الكاتب: محمد الأحيدب

لنقاطع نشر العقوبات

أما وقد أصابنا اليأس من المطالبة بجعل العقوبة تتناسب مع النتائج المتوقع ترتبها على المخالفة فإنني أرى أن على الصحافة أن تقاطع نشر تلك العقوبات المتراخية لأنها تسهم في التشجيع على ممارسة شتى أنواع الجرائم والمخالفات.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجريمة الخطيرة التي نشرتها جريدة “الاقتصاية” في عدد يوم الأحد 5رمضان 1423هـ والمتمثلة في تستر صاحب مستوصف والمدير الطبي للمستوصف وأخصائي مختبر المستوصف على نتيجة تحليل دم خادمتين مصابتين بالايدز وجاء في الخبر أن وزارة الصحة عاقبت صاحب المستوصف بغرامة قدرها 70الف ريال مع “إنذاره” بشطب سجل المستوصف حال تكرار المخالفة وتغريم المدير الطبي خمسة آلاف ريال وأخصائي المختبر ثلاثة آلاف ريال وقد احسنت “الاقتصادية” صنعاً عندما نشرت بجوار الخبر تعليقاً يعترض على العقوبة ويقلل من شأنها مقارنة بالفعلة.

لنأخذ هذا المثال الحي (والأمثلة كثيرة) ونتساءل عن حجم الخسارة الإنسانية في الأرواح ومن ثم الخسائر المادية التي يمكن أن تترتب على التستر على عاملتين منزليتين كل منهما تحمل فيروس يشكل خطراً على العالم أجمع ويشكل عبئاً على الطب البشري لم يستطع بعد عمل شيء يذكر لعلاجه. ثم نأخذ في الاعتبار أن المتسترين كل منهم يعلم جيداً الآثار والأخطار المترتبة على هذا التستر فأحدهما صاحب مستوصف والآخر مدير طبي والثالث أخصائي مختبر، أي أن عذر الجهل بالنتائج مرفوض ولا يمكن أن يشفع هنا. بل على العكس فإن العلم بالنتائج ودرجة الخطر كبير جداً إلى درجة احتمال القصد بالضرر.

إن أنانية شخص يقدم على مثل هذا الجرم تؤكد أن صاحب المستوصف لم يكن ينوي الإبقاء على العاملة في منزله وهي على هذه الحال وكذلك المدير الطبي “الخبر أكد على أن الكفالة تعود لهما” ومن البديهي أنه سينقل كفالتها إلى غيره بعد التستر على الإصابة.

هذه العاملة المنزلية المصابة قد تنقل المرض إلى أي طفل في الأسرة بمجرد ملامسة دمها أو أحد سوائل جسمها لجرح في الطفل حتى ولو كان قرحة في موقع تغيير “حفاظة الطفل”، كما أنها قد تتعمد نقل المرض شأنها شأن كثير من مرضى الايدز إذا نقص الإيمان فإذا أصيب الأب أو الابن أو الزوجة بأي وسيلة من وسائل انتقال المرض فلوزارة الصحة أن تحسب عدد أفراد المجتمع الذين ستنتشر فيهم العدوى والنتائج في فقد الأرواح وتكلفة الرعاية الطبية والاجتماعية والنفسية لأسرة بريئة ومجتمع أكثر براءة.

عندئذ أرجو أن تعيد لجنة الوزارة الموقرة النظر في العقوبات وستجد أن غرامة 70ألف ريال لا تعادل “الصعقة” النفسية لأب أسرة علم أن أحد أفرادها مصاب بهذا المرض!! وأن إنذار صاحب المستوصف بشطب سجل المستوصف لا تعدو “نكته” سمجة فهل أشد من صورة مريض الإيدز إنذاراً لمن في قلبه ذرة من إحساس.

عجباً صاحب مستوصف يتعمد نشر الإيدز ونكتفي بأن نقول له “لا تعود لها وإلا” والعاجز عن دفع تكاليف العلاج يحتجز في المستشفى الأهلي حتى يدفع!!، يالها من مقارنة!!.

خمسة آلاف غرامة المدير الطبي وثلاثة آلاف ريال غرامة أخصائي المختبر وكأنهما ارتكبا خطأ طبياً غير مقصود!! وكأني باللجنة الموقرة قد أخذت قد أخذت في الاعتبار راتب كل منهما وخصمت راتب شهر.

لم تنظر اللجنة في تعمد التستر على أمر خطير وما يمكن أن يتبعه من جرائم إذا بقي هؤلاء يمارسون تلك المهنة الحساسة!!.

من أقدم على تلغيم المجتمع بمريض إيدز هل سيتردد في تمرير أي مرض معد آخر بل هل سيتورع عن إجراء عملية إجهاض؟! أو حتى عملية قتل؟! وأي عذر يبيح لنا إبقاءه ليمارس المهنة وقد فعل ما فعل حتى وإن كان تحت ضغط صاحب المستوصف.

إنني أرى أن نشر هذه العقوبات المتخاذلة لن يفلح إلا في زرع الطمأنينة في قلوب المجرمين، لأن أحداً لا يحلم بمثل هذه العقوبات المخففة مثلما أنني لا أحلم بكشف سر تخفيفها.

رفع تعرفة الماء!!

أشفق على ذوي الدخل المحدود عندما “يتقاطون” لشراء جريدة وينكبون عليها متلهفين ثم يجدون تصريحاً أو تلميحاً إلى زيادة تعرفة خدمة أو رفع رسوم أخرى!!

نفسياتهم وإمكاناتهم ودخلهم حقاً لايسمح حتى بمجرد “مزحة” تلوح إلى رفع التعرفة!!

ومن حق معالي وزير المياه أن يعلم أن ما ذكره حول “عدم النية في القريب العاجل لرفع تعرفة الماء” عبارة غيرة مطمئنة بل مخيفة لأن أهل الكهرباء قالوها وفعلوا، وأهل الهاتف لمحوا وفعلوا، ثم قال وزير المواصلات شيئاً عن رسوم الطرق وسيفعل.

ومن حق وزير المياه أن يعلم أن الوضع بالنسبة للماء يختلف، خاصة وأنه غاب بضع سنين في عاصمة الضباب وربما فاته بعض ما حدث في عاصمة “الوايتات”.

مصلحة المياه مدانة للسواد الأعظم من المشتركين خاصة في أحياء ذوي الدخل المحدود بمبالغ مالية كبيرة دفعها هؤلاء لأصحاب “وايتات” الماء عندما أخفقت المصلحة في تلافي أزمة الماء ناهيك عن الإبطاء في حلها.. “وصل سعر الصهريج إلى 1800ريال” أي أن هؤلاء دفعوا في أسبوع ما كان يفترض أن يدفعوه في عشرين سنة مقارنة بمن لم ينقطع عنهم الماء ويدفعون 22ريالاً كل ثلاثة أشهر. وبعملية حسابية جد سهلة تجدهم دفعوا في ثلاثة أشهر ما يفترض أن يدفعوه في 240سنة (أرجو أن لا تستخدم المعادلة في التدليل على أن الماء يجب أن يرفع تعرفته وتذكروا أننا نتحدث عن استهلاك ذوي الدخل المحدود، الدخل الثابت منذ سنوات الطفرة!!).

مصلحة المياه مدانة لأعداد غير قليلة من المشتركين بمبالغ كبيرة دفعوها بسبب قراءة خاطئة للعداد أو بسبب عداد طائش أعطى رقماً فلكياً للاستهلاك وأجبر المشترك على الدفع على أمل فحص العداد وإعادة المبلغ ولم يحدث شيء من هذا.

من ناحية أخرى، هؤلاء لا علاقة لهم بما يحدث للماء فليس لديهم حدائق غناء ولا مسابح ولا مضخات ضغط ولا ينابيع جاكوزي دافئة وأخرى باردة فلماذا هم دائماً شركاء في الخسائر ممتنعون في المكاسب؟!

في صدد ترشيد استهلاك الماء ثمة ما هو أهم وأولى على جدول الأولويات من التلميح إلى زيادة التعرفة على من يدفعها الا وهو تحصيل المبالغ ممن لا يدفعها وفرض التعرفة على من لا يعرفها!!

قبل أن نفكر في رفع التعرفة الحالية من رقم إلى آخر على الجميع، لنبدأ برفع التعرفة من صفر إلى الرقم الحالي على من لا يدفع فالماء السائب يشجع على الهدر!!

إذا تخلصنا من أسباب الهدر الحقيقي فيما يخص قنوات الاستهلاك فئة (الأربعة بوصة) فمن حق الوزير ومن يشد أزره أن نطبع على رؤوسهم “أربعة بوسة” ونقول ارفعوا التعرفة الآن ولن يفعلوا لأنهم لن يحتاجوا إلى ذلك.

صندوق الطرد أم المسبح؟!

هذا الرأي لا يلغي حقيقة أنني واحد من كثير من المعجبين بالنهج المعلن لمعالي الدكتور غازي القصيبي وتطبيقاته في الفرص القصيرة التي أتيحت له بين حين وآخر.

لكنني كنت أتمنى لو أن وزير المياه كان أكثر واقعية وهو يرتب أولويات ترشيد استخدام سر الحياة وعصبها في مؤتمره الصحفي الذي عقد الأسبوع الماضي، خاصة وأنه يخاطب جميع فئات المستهلكين للماء في المملكة وهؤلاء عددهم يفوق 24مليون نسمة وإقناع هذا العدد أو السواد الأعظم منهم لا يمكن أن يتحقق دون مقارنة علمية منصفة ومحايدة، غنية بالوضوح والشفافية بعيدة كل البعد عن التحفظ الممقوت.

معالي وزير المياه تحدث عن التوجه لفرض نوعية من أجهزة طرد المياه “صندوق الطرد” ومنع بيع الموجودة منها حالياً في الأسواق لأنه يستهلك كميات كبيرة من المياه. وصندوق الطرد لمن لا يعرفه هو ما نسميه “سيفون” وهو صندوق وضيع يضيع الماء بأسلوب مخادع خفي عندما يخونه أسفله!! وجميل جداً أن نحدد مواصفة قياسية لهذا الجهاز أو الصندوق تحمينا من خدعته الدنيئة، وتحقق ترشيداً لاستهلاك الماء.

لم يساورني أدنى شك في أن صناديق الطرد أكثر من المسابح في مجتمعنا وأي مجتمع!! ولكن شعرت بحالة ارتباك وذهول وتساؤل مقلق، هل يمكن أن يكون الهدر في ذلك الصندوق الحقير أكثر من هدر الماء في المسبح؟! وإذا كان التفوق العددي للصناديق يعادل الفرق الهائل في حجم السعة بين مسبح وصندوق، فهل يصل الفرق إلى حد إهمال المسابح مقارنة بـ السيفونات”؟!

لم يتطرق النص ولا الجداول الإيضاحية للمسابح مطلقاً، وأحسب أن الفرق لا يصل إلى حد إهمال المسبح وذكر غسالة الملابس والدش!!ربما أن للمسبح “هيبة”!!” تحول دون مقارنته بصندوق الطرد على أساس أن السيف ينقص قدره إذا قيل أن السيف أمضى من العصا، وهذا معناه أن المسبح أعظم في الهدر أيضاً وأجدر بأن يذكر في المؤتمر الصحفي.

الاستراحات الخاصة، واستراحات التأجير، والفنادق والفلل والقصور جميعها بها مسابح تحاول تقليد البحر، وأعرض من النهر، وبعضها يُغَيّر ماؤها بصورة استنزافية على أساس أن “جلد مهوب جلدك جره على الشجر”، وهذا يؤكد أهميتها كقنوات هدر ترفيهية، غني عن القول أنه يمكنك أن تعيش بدون مسبح ولكن لا يمكن للصرف أن يكون صحياً بدون صندوق طرد!!

لكي يتعاون الفرد، أي فرد، يجب أن يقتنع، ولكي يقتنع بفرض صندوق طرد وإزالة آخر يجب أن نشعره بأننا نولي اهتماماً لتفعيل الترشيد في القنوات الأخرى المشابهة في حجم الهدر مثل المسابح وطريقة سقي الحدائق الغناء وينابيع الجاكوزي الدافئة والأخرى المبردة والنوافير والشلالات وإلاّ فإنه سيعتقد أننا نغص بالإبرة ونبلع الهيب فيكون قرارانا غير مهيب!!

حامينا من يحميه؟!

رجال مكافحة الغش التجاري بوزارة التجارة يعملون ليل نهار، دون كلل أو ملل وبدون تشجيع يذكر!! وواضح جداً ان وزارة التجارة حالفها التوفيق في رجال يدفعهم للعمل حب الوطن والإخلاص للمهنة والحماس والغيرة على أبناء الوطن، بل قل اننا كمستهلكين رحمنا المولى سبحانه فسخر لنا هؤلاء الرجال وحبب إليهم عملهم ووفقهم فيه.

جهود رجال المكافحة، قديمة بقدم الإدارة لكن الأضواء لم تسلط عليها إلا بعد ان أصبحنا أكثر شفافية ووضوح!!.

بقي ان ندرك ان عمل رجال مكافحة الغش التجاري مثله مثل مكافحة المخدرات عمل محفوف بالمخاطر يتعامل مع مجرم ترك الإنسانية جانباً ولن يتردد في عمل ما يعتقد أنه يبعده عن يد العدالة حتى لو كان طعن رجل مكافحة أعزل.

حماس رجال مكافحة الغش التجاري يضطرهم لمداهمة أوكار مجرمين في ساعات متأخرة من الليل وفي مستودعات منعزلة بعيدة عن الضوء صوتها معزول وبذلك فإنه يجب علينا ان نتحرك لحماية هؤلاء قبل ان نفقد أحدهم “لا قدر الله”.

وحماية المتحمس لا تكون بإجراءات تعيق خططه وإقدامه، لان تلك الإعاقة إذا حدثت فإن ردة الفعل الطبيعية للمتحمس الشغوف بأداء الواجب ستكون بالاستمرار على النهج الخطر منعاً لاي عائق أو إفساد للخطط المحكمة.

حماية رجال مكافحة الغش التجاري ضرورية عن طريق فرق مساندة وتعزيز مسلحة ومدربة للتدخل السريع لكبح جماح المجرم فور محاولته استخدام القوة أو الفرار.. وهذه الفرقة المسلحة ستشكل رادعا وقائيا يجعل المجرم يلغي من ذهنه فكرة المقاومة كما أنها تعطي هيبة وجدية لعملية المداهمة سواء في نظر المجرم أو من تسول له نفسه الإجرام.

كلنا ثقة في ان الجهات الأمنية لن تتردد في تقديم العون والمساندة والحماية لرجال مكافحة الغش التجاري، كما ان التنسيق في هذا الخصوص بما يحقق لعب كل فريق دوره بإحكام سيكون على درجة عالية من التفاهم والمرونة لأن الهدف واحد وهدف نبيل، يحقق حماية المستهلك الذي هو أنا وأنت وأخي وأخوك وأسرتي وأسرتك.

دعونا نتصور في جانب الغذاء والدواء فقط كيف ستكون حال موائدنا لولا جهود أولئك الرجال: موائد غذائية طازجة جاهزة للأكل معدة في دورات مياه، لحوم قطط وكلاب في مطاعم كبيرة وجماهيرية، بيض فاسد يوزع في جميع المناطق منذ ثماني سنوات، دقيق وعجين ومواد أولية لتجهيز الخبز والمعجنات في أماكن موبوءة بالحشرات والصراصير والقوارض. مخللات مسمومة منتهية الصلاحية، أدوية أساسية للحياة غير فعالة انتهى تاريخها واعيد تجديد لواصقها كفيلة بأن تفقدنا أحد أو كل أحبابنا دون ان نشعر بالسبب (يموت كثير من مرضى السكر والضغط والقلب فجأة رغم انتظامهم في تناول الأدوية، ورجال مكافحة الغش فتحوا الباب أمام تفسير لم يكن في الحسبان بعد كشف فضائح تزوير التواريخ المنتهية).

من يقف ليحمينا من كل هذه المنغصات ويكشف ستر من يغرر بنا في مأكلنا ومشربنا ونحن آمنون الا يحق له ان يأمن على نفسه؟! الا يستحق التشجيع والمكافأة؟!.

العقوبات يا أولي الألباب

من المستغرب كثيراً والمحير جداً أن تأخذنا الشفقة بمرتكبي جريمة تغيير تواريخ الأدوية منتهية الصلاحية وإعادة توزيعها على أنها أدوية جديدة صالحة للاستعال وهي ليست كذلك.

الزميل خالد أبا الخيل بمفرده وهذه الجريدة “الرياض” على وجه الخصوص نقلت لنا عشرات الحالات من مداهمة أوكار تزييف تواريخ الأدوية لآلاف الأصناف من الأدوية الأساسية والتي يفترض أن تنقذ الحياة لو كانت سليمة ومن شأنها القتل أو إهدار صحة المريض وانتكاسها تماماً طالما أنها غير فعالة.

الغرامات ما زالت تحوم في فلك عشرات الآلاف، لكن الغرامة لا يمكن أن تقارن بحجم الجريمة ولا حتى بحجم المكاسب غير المشروعة عند ارتكابها، أي أن كل المعادلات الحسابية تصب في صالح استمرار تفشي هذه الظاهرة الخطيرة التي أصبحنا نطالع ارتكابها مع كل مطلع شمس مما يؤكد أن العقوبة ليست رادعة ولا مجدية ولا تستحق الجهد والمخاطرة التي يبذلها رجال وزارة التجارة الأشاوس.

عندما يتم القبض على مروج البيض الفاسد والذي كان يوزعه على مطاعم العاصمة قال ما كنا نحذر منه منذ سنوات.. رد على فريق المداهمة قائلاً “ماذا ستفعلون؟! تسفرونني إلى أهلي؟!، لقد حققت في ثماني سنوات من بيع البيض الفاسد أموالاً تكفيني بقية حياتي وسيكون التسفير على حسابكم!!”

هذه عينة من بقية إنسان أشد فساداً وأخطر من البيض الذي روَّجه لمدة ثماني سنوات.. ومروجو الأدوية الفاسدة هم أشد خطراً وأقل إنسانية،ف فماذا تأخذنا بهم الرأفة التي تؤكدها تلك العقوبات المتراخية، المشجعة، المطمئنة لهؤلاء المجرمين؟

أمقت أن نحسب كل خسائرنا بلغة المال لأن تنغيص الصحة على إنسان أهم من أي منظور مالي. ومع ذلك دعوني اقترح على معالي وزير الصحة وهو غني عن شهادتي له باحساسه الإنساني المرهف ووطنيته وحماسه، اقترح أن يقتطع يومين فقط من عمل عدد من الأطباء السعوديين الممارسين المشهود لهم بخلفية أكاديمية بحثية وعدل في إجراء الدراسات وربط النتائج ويطلب منهم تقريراً علمياً محايداً عن أثر جريمة ترويج أدوية غير فعالة أو فاسدة على الاقتصاد الصحي وأقصد هنا تكلفة تنويم وعلاج ورعاية وإعادة تأهيل مريض انتكست حالته الصحية وتدهورت بسبب انقطاعه عن الدواء الفعال بتناول دواء منتهي الصلاحية. لا أطالب أن تشكل الدراسة الأثر على إنتاجية الفرد وعمله وحالته النفسية ووضع أسرته ثم وضع المجتمع ككل فهذا شأن وزارة الشؤون الاجتماعية.

دعونا نقصر الدراسة على حساب تكلفة محاولة تصحيح آثار الجريمة من منظور صحي وسنجد أن الغرامة لا تعادل تكلفة يومين في العناية المركزة لمريض سكر او ضغط عانى من تناول دواء غير فعال.

جميل أن نبدأ فعلياً في تطبيق عقوبة التشهير في الصحف والأجمل أن لا يعفى من هذه العقوبة كائناً من كان. أما الغريب فهو ان يطول انتظار تطبيق عقوبة السجن الطويل لهؤلاء المجرمين وأن يطول انتظار تطبيق غرامة المليون ريال على كل من ارتكب هذا الجرم مهما كانت الكمية المضبوطة.

فقط تذكَّر كلمات التهكم من مروج البيض الفاسد وستجد أن العقوبة الحالية ليست مطمئنة للمجرم وحسب بل مشجعة لغيره من ضعاف النفوس. هل تريدون الأغرب من هذا وذاك؟ الأغرب أن تحديد العقوبات يتأخر كثيراً ويسبقه أخذ ورد يطول، بينما ترتفع فواتير الخدمات بين عشية وضحاها وكلاهما مصدر دخل وطني.

اجترار الكفاءات

واقع حالنا يشير إلى أنه ما من سبيل لبروز المزيد من الكفاءات الإدارية القيادية في وزاراتنا وإداراتنا ومؤسساتنا العلمية والفنية.

ذلك أن الأسماء التي تدور في فلك البروز إلى الساحة تبقى ثابتة سنوات عديدة لعدم توفر فرص البروز لغيرهم، فالفرص تكون ضيقة للغاية، إما عبر تزاحم المرافق للخروج إلى الناس من إحدى قنوات الإعلام والتعريف بالنفس والمؤهل وبعض الأفكار أو من خلال ترشيح خِلّ وفيّ أضحى نادراً هذه الأيام لأن “كل يحوش النار على قريصه” والقريص هنا أصبح لا يعدو الابن أو الصهر في الحالتين يقف خلف الترشيح امرأة، إما أم أو زوجة!!

أحد أهم أسباب هذا الخلل، كما أعتقد، هو أن كل صاحب منصب لا يتيح أدنى فرصة لغيره لأن يبرز بل يحاول جاهداً أن يحيط نفسه بمجموعة من المقربين ممن لا يخشى من بروزهم، إما لعدم تأهيلهم أو عجز قدراتهم الذهنية عن تحقيق إبداع يبرزهم أو للضعف الشديد في شخصيهم الإدارية وسهولة السيطرة عليهم!!

وفي كل الحالات تلك تعاني الوزارة أو الإدارة أو المؤسسة من ضعف المراكز التي يفترض أن تكون قوية ونشوء مركزية قاتلة وضعف في معظم أركان الإدارة لأن المدير أراد أن يكون القوي الوحيد، الحاضر في كل صورة.

والأخطر من هذا كله هو شعور خاطىء بندرة الكفاءات والمبدعين وهنا لا يصدق قول الشاعر (وتسابقت عرج الحمير فقيل من قل السوابق!!) لأن السوابق موجودة وكثيرة لكن المدير لا يريد أن يدخلها إلى مضمار السباق خوفاً من أن تسبقه هو.

حتى فرص البروز الطبيعية يصر بعض المديرين على حجبها تماماً عندما يتقدم الموظف المبدع بذاته بتقديم فكرة خارقة إبداعية، لكن المدير يرفعها باسمه هو بدلا من اسم الموظف المبدع، وكم من مدير سرق إبداع موظف ليس بهدف السرقة ولكن منعاً لبروزه!!.

كيف للكفاءات الوطنية والدماء الشابة أن تصل، وتبرز، وتكتشف إذا كنا نقفل كل سبل البروز ونقصرها على من وصل بطريقته الخاصة؟!

أقترح أن نسارع في إيجاد سبل لاكتشاف القدرات الإدارية الكامنة أو المكتومة عنوة بإرادة ورغبة وأنانية صاحب المنصب وأن نبحث عنها ونتيح قنوات عديدة لوصولها دون تدخل المديرأو رئيس الموظف.

ما لم نفعل ذلك فإننا سنبقى نجتر الكفاءات أو أصحابها اجتراراً وكأنه لا يوجد في هذا البلد إلاهذا الولد.

جواب كومبيوتر المعارف

تطرقت في زاوية يوم السبت الماضي إلى ما أسميته الأفكار الاستفزازية التي يسبق القول فيها العمل وذكرت على سبيل المثال فكرة وزارة المعارف في تعميم استخدام الحاسب الآلي في المدارس بنين وبنات قبل تحقيق أولويات هامة يجدر بأي مبنى مدرسي قابل للتسمية أن يحققها ومنها على سبيل المثال لا الحصر درجة حرارة مناسبة للبقاء ناهيك عن التركيز وأعني أن يكون الفصل باردا صيفاً دافئاً شتاء زجاج نوافذه سليمة تمنع دخول الغبار والهواء الحار في الصيف شديد البرودة في الشتاء وأحسب أن دورات المياه الصحية هامة أيضاً.

ويبدو أن وزارة المعارف لم تتحدث عن تطبيق نظام الحاسب الآلي لتؤمن متطلباته لتكون على حساب الأساسيات الهامة. بل إن الأمر أخطر من ذلك بكثير فهي جادة في الحلم بإدخال نظام الحاسب الآلي دون توفير أبسط المتطلبات وإليكم بعض الأمثلة.

عمّم تعليم البنات على المدارس بضرورة إدخال الحاسب الآلي في أعمال المدارس بدأ بالفصل الدراسي الأول لهذا العام “الفصل الحالي الذي مضى منه أكثر من شهر” على أن تصدر الشهادات وتدخل المعلومات عن الطالبات ابتداء من هذا الفصل.

أين أجهزة الحاسب الآلي؟! وهل استحدث وظائف جديدة لمدخلة المعلومات أو مشغلة كمبيوتر؟! وكيف حال التدريب على استخدامات الحاسب الآلي؟!

الأجوبة مضحكة بل مبكية وإليكم بعضاً منها:

على المدرسة أن تؤمن أجهزة الحاسب الآلي التي ستحتاجها وذلك من ريع “المقصف” والمقصف ربما نسي تعليم البنات أن الوزارة أوكلته إلى شركة وأن نصيب المدرسة منه نسبة ضئيلة لا يتعدى ريعه الشهري ما معدله 5000ريال “شهرياً” وهذا المبلغ لا يكفي لشراء جهاز واحد تايواني مجمع مع مستلزماته..

والموظفات أن يجمعن قيمة الأجهزة التي يحتاجها تنفيذ التعميم من جيوبهن الخاصة بنظام “القطة” وبعض المدارس بدأن هذا الأمر بالفعل. مسكينة هذه المعلمة هل ينهبها الزوج أم تتبرع للوزارة؟! “تهرب من الفار فتحجرها القطة”!!.

بخصوص إدخال المعلومات فلم تستحدث في المدرسة أية وظيفة مدخلة بيانات ولا وظيفة مشغلة حاسب آلي وعلى المراقبات أن يقمن بهذا العمل دون الحصول على بدل العمل على الحاسب الآلي (20%) بالمناسبة هذا البدل تستلمه ناسخة الآلة!! ولم يصدر من الوزارة ما يشير ولو إشارة إلى احتمال دفعه للمراقبة أو الإدارية التي أوكل إليها إدخال بعض المعلومات.

أما التدريب فقد أمنت الوزارة مدربات في إحدى المدارس ليقمن بتدريب الإداريات والمعلمات على إدخال المعلومات واستخدام برنامج جديد “اسمه برنامج وزارة المعارف” بعد أن عمم عليهن في العام المنصرم استخدام برنامج “طالبات” أو “مستكشف” أو “خلايا”!!.

الأدهى والأمر أن على المعلمات أن يتدربن على إدخال المعلومات مقابل تقليص النصاب التدريسي وبطبيعة الحال فإن معلمة أخرى سوف تتحمل عبء تقليص النصاب عن زميلاتها أما الطالبات فسوف يتعرضن لتغيير المعلمة للمادة الواحدة وسيتحول الفصل الدراسي إلى “كومبارس” يردد أغنية “ماما فين” (أعرف أن الأصل “بابا فين” وسيحدث هذا تلقائياً عندما تكون أنوفهم مزكومة من البرد والاستغراب)!!.

أما حال التدريب فهو ساعتان يومياً لمدة أسبوع (كان التدريب منذ سبع سنوات يوما كاملا لمدة أسبوعين) يبدو أن إستعجال الوزارة لا ينطبق على التصاريح فقط!!.

السؤال العريض هو كيف للتعليم بشقيه أن يحلم بإدخال تقنية الحاسب الآلي في جميع المدارس دون أن يتكفل بشراء الأجهزة ولا توظيف مدخلي المعلومات ولا تطبيق نظام تدريب طويل الأمد في الموقع المستهدف ويريد لكل هذا أن يتم خلال هذا الفصل الدراسي مع تقليص النصاب على المتدربات من المعلمات وبنفس عدد الإداريات.

الحاسب الآلي نفسه لن يستطيع فهم ما يحدث ولكنه سيجيب على هذا السؤال العريض بكلمة تحذيرية واحدة “د ف ن س هـ”.

الافكار الاستفزازية

تكون الفكرة مقبولة لدى الناس “كل الناس” عندما تعالج احتياجا قائما ماسا يصنف ضمن اهم الضروريات ويقع في مقدمة قائمة الاولويات.

قائمة الاحتياجات لدينا طويلة جداً كوننا وطنا طموحا شاسع المساحة يهدف الى تعميم الخدمات ونشرها على مساحة كبيرة جداً ليتحقق ولو الحد الادنى من الفقرات الاولى علي قائمة الاولويات في كل مكان ثم ننتقل الى مرحلة اخرى اكثر اهمية من التي تليها وكانت اقل اهمية من سابقتها في ترتيب الاولويات.

تلبية تلك الاحتياجات ذات الاولوية والاهمية يحتاج الى جهد ووقت ودراسة متأنية واهم من هذا كله يستلزم ان يكون هدف الوزير المعني بالامر هو تلبية الاحتياج حسب اهميته لا حسب اضوائه، والشروع في المشروع مهما استغرق تنفيذه من الوقت بالطريقة الصحيحة ليكون بنية تحتية صلبة. لا ان يتم التركيز على افكار براقة ولكنها غير ممطرة، رعدها يهز الارض ولا يسيلها.

هذه الايام يكثر البعض او قلة منهم من الحديث عن افكار رنانة يستحيل تنفيذها وليست ضمن القائمة رقم (100) من الاولويات، ويسبقها (99) قائمة اساسية لا يمكن تجاوزها الى تلك الاحلام الاعلامية.

تستفز الانسان الجائع عندما تطلب منه ان يأكل “الكيك” اذا اشتكى من قلة الخبز.

وتستفز الطالب وولي امره والمعلم عندما تتحدث عن تعميم شبكة الحاسب الآلي او برنامج وطني ومبنى المدرسة حار صيفاً، بارد شتاءً، رياحه جنوبية شرقية مثيرة للاتربة والاوراق لأن نوافذ الفصل بلا زجاج.

المشكلة تكمن في استعجال كسب الرضى بعرض خطط وافكار اشبه بالاحلام واستعراض القدرة على التفكير مع وقف التنفيذ.

ولعل السبب في هذا الاستعجال هو الافتقاد الى انكار الذات، لان المشاريع الاساسية الواقعية يستغرق تنفيذها وقتاً طويلاً لا يتحمله من يستعجل تسجيل الحضور والاستمرار فيه.

اصحاب الافكار السريعة التي لا يسبقها إلا الاعلان عنها يذكرونني بمطاعم الوجبات السريعة حيث يكون “الهمبرجر” شهي المنظر يسيل له اللعاب مليئ بالمشهيات ومحسنات الطعم لكنه عديم القيمة غذائياً، ينهى عنه الاطباء، وتغطي الافق لوحاته الدعائية، سهل الاعداد، عسير الهضم.

صاحب مطعم الوجبات السريعة لا يأكل منه مطلقاً وهذه حقيقة لانه اول من يدرك انه “جنك فود” لا ينفع إلا علاجاً سريعاً لاشباع رغبة نهم وجوعة مدلل، وكذلك هي الافكار الرنانة الاستفزازية.

عيب يحرج الآخرين

رغم أن موضوع إعلان الطبيب عن نفسه كُتب عنه الكثير داخلياً ورغم أنه على المستوى الخارجي أمر مفروغ منه من حيث الرفض التام له ضمن أُسس أخلاقيات المهنة ونظم وقوانين المؤسسات المهنية والعملية والتي تركز على أنه لا يحق للطبيب أن يغري العامة بالإعلان عن نفسه أو أن تعلن عنه المؤسسة أو المستشفى الذي يعمل به.

رغم كل هذه الحيثيات إلا أن الإعلان عن الطبيب عندنا يأخذ أشكالاً وصيغاً وتعداداً غريباً غير مسبوق يفوق الإعلان عن أي سلعة أو منتج من حيث التعداد وصيغ المبالغة.

إذا قلنا إن الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة الصحة تجد لنفسها الأعذار من ضعف الإمكانات الرقابية وتلك المعنية بالمتابعة فأي رقابة وأي متابعة تحتاجها مخالفة معلنة تتصدر صفحات الصحف والمجلات والمتمثلة في مستشفيات خاصة أو عيادات تعلن عن اطبائها من الداخل والخارج وكأن الواحد منهم فريد زمانه في مجال تخصصه دون رادع أو رقيب؟!.

الموضوع برمته شاهد أكيد على أن المشكلة لا تكمن في ضعف الإمكانات البشرية أو المادية بل إن مربط الفرس هو في عدم الرغبة أو بصورة أوضح غض الطرف عن تلك المخالفة!!.

الطريف المحزن في الموضوع أن ضرر هذا السلوك المشين لم يقتصر علينا نحن وعلى مرضانا بل تعدى ذلك ليصبح مشكلة تؤرق المؤسسات والجهات التي جاء منها ذلك الطبيب سواء من الداخل أو الخارج فالطبيب أصبح يرفق الإعلانات المبالغ فيها ضمن سيرته الذاتية رغم ما فيها من مبالغات وخداع وإطراء يعلم الطبيب نفسه وهو أول من يعلم أنه غير صحيح لكنه يستخدمه ضمن ملف السيرة الذاتية لإحراج الجهة التي يعمل فيها أو التي سوف ينتقل إليها للاستجابة لطلباته كشخص أصبح “فلتة زمانه” في نظر المملكة بل في نظر تجارها ووزارة الصحة فيها.

ولأن المملكة من الدول المشهود لها بتقدم مهنة الطب والسبق في مجالات عدة فإن من الصعب أن تقنع كائناً من كان أن هذا البلد متقدم في مجال الرعاية الصحية والإجراءات الطبية لكنه متأخر جداً إلى درجة التخلف في مجال النظم الطبية!!

من الصعب جداً أن يتخيل شخص ما أن البلد الذي أصبح مرجعاً طبياً في فصل التوائم وجراحة القلب المفتوح لا يستطيع الفصل بين الإعلان التجاري وإعلان الطبيب عن نفسه ولا يستطيع فتح قلب أخلاقيات المهنة ليصلح العديد من الانسدادات في شرايينها!!

لقد أصبحنا نبهر الناس في الخارج بإنجازاتنا الطبية ونحيرهم بإهمالنا لمتطلبات أساسية يفترض أن تسبق تطور الطب ومن اهمها تطبيق أُسس وأخلاقيات المهنة.

الغريب أنه رغم قدم الطب لدينا وتجربتنا الثرية فيه إلا أننا مازلنا لا نعير اهتماماً لإعلان الطبيب عن نفسه، وفي المقابل فإنه رغم حداثة تجربتنا مع المحاماة إلا أن أبرز نقاط هذا النظام كانت تنص على أن المحامي لا يحق له الإعلان عن نفسه.

وأترك لكم الحكم على الفرق من حيث قدم الممارسة والخطورة في المخالفة وأثر كلا الإعلانين على “الزبون” وعلى سمعة البلد.

ثوبها والأعطاف مشلحه والأكتاف

الغيرة المهنية ظاهرة جديرة بالدراسة المتأنية والأهم من دراستها ان نأخذها في الحسبان قبل سماع رأي شخص في زميل عمله وأن نضعها نصب أعيننا عندما يتحدث احدهم عن الآخر بشيء من الذم أو التقليل من الأهمية أو يغتابه.

أنا هنا لا أقصد الغيرة على المهنة على وزن الغيرة على الحبيبة والتي يقول فيها الشاعر:

أغار عليها من أبيها وأمها

ومن دورة المسواك اذ دار بالفم

وأحسد أقداحاً تقبل ثغرها

إذا أوضعتها موضع اللثم في الفم

ولا أقصد غيرته على حبيبته حين قال:

أغار على أعطافها من ثيابها

إذا لبستها فوق جسم منعم

تلك هي (الغيرة على شخص) وهي غالبا محمودة إذا لم تصل الى حد الوسواس والعياذ بالله.

ما أقصده هي “الغيرة من زميل ناجح” وهذه أم المشاكل وواحدة من أخطرها خاصة اذا حدثت في مواقع عمل هامة يعمل فيها اناس يفترض انهم على درجة من الوعي ورقي الفكر والعلم.

ومكمن الخطورة هنا هو ان هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا اليه الا لأنهم اذكياء فإذا ما وقع ذكاؤهم تحت سيطرة قوى الغيرة من نجاح الآخرين فإن هذا الذكاء يمكن توظيفه للضرر أكثر من النفع.

أحاول القول إن حسد أو غيرة الذكي أخطر بكثير من حسد الشخص العادي، تماما مثلما أن المجرم المثقف أو المتعلم أخطر بكثير من المجرم متوسط الثقافة أو التعليم.

هذا ما أحاول قوله.. أما ما أطالب به بقوة فهو أن نتنبه جيدا إلى وجود هذه العلة النفسية وألا تغيب عن أذهاننا عند محاولة تفسير بعض السلوكيات أو التلميحات أو تقييم شخص لآخر وألا نكون (طيبون) جدا الى حد استبعاد أن يحدث هذا النوع من الغيرة في مواقع عمل يفترض أن ترتقي عن هذه السلوكيات.

علينا أن نتذكر أن الانسان كائن بشري قد لا يحدث التعليم ولا المنصب تغييرا يذكر في مشاعره، فهو يحب ويكره ويغار والمفترض ألا تتحكم هذه المشاعر في سلوكياته وتحدد مواقفه لكن هذا يحدث للأسف وعلينا أن نعترف بذلك ونحسب له الحساب.

الغيرة من نجاح زميل مهنة شعور لا نعترض عليه مطلقا لكن هذا الشعور يفترض ألا يتحكم في ردة الفعل تجاه ذلك النجاح فتتحول الى عدائية واذا حدث هذا في مواقع عمل نخبة المجتمع من وزراء أو أساتذة جامعات أو رجال فكر أو أطباء (وهو يحدث عيانا بيانا) فإن علينا أن نحسب له ألف حساب في حكمنا على شخص من واقع لسان شخص آخر.

وفي رأيي المتواضع أن خطر الغيرة يتناسب طرديا مع المنصب بمعنى أن الطالب أو موظف الارشيف أو موظف السنترال حين يغار من زميله فإنه يحاول أن يصبح مثله وهذا محمود.. أما أستاذ الجامعة أو الطبيب أو المهندس أو الاداري الكبير أو صاحب المنصب حين يغار من مثيله فإنه يحاول التقليل من شأنه وهذا هو الخطر الذي أنبه الى ضرورة التعامل معه بحكمة وحذر.

واذا كان الشاعر يغار على الأعطاف من الثياب حبا فإن الحاسد يغار من الأكتاف على المشلح كرها.. والله أعلم.