التصنيف: بصوت القلم

الخدمة الاجتماعية الغائبة

لأن تطورنا أعرج أو منبعج، فإن كثيراً من التخصصات لا تزال مهملة، لم تحظَ بالقدر الأدنى من الاهتمام الذي تستحقه والذي تجده في مجتمعات تتطور بتوازن، دون عرج أو إنبعاج.

الخدمة الاجتماعية، مجال يكاد يكون مهملاً تماماً رغم أهميته وحيويته، فهو موجود غائب، موجود كاجتهادات فردية، موجود كلوحة على أبواب أقسامه، لكنه غائب ضمن قائمة الأولويات وغائب ضمن جدول الأهمية، حاضر في مواقع محدودة ومعدوم التواجد في حوادث هي بأمس الحاجة إليه.

مجال الخدمة الاجتماعية في حاجة ماسة إلى مخرجات متخصصة في حاجة إلى الاعتراف به كتخصص هام وكمهنة لا يمارسها إلا متخصص أو متخصصة من ذوي التأهيل والتعليم المستمر والخبرة الطويلة والصحة النفسية والإبداع والقدرات ونحن نتعامل معه على أساس أنه ملاذ من لم يجد وظيفة ومقر من يريد أن يستقر دون تطور، فنوظف فيه أي خريج!!.

الخدمة الاجتماعية لدينا تقوم بجزء من الدور المطلوب في المستشفيات والجمعيات الخيرية وبعض مؤسسات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ولكنه دور محدود لا يرقى لأهمية هذا المجال وخاصة في هذا الوقت بالذات حيث تزداد حاجة الافراد لمن يقف بجانبهم اجتماعياً ونفسياً في وقت ازداد فيه انشغال الناس وابتعادهم عن أقاربهم وجيرانهم وكلما زاد هذا التباعد، زادت الحاجة إلى الأخصائية والأخصائي الاجتماعي المؤهل، المحب لمهنته، القادر على القيام بأعبائها وتحمل مشقتها.

الخدمة الاجتماعية ليست مجرد الإقناع بقبول غرفة مشتركة في مستشفى أو دراسة حالة اجتماعية لأسرة لمعرفة استحقاقها للضمان الاجتماعي أو التنسيق لتوفير جهاز لمريض أو إقناعه بعدم الحاجة لمرافق. إن هذه الخدمات جزء من مسؤوليات أعظم وأوسع وأكثر أهمية ومع ذلك نهمل الأهم ونركز على الجزء.

أين الخدمة الاجتماعية في حالات الحوادث، حيث الأقارب في أمس الحاجة إلى من يقف معهم ويواسيهم ويطمئنهم؟! أين الخدمة الإجتماعية في حالات الكوارث، عندما تكون عدد من الأسر قد فقدت عزيزاً ولا أقول عائلاً، لأن علاج الفقر ليس المجال الوحيد للخدمات الاجتماعية كما هو الحال لدينا فقد تتأثر أسرة غنية وتنهار نفسياً وتفشل اجتماعياً بسبب غياب دور المتخصص الاجتماعي مع توفر النقود.

خلال وبعد حادث 11سبتمبر مثلاً قارب عدد الأخصائيين والأخصائيات الاجتماعيين عدد رجال المطافي وهذا من شأنه التقليل من النتائج السيئة التي تلي الحادث نفسه ورواسبه الاجتماعية التي قد تستمر طويلاً وتتفاقم. بينما شهدنا عدداً من الحوادث الجماعية وحوادث الفقدان وخاصة بسبب السيول وحوادث السيارات ووفياتها الجماعية ولم يشهد أي منها تواجداً للمتخصص الاجتماعي، لعدة أسباب أهمها عدم إدراج هذه الخدمة ضمن خدمات الطوارئ ومباشرة الحوادث.

أرجو أن لا يخرج علينا مدافع أو مدافعة مدعياً أن الأخصائي الاجتماعي يتواجد في غرفة الطوارئ لأن الواقع أنهم لا يناوبون ليلاً وغرف الطوارئ تشهد من حالات الانهيار العصبي العديد من المآسي التي يتحملها رجال الشرطة غير المدربين أو المتخصصين!!.

الخدمة الاجتماعية ليست طبقاً خيرياً أو سوقاً خيرياً فهذا المجال يحتاج إلى إعادة هيكلة تعتمد على شمولية مجالاته وتزايد الحاجة إليه، فنحن في أمس الحاجة لتواجد هذا المتخصص عند كل حادث وبعد كل جريمة وفي داخل كل منزل أدمن أحد أفراده على المخدرات أو ضرب الزوجة أو إساءة معاملة الأطفال أو إدمان المسكر وفي كل منزل فقد غالياً أو أهمل مسناً، فعلاج الأسباب والنتائج أهم من العلاج الوقتي للمشكلة.

كما أن هذه الخدمة في حاجة للدعم المالي السخي وتيسير الموارد مع وضع رقابة ومراجعة مالية دقيقة للمصروفات فمن الملاحظ إسراف بعض الإدارات في حفلات لا علاقة لها بمشكلة أو جزء من حل في وقت يحول فيه شح الموارد عن قيام القسم بواجباته ولعل فصل الشؤون الاجتماعية عن العمل يبدو ضرورياً للحفاظ على مجتمع صحيح، ودون إعطاء هذا المجال الحيوي حقه علينا أن لا نتساءل عن أسباب زيادة حالات الانتحار، فقلة الوازع الديني سبب رئيسي وإذا صاحبه غياب الناصح المتخصص المدرب أصبح الخطر أكبر.

لنوزّع هذا الشريط!!

منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً أجريت تحقيقاً صحفياً عن دار الرعاية الاجتماعية “العجزة” نشر على ثلاث صفحات ليحكي واقعاً مريراً من العقوق للوالدين والكبير من الأشقاء والشقيقات، شعرت وأنا أسمع قصصهم بأسى عظيم لازمني عدة سنوات كنت خلالها أزورهم كل خميس وأذكر ان أحدهم وهو شيخ في كامل قواه العقلية والبدنية، يحفظ القرآن والشعر ويستطيع العيش بنشاط بل والعمل، لو لم يحبس في الدار، أودعه شقيقه الدار لأن زوجة الشقيق لا تريده في المنزل وعلمت من زياراتي له بعد النشر أن شقيقه حضر ووبخه لأنه تحدث للجريدة. وكان كلما هرب يقتات على ما يرميه الناس أو يتصدقوا به عليه أو يدعوه لتناوله في منزلهم وكلما علم شقيقه قبض عليه وأعاده للدار حفاظاً على سمعته!!

أما الآخر فأودعه أبناؤه الثلاثة الدار على انها مستشفى العيون ومكث فيها خمس سنوات لم يشاهدهم ومات وهو يدعو عليهم.

كان هذا منذ خمسة عشر عاماً ويبدو أن الحال قد ازدادت سوءاً، فقد سمعت شريطاً لخطبة الشيخ ابراهيم الحارثي بعنوان “حب يتدفق” يتحدث في بدايته عن عمق حب الوالدين لأبنائهم ويسرد قصصاً إعجازية في هذا الصدد وقبل أن أنقل مختصراً لهذه الخطبة القيمة أقترح على دار الرعاية الاجتماعية أن توزع نسخاً منه على أقرباء نزلاء الدار وأجزم، إن كان بقي ذرة من ضمير انه سيستيقظ. يقول الشيخ ابراهيم الحارثي: جاء في بعض الكتب أن أمية الكناني رجل من سادات قومه وكان له ابن اسمه كلاب هاجر إلى المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه فأقام بها مدة ثم لقي ذات يوم بعض الصحابة فسألهم أيما الأعمال أفضل في الإسلام فقالوا الجهاد فذهب إلى عمر يريد الغزو فأرسله عمر في جيش إلى بلاد الفرس فلما علم أبوه بذلك تعلق به وقال لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ربياك صغيراً حتى إذا احتاجا إليك تركتهما فقال أترككما لما هو خير لي ثم خرج غازياً بعد أن أرضى أباه فأبطأ في الغزو وتأخر وكان أبوه وأمه يجلسان يوماً في ظل نخل لهم وإذا حمامة تدعو فرخها الصغير وتلهو معه وتروح وتجيء فرأها الشيخ فبكى فرأته العجوز يبكي فبكت ثم أصاب الشيخ ضعف في بصره فلما تأخر ولده كثيراً ذهب إلى عمر رضي الله عنه ودخل المسجد فقال والله يا ابن الخطاب لئن لم ترد علي ولدي لأدعوّن عليك في عرفات فكتب عمر رضي الله عنه برد ولده إليه فلما قدم ودخل عليه قال له عمر ما بلغ من برك لأبيك قال كنت أوثره وأكفيه أمره وكنت إن أردت أن أحلب له لبناً أجيء إلى أغزر ناقة في ابله فأريحها واتركها حتى تستقر ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحلب له فأسقيه فبعث عمر إلى الرجل فدخل على عمر وهو يتهاوى وقد ضعف بصره وانحنى ظهره فقال له عمر رضي الله عنه كيف انت يا أبا كلاب قال كما ترى يا أمير المؤمنين فقال ما أحب الأشياء إليك اليوم؟ قال ما أحب اليوم شيئاً ما أفرح بخير ولا يسوؤني شر فقال عمر فلا شيء آخر قال بلى أحب أن كلاباً ولدي عندي فأشمه شمّة واضمه ضمّة قبل أن أموت فبكى عمر رضي الله عنه وقال ستبلغ ما تحب إن شاء الله ثم أمر كلاباً ان يخرج وأن يحلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ويبعث بلبنها إليه فقام ففعل ذلك ثم جاء وناول الإناء إلى عمر فأخذه رضي الله عنه وقال اشرب يا أبا كلاب فلما تناول الإناء ليشرب وقربه من فمه قال والله يا أمير المؤمنين اني لأشمّ رائحة يدي كلاب فبكى عمر وقال له هذا كلاب عندك وقد جئناك به فوثب إلى ابنه وأخذ يضمه ويعانقه وهو يبكي فجعل عمر رضي الله عنه والحاضرون يبكون ثم قال يا بني الزم ابويك فجاهد فيهما ما بقيا ثم اعتن بشأن نفسك بعدهما..

دور العجزة الدور التي يوضع الكبار والعجائز بها ليجدوا الرعاية والأمان حتى يتوفاهم الموت فإذا كانت هذه الدور لمن لا معين له ولا ولد له فحيا هلا وانعم بها من مكان أما إذا كانت لمن تخلى عنهم أبناؤهم وأرسلوهم إلى تلك الدور تخلصاً من المسئولية وتفريطاً في حق الأبوين الكريمين وتضييعاً للبر والوفاء فلا وألف لا.. وما ينبغي السكوت على من فعل ذلك بأبويه أو بأحدهما ووالله لو كان لي من الأمر شيء لأنزلت بالعاقين الجاحدين أشد العقاب ولجعلتهم عبرة لكل من تسوّل له نفسه ان يعمل ذلك والحقيقة ان تلك الدور بكل أسف تمتلئ بالمنكسرين والمحبطين من الآباء والأمهات الذين تخلى عنهم أبناؤهم وألقوهم في تلك الدور يجترون الذكريات الحزينة في جو كئيب موحش يمتلئ بالغدر والجحود ونكران الجميل ترى كيف يعيش ذلك الأب وتلك الأم بعيداً عن الذين أفنوا أعمارهم وهم يحوطونهم بالرعاية والحب؟! كيف استطاع أولئك الجاحدون ان ينتزعوا مشاعرهم وعواطفهم من قلوبهم ويلقوا بأغلى وأعز وأحب الناس في غياهب دور العجزة؟! هل هذا من الوفاء أو من البر؟! هل هذا من الشكر الذي قرنه الله بشكره في قوله {ان اشكر لي ولوالديك} يقول ابن عباس رضي الله عنه من شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل الله منه عملاً هل هذا من الإحسان الذي اوجبه الله في قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا}.

ثم راح الشيخ يسرد مواقف من العقوق يشيب لها الرضيع.

مرضى بحقوق مهملة

قد يخفى على كثير من المواطنين بل غالبيتهم أن من حقهم حسب النظام، ودون منة أو أذى، أن يعالجوا في أي مستشفى متقدم في المملكة حتى لو لم يكن المريض عاملاً في القطاع الذي يتبعه المستشفى.

يمكنك أن تراجع وتعالج وتنوم في مستشفى الملك فيصل التخصصي أو مستشفى الملك فهد للحرس الوطني أو المستشفى العسكري أو مستشفى الأمن العام أو أي مستشفى آخر، دون الحاجة للحصول على خطاب استثناء أو واسطة أو دفع نقود حتى لو لم تكن تعمل في أحد القطاعات التي يرجع إليها المستشفى المتقدمة “وهذا ليس من الأحلام أو الأمنيات”.

إن النظام والتعليمات المشددة يؤكدان على ضرورة قبول المرضى من المواطنين الذين يعانون من أمراض خطيرة وحرجة في أي مستشفى متقدم في المملكة، حتى لو كان المستشفى لا يقبل إلا موظفي القطاع الذي يتبعه ودون أي استثناءات إدارية فالقرار طبي بحت، وتلافياً لسوء الفهم بقصد أو بدون قصد فقد حددت الأمراض المقصودة بسبعة أمراض هي فشل الكبد، والفشل الكلوي، والأمراض السرطانية، ومضاعفات مرض السكر، وأمراض القلب ومرض الإيدز، والأمراض الاستقلابية أو المناعية.

المصاب بأحد هذه الأمراض، شفاه الله، من حقه العلاج مباشرة في أي مستشفى دون استجداء أحد، أو التوسط بأحد، كل ما يحتاج إليه هو تقرير طبي من المركز الطبي الذي اكتشف حالته أو مستشفى القرية أو المدينة التي يقطنها. يقدمه إلى أي مستشفى متقدم ليتم تقييم حالته من قبل طبيب مختص في الحالة ويبدأ في العلاج أو أي إجراء يتطلبه وضعه الصحي.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو لماذا لم تتم توعية المواطن وتعريفه بهذا الحق بصورة مكثفة؟!.

ولماذا يترك مريض بأحد الأمراض السبعة الخطيرة يموت لأنه لا يعلم أن من حقه أن يحصل على علاج هذا المرض في أي صرح طبي وفره له بلده دون أن يستجدي أحداً وبمجرد طلب تقرير هو من حقه أيضاً.

إن هؤلاء المرضى يتكبدون كل صنوف العناء والمراجعات للحصول على “خطاب استثناء” هم في غنى عنه ولا يحتاجون إليه، لو عرفوا بالنظام والأوامر الصريحة في هذا الصدد.

إنهم يتعرضون للمنة وكسب الجميل من قبل من يسعى لهم في استثناء وهم مستثنون أصلاً دون منة!!.

حتى بعد إحضار خطاب الاستثناء فإن المريض سيطلب منه تقرير طبي يبين شكواه، وعندما يكون مرضه أحد الأمراض السبعة المذكورة أنفاً فإن كل ما كان يحتاجه هو ذلك التقرير وكل ما سبقه من جهد وعناء ومنة للحصول على جرة قلم ما هي إلا فصول من مسرحية “أنت في حاجتي دائماً”.

كان الجدير بوزارة الصحة وهي تردد عجز إمكانياتها المالية عن تشييد المستشفيات المتقدمة بالقدر المطلوب أن تكثف توعية المواطن بحقوقه على مستشفيات القطاعات الأخرى وأن تنتشله من الغرق في هم البحث عن وسيط!!.

إن بإمكان معالي وزير الصحة، الذي لا نشك بحماسه وحرصه، دون الحاجة إلى مال أن يسخر نفوذ الوزارة لاستغلال إمكانيات القطاعات الأخرى تحت مظلة الأنظمة الواضحة والأوامر الصريحة من ولي الأمر وذلك بالتوعية بالأنظمة مثل النظام المذكور وفتح قنوات متعددة لاستقبال الشكاوى في هذا الصدد.. وهذه الفرص تفوت على الوزارة في ظل المشاغل الجمة لمعالي الوزير وغياب التجديد في دماء المستشارين.،

ملكية الصيدلية رحمة بالمريض

أخذت عهداً على نفسي عند كتابة هذه الزاوية أن أخلع غترة الصيدلة التي أحبها “ولا أقول قبعة لأننا نفخر بالغترة ولا نلبس القبعة”، أخلع غترة الصيدلة حتى لا أستغل هذه المساحة في الانحياز لمهنتي التي أعشقها حتى النخاع.

وعندما أكتب عن ضرورة أن تقتصر ملكية الصيدلية على الصيدلي، فليس ذلك خروجاً على العهد لأن هدف هذه الدعوة هو المريض بالدرجة الأولى.

إن الصيدلة كمهنة هي خط الحماية الأحمر والأخير للحيلولة دون استغلال شغف المريض بالشفاء العاجل وتعريضه لخطر مركبات كيميائية قد تنقلب إلى سموم فتاكة إذا لم يقنن تداولها، وتقنين هذا التداول لا يمكن أن يدركه تاجر لم يدرس هذه المهنة ويسبر غور هذه المركبات ويفرق بين تعاطيها لحاجة أو الافراط في تعاطيها بسبب استغلال تجاري.

ليس شرطاً أن نفترض سوء النية أو استعجال الربح وسلوك الغش في التاجر أو المالك من غير الصيادلة لكي نطالب باقتصار الملكية على الصيدلي ولكن دعونا نعتبر الجهل بالبضاعة هو سبب اساءة صرفها.

صحيح أن المالك ليس هو من يصرف الدواء، لكنه هو من يملك السلطة النافذة على مكفوله الصيدلي المتعاقد.

وهنا، شئنا أم أبينا، لابد أن نعترف أن لنا وضعاً خاصاً يتمثل في ضعف المكفول إى حد استجابته لرغبة الكفيل في الكسب، بل ربما إلى درجة عدم القدرة على توضيح الخطر من واقع حس مهني، ولذلك فإن مالك الصيدلية لابد أن يكون ممن درسها جيداً، وغرست فيه اخلاقياتها وأدرك خطورتها وعرف كيف ينجح في تجارتها دون التنازل عن مبادئها.

إذا كان هذا المطلب “ملكية الصيدلية للصيدلي فقط” بناء على ما سبق ذكره اصبح ضرورة على افتراض حسن نية المالك غير الصيدلي وأن ممارساته الخاطئة قد تحدث لجهله بخطورة بضاعته فكيف هو الحال اذا وجد من لا يحسن النية ولا يعنيه غير نجاح تجارته دون مجرد التفكير فيما سيحدث للمشتري؟! ولنا عبرة بما حدث من بيع مواد غذائية منتهية الصلاحية مع سبق الإصرار والترصد.

ماذا ستقول لمالك أرغم مكفوله الصيدلي على صرف كميات كبيرة من أدوية تسبب تلفاً للكبد أو الكلى أو الإضرار بالصحة عموماً إذا احتج بأنه كان يجهل خطورتها، ستقول: إن القانون لا يحمي المغفلين.. وسنقول لك: لماذا تجعل صحة المريض الشغوف بالشفاء عرضة لرغبات مغفل؟!

أما أولئك المشغوفون بتقليد أمريكا ممن يحتجون بأن سلسلة الصيدليات في الولايات المتحدة الأمريكية تتبع لشركات فإن حجتهم مردودة عليهم.. ففي أمريكا لا يستطيع كائن من كان أن يتدخل في عمل الصيدلي!!، ولو حدث ذلك فإنه سيحاكم وسيدفع من التعويضات ما يفوق رأس ماله!! وفي أمريكا رقابة صارمة على الوصفة رقابة ذاتية وأخرى من الجهات الرقابية، ولعل غرفة الملفات في صيدلية أمريكية تعادل حجم الصيدلية لدينا مرتين.

ولذا فإننا لا نستطيع أن نقتبس جزئية صغيرة من القوانين والاجراءات ونحن لا نطبق متطلباتها الأساسية.

أما الدول الأخرى فإن ملكية الصيدلية فيها لا يمكن أن تتبع لغير الصيدلي بسبب التجارب المريرة التي عاشوها ويجب ألا نستمر في المعاناة منها.

وأخيراً فإنه ليس أدل على أهمية موضوع الملكية هذا من اهتمام معالي وزير الصحة به شخصياً وحرصه ومطالبته دوماً بأن تقتصر ملكية الصيدلية على الصيدلي وهو طبيب يعيش الهم الصحي للمواطن ومعاناته اليومية، وعلى الجهات التي تدرس هذا الطلب ألا تعتمد على آراء لأفراد أو حتى جماعات تحركهم المصالح الشخصية أو الأفكار السطحية ممن لم تطأ أقدامهم نار الواقع الحالي المؤلم.

كما أن أي دراسة لوضع صيدلاني لا تستنير برأي كلية الصيدلة “أم المهنة” تعتبر قاصرة.

هل يمكن لغير المحاسب أن يفتتح مكتب محاسبة، أو لغير المحامي أن يفتتح مكتب محاماة ولغير الطبيب أن يفتتح عيادة ولغير المهندس ان يفتتح مكتب استشارة هندسية؟! الصيدلي مهني مثله مثل هؤلاء لكن مهنته أخطر وأكثر ثغرات للاستغلال فلماذا يسمح لغيره بأن يشتغل بها؟!

الإيدز والحقيل وخوجة

في مداخلة علمية رائعة ومخلصة عقب الطبيب عبدالله الحقيل على ما كتبته عن سماح بعض الدول المجاورة بدخول أعداد كبيرة من بائعات الهوى خاصة من فتيات أوروبا الشرقية مما يشكل نوافذ خطيرة لدخول الإيدز وأسهب مشكوراً في الرد على تعقيب الطبيب توفيق خوجة المدير التنفيذي لمجلس وزراء الصحة بدول الخليج العربي حول الموضوع نفسه.

وحتى لا أفهم خطأ فيما سوف يلي من سطور فإنني معجب أشد الإعجاب بتناول الطبيب الحقيل استشاري ورئيس شعبة الأمراض المعدية بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث لهذا الموضوع بتلك الواقعية والصراحة والجرأة.

ولكن أخي العزيز عبدالله الحقيل نسب لي شيئاً لم أكتبه ولم أذهب إليه أو أقصده فيما كتبت، حتى بدا لي أنه لم يقرأ ما كتبت بل استشفه من تعقيب أخي العزيز توفيق خوجة وكان اعتماده على هذا التعقيب شديداً إلى درجة أنه حكم عليّ بأن هذه المعلومة يجب أن أعرفها كعامل في الصحة وتلك حقيقة غير معلومة لي، وأفترض أن الحل من وجهة نظري ككاتب هو تشديد القوانين والتأكد أن كل قادم لتلك البلاد يجب أن يكون خالياً من المرض.

وعلى أي حال فإن هذا الفهم الخاطئ لم يغير شيئاً من إيجابية المداخلة وأهميتها إلى درجة أنني أتمنى أن تعتمد كأساس لرسم استراتيجية صحية لمحاربة الإيدز في الداخل، خصوصاً وأنها جاءت من استشاري يشاهد الحالات عن كثب.

كما أن إعجابي بآراء الطبيب الحقيل في هذا الصدد لا يمنع من أن أوضح له أنني كتبت معترضاً على موضوع السماح بدخول أعداد من بائعات الهوى لدول مجاورة ثلاث مرات، تشترك جميعها في اعتقادي بوجوب سد نوافذ الإيدز هذه بالعلاقات الدولية، أي بإغلاق هذا الباب الذي سيلحق الضرر بدول الجوار والتي لا ذنب لها فيما يحدث من إهمال ومن أهم هذه الدول في نظري الممملكة.

لم يسبق أن تطرقت إلى موضوع إجراء التحاليل على القادمين أو تشديد القوانين للتأكد أن كل قادم لتلك البلاد يجب أن يكون خالياً من المرض، فمعرفتي بهذا المرض وطرق انتقاله وسبل اكتشافه، وإن كانت لا ترقى إلى خبرتك الطبية كممارس، إلا أنها كافية لأدرك أن الفحص لمنع الدخول غير ذي جدوى.

كتبت في المرة الأولى بعنوان “الإيدز المعلب يا وزراء الصحة العرب” في 14فبراير 2001م. وذكرت أن ما يحدث الآن من تواجد تلك الغانيات في دول قريبة يمثل استيراداً لمعلبات الإيدز وتيسيراً لانتقاله وتسهيلاً لصعوبات الوصول إليه وأن على وزراء الصحة العرب وبالذات الخليجيون مسؤولية كبيرة إذا لم يتحركوا بسرعة نحو وقف هذا الزحف بالتنسيق مع الجهات المختصة فالمشكلة لا تعني الدول الموبوءة فقط والتي سمحت بدخول هؤلاء النسوة بل كل دولة مجاورة أو قريبة بل كل العالم.

وكتبت في المرة الثانية بعنوان “معلبات الإيدز.. الحل بالعلاقات الدولية” وذكرت أن الموضوع يجدر الاهتمام به في الدول القريبة التي يحتمل تضررها بنسبة كبيرة ويجب أن تتحرك وعلى رأسها المملكة لوقف هذا الخطر فوراً عن طريق اتفاقات دولية أو تفاهم أشقاء. وتطرقت إلى أن الإيدز محمول خفي ليس من السهل اكتشافه وليس من الخطوات العملية أن يفتش عنه في المداخل والموانئ.

أما الثالثة فكان الموضوع مثار الحوار. وتشترك كل المواضيع الثلاثة بالمطالبة بإيقاف هذا الزحف وعدم السماح بدخول معلبات الإيدز البشرية ويبدو جلياً من افتراض أن بائعات الهوى مصابات أصلاً أو ناقلات للمرض أنني لا أعير أي اهتمام لفحصهن بقدر ما أطالب بمنع السماح لهن أصلاً. ولم أنف وجود الإيدز في الداخل ولكن أكدت على أن المملكة استطاعت أن تحصن نفسها داخلياً ضد الرذيلة بالالتزام الصارم بتعاليم وقيم الدين الحنيف ومحاربة الرذيلة بأشكالها ويجب أن لا تذهب هذه الجهود هدراً بالسماح بتقريب بؤر الإيدز، ولعل أخي العزيز توفيق خوجة والقائمين على الصحة أدركوا جيداً ما أريد، فطلب مني يحفظه الله، أن أرفع بهذا الأمر للقيادات في دول الخليج رغم معرفته أن تلك مهمة وزير الصحة فهو من يحضر مجلس الوزراء وليس أنا والله أعلم.

تمثيلية تعليم الإنجليزية

خبر بدا لي غريباً وأحسبه يبدو غريباً لكثيرين غيري نشرته الصحف يوم الجمعة السادس من صفر لهذا العام 1423هـ منسوباً إلى وزارة المعارف، مفاده أن لجاناً شكلت للتعاقد مع معلمين من “خارج” المملكة للتدريس في مدارس وزارة المعارف للعام الدراسي المقبل وأن هذه اللجان بدأت أعمالها في عدد من الدول العربية والدول الآسيوية ومنها الهند وباكستان وبنجلاديش وماليزيا ومن الدول الأفريقية كينيا وجنوب أفريقيا ونيجيريا للتعاقد مع معلمين لتدريس المناهج التعليمية في عدد من التخصصات وخصوصاً للتعاقد مع مدرسين للغة الانجليزية والحاسب الآلي بعد إقرار تدريس المادتين في الصف الرابع من المرحلة الابتدائية بدأ من العام المقبل.

مصدر الاستغراب يختلف من فئة إلى أخرى من المتلقين لهذا الخبر ففئة ترى عدم ضرورة تدريس اللغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية ولهذه الفئة وجهة نظر تستحق الاحترام والمناقشة خاصة إذا احتكم إلى جدول الأولويات الهامة وقائمة الاحتياجات الأساسية الطويلة التي يحفل بها التعليم في المملكة والتي لم يطرأ عليها تغيير يستحق الذكر باستثناء التحول من العمل بصمت إلى غلبة القول على العمل.

أما الفئة الأخرى فترى أن استقدام معلمين للغة الإنجليزية من دول يفتقر أبناؤها لأهم مخارج الحروف الإنجليزية، ناهيك عن الإلمام بقواعدها هو ضرب من ضروب المغالطة وتكبير الجسد بأكوام الأقمشة البالية الرخيصة.. فهل نحن في حاجة إلى تكبير أجزاء من جسدنا بالخرق البالية؟!.

استقدام مدرسين من دول آسيوية وأفريقية لتدريس أي مقرر خطوة خاسرة، فكيف والأمر يتعلق باللغة الإنجليزية؟!

هل حسبت الوزارة حساباً لأهمية النطق الصحيح، أم معرفة القواعد وإمكانية إيصالها بلسان سليم، خصوصاً وأن لنا في هذا البلد سابق تجربة فاشلة منذ عشرات السنين حين تم التعاقد مع معلمين “عرب” من شمال أفريقيا، كان الطلاب لا يفهمون منهم سوى تعابير الوجه وإشارات اليدين، بل إن مدير المدرسة وبقية المدرسين كانوا يحتاجون إلى مترجم فرنسي/ عربي حتى يفهم عليهم.

سؤالي البريء هو هل فكر من اتخذ هذه الفكرة الخارقة أن يعيد تأهيل آلاف الخريجين السعوديين ممن لم يجدوا عملاً، خاصة من خريجي الكليات النظرية بل ومخرجات التعليم الثانوية ويدخلهم في دورات صقل لما لديهم من إلمام بأساسيات اللغة الإنجليزية وكيفية إيصالها لطالب المرحلة الابتدائية ويستفيد منهم في هذه الوظائف فيضرب عدداً من العصافير بحجر واحد ومنها على سبيل المثال لا الحصر، توظيف شباب سعودي عاطل عن العمل دون ذنب، ووضع زيتنا في دقيقنا والاستفادة من اللسان السليم وتطابق اللهجة والعادات الاجتماعية والتقارب النفسي.

أم أن صاحب الفكرة الخارقة “وهو من أرباب الأفكار الخارقة” يريد لصغارنا أن يجيدوا لغة إنجليزية صالحة للتخاطب مع السائق الآسيوي والخادمة الآسيوية وإذا كان كذلك فأين دور كينيا هنا؟!!

هل أخذتم الحساب لعوامل هامة تضاف إلى عامل النطق الصحيح وهو أن البلدان التي بدأت اللجان أعمالها فيها هي دول تعج بالأمراض المعدية الخطيرة، أم أننا نريد أطفالاً يتحدثون الإنجليزية بنكهة السل والتهاب الكبد وأمراض الصدر المعدية وأمراض الدم الافريقية الخطيرة؟!

إن العنصر المشجع لصاحب الفكرة وحده هو الأجر الزهيد لهذه الفئات، وهذا يذكرني بخلفيات المسارح وديكورات الأفلام والتي تعد من الكرتون المقوى أو ألواح الخشب الرقيق فتوحي لك أن “الممثل” يدور بين ناطحات السحاب والفلل الراقية فهل هذا ما نريده من التعليم؟! هل هدفنا هو ديكور هش اسمه أن الطالب يدرس الإنجليزية والحاسب في المرحلة الابتدائية؟! هل نضحك على أنفسنا؟؟ ولا أقول على الناس لأن الناس أعقل من أن يقتنعوا بتمثيلية!!.

‘التسفير’ تشجيع للجريمة

لم نكن نتوقع في يوم ما أن تصل عدوى اعتبار “التسفير” عقوبة إلى القضايا التي تصل إلى الجهات القضائية ويصدر فيها أحكام.

كان “التسفير” إجراء كسول ساذج يمارسه كفيل نحو خادمة منزلية أو سائق ارتكب جريمة أو شرع في ارتكابها حتى لو كانت من الكبائر أو محاولة قتل طفل أو الاعتداء عليه.

وأقول أن الإجراء كسول وساذج لأن الكفيل يعتبره حلاً سريعاً لا يستدعي أكثر من استخراج تأشيرة خروج نهائي، دون الحاجة لرفع قضايا ومراجعة أقسام الشرطة. وما أن استشرى هذا التصرف المفتقر للذكاء والإخلاص للوطن حتى تباشرت به أسراب الخادمات وقوافل السائقين فأصبح المجرم منهم يعلم أن “التسفير” هو أعلى خيل يستطيع الكفيل ركوبه والعودة مضمونة عبر عملية تزييف سهلة ورخيصة.

وفي الوقت الذي طالبنا فيه كثيراً بالإقلاع عن هذا السلوك الكسول والتبليغ عن كل جريمة وتسليم مرتكبها للسلطات لينال جزاء رادعاً لغيره أولاً، وله ثانياً بعد انتهاء محكوميته ومن ثم تسفيره، تلك العقوبة رادعة إلى حد عدم التفكير في العودة لا للبلد ولا للجريمة، وهذا هو الهدف الوطني الهام.

أقول في الوقت الذي رفعنا فيه هذه المطالبة للمواطنين فوجئنا بأن كثيراً من الأحكام في قضايا خطيرة كالمخدرات تختصر وتقلص إلى عدة أشهر منتهية بالتسفير (وبطبيعة الحال العودة بطرق معوجة)!! لماذا نعتبر التسفير عقوبة للمجرم من غير المواطنين؟! ولماذا نعتقد أنها عقوبة رادعة في حين أن الواقع يقول أن التسفير ما هو إلا مكافأة جزلة!!.

تسفير الغريب ليس تغريباً ولا إبعاداً واختصار مدد الأحكام من سنوات إلى أشهر يعقبها تسفير ليس إلا دعوة إلى (أمن العقوبة) ومن أمن العقوبة أساء الأدب.

وأعتقد أننا ما لم نعد النظر وبسرعة في هذه الإجراءات فإن جرائم السرقة وترويج المخدرات والاعتداء وترويع الآمنين قد تزداد بسرعة كبيرة وقد لا يشعر بهذه المعاناة أحد مثلما يشعر بها رجال الأمن الذين تنفطر قلوبهم كلما خاطروا بأرواحهم في القبض على مروج أو مفسد ثم رأوه يخرج بعد بضعة أشهر إلى المطار وهو ينظر إليهم بنظرة ازدراء تقول (عائدون، وأعلى ما في خيلك تسفير).

إن ازدحام السجون وارتفاع تكاليف الإعاشة والإيواء لا يبرر اللجوء إلى التسفير لأنه وإن قلل من عدد النزلاء سيزيد من أعداد الدخول إلى السجن ممن استشعروا عدم خطورة النتائج وأمنوا العقوبة، ولا شك أن أفضل أسباب تقليل الإقبال على السجون هو تشديد تنفيذ العقوبات ومضاعفة المدة لأرباب السوابق. وجعل العفو في أضيق الحدود الممكنة وغير مرتبط بوقت أو مناسبة سنوية لأن الإنسان بطبيعته سريع التأقلم وجدولة سلوكياته واستغلال الفرص حتى لو كانت فرص إنسانية فإنه يوظفها لغرض غير إنساني.

كما هو جميل أن تضع الجهات القضائية والتنفيذية والأمنية ومراكز الدراسات الأمنية موضوع التسفير وتقليص أحكام السجن ومناسبات العفو على بساط نقاش صريح لا مجاملة فيه لمعرفة انعكاسات هذه الخطوات ودرجة خطورتها على أمن المجتمع.}

بئس العقوبة ‘التسفير’!!

لم نكن نتوقع في يوم ما أن تصل عدوى اعتبار “التسفير” عقوبة إلى القضايا الكبرى كترويج المخدرات!!.

كان “التسفير” إجراء كسولاً يمارسه كفيل نحو خادمة منزلية أو سائق ارتكب جريمة أو شرع في ارتكابها حتى لو كانت من الكبائر كمحاولة قتل طفل أو الاعتداء عليه أو استباحة حرمة المنزل أو ارتكاب فاحشة.

وأقول أن الإجراء كسول لأن الكفيل يعتبره حلاً سريعاً لا يستدعي أكثر من استخراج تأشيرة خروج نهائي، دون الحاجة لرفع قضايا ومراجعة أقسام الشرطة. وما أن استشرى هذا التصرف المفتقر للذكاء والإخلاص للوطن حتى تباشرت به أسراب الخادمات وقوافل السائقين فأصبح المجرم منهم يعلم أن “التسفير” هو أعلى خيل يستطيع الكفيل ركوبه والعودة مضمونة عبر عملية تزييف سهلة ورخيصة!!.

وقد طالبنا كثيراً بالإقلاع عن هذا السلوك الكسول والتبليغ عن كل جريمة وتسليم مرتكبها للسلطات لينال جزاء رادعاً لغيره أولاً، وله ثانياً، يتمثل في عقوبة شديدة وكاملة لا تقبل التخفيف أو العفو تجعله عندما يسفر بعد انتهاء محكوميته لا يفكر في العودة لا للبلد ولا للجريمة!!، وهذا هو الهدف الوطني الهام.

نفس المطالبة نرفعها للجهات المختصة بعدم تخفيف الأحكام واستعجال (التسفير) خاصة في القضايا التي تهدد أمن المجتمع بأكمله كترويج المخدرات.

لماذا نعتبر التسفير عقوبة للمجرم من غير المواطنين؟! ولماذا نعتقد أنها عقوبة رادعة في حين أن الواقع يقول أن “التسفير” ماهو إلا مكافأة جزلة!!.

تسفير الغريب ليس تغريباً ولا إبعاداً وتخفيف مدد الأحكام من سنوات إلى أشهر يعقبها تسفير (وبطبيعة الحال العودة بطرق معوجة)!! ليس إلا مدعاة إلى (أمن العقوبة) ومن أمن العقوبة أساء الأدب. وأعتقد أننا ما لم نعد النظر وبسرعة في هذه الإجراءات فإن جرائم ترويج المخدرات قد تزداد بسرعة كبيرة وقد لا يشعر بهذه المعاناة أحد مثلما يشعر بها رجال الأمن الذين تنفطر قلوبهم كلما خاطروا بأرواحهم في القبض على مروج ونجحوا، ثم رأوه يخرج بعد بضعة أشهر إلى المطار وهو ينظر إليهم بنظرة ازدراء تقول (عائدون، وأعلى ما في خيلك تسفير).

إن ازدحام السجون وارتفاع تكاليف الإعاشة والإيواء لا يبرر اللجوء إلى التسفير لأنه وإن قلل من عدد النزلاء سيضاعف من أعداد الدخول إلى السجن من أولئك الذين استشعروا عدم خطورة النتائج وأمنوا العقوبة، ولاشك أن أفضل أسباب تقليل الدخول إلى السجون هو تشديد تنفيذ العقوبات ومضاعفة المدة لأرباب السوابق، وجعل العفو في أضيق الحدود الممكنة وغير مرتبط بوقت أو مناسبة سنوية لأن المجرم بطبيعته سريع التأقلم وقادر على جدولة جرائمه واستغلال الفرص حتى لو كانت فرص إنسانية فإنه يوظفها لغرض غير إنساني.

وإننا على ثقة أن جهود الجميع تتضافر للقضاء على كل أشكال الجرائم ومنها داء المخدرات ولذا فإننا ندلي بدلو نتمنى أن يكون إيجابياً فيخرج محملاً بالماء الذي يسقي تلك الجهود ونأمل أن تضع الجهات القضائية والتنفيذية والأمنية ومراكز الدراسات الأمنية موضوع تقليص أحكام السجن والتسفير على بساط نقاش صريح لا مجاملة فيه لمعرفة انعكاسات هذه الخطوات ودرجة خطورتها على أمن المجتمع.

ستر تسليم اللقيط

عندما طالبت بإيجاد آلية إنسانية مرنة لاستقبال اللقيط بستر وسهولة تمنع والدته من رميه في دورة مياه أو قرب حاوية قمامة وذلك تفاعلاً مع عدد من الحالات وصل إلى خمسة نشرتها الصحف عن أطفال لقطاء وجدوا إما قرب حاوية النفايات أو قرب نفق سيل أو في دورة مياه عامة خلال أقل من أسبوع.

أقول عندما طالبت بإيجاد هذه الآلية، فإن ذلك لا يعني التقليل من الدور الإنساني والاجتماعي الذي تلعبه دور حضانة هؤلاء الأطفال، وأعتقد أن سوء الفهم غير وارد في هذا الصدد، لكنه حدث من إحدى العاملات في هذه الدور والتي لم أذكر اسمها لأنها لم توضح في رسالتها عبر البريد الالكتروني إن كانت توافق على الرد عليها مع ذكر الاسم، لمناقشة ملاحظاتها التي أحترمها كثيراً وإن كانت مبنية على سوء فهم أستغرب أن يحدث.

ذلك أن ما طالبت به يتعلق بحماية روح بشرية غضة لا ذنب لها فيما يحدث، ومنع تعذيبها أو التسبب في إزهاقها “قبل” وأشدد على “قبل” وصولها إلى دور الحضانة، أما بعد وصولها إلى الدار فإن الأمر يختلف.

نحن نقدر ما تقوم به هذه الدور من جهود إنسانية واجتماعية عظيمة هي من صميم عملها وواجبها ومع ذلك تشكر عليه، ونطالب ولازلنا بأن تدعم بالإمكانات البشرية الوطنية المخلصة والأمينة وأن تدعم بميزانيات توازي أدوارها الكبيرة وأن لا تترك للاعتماد على مصادرها الخاصة المبنية على التبرعات والهبات والصدقات، كما يجب ألا تترك مضطرة، بسبب شح الموارد المالية، لتوظيف عناصر غير وطنية سواء في مجال المتابعة والتوجيه أو مجال الرعاية الاجتماعية. كما نطالب ألا تترك، بسبب شح الموارد، تعاني من الازدحام وقلة المأكل والملبس والمأوى المريح.

نحن لم نتعرض لوضع هؤلاء النزلاء والنزيلات داخل الدور، وما إذا كان العدد الكبير والتساؤلات الكبيرة والهموم النفسية التي تتراكم كلما تقدم السن بالنزيل تتناسب وحجم الامكانات المتاحة سواء من حيث عدد المشرفين الاجتماعيين والمشرفات أو تأهيلهم وقدراتهم الذاتية أو حماسهم أو نسبة المتعاقدين والمتعاقدات من غير العنصر الوطني الموجودة وامكانية قيام هذه الفئة بالدور الكبير الذي يحتمه الوضع النفسي والاجتماعي للنزلاء. ولم نتطرق لاحتمالات ما يحدث من ممارسات من بعض الأسر الحاضنة من إهمال في مراعاة الجانب الإنساني لمراهق شب في بيت حاضن، وهل يحظى هذا المراهق بحماية كافية من قبل جهاز المتابعة الذي يعتمد على نسبة من غير السعوديين الذين قد ينقصهم الإلمام بالوضع الاجتماعي الخاص للأسرة السعودية أو قد ينقصهم الجَلَد على المتابعة والحماس الكافي.

الموضوع في رمته يعنى باقتراح إيجاد آلية مرنة لاستقبال اللقيط من أمه بطريقة لا يعقبها محاسبة أو فضح على أساس منطقي جداً وهو أن من يحضر اللقيط وقد وجده في دورة مياه لا يُسأل على أساس أنه فاعل خير ولا يمكن التعامل معه على افتراض أن له علاقة أو قرابة بأم اللقيط!! وبالتالي ما الذي يمنع من التعامل بنفس الستر مع من يحضره إلى الدار مباشرة؟!! دون المرور بمرحلة الترويع والإهمال والاحتقار والتعريض للخطر المتمثلة في رميه بين مخالب القطط أو في مكان وضيع كدورة المياه أو تحت أشعة الشمس الحارقة على أمل أن يأتي من ينقذه، خصوصاً وأن هذا الأخير لا يمكن ان يساءل.

وهذا التعامل المقترح لا يمكن أن يؤدي إلى تسهيل سلوك الرذيلة، لأن من تحمل سفاحاً سواءً مكرهة أو مذنبة تمر أثناء حملها بمعاناة وخوف وضغوط نفسية هي أكبر من مجرد مرحلة وضع الجنين والتخلص منه!!

المقترحات التي تؤدي إلى شيوع الرذيلة هي تلك التي تهدف إلى ستر العمل نفسه كما يحدث في مجتمعات منحطة أخلاقياً كالدعوة إلى إباحة الإجهاض أو النصح باستخدام الواقي المطاطي. أما المطالبة بما يحول مصير نتيجة العمل وهو الطفل البريء من القمامة إلى مكان يليق به كإنسان فإنما تؤدي إلى إنقاذ العديد من الأبرياء الذين هم موضوعون على أية حال سواءً في القمامة أو الدار والله أعلم.

التعذيب بالتوعية الصحية والتعليمية

توعية المواطن أمر جميل جداً بل ورائع.. ولكن مطالبته بسلوك فعل معين مع سد المسلك أو عدم وجوده أصلا أمر فيه الكثير من جرح المشاعر بل قد يصل إلى حد تعذيب المتلقي، لأنه يسمع نصيحة جيدة ويرغب في اتباعها حرفياً لكنه لا يجد سبيلاً إلى ذلك، لأن نفس الناصح لم يوفر الآلية التي تفعل النصيحة.

هذا وربي يبين بوضوح أن بعض مؤسساتنا تعرف الإجراءات الصحيحة بل والمثالية نظرياً بحكم اطلاع بعض منسوبيها لكنها لا توفر الإمكانات لتفعيلها وهي بذلك تعذب المواطن بدلالته على السلوك الصحيح وعدم تمكينه من اتباعه.

تماماً مثل من يمجد فوائد تنويع الأغذية لفقراء لا يجدون ما يسد رمقهم أو من ينصح جياع أفريقيا بتناول الكيك طالما عدموا الخبز.

بل لماذا نلجأ إلى مثل الأفارقة والكيك فلدينا العديد من الأمثلة الحية التي تدلل على ما أشرت إليه.

في مجال التعليم، تتزين جدران المدارس الحكومية برسوم تخطيطية لكيفية الإصابة بالبلهارسيا في حين لابد للطالب كي يستخدم دورة المياه أن يخوض في مستنقع من مياه المجاري المسدودة، ويقرأ على نفس الجدران خطورة الذباب كناقل للمرض ويراه يحوم على أغذية “المقصف” بكل رشاقة وحرية. ويسمع الطالب ويقرأ كلمات رنانة عن خطورة التعليم بالتلقين ويرى درجاته تتهاوى عندما يستخدم مترادفة لمفردة لقن إياها. ويسمع ويقرأ عن إدخال الحاسوب “الوطني” وهو يفتقر للمكيف الصحراوي!!

في مجال الصحة، أثار شجوني خبر نشرته (الرياض) منسوباً للدكتور عدنان عزت رئيس قسم الأورام بالتخصصي مفاده أن (50%) من الوفيات بسبب السرطان سببها عدم الكشف عنه مبكراً، لأن المريض لا يأتي للمستشفى إلا بعد استفحال المرض وانتشاره والسبب بطبيعة الحال عدم اجراء فحوص طبية دورية. والطبيب الذي صرح بذلك غير ملوم بل يعتصر ألماً على أرواح يشاهدها تهدر بصفة يومية.

وكثير من الأطباء المخلصين يصرخون يومياً في وسائل الإعلام ينصحون الناس بإجراء فحوص دورية كل ستة أشهر لاكتشاف الأمراض الصامتة قبل أن تستفحل، كل هذه نصائح جميلة ورائعة ولكن!!

أعطني مستشفى حكومياً واحداً يقبل من مواطن طلباً بإجراء فحوصات دورية متكاملة كفيلة بكشف هذه الأمراض الصامتة.

إذا كان المريض المشخص مرضه يعاني الأمرين حتى يجد مستشفى يتابعه، فكيف بمن هو سليم ظاهرياً ويأتي طالباً إجراء فحوص احترازية.

هذه الفحوص التي يطالب بها الأطباء لا تجرى في مراكز الرعاية الصحية الأولية وتلك المراكز لا تحول للمستشفى المتمكن من إجراء هذه الفحوص إلا مريضاً ثبت اعتلاله.

حتى الآن لا تتوفر آلية يستطيع بواسطتها المواطن أو المقيم إجراء فحوص احترازية للأمراض الصامتة ولا أبالغ لو قلت أن من يتجه للمستشفى (أي مستشفى تابع لأي قطاع حكومي) طالباً إجراء فحوص متكاملة قد يضحك عليه موظف الاستقبال!! فكيف ننصح الناس بما لم نوفر لهم الآلية لتطبيقه أليس هذا استغفالاً؟! لا أقصد هنا الأطباء ولكن القائمين على كل القطاعات الصحية باستثناء المستشفيات الخاصة التي يسعدها قبض قيمة الفحص وليس كل مواطن قادر على تكاليف الفحوص المقصودة!!

إن المواطن اليوم يلجأ إلى التبرع بالدم ليتمكن من معرفة نتائج بعض تحاليل الدم المحدودة ذات العلاقة بالأمراض التي تنتقل بالتبرع، أما من يرغب الاطمئنان على خلوه من أمراض سرطانية أو تليف كبد أو ما هو أقل من ذلك فإن الأبواب أمامه موصدة ويتحسر عندما ترتفع الأصوات لتنادي بضرورة الفحص المبكر.

موجز القول أن ثمة فرقاً كبيراً بين التوعية وتوفير الأسباب(!!) وإذا علت أصوات التوعية بسلوك مطلوب ولم توفر المسالك لمن يتجاوب معه فإن في ذلك استغفالاً أو تعذيباً. ولا نقول أوقفوا التوعية ولكن أوجدوا المسالك السهلة أولاً.

وأختم دعواي بالتذكير بأن كل المدارس تحتوي على لوحات تقول أغسل يدك بالماء والصابون قبل الأكل وكل المدارس ليس بها صابون فهل أرخص من الصابون؟! وفروا الصابون على الأقل حتى لا تتسخ لوحة مفاتيح حاسوب وطني الذي تطبلون لتطبيقه بانسياب!!