التصنيف: بصوت القلم

مخالفة صحية معلنة

حسبما أعلم أن الدعاية للأدوية والإعلان عنها للعامة في وسائل الإعلام أو اللوحات الإعلانية ممنوع بأمر النظام وبهدف المصلحة العامة والحفاظ على صحة المواطن والمقيم ومنع تزايد عمليات الوصف الذاتي للأدوية بمعنى معالجة النفس دون معرفة التشخيص.

وحسب علمي أنه لم يستجد شيء في هذا الخصوص ولم يتغير هذا المنع ولم يصدر سماح أو استثناء لهذا النظام، فلماذا إذاً انتشر الإعلان عن المستحضرات الدوائية خاصة الوطنية فأصبح يملأ الشوارع في لوحات الدعاية ويتخلل البرامج في القنوات الفضائية ويتصدر المجلات غير العلمية؟!

هل ثمة مخالفة أوضح من مخالفة معلنة في لوحات الإعلان وهل يمكن أن تعزى هذه المخالفة لضعف إمكانات الرقابة أو الجهاز الرقابي في وزارة الصحة هي مخالفة تعلن عن نفسها وتقول هأنذا مخالفة معلنة ولم أجد رادعاً!! فكيف سيكون الحال في المخالفات الخفية.

إن الإعلان عن الأدوية والدعاية لها مسموح في المجلات الطبية والصحية المتخصصة والتي تخاطب الأطباء والصيادلة والمتخصصين بهدف تعريف هذه الفئة بالدواء ومن ثم استقاء معلومات مفصلة من المصادر العلمية المحايدة لمعرفة الجوانب الأخرى التي قد لا يظهرها الإعلان وذلك حماية للمريض.

وعلى هذا الأساس كان المنع عن الإعلان للعامة والذي بلا شك سيؤدي إلى سوء استخدام الدواء. فلماذا أصبح هناك تهاون شديد في هذا الصدد.

بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون السبب هو مجاملة الصناعة المحلية لأنه لا يمكن أن تجامل الصناعة على حساب الصحة بدليل أن الصناعة المحلية لم تحظ بالمجاملة في مجالات أخرى داعمة للصناعة وإن كان ثمة شعور بأن بعض المصانع تجامل على حساب الأخرى لكن هذا ليس موضوعنا الآن.

قد يقول قائل إن السبب يعود إلى عدم امكانية الجهات الرقابية بوزارة الصحة في التحكم بالقنوات الفضائية غير المحلية التي بدأت الإعلانات عن الأدوية السعودية وغيرها تظهر فيها ومن ثم بدأت في الظهور على لوحات إعلانات الشوارع وخلافه، وحجة عدم التحكم في القنوات الفضائية غير المحلية مردودة على أصحابها فبإمكان الوزارة أن تتحكم في هذا الأمر عن طريق المعلن نفسه فأي مصنع أو وكيل لمصنع يرجع بطريقة أو أخرى إلى وزارة الصحة وتستطيع الوزارة أن تفرض عليه أنظمتها بصرف النظر عن الموقع الذي سيعلن فيه هل هو محلياً أو خارجياً.

ملخص القول إن الإعلان عن الأدوية للعامة مخالفة صريحة للنظام كان يمكن السيطرة عليها والتحكم بها لو وجد الحرص على تطبيق الأنظمة وإصدار الغرامات والجزاءات بحق من يمارس هذه المخالفة المعلنة وإن استمرار هذه المخالفة “المعلنة” والسكوت عليها مدعاة لمخالفات من نوع أخطر وأخفى والله أعلم.

دروس من هزيمة المنتخب

قلت في السابق إن المستوى في كرة القدم ليس مقياساً لتقدم الأمم بدليل أن بعض الدول المتميزة في كرة القدم هي من الدول المتأخرة تكنولوجياً وعلمياً.

لذا فلم أكن أعتبر تأهلنا لكأس العالم هدفاً يقع ضمن الأولويات التي يجب أن نبالغ في الصرف عليها مالياً ونهتم بها وطنياً فثمة ما هو أهم من هذه المشاركة الكروية لعكس ما وصلنا إليه من تميز وتطور على أصعدة تعتبر مقياساً لتقدم الأمم كالطب والعلوم والتكنولوجيا.

ولكن طالما أننا وصلنا إلى هذا المجال العالمي الذي يحظى بمتابعة وشعبية جارفة فقد كان علينا أن نحتاط كثيراً لمنع حدوث ما يجعل الأعداء تشمت بنا أو تقلل من وطنية أبنائنا أو تصورنا كبلد غير منظم إلى عدم قدرته على النجاح في مشاركته الثالثة عالمياً على التوالي بل إن مستوى مشاركته ينحدر بقوة.

لو لم ننجح في الوصول لكأس العالم لما تحدثت الفضائيات التي تحبنا، أو تلك التي تدّعي حبنا عن قلة ولاء وإخلاص شبابنا وعدم حماسهم ولما شكك في قدراتنا الإدارية والفنية ولما كسبت شركات الاتصال من انتظار مئات الجماهير على الهاتف لشتم بعضنا البعض والإيحاء بأننا نعاني أزمة حب ووئام!!.

ما حدث يوم السبت من صدمة رياضية غير متوقعة يجب أن نستفيد منها على أصعدة أخرى قد تعاني من نفس الأخطاء، كيف؟!.

يجب أن يذكرنا تقاعس كوادرنا الكورية وأنانيتهم وحبهم للذات وعدم قتاليتهم أن ابن الوطن المدلل ليس الأكثر عطاءً وإخلاصاً بل قد يكون الأكثر تخاذلاً تماماً مثلما أن الابن المدلل أكثر عقوقاً!!

ولا أعتقد أن شاباً سعودياً حظي بالتدليل المادي والإعلامي والتسهيلات والتجاوزات مثل لاعب كرة القدم.

يجب أن يؤكد لنا ما حدث أن أفضل القدرات الوطنية ليست بالضرورة أكثرها ظهوراً إعلامياً، فلا يكون انتقاؤنا للعناصر في أي مجال سواء كان إدارياً أو طبياً أو هندسياً مبنياً على أساس الظهور الإعلامي فالواقع أن الكفاءات الأكثر تأهيلاً وقدرات تميل إلى التفرغ للإبداع في مجالاتها ولا تنزع للظهور الإعلامي وتفضل أن تكتشف على أن تكشف عن نفسها، بل إن الحصول على شهرة سريعة مدعاة لتقليل الهمة.

يجب أن نتعلم مما حدث من تخاذل أن من يصنعه الإعلام ليس كمن يصنع نفسه، وأن اختيار العناصر أياً كانت يجب أن يخضع لأسس وضوابط ومواصفات ليس من بينها العواطف والمجاملات والخوف من الناس أو الإعلام.

أيضاً يجدر بنا أن نتعلم أننا نعبث بالإعلام إذا سخرناه لأهوائنا الشخصية بدلاً من تسخيره لمعالجة واقعنا بتجرد من التحيز والميول والرغبات الشخصية خاصة عندما يتعلق الأمر بالوطن وأكاد أجزم أن أكثر الناس حزناً على إخفاق فريقنا الكروي هم الإعلاميون ممن كان لهم دور فيما حدث، ليس بدون قصد بل بدون قدرة على التحكم في العواطف والاستعجال في منح المجد لمن يحلم به، وطبيعي أن ما يستحصل عليه بسهولة يسهل على النفس التفريط فيه.

ملخص القول ضرورة الاختيار وطنياً بين أحد نهجين: إما أن يكون التمجيد الإعلامي للأصلح (وهذا يبدو صعباً) وإذا تحقق فليكن الاختيار لمن يمجد أكثر، أو أن يكون البقاء للأصلح بصرف النظر عن حجم الضوء الإعلامي الذي يسلط عليه وهذا أسهل وأقرب للتطبيق في كافة المجالات ومنها المناصب الإدارية العليا والمواقع الاستشارية، التي يجب أن يكون الاختيار لها مبنياً على الكفاءة والقدرات وليس الظهور الإعلامي فالكريستال يتم تلميعه، لكنه ليس بجودة اللؤلؤ المختبئ في المحار ولا بصلابة الألماس الذي يحتاج إلى بحث وتنقيب!! ومرحباً بالهزيمة الكروية القاسية إذا كانت ستجعلنا نفيق في مجالات أكثر أهمية.

دروس من هزيمة المنتخب

قلت في السابق إن المستوى في كرة القدم ليس مقياساً لتقدم الأمم بدليل أن بعض الدول المتميزة في كرة القدم هي من الدول المتأخرة تكنولوجياً وعلمياً.

لذا فلم أكن أعتبر تأهلنا لكأس العالم هدفاً يقع ضمن الأولويات التي يجب أن نبالغ في الصرف عليها مالياً ونهتم بها وطنياً فثمة ما هو أهم من هذه المشاركة الكروية لعكس ما وصلنا إليه من تميز وتطور على أصعدة تعتبر مقياساً لتقدم الأمم كالطب والعلوم والتكنولوجيا.

ولكن طالما أننا وصلنا إلى هذا المجال العالمي الذي يحظى بمتابعة وشعبية جارفة فقد كان علينا أن نحتاط كثيراً لمنع حدوث ما يجعل الأعداء تشمت بنا أو تقلل من وطنية أبنائنا أو تصورنا كبلد غير منظم إلى عدم قدرته على النجاح في مشاركته الثالثة عالمياً على التوالي بل إن مستوى مشاركته ينحدر بقوة.

لو لم ننجح في الوصول لكأس العالم لما تحدثت الفضائيات التي تحبنا، أو تلك التي تدّعي حبنا عن قلة ولاء وإخلاص شبابنا وعدم حماسهم ولما شكك في قدراتنا الإدارية والفنية ولما كسبت شركات الاتصال من انتظار مئات الجماهير على الهاتف لشتم بعضنا البعض والإيحاء بأننا نعاني أزمة حب ووئام!!.

ما حدث يوم السبت من صدمة رياضية غير متوقعة يجب أن نستفيد منها على أصعدة أخرى قد تعاني من نفس الأخطاء، كيف؟!.

يجب أن يذكرنا تقاعس كوادرنا الكورية وأنانيتهم وحبهم للذات وعدم قتاليتهم أن ابن الوطن المدلل ليس الأكثر عطاءً وإخلاصاً بل قد يكون الأكثر تخاذلاً تماماً مثلما أن الابن المدلل أكثر عقوقاً!!

ولا أعتقد أن شاباً سعودياً حظي بالتدليل المادي والإعلامي والتسهيلات والتجاوزات مثل لاعب كرة القدم.

يجب أن يؤكد لنا ما حدث أن أفضل القدرات الوطنية ليست بالضرورة أكثرها ظهوراً إعلامياً، فلا يكون انتقاؤنا للعناصر في أي مجال سواء كان إدارياً أو طبياً أو هندسياً مبنياً على أساس الظهور الإعلامي فالواقع أن الكفاءات الأكثر تأهيلاً وقدرات تميل إلى التفرغ للإبداع في مجالاتها ولا تنزع للظهور الإعلامي وتفضل أن تكتشف على أن تكشف عن نفسها، بل إن الحصول على شهرة سريعة مدعاة لتقليل الهمة.

يجب أن نتعلم مما حدث من تخاذل أن من يصنعه الإعلام ليس كمن يصنع نفسه، وأن اختيار العناصر أياً كانت يجب أن يخضع لأسس وضوابط ومواصفات ليس من بينها العواطف والمجاملات والخوف من الناس أو الإعلام.

أيضاً يجدر بنا أن نتعلم أننا نعبث بالإعلام إذا سخرناه لأهوائنا الشخصية بدلاً من تسخيره لمعالجة واقعنا بتجرد من التحيز والميول والرغبات الشخصية خاصة عندما يتعلق الأمر بالوطن وأكاد أجزم أن أكثر الناس حزناً على إخفاق فريقنا الكروي هم الإعلاميون ممن كان لهم دور فيما حدث، ليس بدون قصد بل بدون قدرة على التحكم في العواطف والاستعجال في منح المجد لمن يحلم به، وطبيعي أن ما يستحصل عليه بسهولة يسهل على النفس التفريط فيه.

ملخص القول ضرورة الاختيار وطنياً بين أحد نهجين: إما أن يكون التمجيد الإعلامي للأصلح (وهذا يبدو صعباً) وإذا تحقق فليكن الاختيار لمن يمجد أكثر، أو أن يكون البقاء للأصلح بصرف النظر عن حجم الضوء الإعلامي الذي يسلط عليه وهذا أسهل وأقرب للتطبيق في كافة المجالات ومنها المناصب الإدارية العليا والمواقع الاستشارية، التي يجب أن يكون الاختيار لها مبنياً على الكفاءة والقدرات وليس الظهور الإعلامي فالكريستال يتم تلميعه، لكنه ليس بجودة اللؤلؤ المختبئ في المحار ولا بصلابة الألماس الذي يحتاج إلى بحث وتنقيب!! ومرحباً بالهزيمة الكروية القاسية إذا كانت ستجعلنا نفيق في مجالات أكثر أهمية.

وزارة الاختبارات

أكثر من خمسة أخبار يومية في كل صحيفة مصدرها وزارة المعارف وجميعها تتحدث عن الاختبارات، بعضها يتحدث عن قرب الامتحانات والاستعدادات لها وإعداد القاعات والآخر عن جولات لتفقد صالات الامتحانات واخرى عن تسرب الاسئلة واستخدام الاسئلة البديلة التي لابد أن تحظى بموافقة الوزير “أكبر اداري يتربع الهرم التعليمي” ثم حديث كثير عن خروج الاسئلة عن المنهج، وشكاوى وتوسلات لمعالي الوزير “بالشفقة” و”الرحمة” في التصحيح!!، ثم تصريح وزاري يتناول نتائج التصحيح الأولية وان الدرجات عالية وان الاسئلة كانت في متناول الطلاب، وليس كما أشير الى أنها خارج المنهج، ثم استدراك يناقض نفسه، حيث أشير إلى أن الفقرات الصعبة أو التي “ليست في المنهج” سوف توزع درجاتها على أسئلة أخرى.

كل هذه الأحاديث والتصاريح اليومية من أعلى المستويات تتناول أكثر الأحداث المحلية جدلاً وأشهرها على الاطلاق هذه الأيام ألا وهي “الاختبارات”!! لكنك لو عدت بالذاكرة بضع سنين وليس أشهر لوجدت ان وزارة المعارف ادّعت أكثر من مرة انها أزالت رهبة الامتحان أو أن الرهبة في طريقها للزوال!! أي رهبة وأي ضجة تثار أو أثيرت حول الامتحانات أكثر من هذا العام؟! وهل ثمة دلالة تثبتها هذه الضجة أكثر من أن الوضع في هذا الصدد، على أقل تقدير، يزداد سوءاً عاماً بعد عام؟!

كانت دلالات رهبة الامتحانات لا تعدو كونها استنفارا أسريا لمواجهة الحدث بالسهر والحمى والشكوى من انقطاع الكهرباء وجشع المدرسين الخصوصيين وزيادة استهلاك الشاي ووقف الزيارات والعلاقات الاجتماعية.

أما اليوم فإن رهبة الاختبارات أخذت أبعاداً خطيرة جداً، فقد وصل الحد بالطلاب والطالبات إلى الشك الشبيه بالجزم أن الهدف من صعوبة الاسئلة هو الحد من التخرج لتقليل الضغط على الجامعات؟! لم تتسبب الاختبارات في أزمة ثقة بين الطالب والوزارة إلى هذا الحد من قبل!!”

لقد أدت رهبة الاختبارات إلى استنفار جهات أخرى لم تكن تستنفر من قبل، مثل مكافحة المخدرات التي أصدرت أكثر من تحذير وتهديد بتناول حبوب “الكبتاغون” والمسهرات الأخرى. فهل أعظم من رهبة تؤدي إلى طريق الهلاك؟!

إدارات البريد تعلن حالة الاستنفار وإعداد “خطة منظمة” لاستقبال طرود أجوبة أسئلة الثانوية العامة وترحيلها للمدن الرئيسية!!

لم يبق شيء لم نقرأه في هذا الخصوص إلا اعلان المستشفيات إخلاء عدد من الأسرة وتجهيز غرف الطوارئ بأطباء متخصصين في إسعاف ضحايا الاختبارات وتنويم عدد منهم!!.

هل بعد هذا كله يمكن لوزارة المعارف القول بأنها عملت على إزالة رهبة الاختبار؟! وإذا قالت، ألا يحق لنا القول بأننا نسمع جعجعة ولم نر طحناً؟!

إنني أعتقد جازماً ان مطالبة معالي وزير المعارف المعلمين بأن يعلموا أبناءنا “لغة الحوار” تأتي مبكرة جداً لأنهم إذا تعلموا لغة الحوار فإن حوارنا معهم سيكون صعباً للغاية، إلا إذا كان المقصود بالحوار رضيع الناقة!!.

على أي أساس؟!

“على أي أساس؟؟” جملة استفهامية يرددها كل مستغرب أو متذمر من تمييز شخص عليه أو متضرر دون غيره من إجراء سواء كان وظيفياً أو دراسياً أو بلدياً وخلافه.

الإنسان بطبعه مخلوق قنوع “في الغالب” يكفيه أن يكون ضمن مجموعة متشابهة الأفراد، تنطبق على كل منهم نفس الأسس والضوابط حتى لو كان ذلك في الضراء.

ولذلك فإن أي إجراء مبني على أساس عادل وبتطبيق الأسس والضوابط بدقة ودون استثناء يعتبر مقبولاً حتى لو كان ينطوي على ضرر.

وإذا كان الإجراء المبني على أسس وضوابط دقيقة وشاملة ينطوي على نفع فإنه بلا شك ليس مقبولاً وحسب بل مصدر سعادة للجميع.

والإنسان أيضاً يفضل أن يتضرر مع جماعة وبناءً على أساس على أن ينتفع فرد أو فئة دون أساس حتى لو لم يتضرر هو وهذا شعور طبيعي ولا يدخل ضمن الحسد ولذلك قال الإنسان: “الموت مع الجماعة رحمة”.

في اللغة العربية يطلق على ضالتنا هذه اسم الأسس والضوابط و”المتأمركون” حتى من العرب يسمونها “كرايتيريا”.

في دول العالم الثالث تكاد تكون الأسس أو الضوابط غائبة تماماً وإن وجدت فهي نادرة وغير معلنة، ولذا فإن إجراءات الترقية ومنح الميزات والتسهيلات بل والتوظيف وتحديد البدلات غير مبني على أسس وضوابط واضحة ومعروفة ومقنعة.

وفي الدول المتقدمة تم وضع “كرايتيريا” على أساسها تمنح أو تسلب معظم المميزات مع ترك هامش ضئيل جداً للعلاقات الشخصية كمرجح عند انطباق “الكرايتيريا” على عدد أكثر من العدد المستهدف.

الأسس والضوابط مثلها مثل النظم والإجراءات يجب أن تفرض فرضاً على الوزارات والمؤسسات والإدارات ولا ننظر أن تتبناها جهة أو وزارة دون أخرى لأن ذلك لن يحدث وإذا حدث فإنه سيبقى استثناء.

الأسس والضوابط لكل إجراء يجب أن تفرض من الجهات التشريعية وتطبق بدقة في الجهات التنفيذية ويراقب تطبيقها من الجهات الرقابية ويجب أن تشمل كل الإجراءات خاصة تلك التي تتعلق بمنح ميزة أو بدل أو تسهيلات لموظف أو فئة موظفين. فإلى متى يترك للمدير أو الوكيل أو حتى الوزير منح مميزات أو زيادات أو تسهيلات لمجموعة حوله من أقربائه أو أصدقائه أو حاشيته دون غيرهم مما يثير الضغائن ويسبب الإحباط لفئة من الموظفين قد تكون أكثر جهداً وأفضل مؤهلاً وأعظم إخلاصاً.

إن غياب “الكريتيريا” المعلنة ظاهرة غير صحية ولا تخدم المصلحة الوطنية، وحتى لو بدا على الناس الرضوخ للأمر الواقع ظاهرياً فإن مشاعر الإحباط تنعكس سلباً على الأداء والإخلاص والتفاني وهي من معوقات التقدم.قوائم الأسس والضوابط لا مكان فيها لمفردات الصداقة، والقرابة، والشلة، والقرية لأنها مفردات لا علاقة لها بالكفاءة والقدرات والإمكانات.

هـللات (مع دودة)

يقول الدكتور ناصر بن محمد السلوم وزير المواصلات حسب ما نسبته له الصحف إن إقرار فرض رسوم على الطرق مازال تحت الدراسة وانه لن يؤثر على مستخدميه إطلاقاً حيث ستقدر الرسوم بهللات “معدودة” للكيلومتر الواحد!! انتهى حديث معالي الوزير.

والدكتور السلوم من الشخصيات القليلة التي تدعم الرأي الآخر المخالف لتوجهاتها إذا وجد فيها إقناعاً وقد حققت معه (ولا أقول عليه) نصراً من هذا النوع عندما تزعمت باسم جريدة “الرياض” معارضة لتوجه الدكتور السلوم عندما كان وكيلاً لوزارة المواصلات وكان يريد للاستراحات الوسطية في طريق الرياض – سدير – القصيم ان تدخل من المسار الأيسر مباشرة دون وجود مخارج من الجهة اليمنى. وقد خططت ونفذت على هذا الأساس الخاطئ الخطير وتراجع د.السلوم بعد تحقيق أجرته “الرياض” وعارضه فيه بعض مسئولي السلامة في الوزارة ووضع لهذه الاستراحات مخارج جديدة سليمة.

في شأن رسوم الطرق لا أتوقع أدنى صعوبة في إقناع معاليه ان للهللات قيمة مؤثرة على عامة الناس، وخاصة محدودي الدخل منهم ممن تحاوشته الرسوم الهللية من كل حدب وصوب. ولا يمكن التقليل من شأن تأثير الرسوم على المستخدمين لمجرد حسابها بوحدة صغيرة هي وحدة الهللات خاصة وأن معاليه استخدم للمسافة وحدة صغرى أيضاً هي وحدة الكيلومتر الواحد ولم يقل هللات معدودة لكل ألف كيلومتر مثلاً.

الهللات سواء كانت (مع دودة) أو بدون دودة سوف تسبب “تقريصاً” مزعجاً للمواطن الذي أصبح عاجزاً عن الاستقرار في وضع جلوس مريح من كثرة الهللات “المعدودة” التي يضربها في آلاف وحدات القياس.

عدّاد الكهرباء الذي سبب صداعاً مزمناً للوطن والمواطن يقاس بالهللات المعدودة وسعر الدقيقة للهاتف الثابت والمتنقل ما هو إلا هللات معدودة (يا جماعة أكلنا الدود وأنتم تصرون على الهللات المع.. دودة!!).

إذا كانت هذه الهللات من القلة بحيث إنها لن تؤثر في المستخدم مهما كان وضعه المالي من الفاقه، فإن هذه الهللات بالتأكيد لن تنفع الدولة وربما لا تستحق تكلفة إنشاء مراكز التحصيل ورواتب موظفيها، وإن كانت غير ذلك فهي كثيرة ومؤثرة.

ثمة رسوم أولى بأن تحصل وأكبر فائدة ومردوداً مالياً وأكثر عدلاً، منها الرسوم على الأراضي البيضاء التي تشكل بهاقاً في وجه المدينة وتسبب عائقاً في طريق التنمية وحجر عثرة في طريق وصول الخدمات. ومنها الرسوم الجمركية على السجائر والتبغ عامة والتي طالبنا كثيراً بمضاعفتها.

وهناك قيمة الجزاءات والعقوبات على التجار المخالفين وكذلك المقاولين التي لا تصل إلى ربع ربح المخالف من مردود المخالفة، خاصة فيما يتعلق ببيع السلع الغذائية والدوائية منتهية الصلاحية.

رسوم الطرق ليست ضمن الأولويات وليست السبيل الأفضل لزيادة إيرادات الدولة، وإذا لم يبق إلا رسوم الطرق فمرحباً بالهللات مع الدودة.

مريض نفسي يخاطب مجلس الشورى

عطّل مريض نفسي أمس حركة السير في شارع الأمير سعود بن ناصر بن فرحان في حي (المؤتمرات) بالرياض بعد ان خلع ملابسه وبدأ في اعتراض السيارات.

هذا ما رصده حبيب الشمري وصوره فيصل المطيويع ونشرته “الاقتصادية” مدعماً بالصور يوم الاربعاء الماضي.

في قصصنا الشعبية، وفي “سباحين” جداتنا وفي بعض مسلسلاتنا العربية القديمة الهادفة كانت هناك مؤشرات واضحة إلى ان المريض النفسي فائق الحكمة والذكاء إلى درجة كبيرة جداً يصعب استيعابها، وقد يكون صمته انعكاساً لحقيقة ان تفكيره يفوق بكثير من حوله إلى درجة انه لا ينزل لمستواهم بالحديث فيفضل التعبير بطريقته الخاصة، وإذا نطق فانه ينطق بحكمة وبعبارة مختصرة جداً.

هذا المريض النفسي الذي اختار حي “المؤتمرات” مكاناً لخلع ملابسه واعتراض السيارات دون إيذاء أصحابها هل كان يريد توجيه رسالة إلى مجتمعه.

شخصياً تبنيت توجيه النظر إلى إهمال مجتمعنا ومؤسساتنا الصحية للمرضى النفسيين في هذه الجريدة واسعة الانتشار وبعناوين ملفتة للنظر اولها كان “المجانين يا أولي الألباب” منذ عدة سنوات وآخرها منذ ايام قليلة بعنوان “نصف الصحة المهمل”، ومن المؤكد أنني لم أتفق مع ذلك المريض للقيام بما فعل وإن كان تأثيره أقوى من كل ما كتب ولكن هل يؤثر في القائمين على الصحة والشئون الاجتماعية وهل كان يوجه رسالة حكيمة؟!

هل اختار حي المؤتمرات ليذكر بضرورة عقد مؤتمر يوجه للاهتمام بالمرضى النفسيين في الدول العربية وخاصة في المملكة التي اهتمت مؤسساتها بجميع الامراض العضوية وأهملت النفسية، لأن الذين يعانون منها من فئة لا تمدح في الصحف!!

هل اختار الحي لقربه من مجلس الشورى مستنجداً بالأمل الأخير!! علهم يتشاورن حول تزايد حالات الاكتئاب والفصام والأمراض النفسية الاخرى واهمالهم التام من قبل وزارتي الصحة والشئون الاجتماعية.

هل كان انتقائياً في اختيار السيارات التي يعترضها لذلك اختار أنواعاً فخمة علها تحمل صانع قرار، ام انه يقصد ان صاحب “الخردة” زميل نفسي قادم.

لو حدث وعقد مؤتمر من هذا النوع أو ناقش مجلس الشورى معاناة المرضى النفسيين، وهو الذي اعتاد ان يستدعي ممثلين للفئة المتضررة فمن سيمثل المرضى النفسيين ليقول لأملهم الأخير انهم لا يعالجون بطريقة صحيحة ولا توفر أدويتهم ولا تدرس حالاتهم وأسبابها ولا يوجد لدينا حالياً جهة مؤهلة للتعامل مع هيجانهم، بل عندما هاج مجموعة منهم في مستشفى متخصص “لوحة فقط” “مستشفى الصحة النفسية بالرياض” استدعي الدفاع المدني لرشهم بالماء يعني “يطفونهم” وتم اخمادهم فعلا على مرأى من القائمين على الصحة آنذاك، الحجيلان والسويلم وعدد من الأصحاء، ولم يبعث ما حدث على لفت النظر للقصور في رعاية نصف الصحة المهمل.

فهل تصل رسالة مريض حي المؤتمرات؟! أم ان حكمته لم تجد من يستوعبها بعد، رغم أننا أصحاب المثل القائل “خذ الحكمة من أفواه المجانين”.

ثغرة المعروف والمنَّة والانتفاع

المعلومة غير جديدة، لكنها متجاهلة منذ زمن طويل، وهي أن سن الأنظمة والإجراءات الدقيقة والشاملة والمرنة والإعلان عنها وتطبيقها في كل مجالات الحياة يلغي تماماً الحاجة إلى وسيط أو شفيع أو خطاب توصية.

فإذا كانت الإجراءات معروفة ومرنة والمتطلبات واضحة ومعلنة ولا تشترط وجود خل وفي، ولن تشترط عندما تكون معلنة فإن صاحب الحاجة يكاد يرى معاملته عبر زجاج شفاف تسير في الطريق الصحيح طالما أنه أكمل الاحتياجات النظامية.

لماذا نستشهد بالدول الغربية حيث معظم الإجراءات تتم عن طريق البريد ودون واسطة أو استثناء أو منّة؟! إن لدينا مثالاً إدارة الجوازات التي تحولت بين عشية وضحاها من اسوأ أمثلة البروقراطية والازدحام والتدافع وبطء الإجراءات وضياع المستندات وأكبر سوق لتجارة “التعقيب” وأوسع قناة لكسب المعروف وممارسة المنّة إلى أكثر الأنظمة الإدارية وضوحاً في المتطلبات وسلاسة وسهولة وهدوء في الاجراءات “ما عليك إلا تعبئة الاستمارة ودفع الرسوم وتستلم غداً”.

ترى لو طبقت تجربة إدارة الجوازات على جميع الإجراءات الحكومية فما الذي سيضيرنا؟!

أقصد وضوح الشروط والمتطلبات واختصار الإجراءات وتقليل الورق والمرفقات وشفافية مسار المعاملة أو الطلب فمن الذي سيكسب ومن هو الخسران؟!

سيكسب المراجع توفير الوقت والجهد وتلافي سفك ماء الوجه، وسيكسب الوطن مزيداً من الهدوء والشعور بالإنصاف وارتفاع معدل العطاء لأن موظفاً غير مشغول بمراجعات واتصالات وبحث عن واسطة هو موظف أكثر إنتاجية.

أما من سيخسر فهو كل كسبان من تلك التعقيدات والمعوقات سواءً في شكل رشوة أو منّة أو كسب علاقات شخصية إلى جانب من يعيشون على تبعات تلك البيروقراطية والفوضى ومن أمثلتهم المعقبون.

ثمة إجراءات حكومية كثيرة جداً لاتزال ترضخ تحت بطء التنفيذ بل توقف المسار إلا إذا وجد من يدفعه، رغم أن الدولة عندما أوجدت هذه الخدمات أو تلك المنح أو الميزات أو العطاءات كانت تهدف إلى استفادة المواطن منها بأسرع وقت ممكن وأيسر سبيل.

وأعتقد أن استمرار تعقيد وبطء وقفل مسار بعض الإجراءات ربما يكون مقصوداً أو مقبولاً بارتياح من فئة يسعدها بقاء ثغرة لكسب المعروف والمنّة على المواطن، وفئة أخرى يهمها بقاء هذه الثغرة لتحقيق مكاسب مادية من تعقيب، وسعي وخلافه.

أعتقد أنه آن الأوان لينعم المواطن بما يقدمه له وطنه من مميزات وخدمات ومنح ومخصصات دون منّة من وسيط أو شفيع.

لابد من توضيح وإضفاء مرونة على مسارات عدة منها أحقية العلاج في المراكز المتقدمة والحق في الحصول على مخصصات الرعاية الاجتماعية والحصول على منح الأراضي والعادات السنوية لمستحقيها وأن تكون هذه المسارات من الشفافية والوضوح والسهولة بحيث تحفظ ماء وجه المستفيد وتقفل ثغرات المنّة والانتفاع.

وزارتا العمل والصحة والعود

تطرقت يوم أول أمس السبت في هذه الزاوية إلى صور إهمال ضحايا الأمراض النفسية وإهمال تخصص الطب النفسي بصفة عامة. ولأن المساحة لا تستوعب ولو جزءاً يسيراً من ألبوم صور الإهمال تلك فقد اكتفيت بإيماءة سريعة إلى واحد من أغرب الإجراءات وهو تحويل بعض المرضى النفسيين من مستشفى الصحة النفسية إلى دار الرعاية الاجتماعية “دار العجزة”.

هذه الخطوة الغريبة، القديمة، المستمرة، تستحق أكثر من وقفة وأكثر من زاوية وأكثر من مجرد محاسبة.

بالرغم من عدم وجود أدنى علاقة أو تشابه بين دار الرعاية الاجتماعية ومستشفى الصحة النفسية، باستثناء أن كلاً منهما يستخدم الأسرّة في التنويم، وبالرغم من عدم وجود أدنى علاقة أو تشابه بين المريض النفسي والمسن، باستثناء أن كلاً منهما يمكن أن يهذي دون أن يدافع عن نفسه أو يشتكي. أقول بالرغم من عدم التشابه إلاّ أن وزارة الصحة قررت نقل عدد من نزلاء المصحات النفسية لدور العجزة!!

هذا القرار ليس سياسياً ولا صحياً ولا اجتماعياً إنه مجرد قرار ارتجالي يعود تاريخه إلى أكثر من خمس عشرة سنة، وأجزم أن من اتخذه ومن وافق عليه يحمل في ميزانه ازر تلك السنوات إلى اليوم بمعدل تراكمي يفوق الإمتياز!!

اجتمع نفر من وزارة الصحة مع نفر من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لبحث “التخفيف” على مستشفى الأمراض النفسية “كما يسمى آنذاك” بنقل بعض نزلائه إلى دور العجزة!! وقد قاوم وفد ممثلي وزارة العمل هذا الطلب بكل ما أوتوا من قوة، ويبدو أن الوفد كان إلى الضعف أقرب، أو أن وفد الصحة حقنهم بمخدر قوي وسريع المفعول فحصلت الموافقة بعد وعد قاطع من وزارة الصحة بتزويد دار العجزة بعدد من الممرضات المتخصصات والأطباء وكم كبير من الأدوية النفسية مع دفعة المرضى النفسيين واقتنع وفد العمل على مضض دون أن يحسب أدنى حساب لمصير المسن الصحيح نفسياً عندما يهيج جاره المريض النفسي.

وصلت أفواج المرضى بلا ممرضات ولا أطباء ولا أدوية وحتى لا أظلم وزارة الصحة سأذكر أنهم أرسلوا عدداً من عاملات النظافة في شكل ممرضات.

كنت آنذاك شبه نزيل للدار في شكل محقق صحفي أتبع لجريدة الجزيرة وأتحدى أن يعرف التفاصيل أحد أكثر من مدير الدار آنذاك الأستاذ عبدالرحمن التويجري وأنا.

مات أحد المسنين من نزلاء الدار مقطعاً بموس حلاقة لمريض نفسي، وأسر لي عدد من المسنين الأسوياء خلقاً ووعياً وعقلاً أن بعض المرضى النفسيين يزعجون مضجعهم ليلاً ويؤذونهم في الفراش!!

أحداث مؤلمة وأخرى يندى لها الجبين نشرت بعضاً منها في حينه.

القرار التاريخي الظالم لايزال ساري المفعول رغم تغير أكثر من وزير للوزارتين!! ورغم أنه خلال هذه المدة تخرج مئات “الدكاترة” في علم النفس وعلم الاجتماع!! أتدرون لماذا لأن الفئة المتضررة لا تخرج من الدار إلاّ إلى الدار الآخرة!! ونداءات القائمين على دار الرعاية في هذا الصدد تصطدم بعدة حواجز بيروقراطية إلى أن “تبنط” في واحد وتعود إلى الدار!!

مشكلة وزاراتنا المتعددة أن بينها مناطق اشتراك في بعض الأمور، وتعيس الحظ من يقع مصيره في مناطق الاشتراك تلك، لأنه وكما يبدو فإن كل وزارة تستمتع حتى الثمالة بعملية قذف المسؤوليات على الوزارة الأخرى. أتذكرون لعبة الوادي المتصدع وكيف ضاع دمها بين قبائل الوزارات الثلاث؟! هذا ما يحدث في كل أمر مشترك!!

وإحقاقاً للحق فإنني لا أجد أدنى اشتراك بين وزارة العمل ووزارة الصحة في أمر المرضى النفسيين سوى أن منسوبي العمل وقعوا في شراك الصحة وأوقعوا معهم المسنين!! فهل من همام يحل هذه الأزمة المخجلة؟!

شخصياً اقترح عقد اجتماع قمة بين الوزارتين في “العود” بين قبور المسنين، لعلهم “يحللونهم” ولعلهم يتذكرون أن الدنيا فانية إلاّ من عمل صالح يتمثل في حل أزمة من لا نصير لهم ولا حيل ولا قوة.

مستشفيات الأمل ترفض التائبين!!

في الحرب الضروس التي نخوضها للقضاء على آفة المخدرات لابد من توازن دقيق بين ثلاثة محاور بالغة الحساسية: محور محاربة التهريب والترويج ومحور التوعية بالخطر ومحور علاج المدمن، وما لم يتحقق هذا التوازن والتناغم فإن العملية برمتها ستتعرض لخلل يجعل أمد الحرب يطول وترتفع معه أعداد الخسائر البشرية.

الواضح أننا نجحنا في المحورين الأولين، بل ركزنا عليهما بشدة وتركنا محور العلاج لاجتهادات قطاعات مختلفة فأصبح العلاج لا يستطيع مجاراة محاربة التهريب والترويج وعنصر التوعية وأصبحت النتيجة أن أعداداً كبيرة من المدمنين يقبلون على مستشفيات الأمل فلا يجدون الفرصة للخلاص من مشكلة الإدمان التي اقتنعوا بخطورتها!!

لابد لنا من الاعتراف بأن السعة الاستيعابية لمستشفيات الأمل لم تقدر بناء على دراسة دقيقة لعدد من سيقبلون عليها، أو أن التقدير لم يأخذ في الاعتبار قوة محوري وقف الإمداد والتوعية مقارنة بالعلاج أو أن الدراسة لم تكن متفائلة بالقدر المطلوب أو أنه لم يكن هناك دراسة أصلاً، المهم أن المستشفيات لا تستوعب أعداد التائبين والراغبين في العلاج.

الدلائل التي تشير إلى حقيقة قلة القدرة الاستيعابية كثيرة جداً، ومنها أن المستشفى يعتذر بعدم وجود سرير لأعداد من الراغبين في العلاج والدلالة الأخطر أن المستشفى بدأ في تغيير سياساته وإجراءاته للتنويم حسب توفر الأسرة، ففي البداية كان التنويم لكل من يعاني من الإدمان ويرغب الخلاص، ثم أصبح التنويم لمن تكون نتائج تحاليله إيجابية لأي نوع من المخدرات ثم أصبح التركيز في التنويم على النتائج الإيجابية للأنواع الخطيرة جداً وذات أعراض الانسحاب الشديدة أما خلافها فإنه حتى لو كانت النتيجة إيجابية فإن المدمن يتم إخراجه في نفس اليوم أو الساعة بحجة أن حالته مستقرة.

أصبح الأب يعاني الأمرين في إقناع ابنه بالدخول إلى المستشفى فإذا اقتنع ودخل المستشفى بعد معاناة شديدة وخجل وخوف من مواجهة غيره ومعرفتهم له وجد أن كل ما في الأمر هو تحليل ثم خروج رغم النتيجة الإيجابية.

إن مهمة هذه المستشفيات بالنسبة لمن خالط المخدر دمه ليس مجرد صرف الدواء وإرجاع المريض للمنزل، والأطباء يعرفون ذلك جيداً، لكن لا حيلة لهم فسعة المستشفى لم تحسب على أساس العدد المحتمل أو نصفه وهذا ليس بمستغرب على دراساتنا فحتى أعداد الولادات المحتملة لم تحسب بطريقة صحيحة فأصبحنا نعاني من رفض حالات الولادة في المستشفيات وتشديد شروط القبول فما بالك بالمخدرات.

أتمنى أن تقدر ميزانية إنشاء المستشفيات على أساس قيمة الإنسان ومقدار الخسارة في فقده، وعلى تقدير لنتائج بقائه مدمناً وما سيكلفنا ذلك من هدر وارتفاع لمعدلات الجرائم ونتائجها المتفاقمة وما يترتب عليها من آثار نفسية واقتصادية واجتماعية وأن نتذكر أننا ضيعنا عشرات السنين التي تعاملنا خلالها مع داء المخدرات بصمت وتكتم حتى تفاقم عندها سيكون تقديرنا للعدد والسعة المطلوبة والتوزيع الجغرافي لمستشفيات الأمل أكبر بكثير مما هو عليه الآن.

إذا أردنا توازناً في محاور الحرب على المخدرات فإن علينا أن نركز على محور العلاج حتى لو كان الأكثر تكلفة وأن نبني القرار على أساس إحصائي وليس على أساس اجتهادات، وأن يكون التحرك جماعياً ككتلة واحدة وليس عبر قنوات مختلفة تخضع لتباين قدرات ونشاط كل قناة وهو ما نعاني منه الآن من تكثيف التوعية وتقشيف العلاج حتى باتت قناة التوبة من الإدمان تضخ المئات وقناة العلاج لا تستوعب العشرات.