!!.

ومع توجه الدولة الجاد والحثيث نحو محاربة الفساد الإداري فإننا نأمل أن تصبح النزاهة أمراً مفروغاً منه وصفة عامة لا عملة نادرة وأن تفرضها قوة وجدية وحزم محاربة الفساد ويواكبها فرض تحقيق المتطلبات المذكورة آنفاً على أساس أن البقاء للأصلح.

النزاهة ونظافة اليد واحدة من البدهيات ويجب أن تبقى كذلك، والبدهيات أو المسلّمات لا يمكن أن تعد ضمن المتطلبات ناهيك عن أن تكون أقصى الطموح، لكن الناس أحياناً يرسخون مفاهيم وقناعات خاطئة عن طريق قياس نسبي خاطئ حين ينسبون السيئ للأسوأ كأن يمتدحون من (يأكل ويؤكل) قياساً بمن (يأكل ولا يؤكل) والعياذ بالله من كل من يأكل مالاً حراماً سواء أأطعم غيره أو لم يفعل.

إن توجه الدولة أيدها الله نحو محاربة الفساد الإداري سوف ينقل فقرة النزاهة من قاموس المتطلبات إلى مكانها الطبيعي في قائمة البدهيات، حتى لا يقال يكفي أن فلاناً نزيه رغم انه يفضل أقاربه ويقصر في واجباته ويقفل بابه ويتغطرس وانعدم إنتاجه لأن نظافة اليد لن تكون عملة نادرة بإذن الله ثم بقوة الرقابة والحزم!!.

الداخل المفقود!!

كتبت يوم الأربعاء الماضي عن المرونة الفائقة في عملية استحصال المبالغ من المواطن والتي أصبحت تستخدم فيها أعلى السبل والتقنيات ومنها تقنية الحاسب الآلي وفي المقابل التعقيد الكبير لأي عملية استرداد مبلغ أدخل إلى خزينة الدولة بطريقة الخطأ أو تكرار التسديد وضربت مثلاً على ذلك بإدارة الجوازات التي يسهل التسديد لها ويستحيل استرداد المبالغ منها.

البعض يعزو هذه الظاهرة إلى الآلية المفرطة في القدم والتي يتم بموجبها ادخال المبالغ المحصلة إلى وزارة المالية ويصعب بموجبها أيضاً رد المبالغ من أي ادارة حكومية إلى المواطن مباشرة بل يكاد يستحيل.

أنا أعتقد ان ما ذكر قد يكون سبباً لكنه ليس السبب الجوهري، لأن المشكلة أساساً هي مشكلة مفهوم ضرورة رد حق المواطن إليه نقداً، وعدم توفر القناعات بأن الطرف الآخر له نفس الحق في الحصول على المبلغ بالسرعة المطلوبة بل عدم توفر الشعور بأن الدفع أولى من الجباية وأجدر بأن يعطى الأولوية على أساس أن المواطن أشد حاجة إلى المبلغ من الجهة الحكومية في الوقت المحدد او قياساً بعامل الوقت.

ولعل أوضح دليل على أن الأمر برمته يتعلق بمفهوم خاطئ، أكثر منه بيروقراطية أو تعقيدات نظم إدارية قديمة، هو عدم اقتصار هذه المشكلة على الجهات الحكومية بل أن قطاع الشركات والمؤسسات الخدمية الخاصة تطبق نفس هذا المفهوم الخاطئ، “تدفع لنا حقنا نقداً ولا تسترد حقك إلا وعدا!!”.

شركات الكهرباء والاتصالات رغم انها لا تخضع لاجراءات وزارة المالية فإنها هي الأخرى لا يمكن أن تعيد للمشترك مبلغاً نقدياً أو حتى بموجب شيك!! فإذا ما نجح مشترك في الحصول على اعتراف بأن له الحق في استرجاع مبلغ دفع مرتين، أو استرداد مبلغ دفعه زائداً، فإنه يمنح وعداً بخصمه من فواتير مستقبلية واعتباره رصيداً للمستقبل دون مراعاة لاحتمال أن المشترك يفضل النقد أو يحتاج إليه!!.

هذا المفهوم السائد في القطاعين الحكومي والخاص يتجاهل حق المراجع أو المشترك في حساب ميزانيته الشهرية ويفترض أن كل شخص مهما كانت ظروفه لن يتأثر باحتجاز نقوده أو اجباره على الدفع المقدم لأشهر قادمة.

هذا الأسلوب يتجاهل فوارق الدخل ويتجاهل ان ثمة أناسا كثيرين يحسبون مصروفاتهم بالقطارة ويمضون ليلاً طويلاً في حساب المصروف الشهري بدقة متناهية املاً في أن يكفي راتب الشهر لمصروف ثلاثين يوماً ثم تأتي شركة الكهرباء أو الاتصالات أو جهة حكومية لتقرر نيابة عنهم ورغما عنهم وضع رصيد مستقبلي لم يحسب له أدنى حساب وتحويل نقودهم الى مستندات ورق لا تعين على قضاء حاجاتهم.

هذا المفهوم الجائر القى بظلاله على التعامل التجاري حتى أصبح أصغر متجر لا يقبل استرجاع سلعة مع رد النقود ولكن اعطاء ورقة تخول لك شراء سلعة أخرى مستقبلا!!.

هكذا هو المفهوم الخاطئ للتعامل يستشري بين الناس فيطبقه الأقدر على من لا حول له ولا قوة حتى على أدنى المستويات، الى درجة أصبح معها دافع النقود لا يحلم باسترجاعها وكأن النقود داخل مفقود!!.

مرونة في الجباية تعقيد في التسليم

في الوقت الذي تحسنت فيه طرق تسديد الرسوم الحكومية بشكل واضح فأصبحت تتم عن طريق البنوك بل عن طريق جهاز الصراف وتم ربط التأكد من التسديد عن طريق الحاسب الآلي للإدارة المعنية فإن الإجراءات البيروقراطية لازالت تتحكم في عملية استرداد المبالغ الزائدة و المكررة من خزينة الدولة ممثلة في الإدارة التي حصلت على المبلغ.

خذ على سبيل المثال لا الحصر، إدارة الجوازات عندما قررت خلال فترة قصيرة تغيير طريقة التسديد الخاصة بكثير من الإجراءات مثل تجديد الإقامة أو استخراج التأشيرات وخلافها فإنها اعتبرت أن الإيصالات السابقة غير مقبولة ويجب التسديد من جديد بالطريقة المستحدثة على أن يسترد الشخص ما دفعه في الإيصال القديم.

أما كيف يسترد ما دفعه فإن الأمر غاية في التعقيد بل غاية في الغموض أيضاً ويستلزم مراجعة عدة جهات متفرقة ومتباعدة ومتناقضة الآراء، فمنهم من يفيد بأن الاسترداد يكون في صورة كوبونات مسبوقة الدفع “دمغات كما يقول المصريون الممعنون في البيروقراطية” تستخدمها عندما تحتاج إلى تسديد رسوم مستقبلية للجوازات وهذا أمر فيه الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول من سوف يستفيد من بقاء هذه المبالغ سنوات عديدة في البنوك؟! وما ذنب المواطن الذي هو في أمس الحاجة إلى ذلك المبلغ في وقته ولماذا يلزم بالدفع مرتين وعدم استرداد ما دفعه أولاً في حينه أو قبول الوصل القديم وتحويله مباشرة إلى حساب البنك الجديد ولماذا يجبر المواطن على وضع رصيد ربما لا يحتاج إليه؟! ولماذا يكون الدفع دائماً “بالكاش” والاسترداد دائماً بالمستندات؟! و لماذا لم تغير طريقة الدفع أولاً ثم بعد مهلة طويلة يبدأ عدم قبول الإيصالات القديمة على أساس أن مصلحة المواطن وراحته أولى من مصلحة وراحة البنوك؟!.

ومنهم من يفيد بأن المبلغ يمكن استرداده نقداً عن طريق وزارة المالية ولكن لا أحد يدلك على السبيل.

أحد المواطنين من متوسطي الحال طلب منه إعادة تسديد مبلغ تجديد إقامة خادمة بحجة أن الوصل قديم بعد أن تغير الإجراء من التسديد في بنك الرياض أو الراجحي إلى الحصول على مستندات من بنك الرياض وفعل لكنه عند مراجعته لاسترداد المبلغ طلب منه مراجعة أحد أقسام الجوازات في المبنى القديم حيث سلم المستند القديم وطلب منه المراجعة بعد ثلاثة أشهر ولازال يراجع هذه الإدارة أسبوعياً لأنه في كل مرة يطلب منه المراجعة بعد أسبوع، هذا وقد مضى أكثر من سنة كاملة ولا زال يبحث عن استرداد حقه!!.

أعتقد، والله أعلم، أنه من الخطأ الكبير أن تختلف آلية ومرونة وسهولة التسديد عن الاسترداد لأن في ذلك إيحاء بأن ثمة ضرس أعلى يأكل ولا يؤكل عليه وفيه منح سبب للمواطن للتحايل على التسديد وإتاحة فرصة لمن يريد أن يسترزق على حساب ضعاف المواطنين بأن يعرض عليهم استرداد المبلغ مقابل دفع أتعابه التي ربما تصل الى النصف على أساس المثل الجائر “اعقل حلالك بنصفه” فلماذا هذا الجور؟! لماذا؟!

متى نوقف القتل الجماعي؟!

وسائل النقل الجماعية أيا كانت مقاعد يجلس عليها الأبرياء وقد توكلوا على الله وائتمنوا القائمين عليها على أرواحهم وسلامتهم.

وهل أكبر من النفس البشرية أمانة؟!

والمؤتمن ليس السائق فقط بل كل موظف في شركة النقل ومن باب أولى كل قائم على أحد أعمال الشركة كبر مركزه أم صغر.

التأكد من قدرات السائق أمانة والتأكد من امكانيات المركبة أمانة في أعناق المسئولين عن وسيلة النقل الجماعي ولا أقصد بالضرورة شركة النقل الجماعي المعروفة بل كل وسيلة نقل من طائرة أو قطار أو حافلة أو سفينة تماماً مثلما أن التأكد من سلامة الطريق مسئولية وأمانة عظمى في أعناق ادارة السلامة في كل من المرور ووزارة المواصلات.

وإذا كان سائق المركبة العادية عند استهتاره يعرض نفسه وبعض الآخرين للخطر فإن قائد وسيلة النقل الجماعي عند استهتاره يعرض عشرات بل مئات الأرواح لموت أو إعاقة أو اصابة.

ولأنني من كثيري ارتياد طريق الرياض سدير السريع كنت ولازلت أشعر بألم شديد وخوف أشد عندما أشاهد حافلة ضخمة تتجاوز من اليمين وبأعلى سرعة ممكنة لهذه الناقلة دون أدنى احتراس لأن مجرد انعطاف السيارة المجاورة إلى اليمين يعني نهاية عدد كبير من الأرواح.

المرور والدوريات وأمن الطرق ربما حفظوا عن ظهر قلب رقم جوالي فبمجرد ما تتجاوزني حافلة مسرعة بهذه الطريقة اتصل بأحد أو كل هذه الجهات مبلغاً ولكن إحقاقاً للحق لم أفرح ولو لمرة واحدة برؤية حافلة من هذا النوع وقد أوقفت للمعاقبة أو حتى المساءلة واحقاقاً للحق فإن أغلب من يرتكب هذا السلوك الخطير هم سائقو حافلات شركة النقل الجماعي بل أن المرور أو الدوريات عند تبليغهم يكون الرد غالباً “كلهم كذا هذا طبعهم”.

ليس المهم لماذا يستعجل أو يستهتر سائق وسيلة نقل جماعية بل المهم جداً لماذا لا نردعهم؟! لماذا لا نتعامل مع هذا السلوك على أساس أنه سبب لقتل جماعي؟! ما الفرق بين موت مائة نفس بشرية في طائرة أو حافلة أو سقوط عمارة؟!

منذ أيام حدث ما كنا نخشاه وما كان متوقعاً وما لم نفعل شيئاً للوقاية منه، وتوفي 17راكباً وأصيب 22في حادث مروع على طريق ديراب!!

لا أود استباق التحقيق واتهام سائق ربما انتقل إلى رحمة ربه أو أصيب لكن ما نقلته لنا جريدة “الرياض” من صور للحافلة وطريقة تحطمها لا يمكن أن يحدث لو كانت المركبة تسير بسرعة معقولة مع عدم إهمال جانب الطريق والمخالفة في التجاوز وخلافه.

ليس هذا هو السؤال المهم فقط فالأهم متى سنتحرك لوقف هذا القتل الجماعي في وسائل النقل الجماعي غير الطائرات؟!

وخسرنا شرطياً ومجرماً

اشتهر بالشجاعة والإقدام ومحالفة التوفيق له أثناء ملاحقاته للمجرمين في رؤوس الجبال وتميز بحبه لعمله وإخلاصه له إلى درجة المجازفة بالنفس في سبيل اعتقال قاتل هارب وكثيراً ما حالفه النجاح رغم صعوبة المهمة في الجبال أو الوديان أو وسط الغابات.

منذ أيام قلائل ودع صغاره ليستقبل مهمة جديدة، ملاحقة قاتل وافد خطير فر من وجه العدالة إلى رؤوس الجبال، بحث عنه كثيراً ووجده وقبض عليه دون أن يصيبه واستطاع رغم نحول جسده أن يحكم القبض على مجرم خطير قوي البنية ويقتاده من علو جبل إلى سفحه فالجسد النحيل كان يضم بين أضلاعه الصغيرة المتقاربة قلباً صلباً لا يعرف الخوف.

وصل بالمجرم إلى سيارة الدورية منتشياً بانتصار قوى الأمن على بؤر الفساد وطلب من رفاقه الإمساك بالمجرم ريثما يخرج القيد لتكبيله، إلا أن المجرم كان يحتفظ بخيار أخير لم يكتشفه أحد فقد أخرج مسدساً يخبئه داخل ملابسه ووجّهه للقلب الشجاع ففجره ونثر دماءه في تجويف صدر طاهر كان وعلى مدى 23سنة يفح شهيقاً وزفيراً بحب الوطن والإخلاص له.

استشهد وكيل رقيب علي بن يحيى عيسى بعد أن أمضى كل هذه السنين يتولى المهام الصعبة ويطارد المجرمين ويعتقلهم قبل مشارف الحدود كما ذكر الخبر الذي نشرته جريدة “الرياض” نقلاً عن مراسلها في جازان الزميل عبدالله السروري في يوم الثلاثاء 21رمضان 1423هـ. وصادف أن ينشر الخبر بعد يوم واحد من مقال مطول في هذه الزاوية “بصوت القلم” وصفتُ فيه موقفاً شجاعاً يفتقر للحيطة والحذر شاهدته لرجل أمن جازف بنفسه منفرداً وفي مكان معزول في القبض على وافد من جنسية اشتهر المجرم منهم بخطورة بالغة.

ذكرت في ذلك المقال تحت عنوان “حتى لا نخسر شرطياً” ان الشجاعة وحدها لا تكفي وأن هؤلاء الرجال في أمس الحاجة إلى تدريبهم على أخذ الحيطة، فالحذر جزء هام من الشجاعة لأنه سبيل إلى الانتصار على المجرم وإحكام القبض عليه.

أشرت أيضاً إلى ضرورة أمر المشتبه به بالانبطاح أرضاً “أيا كان” وتفتيشه جيداً وطلب التعزيز عند أول رفض أو مقاومة.

هذه بديهيات، فلست عسكرياً ولا منظّراً في هذا المجال الذي له رجاله وفرسانه وأساتذته لكنني أرى أننا نفتقد للكثير من إجراءات الحيطة ونعتمد على شجاعة وإقدام هؤلاء الرجال ليس في مجال الشرطة فقط بل حتى في مجال الإطفاء والإنقاذ وضبط مخالفات الغش التجاري وملاحقة رجال الجوازات للمتخلفين، كل هذه المهام التي تشترك في عنصر المجازفة وتعدد الاحتمالات ومنها الخطر المفاجئ والمباغتة نحتاج فيها إلى التدريب على وسائل حماية النفس أولاً واتباع إجراءات احترازية أساسية تحفظ عن ظهر قلب ويجب الالتزام بتطبيقها بل ان مخالفتها تستدعي المحاسبة على أساس حماية الشخص من نفسه فالشجاع قد يعرض نفسه الغالية للضياع وهو وإن كان يرخص بها فهي تبقى غالية نحزن ونخسر لفقدها.

كل شيء بقضاء ومقدر ومكتوب لكن حبيبنا الشهيد وكيل رقيب علي بن يحيى عيسى كان بينه وبين حفظ روحه الطاهرة وإسعادنا بالقبض على مجرم هارب أن يفتشه جيداً ويحترز من غدره وهذا ما يجب أن نزين به شجاعة أفراد الأمن. انه التدريب الذي يجب أن يصقل تلك القدرات الخارقة لدى مواطني هذا البلد.

المعلمات وجواب الوزير

لسنا في صدد التذكير بأن عدم تحديد الحد الأدنى للرواتب كان أحد أهم العناصر التي تقف حجرعثرة في طريق مراقبة جدية القطاع الخاص في التجاوب مع مطلب سعودة آلاف الوظائف والاسهام في الحد من البطالة وتحقيق الايجابيات العديدة لتوطين وظائف هامة وأساسية.

ولعل الوظائف التعليمية أبرز الأمثلة وأكثرها وضوحاً حيث ان المؤهلات المطلوبة واضحة وضوح الشمس لا مجال فيها للمراوغة واختلاق الأعذار والمبررات من المدارس الخاصة نحو عدم التجاوب مع الحاجة الوطنية للسعودة.

وكانت ولازالت مشكلة تعيين معلمات سعوديات في مناطق نائية وتعريضهن لأخطار الموت أو الاعتداء في وقت يهيمن فيه العنصر غير السعودي على وظائف المدارس الخاصة أوضح مثال صارخ على أن هذا القطاع يلعب دون رقيب بل “يتدلل” كثيراً ويتبجح أحياناً كثيرة لأن بعض ملاك هذه المدارس هم أبناء مدللون فعلاً لمن يفترض أن يردعهم.

وكان ترك الحد الأدنى للرواتب دون تحديد وترك الحبل على الغارب لأصحاب المدارس الخاصة لتحديد رواتب “طرد” متدنية لا يمكن لمعلمة أن تقبلها بل لا يمكن أن تكون مربحة لمعلمة سعودية حيث لم يتجاوز الراتب 1500ريال مما يؤكد انها وسيلة طرد.

والآن وبعد أن أصبح ثمة تحرك لتطبيق الحد الأدنى لرواتب المعلمات في المدارس الأهلية وهو أمر يحتاج إلى رقيب جاد وحازم لا يقبل تبريراً أو عذراً لاستثناء فوجئنا برد وزير المعارف على سؤال حول استمرار تدني رواتب المعلمات في المدارس الأهلية حيث تتراوح بين 1200و 1500ريال فقط فضلاً عن إلزامهن بشراء الوسائل التعليمية، حيث جاء رد الوزير مبرراً ما حدث بقوله ان السبب هو قبول المعلمات بالرواتب المتدنية لرغبتهن في الحصول على شهادات خبرة تساعدهن على التعيين في المدارس الحكومية حيث تفضل وزارة الخدمة المدنية المعلمات الحاصلات على شهادات خبرة “الاقتصادية 22نوفمبر 2002”.

عندما يبرر الوزير “استمرار” تدني الرواتب بموافقة المعلمات فإنه بذلك يقدم على طبق من ذهب مبرراً واهياً لملاك المدارس الأهلية لم يكن أحد منهم يحلم به لأننا جميعاً نعلم أن موافقة الموظف لا تبرر اعطاءه أقل من الحد الأدنى مهما كان السبب سواء كان يريد خبرة أو لأن لديه الخبرة بأنه لن يدعم!!

إن أهم أسس ومقومات فرض حد أدنى للأجور في أي بلد في العالم هو سد الذريعة أمام أي مبرر لإعطاء أجر زهيد واستغلال حاجة العامل حتى لو كان موافقاً ونحن هنا في أمس الحاجة إلى أن تكون وزارة المعارف نصيراً وداعماً للمعلم والمعلمة ورقيباً صارماً على كل من يحاول الوقوف في طريق الخطط الوطنية البناءة من أجل إشباع رغبات جشع وشح، لا أن توجد لهم مبررات غير مقبولة نظاماً ولا منطقاً، ثم حبذا لو علمنا هل اجابة الوزارة تلك مبنية على دراسة لأسباب قبول المعلمات بالراتب المتدني أم هي مجرد تخمين؟! بمعنى آخر هل كل معلمة قبلت براتب 1200ريال في مدرسة أهلية هدفها كسب الخبرة وكيف جاءت هذه المعلومة للوزارة وهي ضمن ما تخفي الصدور؟!

حتى لا نخسر شرطياً

يوماً بعد يوم يضرب رجال الأمن لدينا أمثلة في الشجاعة والإخلاص وهو أمر غير مستغرب خاصة على هذه الفئة من المواطنين ممن اختاروا مجال السلك العسكري سبيلاً للحياة.

حياة هؤلاء الرجال ودماؤهم عزيزة علينا وحري بنا أن نحافظ عليها ونحميها حتى من الشجاعة المفرطة.

الشجاعة وحدها لا تكفي للغلبة فالكثرة تغلبها وكذلك الدهاء والسلاح والبنية الجسدية جميعها كفيلة بأن تغلب الشجاعة فنخسر فرداً فريداً وإنساناً نبيلاً يصعب تعويضه.

في يوم الجمعة الماضي وحوالي الساعة الثانية عشرة منتصف الليل صادف مروري في جزء شبه منعزل من طريق الخدمة في أحد الطرق السريعة وشاهدت أحد جنود الدوريات يمسك بأحد المشبوهين من المقيمين من بلد آسيوي أنعم الله على أهله بطول القامة وضخامة المنكبين واشتهروا بخطورة المجرم منهم وسرعته في الفتك والخلاص خاصة إذا عرف شدة العقوبة وتساوى لديه خيار الموت مع الاستسلام والجاهل منهم حتى لو لم يجرم فإنه يشعر أن دخول سيارة الشرطة يعني التسفير وخسارة جهد العمر.

الجندي كان قوي القلب ضعيف البنية مقارنة بخصمه وقد تعلق في جسد المشبوه وحيداً يحاول عبثاً ثني جسده الضخم للدخول في السيارة أو وضع القيد في يديه.

شاهدت الموقف وشعرت بأن الجندي في خطر خصوصاً وأن صاحب المشبوه يرقب الوضع وفي يده كيس لا نعلم هل به ساطور أو شاورما!! أوقفت سيارتي خلف سيارة الدورية وهممت بالنزول إلا أن صرخات الاعتراض علت في داخل سيارتي من أطفالي الذين كانوا معي وأمسكوا بيدي خوفاً عليّ، وحسناً فعلوا، ولو لم يفعلوا لتمسكت بهم أنا وصرخت “فكوني عليه” لأنه وحسب تقديري فإن بقائي داخل السيارة أكثر إخافة للمشبوه وصاحبه من رؤيتي مقذوفاً فوق سقف الدورية!!

ركزت أضواء سيارتي على الحدث وأكثرت من “دعس” البنزين مذكراً المشبوه وصاحبه زنهما تحت مراقبة حذرة وإن أي اعتداء على الجندي سيؤدي إلى دهس الفاعل فقد ساقتني حكمة “إلى ما يخاف ما يسلم” ان هذا هو الأسلوب الأمثل وكانت الخطوة الثانية هي تناول جهاز الجوال لطلب فرق تعزيز من الدوريات.

الجندي كان أقوى مما توقعت فقد تمكن من تقييد إحدى ذراعي المشبوه في باب الدورية والإمساك بالذراع الأخرى، عندها قررت النزول محذراً صاحب المشبوه من الاقتراب وطالباً منه أن يغادر فقد أصبحنا اثنين ضد واحد “قصير”. وبعد أن تأكدت أن القيد مثبت جيداً سألت الجندي “تحتاج فزعة!!”.

طلب مني أن أناوله جهاز اللاسلكي وهو يمسك بيد المشبوه وطلب فرقة تعزيز.

لم يعادل إعجابي بشجاعة ذلك الجندي إلا سرعة وصول فرق التعزيز فبدون أدنى مبالغة لم تمض دقيقتان حتى أحاط بنا أكثر من عشر سيارات دورية هب أفرادها لمساعدة زميلهم والبحث عن صديق المشبوه الذي اختفى فور وصول التعزيز لكنهم أحضروه.

عند فك قيده من الباب حاول المشبوه المقاومة رافضاً دخول سيارة الدورية ولم يتم إدخاله إلا بعد تقييده وثني قامته بتعاون أربعة أفراد مع اقناعه بأنه لا فائدة من الرفض.

شجاعة الجندي لاشك أنها محل تقدير، وجهده وصبره دلالة تفان في أداء الواجب وبالمناسبة فمن حقه ذكر اسمه كما قرأته من بطاقته (نواف المطيري) فما قام به يعكس إخلاصاً للعمل وبذلاً للنفس في سبيل الواجب، لكن امكانية تعرضه للخطر كانت واردة جداً فلو كان المشبوه مجرماً أو صديقه شريكاً لمجرم ينتظر عقوبة صارمة فإنه كان من المتوقع التخلص من الجندي باستخدام أي أداة حادة أو حتى حجر فهو لم يشهر سلاحه ودخل في تشابك جسدي غير متكافئ.

اعتقد ان حماس هؤلاء الرجال لا يكفي وحده ولابد من تدريبهم على اجراءات وقائية تفترض اسوأ الاحتمالات، مثل أمر المشبوه بالانبطاح قبل الاقتراب منه، وطلب التعزيز بمجرد رفضه الانصياع للأمر وتدريب الأفراد على سبل الدفاع عن النفس وسرعة التصرف وتقدير نقاط القوة والضعف في الخصم وعدم الاستهانة به.

إن سبل الاحتياط والوقاية لا تتعارض مطلقاً مع الشجاعة بل هي من عناصر الشجاعة وطالما ان فرق التعزيز ستصل بهذه السرعة والكم الهائل فما المانع من طلب التعزيز بمجرد استشعار الخطر؟!

من جهة أخرى فإنه لابد من تكثيف توعية المقيمين، خاصة العمالة محدودة الوعي، بأن مرافقته للشرطة لا تعني نهاية المطاف أو نهاية أمله في كسب العيش وأن له حقوقاً مصانة وكل ما عليه هوالتجاوب مع تعليمات رجل النظام وعدم المقاومة أو الرفض وعلى الكفيل أن يتحمل مسئولية عدم توعية العمالة بحقوقهم وواجباتهم بل أخال بعض الكفلاء أو كثيراً منهم مسئولون عن إخافة عمالتهم من الشرطة إلى درجة جعلت أمر دخول سيارة الشرطة بالنسبة لهم تعني نهاية كفاح وكد سنوات العمر فصاحبنا المشبوه هذا قادتني رغبة استكمال الملف الصحفي لهذه القصة ان أتابع أمره في دائرة الشرطة فاتضح ان خوفه من سيارة الشرطة جعله مثاراً لريبة رجل الدورية وسبباً في تلعثمه عند سؤاله عن الإقامة ثم رفضه دخول السيارة ومقاومته الشديدة معتقداً انه سيعاد إلى بلاده رغم ان إقامته نظامية ومرحباً بها، لقد كان صغير السن كبير الجسد شديد الخوف من الشرطة، وهذا كل ما في الأمر!!

فرسان التفسيرات

المؤكد أن هواة التفسيرات والتأويلات يشكلون مشكلة اجتماعية كبرى، لأنهم يعتمدون على حدس وظن تشوبهما رغبات شخصية كامنة، كأن يكون الشخص في داخله يتمنى أن تكون تقصد فلاناً أو علاناً فيعتقد ويروج أنك تقصده.

والتأويلات والتفسيرات ظواهر اجتماعية لا يخلو منها مجتمع أياً كانت درجة وعي وثقافة أفراده ولكن النسب تختلف.

أتصور، والله أعلم، أن درجة الشفافية والوضوح أكثر تأثيراً في ظاهرة التفسيرات من درجة الوعي، بمعنى أنه كلما زادت درجة الشفافية قلت فرصة نمو التفسيرات أو تواجدها في أي مجال كان.

حتى الالتزام بالمبادئ والأخلاقيات إذا أجبرتك على التكتم وعدم الوضوح فقد يؤدي إلى تزايد التفسيرات والشكوك.. خذ على سبيل المثال لو أن شخصاً فاضلاً صاحب مبادئ وأخلاقيات رفيعة أراد وعظ الآخرين ونصحهم مستدلاً بقصص ومواقف مشينة لأشخاص لم يرغب في إيراد أسمائهم من باب الستر عليهم أو اجتناب الغيبة فإن هذا التحفظ رغم انه بني على حسن نية وخلق حميد فإنه قد يجعل كل واحد من المستمعين يسرح بخياله ويجتهد في توقع الشخص المقصود وربما أعطى لنفسه الحق في إعلان توقعاته بما يسيء لعدد من الأبرياء.

الكاتب إذا لم يتمتع بهامش كاف من الحرية فسوف يضطر إلى التلميح بأسلوب يساعد على تعدد التفسيرات وتنوعها ويصبح النقد وسطاً ملائماً لنمو التأويلات والتخمينات بحسن نية أو بسوء نية، وقد يصل الأمر إلى حد الخطر لأن هواة التفسيرات ليسوا جميعاً من ذوي النوايا الحسنة، بل ليسوا جميعاً من الهواة فمنهم العديد من المحترفين الذين يتحينون فرص الإيقاع بين الناس ويجيدون استغلال عدم قدرة الكاتب على الإيضاح.

ومثلما أن هناك من يصطاد في الماء العكر فإن ثمة من يصطاد في الأسلوب الحذر ليروج للتفسيرات والتخمينات وتحديد المقصود حسب ما يعتقد أو حسب ما يرغب.

إن عدم الوضوح يجعل القارئ كمن يسير في درب مظلم، تارة يستدل بصوت وتارة يستدل بلمسة فتسهل قيادته!!

وعدم القدرة على الإيضاح تجعل الكاتب كمن يتحدث بلغة الإشارة تحسب عليه كل حركة وإشارة وتترجم حسب نوايا المشاهد إلى درجة انه قد يهش ذباباً ويفسر على أنه يلطم!!

فـقراء الداخل أولى بالمعروف

منذ عامين شعرت بأن قنوات الصدقات بدأت تعاني من تحويل مصارفها من الأكثر استحقاقاً في الداخل إلى مستحقين في الخارج، فقد جرى تكثيف الحملات الإعلامية للتبرع للمحتاجين في الخارج في وقت يتزايد فيه شديدو الحاجة بالداخل ممن لا يسألون الناس إلحافاً، كما أن حملات التبرع للخارج تستخدم قنوات ميسرة للأغنياء لتقديم صدقاتهم وإخراج زكاتهم عن طريق حسابات بنكية بأرقام مميزة وآليات بنكية ميسرة في حين يحتاج ميسورو الحال المستحقون في الداخل إلى من يسأل عنهم ويصل إليهم.

في ذلك الوقت وتحديدا في شهر رمضان عام 1421هـ كتبت مقالتين احذر فيهما من تحويل قنوات مصارف الصدقات والزكاة من الأشد حاجة في الداخل الى المحتاجين في الخارج، وأوردت امثلة على شديدي الحاجة الذين يعايش حاجتهم وعوزهم العاملون في المستشفيات والمدارس ودوائر الشرطة ومجالات الخدمة الاجتماعية.

ولعل مطالبتي تلك لم ترق لأحد العاملين في إحدى المؤسسات الخيرية فتجاهل كل مواقع الحث على الأقريين وانهم اولى بالمعروف وراح يدافع بشراسة عن التوجه الى فتح قنوات الصدقات للخارج عبر المؤسسات الخيرية المتعددة متجاهلاً فقراء الداخل (عفا الله عنه).

وفي هذا الشهر الفضيل رمضان عام 1423هـ كثرت المطالبات للمؤسسات الخيرية بأن تهتم بالفقراء في داخل المملكة وتبحث عنهم لأن ثمة محتاجين شديدي العوز وبعض هذه المؤسسات لازالت منشغلة بجمع الصدقات للخارج وقد واجهت تلك الجمعيات في هذا الصدد نقداً شديداً وهادفاً مدعماً بالأمثلة والحجج.

ولعل أجمل ما قرأت في هذا الخصوص مقالا في صفحة “الرأي للجميع” بهذه الجريدة بقلم الاستاذ عبدالله الصالح الرشيد وهو مدير تعليم سابق تحت عنوان (مؤسساتنا الخيرية للخارج بالقنطار وللداخل بالقطارة!!) في عدد يوم الاثنين السادس من رمضان 1423هـ أقترح على كل مهتم بهذا الامر أن يقرأه بتمعن كما ان الاستاذ عبدالله الفوزان تناول نفس الموضوع بقلمه المخلص الحاد اضافة الى اقلام أخرى مما يدل على أن الموضوع بدا يحظى باهتمام كبير غير اهتمام الفقير إلى عفو ربه كاتب هذه السطور .. ولعل هذا الاهتمام بل شبه الإجماع هذا يقنع صاحبنا في تلك المؤسسة الخيرية بعد عامين من اعتراضه، بل لعل هذا الشعور شبه العام بوجود خلل في التوجه الحالي لتلك المؤسسات يجعل الدولة واهل العلم ينظرون في هذا الامر بما يحقق الصالح العام والمسلك الصحيح ومن ثم يتم توعية الناس بالمصرف الأفضل، والله أعلم.

اضحك مع المعارف

لا أدري هل ستبكي أم ستضحك عند قراءة الموقف التالي!!، أنا شخصياً ضحكت لأنني ربطت بين ما حدث من تقصير في الأساسيات وبين ما نقرأه عن نية وزارة المعارف تعميم الحاسب الآلي ومشروع “وطني” ورعاية الموهوبين وكل تلك الأقمشة البراقة التي تستخدم لتكبير جزء من “جسد” الوزارة!!.

دخلت الطالبة(هـ. ن. د) إلى الفصل لأداء الاختبار الشهري لمادة الأدب مع زميلاتها في المرحلة الثانوية، وبدأت المعلمة في توزيع ورق الامتحان، ولأن للاختبار رهبة وهيبة وعدم ثقة فقد صنفت الأسئلة إلى فئتين مختلفتين: (أ) و(ب) حتى لا تغش الطالبة من جارتها. وعندما وصل الدور إلى الطالبة المذكورة كانت صور الأسئلة من فئة (أ) قد نفذت!! (غني عن القول أن تصوير الأسئلة يتم على حساب المعلمة ومن جيبها الخاص، لأن وزارة الكومبيوتر والموهوبين لا تعيراهتماماً لتأمين الورق!!).

عندما نفذت كمية الفئة (أ) قررت المعلمة البحث في الفصول الأخرى واستغرق البحث ربع ساعة وعندما لم تجد قامت بإبعاد الطالبات عن بعضهم بمسافة تكفي لعدم الغش وسلمتهن أسئلة من الفئة (ب).

ما حدث أدى إلى تأخير بدء هؤلاء الطالبات حوالي ربع ساعة، وعندما بدأن في الإجابة وبعد حوالي عشر دقائق جاءت معلمة الفصل المجاور إلى الطالبة (هـ . ن. د) وطلب منها الورقة لتصويرها لأن الأسئلة من فئة (ب) نفذت من الفصل المجاور أيضاً!! والمشكلة أن الأسئلة والإجابة في نفس الورقة!!، وكانت الطالبة قد أجابت جزءاً من الأسئلة رغم البداية المتأخرة والإرباك!!

استغرق التصوير قرابة 20دقيقة، كانت الطالبة خلالها على أحر من الجمر، ثم أعيدت لها الورقة لتفاجأ بأن كل إجاباتها قد طمست!! وان عليها أن تبدأ في الإجابة من جديد!! لأنه يستحيل تصوير الأسئلة دون طمس الإجابات!! وأخبرتها المعلمة أن الوقت الضائع محسوب!! ولكن من سيحسب ضياع الأعصاب؟!.

ولأن تعليم التلقين والحشو لا يفرغ إلا مرة واحدة ولا يستعاد بعد التفريغ فإن الطالبة المسكينة ارتبكت وضاعت حيلها ولم تستطع استرجاع ما لقنت إياه ودخلت في دامة وبدأت عليها أعراض الرعشة والتعرق ولم تجب كما يجب وعادت إلى أهلها في حالة ذهول مما حدث.

يقول علماء النفس ان حالة الذهول والإحباط تبلغ ذروتها عندما يتعرض الإنسان للمتناقضات في وقت واحد، وهذا ما تفعله بنا وزارة المعارف عندما تتحدث عن إزالة رهبة الامتحان وهي في الواقع تشعر الطلاب والطالبات أن الاختبار من الرهبة والأهمية بحيث يستلزم إجراءات مراقبة مشددة!! ليس بتكثيف المراقبين وحسب بل وبتفريق الممتحنين، وليس هذا فقط بل وبتغيير فئة الأسئلة!!، أي أن الامتحان بلغت رهبته حد الشك والريبة وافتراض سوء النية واتخذ أقصى التدابير الاحترازية!!

وتتحدث الوزارة عن تعميم أجهزة الحاسب الآلي واستخداماته والواقع يؤكد أن المعلمات يتبرعن للوزارة بالورق والتصوير وشراء آلة التصوير وإصلاحها وصيانته!!

هل لأن تأمين الورق لا يصلح خبراً صحفياً ولا يجتذب (الفلاشات) نتجاوزه إلى الحديث عن الحاسب والإبداع؟! هل نجهل أم نتجاهل بأن الحاسب والإبداع كلاهما لا يملان بلا ورق؟!.

قد يتبادر للذهن أن القصة التي أوردناها لا تعدو كونها موقفاً عابراً فريداً لكن الواقع يؤكد أن تأمين المستلزمات للمدرسة بات يشكل عبئاً ثقيلاً على المعلمات والطالبات، ولذا فإننا في الموقف آنف الذكر لا نلوم المعلمات أو مديرة المدرسة لأنهن حاولن جاهدات ترقيع ما يمكن ترقيعه لكن الشق أكبر من أي رقعة!!، فلا أحد يستطيع أن يساءل المعلمة “لماذا لم تتبرعي للمدرسة بمزيد من نسخ الأسئلة؟!” فالشحاذ لا يحق له أن يشترط.

نحن بكل بساطة نتساءل لماذا يفتقد التعليم لترتيب الأولويات؟! ولماذا أصبح التعليم لدينا ظاهرة صوتية إعلامية.