التصنيف: غير مصنف

موقف عظيم يقشعر له البدن

في مقالي قبل أسبوعين وجهت رجاءً لمستشفياتنا والعاملين فيها أن نعيد النظر في أمرين مهمين، الأول: أمر إبلاغ أهل المصاب في حادث بأن يتم بهدوء وتدرج عبر أخصائي أو أخصائية اجتماعية لتلافي ما يحدث حاليا من ترويع للأهل عبر غير مختص قد يبلغهم بجلافة تكون أشد عليهم خطرا من إصابة قريبهم، والأمر الثاني: هو إصرار بعض الأطباء من خريجي المدارس الغربية على إخبار المريض، بمرض عضال، عن مصير محتمل غير مؤكد، كالإصرار على إخبار المريض بأنه قد يتوفى خلال أشهر أو أيام، وهو نهج انتهجته مدارس غربية قد يورث فيها الشخص غير ورثته، وقد يوصي بثروته لصديق أو جار أو حتى كلب!. ثم أنه لا شيء مؤكد في أمر الأعمار، فهي بيد الله ولا داعي إطلاقا لإزعاج مريض وأهله بتوقع وفاته ووعدتكم بأنني في مقال قادم سوف أستشهد بموقف عظيم شهدته في مستشفى الملك سعود (الشميسي).

كنت معيدا بكلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، وقد فرضت الجامعة علينا للحصول على بدل التفرغ، أسوة بزملائنا الصيادلة في المستشفيات، أن نعمل عصرا في أحد المستشفيات واخترت العمل في مستشفى الشميسي (مدينة الملك سعود الطبية حاليا) وكنا: معالي الدكتور محمد المشعل (رئيس هيئة الغذاء والدواء السابق والذي أسس لهيئة عصرية تحاكي هيئات الغذاء والدواء في العالم المتقدم) والصيدلي الاكلينيكي محمد الحيدري (أول صيدلي إكلينيكي سعودي بوزارة الصحة والمؤسس لسياسة الاستخدام الأمثل للدواء والشراء الموحد في دول مجلس التعاون) والصيدلي بتال بن سيف البتال (مدير الصيدلية وباني الخدمات الصيدلية المتقدمة بالشميسي) وأنا، كنا نعمل في الصيدلية الداخلية بالمستشفى حيث نجتمع في أوقات الراحة مع فطاحلة الأطباء الاستشاريين المخلصين (سعوديين وغير سعوديين) ممن نذروا أنفسهم لمرضاهم، لا يغادرون الأجنحة والعيادات إلا للاستزادة بمعلومات دوائية من زملائهم الصيادلة.

ومن إخلاص الأطباء (آنذاك) أن أحدهم إذا غادر لانتداب أو إجازة، يمضي وقتا طويلا مع البديل يشرح له عن حالة كل مريض بالتفاصيل كنوع من تسليم الحالة، وأذكر أن أحد الأطباء المتعاقدين، ممن هم على خلق عظيم وإخلاص كبير، تقرر ندبه للمنطقة الشمالية وكان يشرح لبديله عن مريضين بمرض عضال، فقال له إن فلانا قد لا يعيش أكثر من شهرين والثاني كذلك فنتائجهم غير مبشرة وحالتهم متقدمة (لم نكن قد تعرضنا بعد لتأثير خريجي المدرسة الغربية التي تنتهج إخبار المريض بقرب وفاته).

في اليوم السابق لمغادرة الطبيب للمنطقة الشمالية تأخر في الحضور (على غير عادته) ثم اكتشف زملاؤه أنه باق في سيارته في المواقف لم يغادرها، وأنه وجد متوفيا بنوبة قلبية – تغمده الله بواسع رحمته – وعلمنا من الزملاء بعد مدة أن أحد المريضين عاش أربع سنوات وأن الثاني غادر المستشفى بعد ثلاث سنوات ولم نعلم كم عاش.

لا شيء مؤكد في أمر الحالة الصحية والأعمار بيد الله، وإخبار المريض بمصيره في مجتمع مسلم متماسك ومصير إرثه مقنن تقليد أعمى.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 02 رجب 1442هـ 14 فبراير 2021م

في «كورونا» أرجوك قل: لا أعلم

كثر في هذه الأيام، وبحكم حب الشهرة وحب المتابعة وحب الظهور في القنوات الفضائية، من يفتي فيما لا يعلم، في كثير من شؤون الناس والحياة، وفي شتى أنواع العلوم، سواء العلوم الطبيعية أو الشرعية أو العلوم الإنسانية وغيرها.

والخطورة على المجتمع تبلغ ذروتها عندما يتصدر المشهد من يبيح لنفسه أن يفتي في كل شيء وباختصار، من لا يقول (لا أعلم)، ويكون الخطر بالغا جدا عندما يتعلق الأمر بكارثة عالمية جديدة ومستجدة بمسبب غامض شبه مجهول مثل (كورونا).

في أمر فيروس كورونا وسلالاته وسلوكياته وتطوره وتحولاته قل في الكرة الأرضية كلها من يعلم، بل ندر من يلم ولو باليسير، فهذه الجائحة غامضة جدا وتزداد غموضا، وتحتاج الفتوى حولها إلى تريث وتأكد، خاصة فيما يتعلق بطبيعة الفيروس وسلوكياته وتحولاته فعلينا أن نتقي الله ونلتزم بالنصح بما ثبتت فاعليته ونجحنا فيه وهو الوقاية بتحاشي الفيروس بالتباعد وارتداء الكمامة وغسل اليدين وتعقيمهما والبعد عن التجمعات وقبل هذا وذاك البعد عن الفتوى فيما لا نعلم!.

لا يمكن لطبيب استشاري في الأمراض المعدية أن يدعي علما بسلوكيات هذا الفيروس المستجد ولا بتحولاته ولا بعلاقة المتحول الجديد بتطعيمات القديم، فطبيب الأمراض المعدية نحترم ونقدر علمه وخبرته في تشخيص مرض معد بكتيري أو حتى فيروسي وكيف تنتقل عدواهما وكيف نقلل منها وما المضاد الحيوي (أو مجموعة المضادات) الأنسب لعدوى بكتيرية، بناء على تقارير صيدلانية لمستشفى بعينه، وكل ما يتعلق بمرض معد سببه معروف وعلاجاته مجربة، لكن حذار من أن يدعي علما بفيروس جديد مستجد وهو ليس عالما وباحثا معمرا في مجال علم الفيروسات ودرس ولا يزال يدرس سلوكيات هذا الفيروس، فلا أحد حتى الساعة يستطيع الجزم بمعرفة هذا الفيروس بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، التي نقدر لها الاعتراف بجهلها بكثير من خصائص كورونا وسلوكياته وما يتوقع منه.

وفيما يتعلق باكتساب المناعة للفيروس المتحول بعد إصابة بالفيروس الأصل أو بعد التطعيم عنه، فإنه يحتاج لبحث مستفيض لم يتم بعد، ويجب عدم الإفتاء حوله، فعملية إنتاج الأجسام المضادة لجسم غريب عملية متخصصة جدا يشبهها علماء المناعة بالمفتاح والقفل فلكل جسم غريب (فيروس أو غيره) جسم مضاد متخصص جدا قد لا يتحد مع جسم غريب مختلف، وحتى لا أقع فيما نهيت عنه دعوني أذكر لكم مثالا حيرنا، فقد أنتجت في مختبر أبحاثي للماجستير وعلى مدى سنوات أجسام مضادة لسموم الثعابين المحلية وهي سبعة، وطبيعي أن لكل نوع من سموم الثعابين جسما مضادا متخصصا، بل عالي التخصص حسب النوع، وعندما بدأنا الإنتاج في المركز الوطني لإنتاج الأمصال بالحرس الوطني وجدنا أن الحية الرقطاء في المنطقة الجنوبية لا يعادل سمها مصل محضر لنفس الحية الرقطاء في المنطقة الوسطى (نفس النوع والفصيلة) وهذا معناه أن البيئة أثرت في طبيعة الجسم الغريب (السم)، هذا وهو سم عبارة عن بروتين ذو تركيب ثابت فكيف بفيروس متحول؟!.. أرجوكم تريثوا وقولوا لا نعلم.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 25 جمادى الثاني 1442هـ 07 فبراير 2021م

فساد الأبحاث الأشد خطراً

يكون الفساد في الأبحاث الطبية والعلمية بأن يجريها مساعد باحث أو فني متعاقد، بينما تحمل اسم أستاذ جامعي لم يشارك في إجراء البحث، وربما لا يعلم شيئاً يذكر عن البحث، ويكون الهدف من هذا الفساد هو الحصول على ترقية في سلم أعضاء هيئة التدريس أو أن يكون طبيباً أو صيدلانياً، ويستغل البحث في الحصول على بدل تميز.

في كل الأحوال فإن الأمر خطير جداً، لأنه بالإضافة إلى حصول الشخص على درجة غير مستحقة في السلم أو بدل تميز غير مستحق، وارتفاعه درجات عن أقرانه وزملائه المنضبطين الصالحين، أو حصوله على بدل تميز غير مستحق يميزه عن زميل نظامي مخلص صادق، فإن الخطورة الكبرى على الوطن تكمن في نشر أبحاث غير صحيحة ومفبركة وتم العبث في نتائجها نظراً لعدم أمانة الباحث الحقيقي وبحثه عن رضا الأستاذ أو الطبيب أو الصيدلي المواطن الذي هو في الغالب يتحكم في مصير الفني المتعاقد كونه رئيسه أو نائب الرئيس أو الرئيس المتوقع وصاحب النفوذ مستقبلاً.

هذا النوع من الفساد يحدث كثيراً في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث، حتى أنني أذكر أن لكل عضو هيئة تدريس من هؤلاء المخالفين فنياً أو مساعداً خاصاً به (محسوب عليه) وكأنه كفيله وليست الجامعة، وكان ذلك أمراً شبه معلوم ومتعارف عليه بأن ذلك الفني من يقوم بأبحاث ذلك الأستاذ ويلازمه وكأنه سائقه الخاص.

لا اعتراض إطلاقاً على وجود مساعد باحث يقوم بدور المساعدة الفنية كتحضير محاليل أو جمع عناصر بحث، لكن أن يتولى المساعد كل مفاصل البحث وتفاصيل إجراءاته وتحليل نتائجه وتحويرها لتتحيز لرغبة الباحث ومن ثم نشرها، فإن في ذلك خطورة بالغة على الوطن والمجتمع لأنه سيعتمد على أبحاث غير صحيحة ونتائج وهمية مخادعة، هذا خلاف شيوع نوع من أنواع الفساد العلمي الذي لا يقل خطورة عن الفساد المالي.

الجانب الآخر المسيء للأبحاث، والذي يجب إيقافه، كوننا في الطريق إلى مكانة عالمية مرموقة نستحقها، هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في مراكز الأبحاث، خاصة رئيس مركز الأبحاث ومساعديه ورؤساء الأقسام، فيجب أن يكون كل هؤلاء ممن لديهم التأهيل المناسب، والتجربة كباحث، والخبرة في أساسيات البحث العلمي والنشر العلمي، وحس الباحث وموهبته، وهذا لا يتوفر إلا في قلة من الأكاديميين الذين أفنوا أعمارهم في مجالات البحث بأنفسهم وبإخلاص وصدق.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 4 جمادى الثاني 1442هـ 17 يناير 2021م

حاسب أصحاب الأرقام يا وطني

عندما صرح أحد الأكاديميين بأن مخزون المياه لدينا يعادل جريان نهر النيل لمدة 500 سنة، كان ذلك رقما مغالطا من شأنه أن يخدعنا، خصوصا أنه لم يمض إلا بضع سنوات وأصبح وضعنا المائي يدعو للقلق.

كان ذلك مثالا صارخا لعدم الاكتراث – ولا أقول عدم الدقة – في استخدام الأرقام بطريقة غير علمية ولا مهنية، كونها لا تقوم على دراسات فعلية، ناهيك عن دراسات دقيقة، فهي مجرد طرح جزافي تبرر فيه الغاية الوسيلة، وهذا سلوك مشين يجب وقفه ونحن نعيش عهدا يحاسب على كل فعل مشين.

التصريح المضلل عن مخزون المياه وجريان نهر النيل 500 سنة لم يكن الزلة الوحيدة لأصحاب الأرقام المغالطة غير الحقيقية ولا المسنودة بدراسات علمية محكمة ودقيقة ومتعوب على دراستها.

منذ حوالي 30 سنة ترددت نغمة مغالطة تدافع عن استفحال الأخطاء الطبية وتكرارها، وتقول هذه النغمة المغالطة إن أرقام ونسب الأخطاء الطبية لدينا أقل من تلك التي تسجل في أميركا، وهنا مغالطة واضحة جدا ومضللة ففي أميركا تسجل جميع الأخطاء الطبية مهما كانت بسيطة أو سطحية أو صغيرة فحتى رعاف الأنف لو حدث أثناء تدخل طبي يسجل ويقيد، بينما لدينا، في ذلك الوقت، لم يكن يسجل من الأخطاء الطبية إلا تلك التي تتسبب في وفاة أو إعاقة تستوجب إقامة دعوى، وحتى حينه فإن تسجيل إحصاءات الأخطاء الطبية ليس دقيقا ولا شاملا بحيث يقارن بما يتم في الولايات المتحدة الأميركية، والمؤسف أن نفس تلك النغمة المضللة طرحت في ندوة حول الأخطاء الطبية وآلية التعامل معها عقدت منذ أكثر من عشر سنوات وتحديدا في 4 أبريل 2010م مما جعل البعض يكررها لتبرير الأخطاء الطبية.

حديثا كاد بعض الأطباء ودون سند علمي أن يضللنا، مع بداية جائحة كورونا، بالقول إن الأنفلونزا العادية تسبب وفيات تصل لعشرات الآلاف، ملمحا إلى أن “كوفيد – 19” لا تختلف كثيرا عن الأنفلونزا العادية وأننا يمكن أن نتجاوزها بتركها تنتشر وتحدث مناعة القطيع، وهذا غير صحيح، بدليل أن الجائحة كانت هي الأعظم فقد بلغت الوفيات عالميا مليوني وفاة، والإصابات عالميا تجاوزت 88.5 مليون إصابة فكيف يقارن بالأنفلونزا العادية؟!، ونحمد الله ثم نشكر قيادتنا الحكيمة أنها كعادتها اتخذت نهجا مميزا وحرصا عظيما جعلنا الأقل تضررا والأكثر سيطرة وعناية ووقاية.

ما أتمناه، بعد الاستشهاد بهذه الأمثلة من التساهل في استخدام أرقام لا أساس لها من الصحة ولا مستند من دراسة دقيقة علمية ومحكمة، أن نضع حدا لهذا السلوك غير اللائق وتطبيق عقوبات على من يتساهل بادعاء أرقام وإحصاءات مضللة في كل مجالات الحياة.

نشر في جريدة الرياض يوم الاثنين 27 جمادى الأولى 1442هـ 11 يناير 2021م

خذوا رأي الموظفين في المديرين

نحن نعيش الوقت المناسب لكل شيء فنحن نسير على طريق صحيح في جميع الاتجاهات وأهمها مكافحة أشكال الفساد وتعزيز النزاهة، لذا فإن من المناسب جداً أن نكثف دراسات واستفتاءات درجة رضا الموظف عن بيئة العمل وعن تعامل رؤسائه، فليس التقييم قاصراً على رضا جهة العمل عن الموظف.

تفاجأت من حجم التفاعل مع تغريدة قلت فيها: “أمضيت بالعمل الحكومي 42 سنة، ووالله ما رأيت أحداً استقوى على الضعفاء الأبرياء أو حرمهم من حق إلا فضحه الله وحرمه وعاقبه، وما رأيت اثنين تعاضدا على غير حق وبنية سيئة إلا وأصبحا عدوين لبعضهما، وما قدم مسؤول موظفاً غير كفء على مستحق، لقرابة أو نية سيئة إلا صار شوكة في حلقه وسبب دماره” انتهى. فقد وصل عدد إعادة التغريدة إلى 5700 إعادة و 9500 إعجاب، مما يشير إلى أن لدى كثير من الموظفين معاناة مع أجواء العمل وخاصة الواسطة والمحسوبية والتمييز بين الموظفين غير القائم على الكفاءة والاستحقاق، بل على صلات القرابة والمحسوبيات.

الفساد ليس مالياً فقط، فمن صور الفساد المتوقعة جداً الفساد الإداري المتمثل في إحباط موظف مخلص بتمييز موظف متقاعس لأسباب شخصية، هذا أمر تدركه جيداً هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، لذا فإنها بدأت فعلياً في المراجعة والتدقيق في إجراءات التوظيف والترقية و منح المميزات والبدلات والانتدابات الجديدة.

والأمل معقود على خطوة مهمة تتمثل في إعادة التقييم بأثر رجعي وإعادة مراجعة السير الذاتية والمؤهلات التي بناء عليها تم منح الرواتب والبدلات والترقيات والتعيينات خاصة في الجهات ذات المرونة في التوظيف، والترقيات على بنود التشغيل الذاتي، والإجراءات التي تتم خارج إطار اللوائح الثابتة، وسلالم الرواتب والبدلات الواضحة.

كما أن ما نعيشه من قفزة نوعية في مجال الرقابة والمحاسبة تدعونا إلى أن نطمع في خطوة تعيد تقييم وضع الموظف المناسب في المكان المناسب بناء على التأهيل والتخصص والقدرات، لأن ذلك من شأنه النهوض بكثير من الدوائر والمؤسسات التي قد تعاني من غياب المؤهل الكفء القادر على استغلال الإمكانات العظيمة التي سخرتها الدولة لتلك المؤسسات ولم تستغل.

  • نشر في جريدة الرياض يوم الاثنين 20 جمادى الأولى 1442هـ 04 يناير 2021م

رسالة النشمي للنشامى

كان يحمل سلاح الـ (آر بي جي) ويوجهه نحو أعداء الله ورسوله مدافعاً عن الوطن من اعتداء آثم يستخدمون فيه كل أنواع الخسة والمحرمات من سحر وشعوذة ورصاص مسموم، فخرج كوع ذراعه الأيسر من طرف الساتر وصادف وابلاً من الرصاص فأصابته رصاصة مزقت مفصل الكوع ففصلت ذراعه فحمل ذراعه بيده اليمنى، وتم إخلاؤه ونقله إلى المستشفى حيث اتضح أن الرصاصة مسمومة وأن جسمه قد يتلوث ما لم يبتر ساعده الأيسر من مفصل الكتف، فقدم كامل ساعده الشديد فداء للوطن، وكان يتمنى أن يقدم روحه ويستشهد دفاعاً عن الدين ثم المليك والوطن.

هذا ما قاله النشمي العنزي أحد أبطال الحد الجنوبي لبرنامج (يا هلا) على قناة روتانا خليجية، وهو يروي موقفاً من مواقف رجال هذا الوطن الأبطال ممن يذودون عن حمى الدين والوطن في كل حد وتحديداً في الحد الجنوبي، هؤلاء الأبطال الذين يسطرون مواقف الشجعان ويمثلون المواطن السعودي حق التمثيل المشرف، الذين قلت تكراراً ومراراً إنهم الرجال الذين يستحقون أن يراهن عليهم الوطن وترهب شجاعتهم الأعداء.

وجه النشمي العنزي في ختام حواره المتلفز رسالة بالغة الأهمية لرفاقه في عرين الأسود قال فيها: إن من استشهد منا فقد فاز فوزاً عظيماً، وهو برحمة ربه في جنات عليين مع الشهداء والصالحين، ومن قدم عضواً من جسده فداء للدين ثم المليك والوطن فعليه أن يحمد الله على هذا الشرف العظيم.

وكشف النشمي لبقية النشامى في رسالته عما وجده من اهتمام وتكريم من القيادة على المستويات كافة، قائلاً: منذ وصولي بالإخلاء الطبي قابلني أكثر من مسؤول رفيع وعرض علي أن أختار أي مستشفى في العالم لتلقي العلاج في أسرع وقت، ووجدت عناية ورعاية كريمة واهتماماً شعبياً وفخراً بي وبزملائي، حتى والدتي التي ظننتها ستنهار لخبر إصابتي وبتر ساعدي وجدتها تتهلل سمواً وفخراً بما قدمت لوطني.

مثل هذا البطل ووالدته ومن رباه وأسرته، ومن سبقه في ميدان الفداء، ومن هو قادم بموقف بطولي جديد، نماذج للمواطن السعودي الذي سطر المواقف البطولية منذ مرحلة التأسيس الخالدة وحتى تقوم الساعة.

أرض طيبة غرسها قائم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسقي بتطبيق شرع الله على الجميع فأنبتت رجالاً لا يخافون في الله لومة لائم وعليه يتوكلون وللقائه يعملون.

  • نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 12 جمادى الأولى 1442هـ 27 ديسمبر 2020م

أنصفتنا يا ولي العهد

دعوني أوضح أولا سبب تركيزي على كلمة (جميع) في تغريداتي ومقالي عن الموضوع، من واقع خبرة 40 سنة عمل واحتكاك بالقطاع الصحي أو تزيد: كنا، وأعني الصيادلة والصيدلانيات وأخصائيي المختبر والأشعة والعلاج الطبيعي والتغذية والأخصائيات وفنيي التخدير والأجهزة الطبية والمختبر والأشعة والصيدلة والفنيات، كنا نتألم كثيرا لأن لا أحد يشعر بدورنا ضمن منظومة الرعاية الصحية؛ لا الإدارة الصحية ولا لجان تقرير الكادر الصحي، وبدلات الخطر والتفرغ والتميز، ولا ديوان الخدمة المدنية (آنذاك) ولا الإعلام، بل حتى وزارة الصحة (آنذاك) لم تكن تذكرنا.

كانت لنا عبارة نرددها بحزن ونحن نجتمع على الغداء في مطعم المستشفى (تخيل أن تأكل وأنت حزين!!)، كنا نردد أن الرعاية الصحية مثل الساعة، لا يشاهد منها إلا عقارب الدقائق والساعات، الممرضة والطبيب، أما نحن بقية الممارسين الصحيين فمثل تروس الساعة تعمل بدقة وأهمية وبدونها يتوقف العمل، لكنها مخفية بغطاء المينا الجميل بأرقامه الماسية وعلامة الماركة التي يفاخر بها لابــــس السـاعة.

كان الأمر محبطا جدا خصوصا حين يتم إنجاز صحي نحن (تروسه) ومحركاته فتكون الإشادة بالأطباء والشكر لجهاز التمريض، دون ذكر (لجميع العاملين في القطاع الصحي)، وكان الإحباط يزداد عندما تتأثر اللجان برأي طبيب وتنسانا تماما في بدلات الخطر والعدوى والتميز والتفرغ وخلافه، تماما كما نسينا في الشكر.

شكرا ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان فالعبارة التي شكرت بها (جميع) العاملين في القطاع الصحي وقطاع الدواء، سيكون لها بالغ الأثر على الفريق الصحي كافة وبالتالي على المنظومة الصحية والرعاية الصحية.

محمد بن سلمان لم ينسَ الجميع، وكيف ينسى وهو رجل الرؤية الشاملة؟! فشكرا ولي العهد وشكرا لقيادة سلمان بن عبدالعزيز، الذي لولا توفيق الله ثم تعامله الحكيم الكريم مع الجائحة وبذل الغالي والنفيــــــس والصرف بسخاء على السيطـــرة على الجائحــــــــة لما تحقق النجاح والعمل باحترافية ومهنية عالية.

  • نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 5 جمادى الأولى 1442هـ 20 ديسمبر 2020م

زراعة الكبد.. الإنجاز المخفي

صعقت عندما سألت أحد المرضى الذي أجريت له عملية زراعة كبد ناجحة منذ أيام عن اسم جراح زراعة الكبد الذي أجرى له العملية، فقال: إنه لا يعرف من أجرى العملية.

عمليات زراعة الكبد نجاح سعودي عظيم يستحق أن نفخر به ونفاخر به أمام الأمم، خاصة أنه إنجاز سعودي خالص يتم على يد جراح سعودي وفريق من الممارسين الصحيين السعوديين الذين يستحقون أن نفاخر بهم، وهم فعلاً فريق وطني متعدد التخصصات، بدءاً بالمنسقين للحصول على الكبد من متوفى أو “جزء من كبد متبرع حي”، ومروراً بفريق الزراعة متعدد التخصصات الصحية، وانتهاء بفريق المتابعة من الممارسين الصحيين كافة.

وبرنامج زراعة الكبد هو نتاج تخطيط وطني سعودي يدعو للفخر، وشخصياً عايشت مراحله منذ أن كان حلماً إلى أن أصبح حقيقة تدعو للفخر، ومعايشتي له جاءت كونه بدأ في المكان والزمان نفسه لتأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال لسموم الثعابين والعقارب الذي شرفني وطني بتنفيذ تأسيسه وإدارته منذ التأسيس وحتى بلوغي سن التقاعد العام المنصرم، وذلك في منبع الإنجازات الوطنية الصحية والعلمية والثقافية والعسكرية “الحرس الوطني”.

وعندما يذكر تأسيس برنامج زراعة الكبد ومركز الأمصال فلابد للتأريخ من ذكر المرحوم مدير عام التطوير الطبي في الحرس الوطني الطبيب د. عبدالمحسن بن عبدالله التويجري -تغمده الله بواسع رحمته-، وهو من تبنى جهود التأسيس كافة بدعم وتشجيع من الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-، وكان آنذاك ولياً للعهد ورئيساً للحرس الوطني، ومن التخطيط الرائع أنه تم ابتعاث الطبيب محمد السبيل ليتخصص في زراعة الكبد في بيتسبرغ، وعاد لينفذ تأسيس البرنامج، وتحقق في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني نجاح غير مسبوق عالمياً في زراعة الكبد من متبرع متوفى، حيث تمت زراعة 88 كبداً بنسبة نجاح 100 % في زمن وجيز أنقذت 88 مريض فشل كبدي أغلبهم من كبار السن.

ثم انتقل الجراح الأشهر عالمياً في زراعة الكبد د. محمد السبيل إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي، ليستمر برنامج زراعة الكبد بنجاحات جديدة وبالزراعة من متبرع حي ولكنه لم يحظ بالتغطية الإعلامية التي يستحقها، وأذكر أنني كتبت في هذه الزاوية -آنذاك- أن هذا الوطن الغالي يتسع لأكثر من نجاح ومن حقه أن يفاخر بكل نجاحاته وما تزال النجاحات مستمرة، لكنني أستغرب ألا يتم إعطاء رواد زراعة الكبد حقهم من الضوء الإعلامي كغيرهم، فليس شرطاً أن يكون الجراح ذا منصب إداري ليحصل على الإشادة.

من الضروري التذكير أن هذا الوطن الغالي حقق نجاحات صحية أخرى غير مسبوقة بل ليس لها مثيل في الشرق الأوسط، قبل عملية فصل التوائم، بدأت بنجاح عدد من عمليات القلب المفتوح في مركز الأمير سلطان للقلب بقيادة جراح القلب الدكتور محمد الفقيه، ثم تلاها نجاح زراعة الكبد في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني، وتوالت النجاحات والتميز العالمي لجراح اليد محمد القطان، وتميز آخر لجراح القدم الدكتور عبدالعزيز القناص، وتميز فريد لجراح الأوعية الدموية الدكتور سعود التركي، وجراح العظام الدكتور صالح العزام، وقد أكون نسيت كثيراً من المتميزين، لكنني أكرر القول: إن وطننا يتسع لأكثر من نجاح وأكثر من ناجح، وعلينا أن نفاخر بكل نجاح.

  • نشر في جريدة الرياض الأحد 28 ربيع الثاني 1442هـ 13 ديسمبر 2020م

مدارس ومستشفيات وبنوك وتضارب مصالح

نحن نعيش في عصر مكافحة الفساد الجاد غير المسبوق، وفي عصر حزم وعزم فريد عالمياً، ويكفينا فخراً أن شعوب العالم قاطبة شعرت بهذا التحول الجاد وأصبح بعضها يتمنى أن يجد مثل هذه المكافحة الجادة لكائن من كان.

القطاعات الحكومية شعرت بهذا الحزم وأصبحت أكثر حذراً في تعاملاتها وأكثر حرصاً على تلافي أي تجاوز قد يؤدي إلى شبهة، والقطاعات الخاصة هي الأخرى ارتدعت عن أي سلوك مشبوه خاصة قطاع المقاولات وتنفيذ المشروعات، وهذه – وربي – نعمة كبيرة وغرس كريم نجني ثماره كل يوم، ومستقبلاً سينعكس على كل شأن في حياتنا.

جرأة بعض المدارس الخاصة والمستشفيات الخاصة وبعض المصارف والبنوك في تعاملاتها مع الأهالي والمرضى والعملاء وهي التعاملات التي تتسم بالاستغلال والجشع وتحين الفرص والتحايل على الأنظمة أو الالتفاف عليها، جرأة تدعو للاستغراب والتساؤل:

كيف لمدرسة خاصة أن تمنع طالباً من دخول منصة مدرستي بوقف كلمة السر لحسابه في المنصة وتحرمه من حضور دروس التعليم عن بعد لمجرد أن والده أو ولي أمره تأخر في تسديد الرسوم الدراسية، مع أن منصة مدرستي تقدمها وزارة التعليم مجاناً للمدارس الخاصة والأهلية وبجهد ذاتي من الوزارة ودون إسهام من القطاع الخاص، مع علم المدرسة الأهلية أو الخاصة أن حرمان الطالب من الوصول لمنصة مدرستي ممنوع منعاً باتاً!! فمن أين جاءت هذه الجرأة؟

وكيف لمستشفى خاص أن يشغل طبيباً حكومياً أثناء دوامه الرسمي دون مسوغ نظامي بل مع علمه بمنع مثل هذا السلوك منعاً باتاً؟ وكيف لمستشفى خاص أن يؤخر إنقاذ مريض منتظر رد شركة التأمين رغم وضوح بنود التأمين؟! وكيف له أن يمنع تسليم مولود أو خروج مريض لأسباب مالية يمكنه المطالبة بها وحقوقه مضمونة بالتقاضي لمعرفة هوية المواطن؟!

وكيف لمصرف أن يغري عملاءه بالاشتراك في بطاقة ائتمانية مجاناً برسائل نصية ويشعرهم بقرب خصم تجديدها برسائل بريد إلكتروني تصعب متابعته، علماً أن طريقة التحذير يجب أن تكون بوسيلة الإغراء نفسها، وأن الرسائل النصية هي وسيلة التواصل مع العملاء؟!

تلك السلوكيات تدخل ضمن التحايل والالتفاف، ويفترض ألا تجرؤ تلك المؤسسات عليها، وهي تعلم أننا في عصر مكافحة كل صور التحايل، وإذا كانت تعتقد أن ارتباطها المهني ببعض موظفي جهات الإشراف قد يحميها فإن من الضروري الأخذ في الاعتبار تضارب المصالح ومكافحته أيضاً.

نشر بجريدة الرياض في يوم الأحد 21 ربيع الثاني 1442هـ 06 ديسمبر 2020م

صحافي في الجنة و صحافيان في النار

عد أن أوضح أهل العلم والحديث والتفسير المقصود بحديث (قاض في الجنة وقاضيان في النار) وأنه ليس كما يتوقع البعض بأنه نسبة وتناسب أو ثلث وثلثان ولا يشمل كل القضاة بل يختص بكل من يحكم في خلاف بين طرفين، مثل من يتولى إصلاح ذات بين أو حل مشكلات زوجية أو حتى تحديد نسب المسؤولية في حادث مروري.. إلخ، وحسب الشرح فهو مبني على ثلاثة احتمالات: أن يكون من حكم قد عرف الحق وحكم به، وهذا خير، أو أن يكون واحداً من اثنين، إما يعرف الحق ولا يحكم به، أو أن لا يعرف الحق ولم يسعَ لمعرفته ويحكم خطأ بباطل.

أصبح من حقي القول: إن مفهوم التفسير قد ينطبق على كل من تولى التقرير في أمر يفصل بين اثنين سواء كان تجارياً أو خدمياً أو قضايا اجتماعية كالطلاق والنفقة والتعليق أو قضايا رأي، فكلمة قاض لا تخص قضاة الشرع فقط، فحتى كتاب الرأي والصحافيين بصفة عامة يحكمون برأيهم في بعض القضايا، لذا قلت في تغريدة: (صحافي في الجنة وصحافيان في النار)؛ لأن الإعلامي سواء كان كاتباً أو صحافياً لا يقل موقفه أهمية عن موقف كل من يحكم في أمر خلاف، فهو يصدر حكماً غير قابل للاستئناف، قد يحرم شخصاً من حقه في الإنصاف، وقد يمنح شخصاً ما لا يستحق، وقد يظلم أو يساعد على الظلم، وقد يدين بريئاً وقد يبرئ مداناً.

الأصل في الإعلام أنه وسيلة إنصاف وسلطة رابعة تكشف عن القصور وتسلط الضوء على المقصر وتحيله لسلطة المحاسبة وتنتصر للمظلوم وتدفع الظلم عنه، لكن ذلك كله رهن الأمانة الصحفية والمهنية والتثبت الذي يحيل لمعرفة الحق، وبالتالي القول به فيكون صحافياً أميناً، ومثل هذا من ينتصر لمظلوم أو يطالب بحق لضعيف ويؤمل أن يكون ثوابه، برحمة ربه، الجنة، أو أن يتثبت الصحافي من الحق ولا يقول به، أو يقول بشيء دون تثبت فيظلم، ومثلهما من يدافع عن فاسد أو يلمع مقصراً أو يظلم بريئاً، وهذان صحافيان يخشى أن عقوبتهما النار.

اللهم اجعلنا ممن يتثبت من الحق ويحكم به فنكون – برحمة ربنا – من أهل الجنة الناجين من النار.

نشر في جريدة الرياض يوم الاحد 14 ربيع الثاني 1442هـ – 29 نوفمبر 2020م