التصنيف: بصوت القلم

البعد الاجتماعي للقرار

بعض القرارات التي نتخذها وإن كانت تتخذ بعد دراسة مستفيضة إلا أن الدراسة تقتصر على الإيجابيات والسلبيات المرتبطة بنوعية القرار لكنها لا تشمل في الغالب تأثير الخطوة على جوانب أخرى كالجوانب الاجتماعية مثلاً.
وعندما نقول نوعية القرار فانما نقصد فئته، أي أن القرار إذا كان ذا طابع اقتصادي فإننا نركز في دراسته على مردوده الاقتصادي ومحصلة ايجابياته وسلبياته من هذا الجانب فقط ولا ننظر بشمولية في تأثيره على النواحي الاجتماعية والصحية وخلافه.

هذا يحدث غالباً في الخطوات والقرارات التي تتخذها وزارة أو مؤسسة بعينها ضمن صلاحيتها دون الرجوع إلى مجلس الشورى مثلاً، بل حتى فيما يخص المجلس فإن تعدد اللجان وإحالة كل موضوع إلى اللجنة المختصة قد يجعل تلك اللجنة تنظر إليه من منظور تخصصها دون الأخذ في الاعتبار الأبعاد الأخرى على مجالات مختلفة.

خذ على سبيل المثال لا الحصر القرار الذي اتخذ بشأن منح قنوات فضائية تجارية الحق الحصري لنقل مباريات كرة القدم خاصة في المسابقات المحلية.

هذا القرار نظر فقط إلى الايجابيات والسلبيات من منظور الاقتصاد الرياضي أو استثمار الأنشطة الرياضية، لم يأخذ في الاعتبار الآثار الاجتماعية والصحية لهذا القرار بل ربما لم تخطر له على بال.

اسمحوا لي أن أذكر ببعض السلبيات التي نجمت وسوف تنجم عن عدم نقل تلك المباريات عبر القناة الرياضية في التلفزيون السعودي، حيث يتابعها الأبناء وربما البنات مع والديهم وفي محيط أسري جميل ومترابط ومحكوم بأخلاقيات الأسرة الواحدة.

النسبة العظمى من الشباب هم من ذوي الدخل المتوسط أو المحدود أو ربما المعدوم وهؤلاء جميعاً لا تتوفر لديهم القناة التجارية التي تنقل المباراة حصرياً لذا فإن الطريق الوحيد المتاح لهم لمتابعة المباراة هو اللجوء إلى المقاهي (نسبة قليلة جداً من سكان المدينة التي تقام بها المباراة سيذهبون للملعب مباشرة).

تلك الاعداد الكبيرة التي ستتابع المباراة في المقاهي ستدخل وربما للمرة الاولى في أجواء التدخين والشيشة وربما ما هو أخطر.

غني عن القول إن أجواء الشد العصبي الناجم عن متابعة مباراة في كرة القدم هي أنسب الظروف لاضافة مدخن جديد وانضمام عضو حديث العضوية لعالم المعسل والشيشة.

أي أن أعداداً كبيرة جداً من أولئك الشباب الصالح الذين كان من الممكن أن يشاهدوا المباراة تحت أنظار والديهم وبين أفراد أسرتهم المحافظة تم تحويلهم إجبارياً إلى حيث يمكن أن يمارسوا التدخين والعادات السيئة الأخرى.

حسناً.. كم هو حجم الخسارة المادية التي سوف تتكبدها وزارة الصحة أو أي من القطاعات الصحية في علاج الأضرار الناجمة عن تدخين شاب واحد ناهيك عن آلاف الشباب من جمهور كرة القدم؟! (اقرأوا إن شئتم دعوى المستشفى التخصصي ضد شركات التبغ لتعرفوا الكلفة الحقيقية!!).

كم هي الخسارة المعنوية للمجتمع في تحول سلوك عدد من الشباب من شباب “بيتوتي” يعيش تحت رقابة والديه إلى شباب مقاهي شيشة؟!

أجزم أن ما نتكبده من خسائر مادية في شكل علاج لمضاعفات التدخين وأمراضه وعلاج للادمان على التدخين في عيادات مكافحة التدخين وما سندفع ثمنه من خسائر لا يمكن أن نعوضها.

أعتقد انه مثال واضح ومباشر للقرارات الاقتصادية التي لا تأخذ في الحسبان تأثيرها على النواحي الاجتماعية والصحية وهو مثال واحد لكنه ليس وحيداً ولك أن تقيس عليه غيره،وغيره كثير.

عرس الوزير

المتوقع وبحكم المركزية والمسؤولية التنفيذية وواجب الاطمئنان على سير عمل الوزارة أن الوزير لا يجد وقتاً يحك فيه رأسه!! لأن الوزارة لدينا وفي أغلب دول العالم الثالث هي الوزير، حيث لا تتوفر في الغالب ميكنة ونظم وإجراءات وتفويض مسؤوليات بالشكل الذي يضمن أن يتفرغ الوزير للتخطيط والتفكير ورسم الاستراتيجيات.
وحتى لو افترضنا توفر قدر كاف من تفويض الصلاحيات فإن الوقت الذي توفره هذه اللامركزية يفترض أن يستغل فيما ذكر من تفكير وتخطيط ووقوف على سير الأداء إلى جانب الوقت الأهم وهو استقبال الناس وسماع شكاويهم ومطالبهم على أساس أنهم المستهدفين بالخدمة والذين يعمل الوزير على تحقيق رضاهم وتلبية مطالبهم العادلة والمستحقة.

أي أن آخر شيء يفترض أن نفكر فيه هو أن يكون الوزير راعياً دائماً للاحتفالات التشريفية التي يقصد منها مجاملة وإرضاء لأصحاب فكرة تكريم يرغبون أن ينجح حفلهم بتشريف قمة الهرم في الوزارة وإلا فإن الحفل برمته سيفشل.

دعوني أطرح سؤالاً بريئاً جداً هو لماذا لا نجعل من الشخص المكرم النجم الأول للحفل كما نفعل مع العريس الذي نفرد له أجمل وأعلى الكراسي في منصة التتويج؟!!

حتى الوزير أو مجموعة الوزراء عندما يحضرون حفل زواج فإنهم يحضرون لأداء واجب زمالة أو صداقة أو قرابة لكن التتويج يبقى للفارس العريس.. ونفس الاستثناء يحدث في الجنازة حيث ينفرد المتوفى بحقه في الرفع على الأكتاف!!

أما في حفلات التكريم وجوائز التفوق العلمي فإننا نحرص بكل أسف أن نجعل نجم المحتفى بهم يأفل بالإصرار على حضور الوزير وتتويجه نجماً للحفل ليصرف النظر عن المحتفى بهم والمكرمين!!، بدليل أنه لو لم يحضر الوزير فإن خيبة الأمل تكون هي النتيجة وأن المناسبة تنقلب في شكل الوجوه من احتفال إلى مأتم ومن سعادة إلى حزن ومن تهنئة إلى تعزية.. حتى أن المكرمين أو الفائزين بجوائز التفوق العلمي لا يرون في وجوه الحضور ما ينم عن أن الحفل نظم للفرحة بهم وتكريمهم والفخر بهم وتهنئتهم.

في معظم أنحاء العالم الذي يقدّر الشخص المحتفى به حق قدره تكون “الفلاشات” للمكرم إلا عندنا فإنها تذهب للوزير والاستثناء كما ذكرت يكون للعريس والمتوفى!!

إذاً فإن سببين وجيهين يدعواننا إلى اقتراح تغيير هذا التوجه الذي شاع مؤخراً وأصبح ظاهرة تنافسية بين الأسر والقرى والهجر!!

السبب الأول هو عامل وقت الوزير، فلو استجاب وزير التربية والتعليم مثلاً لتلبية كل دعوات رجال الأعمال الذين يرغبون التكفل بجائزة تفوق علمي في قراهم ومدنهم فإن ذلك سيكون على حساب التفوق العلمي نفسه فقد يأتي الوقت الذي لا نجد فيه فرصة للتفوق لأننا لا نجد وقتاً لرسم استراتيجية صحيحة لوزارة هامة.

والسبب الثاني أن معالي الوزير بأريحيته وملكة الخطابة لديه وحب المحتفلين له سيصرف الانتباه عن الفائزين بالجائزة ويهمش وجودهم.

لنجرِّب حفلاً أشبه بالعرس لا مكان فيه لغير العريس والجائزة الجزلة والجمهور المحب.

ســـد الـذرائـع

الإنسان بطبيعته أسهل مما نتصور ونخاف ونحشى مع أنه يفترض أن نفهمه لأنه نحن.
سهل الإقناع والاقتناع، سهل النسيان والصفح، سهل أن يحرض ويستفز وسهل أن يكسب ويهدأ.

كل ما تحتاجه للتعامل مع الإنسان هو سد الذرائع ودحض الحجج، وغلق الأبواب التي تعبر منها الرياح.

يقول مثلنا العربي الشعبي “باب تجيك منه ريح، سده واستريح”، والأمثال هي نتاج الحكماء وأصحاب الخبرة والتجربة، ولذا فإنه يستحيل أن يكون الحكيم يقصد بسد الباب سده بالمعنى الظاهر للكلمة، أي بناءة وأنت بداخل المبنى!! منعزلاً مغلقاً على نفسك كل المنافذ والمداخل والمخارج.

سد الباب الذي تأتي منه الريح في قصد الحكيم هو سد الفراغ والتفريغ الذي يعاني منه المبنى ويسهل دخول الريح في تجويفه وزعزعته.

نحن في تعاملنا مع الإنسان أي إنسان نحتاج إلى سد الذرائع أولاً وإزالة مسببات دخول الريح ودحض الحجج بتطبيق عملي على الواقع.

مشكلتنا أننا نصرح ونعد ونقترح الحلول بل ونوجه بسرعة تنفيذها، لكن التنفيذ بطيء جداً ومؤجل دائماً إلى أجل غير مسمى ولا يحظى بالمتابعة والمحاسبة التي تليق بأهميته كونه سداً لذريعة تعرضنا للخطر.

إذا كانت الموجات فوق الصوتية تنفع في التشخيص فقط ولا تعالج فكيف لموجات الصوت أن تحدث علاجاً، ومشكلتنا كعرب أننا ننتشي بالقول بل نبلغ الحد الأقصى للنشوة عندما نفرغ من الحديث، بل إن كثيراً من أمثالنا يفهم منها خطأ تمجيد الصوت مثل “قابل صياح بصياح تسلم” ولعل هذا الاسلوب ينجح أحياناً ليس لأنه الحل الصحيح ولكن لأنه المناسب لطبيعتنا أو ما تعودنا عليه.

كما أننا نقول في الأمثال “إذا فات الفوت ما ينفع الصوت” وكأن الصوت وحده كان سينفع قبل فوات الفوت، والواقع ما كان لينفع وحده ما لم يتبعه عمل وهو الاستجابة لصوت الاستنجاد وخلافه.

خلاصة القول اننا في أمس الحاجة في وقتنا الحاضر والأعداء يحيطون بنا من خارج الوطن وخارج العالم العربي ومن الداخل أيضاً، يوسعوننا اتهاماً وقدحاً وحججاً، أقول إننا في أمس الحاجة لأن نعمل ونعمل فقط لسد الذرائع ودحض الحجج ومنع دخول الريح، ليس بسد الباب والانغلاق والانعزال في داخل أنفسنا ولكن بملء الفراغ الذي يجذب الريح وإصلاح كل مسببات خلق الذرائع بإصلاح أنفسنا وسلوكنا وكبح رغباتنا ونبذ الأنانية وإحلال حب الوطن والحرص على مستقبل الأمة مكان حب الذات والحرص على مستقبل أبنائنا فقط.

لقد خططنا كثيراً للإصلاح وعرفنا سبله ووسائله وتحدثنا عنها وناقشناها وبقي أن نفعلها على أرض الواقع ونجتذ كل حجر عثرة يعيق توجهنا الخاص والعام نحو إصلاح أنفسنا ومجتمعنا لنسد الطريق أمام من يستهدفنا.

بنك الدم فعل الأهم

عندما أوردت موقف عدم اهتمام قسم استقبال المتبرعين بالدم في مجمع الرياض الطبي بعدد من المتبرعين يوم تفجير مبنى إدارة المرور كنت أحاول أن أطلع القائمين على توفير هذا العنصر الحيوي المنقذ للحياة بأن جهودهم الجبارة والصلبة قد تنكسر على حجر صغير هو موظف الاستقبال في أي نقطة طرفية أو فرع استقبال، وكنت أدرك أن ثمة عدداً من المدراء التنفيذيين يفترض اطلاعهم على ما حدث سواء في مجمع الرياض الطبي أو إدارة الشؤون الصحية بالمنطقة الوسطى. فالهدف مما كتب ليس إطلاع وكيل الوزارة المساعد للمختبرات وبنوك الدم لأنني أدرك جيداً أن هذه الوظيفة بالذات يديرها رجل لا يترك وقتاً للمعلومة أن تصل الى غيره قبله بحكم ديناميكيته ونشاطه ووطنيته وحرصه وحتى لو افترضت ضرورة إيصال خبر التقصير له فإنه ما من داع لكتابة حرف وصياغة جملة فكل ما أحتاج اليه هو رفع سماعة الهاتف وإعلامه بما حدث.
وشهادتي في الأخ العزيز عبدالله بن زامل الدريس مجروحة لمن يعرفه ويعرفني ولعل سرعة تجاوبه واتصاله الفوري حول الموضوع ومن ثم إرسال إيضاحه مكتوباً شهادة لا يشوبها جرح على ما ذكرت.

تعقيب الاستاذ عبدالله الدريس يشرح نفسه ولا يحتاج إلى تعليق سوى أنني أرى أن من واجبي أن أشهد أن من قام بإرسال رسائل الجوال حثاً على التبرع هو مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث وهي رسائل الحث التي بناءً عليها ذهب أبطال قصتنا تلك وتعقيب الأستاذ الدريس لم يشر إلى اسم الجهة وفيما يلي ما ورد في رسالة الأستاذ الدريس أنشرها كما وردت مقتنعاً تمام الاقتناع بما ورد فيها من مبررات وأولويات ومعتذراً لكل من كان يعمل على جبهة فحص وتوزيع الدم بدلاً من جمع الجديد منه لأن الحالة طارئة وذات طابع استنفار:

سعادة الأخ الأستاذ الصيدلي محمد الأحيدب حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أود أولاً أن أشكر لكم اهتمامكم بكل ما يتعلق بصحة المواطن حيث دأبتم على تناول المواضيع الصحية في عمود “بصوت القلم” الذي تحررونه في جريدة “الرياض” الغراء وقد كان لكم ولبقية الاخوة في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية دور بارز في التوعية الصحية لا سيما في الحث على التبرع بالدم نظراً لما لهذا الأمر من أهمية بالغة ومؤثرة.

وفي هذا السياق وفي العدد 13097من صحيفة “الرياض” بتاريخ 1425/3/14هـ وبنفس العمود تحت عنوان “إهانة متبرع” تطرقتم إلى ما تعرض له بعض المتبرعين بالدم من عدم اهتمام بمجمع الرياض الطبي وذلك في يوم الاربعاء 1425/3/2هـ يوم تفجير مبنى الإدارة العامة للمرور بالوشم. ولقد ذكرتم في المقال أن هناك عوامل كثيرة لحث الناس وتشجيعهم للتبرع بالدم… أهمها ارتفاع معدل حوادث السير ورغبة الوطن بالاكتفاء الذاتي في هذا المجال والاستغناء التام عن الدم المستورد غير المأمون.. واليوم أضافت الظروف الأمنية عاملاً آخر يحتم ضرورة أن يزداد الاهتمام بالتشجيع على التبرع بالدم… كما أن حوادث السير الدامية استمرت في ارتفاع حسب احصائيات موثقة ومعلنة… وهذه العوامل هي نفسها التي حدت وتحدو ببنوك الدم الى الاهتمام والحرص على أن يكون ما لديها من المخزون الاحتياطي كافياً لكافة الظروف الطارئة وهذا بالضبط ما كان عليه الحال ببنك الدم بمجمع الرياض الطبي في ذلك اليوم الدامي فقد كان الدم المتوفر ببنك الدم يسد حاجة المجمع من الحالات الروتينية والطارئة بل ويمكنه إمداد المستشفيات الأخرى إن طلبت العون، ومنذ اللحظات الأولى للحدث كانت هناك متابعة للتأكد والاطمئنان على المخزون في بنك الدم حيث بلغ الرصيد وقتئذ 837وحدة دم بالإضافة إلى 5101وحدة بلازما طازجة مجمدة وعدد آخر من الصفائح الدموية ومشتقات الدم الأخرى التي يتم تحضيرها في بنك الدم.

لذا لم يحدث أن تم بث أي نداء عبر وسائل الإعلام أو الدعوة عبر مواقع الإنترنت ورسائل الجوال أن ثمة حاجة ماسة لكميات من الدم لمجمع الرياض الطبي، بل إن هذا البث قد حدث من أحد القطاعات الصحية الأخرى وفيه تجاوز ومخالفة لنظم الهيئة الاستشارية لخدمات نقل الدم بالمملكة والتي تنص على التنسيق بين القطاعات الصحية عند الطوارئ أو عند الحاجة لفصائل الدم المختلفة وخاصة النادرة منها.

وبالرجوع لبنك الدم في يوم الحادث نجد أن العاملين فيه قد تفرغوا لخدمة المرضى والمصابين في ذلك اليوم وانشغلوا في تحضير الدم بإجراء الاختبارات والتحاليل اللازمة قبل كل عملية نقل دم للتأكد من سلامة الدم وملاءمته للمنقول له ولم يتوفر لهم الوقت على ما يبدو للاهتمام والترحيب بالمتبرعين خاصة وأن اللحظة لم تكن لحظة جمع دم بقدر ما كانت إعطاء دم للمحتاجين اليه ولذلك فقد تم اخطار المتبرعين الذين تدفقوا على بنك الدم بأريحية وسخاء منذ بداية الحادث أن يتركوا أرقام هواتفهم للاتصال بهم عند الحاجة إلى دمائهم، لأن هذه الدماء إذا جمعت من المتبرعين ولم تستخدم فلها أجل معلوم ( 42يوماً) تنتهي فيه صلاحيتها ويتم إتلافها بعد ذلك.

أكرر شكري لكم خاصة وأنه قد سبق وأن أشدتم بما تقوم به بنوك الدم وبما يبذله العاملون فيها من جهد، والعتبي لصديقيك ولبقية المتبرعين بالدم في ذلك اليوم حتى يرضوا، ونؤكد أن ما حدث ليس ديدن بنك الدم ولا مألوف العاملين فيه وكلنا ثقة أنكم والإعلاميين الآخرين ستواصلون عملكم الجيد في الحث والتشجيع على التبرع بالدم وأن التشجيع والتنفيذ في نفس الوادي الذي أشرتم إليه في مقالكم بإذن الله. وتم إطلاع العاملين في بنك الدم على فحوى المقال وحثهم على بذل المزيد من الجهد واستقبال المتبرعين بالترحيب الذي يليق بهم خاصة وأن توجيه معالي وزير الصحة والذي أصبح شعاراً للوزارة.. إن المعاملة الحسنة لا تحتاج إلى إمكانيات..

مع خالص تحياتي،،،

وكيل الوزارة المساعد للمختبرات وبنوك الدم

عبدالله بن زامل الدريس

حسناً ليتبوّل عليه!!

لم يكن يدر بخلد أي مواطن أمريكي أو بريطاني أو عربي مخدوع بحقوق الإنسان الغربية أن قوات الاحتلال في العراق وهي ترافق الصحفيين والكاميرات في جولة داخل سجن أبوغريب في أول أيام سقوط النظام العراقي السابق وتطلعهم على وسائل وآليات التعذيب وكيف صممت زنزانات خاصة للذل وأخرى للإيذاء الجسدي والنفسي، أقول لم يكن يدر بخلد أي من المخدوعين أن القوات الأمريكية والبريطانية كانت تنظر بعين الإعجاب بتوفر الإمكانات اللازمة للتعذيب جاهزة لتستخدمها قوات ما سمي بالتحرير بأسلوب لا يختلف عما كان معدّا له في مفهوم الإذلال والاعتداء والتعذيب إلا من حيث ماهية منفذ التعذيب والتي تحولت من ذئب في جلد حمل.
إن ما أمكن إجازة نشره من صور التعذيب والإذلال لسجناء أبوغريب يعكس حقيقة الوحشية والبطش التي جاء بها الاحتلال منذ إطلاق أول صاروخ كروز أو أطنان القنابل على مجمعات سكنية إلى قتل الصحفيين العرب عنوة وقتل الغربيين المتعاطفين معهم مع سبق الإصرار والترصد ومروراً بقتل الأطفال وإعاقتهم مثلما حدث مع علي عباس وعلي حسين وهما من أشهر ضحايا الحرب الأحياء من الأطفال أحدهم بُتِر ذراعاه والآخر اقتلعت عينه وأنفه وشوّه وجهه.

الغريب جداً أنه رغم كل ما تعرضنا له نحن العرب والمسلمين من بطش العسكر من ذلك الجنس البشري، إن صحت نسبتهم للبشر ورغم أن تاريخنا موثق بالطابع الوحشي لهذا الجنس إلا أن كثيراً ممن يدعون أنهم مثقفون عرب وقراء تاريخ انخدعوا بحركات تمثيلية “هوليودية” للجنود الأمريكيين والبريطانيين وهم يلاعبون أطفال العراق ويقدمون لهم الهدايا ويتقاذفون معهم كرة القدم ولسان حال أولئك المنخدعين يقول بسعادة “هؤلاء هم العسكر وهكذا يكون الجيش الحنون!!” ولم يستفد أي منهم من ذاكرته العربية في توقع ما تخفيه تلك الحركات التمثيلية خلفها من ممارسات اغتصاب وإذلال وتبول على الكائن العربي بعد تجريده من إنسانيته.

حتى الأطفال علي وعلي استغل ما تعرضا له من إيذاء جسدي ووظف في شكل خطوة إعلامية سخيفة وغبية تصور ما حصل كل منهما عليه من رعاية طبية من قبل المتسبب وكأنه أعاد لعلي ذراعيه ولعلي الآخر عينه وجماله وحاول التقرير عبثاً وبغباء بالغ أن يصوّر لنا بضع ألعاب وهدايا واحتفالات وموسيقى عوّضت علياً وعلياً عمّا فقداه.

بنفس الغباء يتحدث بوش اليوم عن ضرورة “توبيخ” الجنود المسؤولين عن تعذيب السجناء العراقيين، لا بل يتحدث الناطق العسكري كارول وبعربية فصيحة عن بشرى جديدة للعرب والعراقيين تحديداً ألا وهي أن الإدارة الأمريكية تفكر في صرف تعويضات لمن تم تعذيبهم!! وكم هو إذلال أن تتحدث عن تعويض مهان من ماله!! حبذا لو حدد من أي برميل نفط عراقي سيتم تعويض من عذبه علج أمريكي أو بال عليه قذر بريطاني؟!.

هم حاربوا من أجل المادة ولذا فهم يعتقدون أن المادة تعوض كل شيء وتغني عن كل شيء حتى الكرامة.

لو كان لدينا كعرب ومسلمين القوة والقدرة لفرض إرادتنا فإن أقل ما يمكن أن نطالب به هو أن يتبول ذلك السجين العراقي علناً على الجندي الذي تبوّل عليه ونرفض أي تعويض آخر.

ولأن القوة والقدرة غير متوفرة حالياً فهل لنا أن نثير هذه الفكرة كمطالبة عربية مثلما نفعل دائماً على مستوى إعلامي؟! لنطالب بها فقط لنذكر بأننا لا نبيع كرامتنا بالمادة كما يفعلون ويعتقدون!!.

سلة الإحباطات

المعطيات تشير الى أننا نتفاعل مع الواقع والظروف بسرعة وجدية أكثر من أي وقت مضى، نحاول أن نسد الذرائع وندحض الحجج ونفعّل الإصلاح.
نسد الذرائع وندحض الحجج في الأمور والادعاءات التي نؤمن ونجزم أنها مختلفة أو مبالغ فيها وهذه تحتاج إلى جهد إعلامي وإعلام مضاد لدحضها وتبيان الحقيقة وقرع الحجة بالحجة وهذا جيد ويجب أن نكثف نشاطنا فيه ونعدد قنواتنا لمحاربته بإيضاح الصورة وسيادة الحقيقة وتلميع زجاج الشفافية ليصبح شفافاً أكثر.

ونفعّل الإصلاح في الجوانب التي وصلنا الى قناعات بأنها تعاني من قصور حاد، وممارسات خاطئة، وسلوكيات تسيء لنا كمجتمع وتستفز الكل بسبب سلوك البعض، والواضح أن لدينا النية والجزم على تفعيل الإصلاح ولكننا نخلط أحياناً بين دحض الحجج والادعاءات الواهية وممارسة الإصلاح كفعل واستجابة لقناعات.

الخلط يحدث أحياناً في استخدام سلاح الإعلام للتوجهين توجّه الدحض وتوجّه الإصلاح فالإعلام فعال في الأول ويجب أن يكون مكثفاً وشاملاً للداخل والخارج أما في الثاني فإن الإعلام ليس مطلباً أولياً للتحدث عن خطوة او خطوات حيث يفترض أن نبدأ بالفعل والتطبيق على أرض الواقع ثم نسخر الإعلام لتسليط الضوء على ما تم إنجازه وليس على ما سوف ينجز أو ما نزمع عمله!!.

أيضاً الأولويات تختلف وأهمية ترتيبها مختلفة هي الأخرى، ففي جانب تصحيح الصورة إعلامياً والرد على ادعاءات باطلة يمكنك ان تبدأ بأي منها وتتناول الادعاءات دون ترتيب بل يلعب التوقيت دوره فقط.

أما في جانب تصحيح مسارات اقتنعنا بأنها خاطئة فيفترض ان تكون الأولوية للأهم والأكثر تأثيراً في شريحة أكبر أو الأكثر استفزازاً للغالبية أو الشريحة الأكثر تأثيراً وحيوية.

فمعالجة بطالة الشباب مثلاً أهم وأكثر أولوية من إتاحة الفرص لمشاركة المرأة في مجالات محددة وضيقة، فبطالة الشباب أكثر تأثيراً على كافة المجتمع في شكل الحاجة والفاقة والعطل والفراغ ومن ثم السرقة والقتل وتقبل الأفكار المنحرفة وممارسة الجريمة، في حين أن مشاركة المرأة تبقى موضوع خلاف بين قلة وغالبية. هذا مجرد مثال توضيحي للمقارنة بين الأولى والأكثر أولوية.

ويمكن القياس والمقارنة بين عوامل كثيرة من مسببات الإحباط والبدء بالأهم منها قبل الأقل أهمية وتفعيل الإصلاح في ماهو أهم قبل ماهو مهم.

الفساد الإداري واستغلال المال العام واستغلال السلطة إذا ما وضعت معاً فيما يمكنني تسميته “سلة المحبطات” ووضع معها التأخر عن الدوام أو عمل الموظف الحكومي في التجارة خارج وقت الدوام أو رواج الواسطة والشفاعة، فما من شك أن المجموعة الأولى أولى بالإصلاح وأكثر اهمية كونها الأكثر استفزازاً في سلة الإحباطات تلك.

إهانة متبرع

أذكر أنه منذ أن كان الدكتور غازي القصيبي وزيراً للصحة دعيت لعضوية لجنة للحث على التبرع بالدم ولبيت الدعوة التي حضرها معالي الوزير بنفسه وشرح خلال الجلسة الأولى مدى الحاجة الملحة لتشجيع الناس على التبرع بدمائهم بسبب ما نعانيه من نقص بسبب عوامل كثيرة أهمها ارتفاع معدل حوادث السير ورغبة الوطن بالاكتفاء الذاتي في هذا المجال والاستغناء التام عن الدم المستورد غير المأمون.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم كان الحث والتشجيع على أشده وصل حد منح أوسمة عالية وهدايا وأخبار لتبرع كبار المسؤولين ليكونوا قدوة لغيرهم.

اليوم أضافت الظروف الأمنية عاملاً آخر يحتم ضرورة أن يزداد الاهتمام بالتشجيع على التبرع بالدم ففي حادث الوشم وحده كانت الإصابات تفوق المائة والخمسين في لحظة وليست ساعة، كما أن حوادث السير الدامية استمرت في ارتفاع حسب إحصائيات موثقة ومعلنة.

كعادتنا فإن التشجيع والحث الإعلامي وخطط التوعية تحقق نجاحاً سريعاً وتأثيراً قوياً لأن المواطن يتمتع بدرجة كبيرة من الوعي والتدين وحب عمل الخير ولا يريد إلا منحه الفرصة التي تحافظ على كرامته.

أي أن التجاوب من الناس ليس مشكلتنا الكبرى بل لا يشكل مشكلة إطلاقاً. المشكلة تكمن في أن التنفيذ في واد والتشجيع في واد. كيف؟؟.

دعوني أستشهد بموقف واحد حدث يوم الأربعاء المشؤوم، يوم تفجير إدارة المرور بالوشم، حيث اتضح بحكم الظرف وما ورد في وسائل الإعلام والدعوة عبر مواقع الإنترنت ورسائل الجوال أن ثمة حاجة ماسة لكميات من الدم.

أعرف صديقين من الوزن الثقيل (ولا أقول الدم الثقيل لأن هذا المفهوم يتعارض مع روح المرح والنخوة) لكن المؤكد أن دم كل منهما يغلي حباً للوطن ونجدة للمواطن والمقيم وهو شعور جميل جعلهما رغم أن يوم الأربعاء نهاية الأسبوع ورغم التزاماتهما الأسرية ورغم انهما يخرجان من الدوام في الخامسة مساءً فقد ذهبا مباشرة إلى مجمع الرياض الطبي للتبرع بالدم وهناك طلب منهما تعبئة استمارة والانتظار.

يقول أحدهما: لم يكن في موقع التبرع سوى موظف واحد بنجلاديشي الجنسية وآخر سعودي ممشوق القامة يبدو أن له دوراً قيادياً يتضح من توجيهاته لنا فقد طلب منا تعبئة الاستمارة والانتظار بعبارة (انتظروا هنا مع غيركم حتى نطلبكم)، وكان في المكان حوالي خمسة عشر رجلاً من راغبي التبرع ينتظرون مثلنا، وخلاف ما ذُكر فإنه لا يوجد طاقم تمريض لسحب الدم ولا موظفو استقبال أو تنظيم وكراسي التبرع خالية وكان واضحاً أن ذلك الموظف يطلب انتقال ممرضين للموقع لسحب الدم لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

يقول: طال بنا الانتظار وكأننا جئنا إلى مكتب الضمان الاجتماعي حيث لا ينعم المراجع بأي ترحيب أو حتى تقدير مشاعر بل يمن عليه بالجلوس والانتظار.

ويردف قائلاً التفت إلي زميلي قائلاً “الظاهر انهم يعتقدون اننا جئنا نطلب الدم وليس لنتبرع، أو أن ثلاجاتهم لم تعد تتسع للدم” وبقينا ننتظر مع غيرنا دون أن يبدأ سحب الدم لمن هم قبلنا فكيف بنا، فقررنا أن نذهب للمستشفى التخصصي فربما أن الحاجة هناك!! وخرجنا ومعنا “استمارات” التبرع ولم يكلف أحد نفسه أن يسألنا لماذا غادرنا بمن فيهم الموظف البنجلاديشي وكأن هماً قد انزاح عن قلوبهم وليس (صهريجا) دم قد غادرا!!.

يقول ذهبنا للتخصصي وهناك رفض دخولنا بسبب الإجراءات الأمنية وأخبرنا أن استقبال الدم توقف ولم يعد هناك حاجة (انتهى ما ذُكر).

قلت: هل هكذا يتم استقبال من وضعنا في اللجنة المذكورة الخطط والإجراءات لتشجيعهم وتساءلت ولا زلت هل مشكلتنا في هذا البلد أزمة تبرع بالدم أم أزمة من ليس عنده دم؟!!.

لجنة الانطباعات

لا شك أن الاسطوانة المشروخة والتي كان يرددها البعض ليعلق عليها أخطاءه وأعني هنا عبارة “وعي المواطن” أصبحت الآن أقل استخداما وترديداً لسبب واقعي وطبيعي وهو ان استخدامها في السابق بكثرة وفي كل مناسبة لم يكن في محله ولم يكن منطقياً والسبب الثاني أن المواطن انفتحت أمامه السبل لإيضاح نفسه فأثبت المواطن العادي أنه لا يقل وعياً عن المواطن المسؤول في شأن وظيفي وربما كان أكثر إدراكاً واحساساً بالمسؤولية ووعياً بما حوله.
لعل جل مشاكلنا تكمن في التخمين والحكم بناء عليه وسوء التقدير وبناء الحكم عليه!!

قد تكون عبارة فيها الكثير من الفلسفة بمفهومها الشائع أو السجع، لكنها “ركبت” معي هكذا ولم اقصد بها أن ألحن أو أسجع أو “أتفلسف”.

فقط أردت أن أقول إننا نعتمد في أحكامنا على ما نعتقده وعلى انطباعات غير مبنية على دراسة احصائية أو مسح سكاني مع توفر كل الإمكانات البشرية والأكاديمية والمادية والمؤسساتية لأن نجري مثل هذه الدراسات لكي تكون أحكامنا ليست صادرة عن تخمين أو مبنية على أساس سوء تقدير!!

معظم قراراتنا تتخذها لجان مناقشة وليست لجان دراسة مع أننا نقول “درستها اللجنة” والواقع أن اللجنة ناقشتها بأصوات مرتفعة نابعة من انطباعات منخفضة لأنها غير مدعومة بدراسة أو مسح!!

أحياناً لأنها غير مدعومة بدراسة أو مسح!!

أحياناً نحاول أن نزين اللجنة بمجموعة من الأكاديميين من أساتذة الجامعات، لكننا لا نطالبهم بدراسات وبحوث علمية فهم يأتون بهويتهم الوظيفية وليس بناء على ما يتأبطونه من دراسات أو احصائيات أو أبحاث وبالتالي فإن استضافة طالب علم جامعي يجري بحثاً أهم وأكثر فائدة من اختيار استاذ جامعي وصل “بشته” قبله، لأننا في واقع الحال في أمس الحاجة إلى دارس لا مدرس، نحتاج إلى دراسة لا فراسة!!.

في حياتي الوظيفية التي اشتملت على أكثر من جهة دعيت واخترت في عدة لجان واعترف لكم أن معظم الاختيار أو الترشيح أو الدعوة للجنة كان على أساس وظيفي أو فراسة أو خبرة لا على أساس أني صاحب دراسة، ولأن الرفض أو الاعتذار عن الترشيح للجنة يعتبر تقاعساً وأحياناً يصل حد التمرد على من رشحك فقد قبلت ببعضها ورفضت كثيراً.

وفي اللجان التي شاركت فيها استطيع أن أعطيكم حكماً مبنياً على دراسة احصائية وليس مجرد انطباع شخصي أو تخمين وهو أن جميع اللجان التي حضرتها شهدت قرارات حاسمة وتمس شريحة كبيرة من الناس وكانت نسبة القرارات التي اتخذت بناء على آراء واجتهادات الأعضاء هي 100% وأستطيع أن أؤكد لكم أن عدد المرات التي سأل فيها رئيس اللجنة أحد الأعضاء سؤالاً هاماً هو “ما هو مرجعك، الذي تستند إليه في حكمك؟!” هو صفر!! أو صفر ونصف من المرات والرقم الأخير ليس له مرجع في الرياضيات وليس مهماً المرجع.

بنوكنا ونكتة الحكومة الإلكترونية

أكثر المتفائلين بتطبيق الحكومة الإلكترونية لدينا أعتقد أن عليه أن يعيد حساباته بناء على واقع بيروقراطي متأصل لدينا يصعب تغييره وإليكم الدليل:
البنوك يفترض أنها أكثر الجهات حرصاً على قطع دابر البيروقراطية والحرص على التحول قدر الإمكان إلى المرونة في الأداء حتى الوصول إلى حد الإلكترون، وهي تفعل ذلك عندما يعود الأمر لقبول المرونة في الأداء حتى الوصول إلى حد الإلكترون، وهي تفعل ذلك عندما يعود الأمر لقبول إيداعات وتكديس مبالغ عملاء في حسابات يشغلها البنك.

لكن تلك البنوك تعود إلى نظام العصور الوسطى عندما يتعلق الأمر بالصرف من الحساب أو التسهيل على العميل وهذا واقع للأسف حتى في بنوك ذات شراكة أوروبية يفترض أن تتأثر بالمرونة ونبذ التعقيد.

لم أتحدث عن الدليل بعد لأنه في نظري “نكتة” بنكية لأن شر البلية ليس ما يضحك فحسب، بل ما لا تجد له سبباً ومبرراً على الإطلاق لا مقبولاً ولا غير مقبول.

المعروف أن توقيع العميل هو الفيصل: ليس على مبالغ بسيطة ولكن على شيكات تحمل أرقاماً فلكية!! ومعروف أيضاً أن فواتير الخدمات اتفق على أن تسدد عن طريق البنوك وخصص في بعضها خانة لهذا الخصوص كفواتير الاتصالات مثلاً.

هذه الفاتورة بعد تعبئة العميل لهذه الخانة وتوقيعها بما يخول للبنك خصمها من حساب العميل لديه يفترض أن يتم تنفيذها بصرف النظر عن طريقة وصولها للبنك، هل تم بريدياً أو عن طريق الصراف أو منقولة بيد سائق أو حتى موضوعة تحت باب البنك قبل فتح أبوابه. فهي تفويض موقع من العميل لتسديد فاتورة باسم العميل نفسه من حساب العميل نفسه.

تصوروا بنكاً ذا شراكة أوروبية، يعيد مجموعة فواتير اتصالات موقعة من العميل وهي لهواتف باسم العميل وحساب العميل لدى البنك فعّال، ولماذا تعاد؟! لأن السائق الذي أحضرها للبنك ليس لديه تفويض رسمي أو وكالة بأن (يحمل فواتير موقعة للتسديد!!.

وأقول يحمل لأن السائق لن يقرر شيئاً هنا، هو لن يحدد البنك أو الحساب أو قرار التسديد حتى يطالب بتفويض بتسديد فواتير!! هو فقط ساعي بريد أو ناقل لمستندات موقعة متكاملة، ليس بها أي ثغرة يمكن أن يستغلها الحامل أو يحتج بها العميل ومع ذلك يصر البنك على إرسال تفويض رسمي أو وكالة، ليس هذا فحسب بل أن البنك كلف نفسه وطبع نموذج التفويض النكتة!!.

الغريب أن مؤسسة النقد لا تتدخل مطلقاً فيما يمارس من تضييق على العملاء وتعقيد لإجراءاتهم رغم علمها أن البنوك تعيش على خيرات العملاء وخيارهم الرافضين للأرباح ولا تقدم لهم أي تسهيلات خاصة تلك التي تحتمل المجازفة، علماً أن مثالنا هذا لا مجال فيه للمجازفة مطلقاً وما يحدث تجاهه ما هو إلا مثال على أن التعامل عن طريق الحكومة الإلكترونية حلم قد يستحيل تحقيقه إلا إذا كانت الجهة ستطلب منك إحضار جهازك المحمول لتصوره مع بقية المستندات وتطالب بختم العمدة على شاشة جهازك ثم تقوم بإدخال المعلومات أمام الموظف ليقال أننا نعمل إلكترونياً.

تفجير المرور.. براءة المناهج

ضحايا تفجير مبنى المرور في شارع الوشم سواء منهم من استشهد أو أصيب أو روع أو تعرض لخسائر مادية، من هم؟! نحن نعلم الجواب، ومن خطط لاستهدافهم يعرف، ومن قدم حياته ليفجرهم بها كان يعرف ثم تعرض لشيء ما من التلاعب بالصورة في ذهنه وتفكيره وذاكرته، تلاعب استغل وبخبث مرحلته السنية وقصر تجربته في الحياة وسهولة تشكيل تفكيره ورؤيته، خاصة في ظل ظروف وإرهاصات وضغوط وظلم تتعرض له الأمة أجمع وربما كانت تتعرض له أسرة ذلك الذي حول من إنسان عادي إلى إنسان آلي مبرمج.
الدليل يكمن في إجابة من هم ضحايا التفجير في شارع الوشم؟!

إنهم مسلمون، عرب، مواطنون فرغوا من أداء صلاة الظهر، ومنهم من بقي في المسجد لأداء السنة ومنهم من بقي يتلو آيات من الذكر الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومنهم من خرج بعد أن تلى الأدعية المستحبة بعد الصلاة وآية الكرسي ورجع إلى مكتبه ليحلل راتبه حتى موعد بدء الانصراف الثانية والربع ظهراً.

معظمهم كما هي العادة خشي أن تدركه صلاة العصر قبل أن يصل إلى منزله فتوضأ وتطهر وردد الشهادة.

منهم من كان عيناً ساهرة ليأمن ذلك المفجر منذ أن كان يحبو بين أحضان أمه وأبيه اللذين عصاهما وهجرهما وقال لهما أكثر من “أف” بسبب ما أحدث فيه من تغيير عجيب يصعب على الجميع تخيله!!

من الضحايا من كان يعول عشرات الأيتام ويصرف على عشرات العاجزين والقصر ويتصدق على عشرات المساكين.

من الضحايا مدني جاء ليعقب على مجموعة إجراءات مرورية ليحصل على قوت يومه وعياله ووالديه ومنهم آخر كان يستعد لإلقاء محاضرة دعوية إسلامية وإرشاد ونصح.

منهم مؤذن يصدح بذكر الله وإمام مسجد يمضي جل وقته في الصلاة والعبادة والنسك، يدعو المسلمين بالأمن في الأوطان وعلى أعدائهم يقنت ويدعو عليهم بالدمار ورد الكيد في النحر.

ليس بين هؤلاء معقب أمريكي جاء لتجديد رخصة عملائه ولا خبير أمريكي في علم تصوير رخص القيادة ولا كاتب (معاريض) بريطاني يفترش الرصيف لترجمة طلب رخصة القيادة.

مخطئ، في نظري، من يقول بأن ثمة “تحول” في طريقة وأهداف الإرهابيين، فهي لم تتحول قط لكنها أولويات جرى ترتيبها حسب عنصر المفاجأة والفرص والثغرات المتاحة ومحاولة الضرب على وتر الدين الذي هو من كل ما يحدث براء!!.

المبادئ المبنية على معتقدات دينية حتى لو كانت خاطئة أو مثار جدل وموضع خلاف لا تتغير ولا تتنازل ولا تبيح اليوم ما حرمته بالأمس حتى ولو كانت مفاهيم مبنية على فتاوى خاطئة!! إلا على افتراض واحد نسبته ضئيلة وهو أن عامل صغر السن لعب دوره عندما تخلى أصحاب الفتاوى التكفيرية على أولئك الأحداث فكرياً والقصر ذهنياً وتم عزلهم عنهم وعزلهم عن المجتمع والتضييق عليهم فأصبحوا يفتون لأنفسهم بجواز تغيير أهدافهم بل والتفجير لمجرد إحداث انتحار مدو ليس فيه الجهاد الذي صور لهم وغرروا به، وإذا كان هذا الافتراض صحيحاً فعلى من أفتاهم أول مرة أن يدرك حجم العبث الذي مارسه مع قاصرين فكرياً أوقفهم في منتصف طريق تحيط به الهاوية من كل مكان.

ولأننا أجبنا سلفاً على السؤال الأهم وهو من هم ضحايا تفجير شارع الوشم فإن علينا أن نعترف ببراءة المناهج مما حدث، تلك المناهج التي درسناها جميعاً ونجحنا فيها جميعاً وحفظناها عن ظهر قلب لا علاقة لأي نص فيها باستباحة دم أي من ضحايا تفجير مبنى المرور لا بالفهم ولا بسوء الفهم.

إن المناهج كانت ضحية ترتيب الأولويات على جدول الإرهابيين وأن تحميل مناهجنا مسؤولية ما حدث ويحدث خاصة من قبل الإعلام الأمريكي انما يعكس سطحية واستعجال الأمريكيين وتسرعهم وهو ما يبدو جلياً في ما تكشفت عنه تحقيقات اللجنة المختصة بأحداث 11سبتمبر واعتراف عدد من مسؤولي الأمن القومي والاستخبارات بسوء التقدير والتفسير الذي يعاني منه الأمريكيون. هذا وبطبيعة الحال إضافة إلى تحينهم الفرص لتحميل الإسلام ومناهجه مسؤولية أي حادث أو فعل هو منه براء.