التصنيف: غير مصنف

معيار الاختيار طار

هذا الوقت تحديداً، بما فيه من جدية المحاسبة ومحاربة الفساد هو أنسب وقت لمراجعة معيار الترشيح والاختيار للأشخاص والمحاسبة عليه بشدة، فيفترض أن يبنى كل اختيار، أو ترشيح لشخص، على معيار أو مجموعة عناصر (معايير) معروفة يجب توفرها لدى من يتم ترشيحه أو ترشيحها لوظيفة أو إنجاز مهمة.

لم يسبقنا الغرب في الاهتمام  بمعيار اختيار الأشخاص  للمهام ووضع مقاييس أو معايير أو صفات لابد أن تتوفر في من يتم اختياره لإنجاز المهام، بل نحن سبقناهم، بدليل أننا من قال في هذا الخصوص (للحروب رجال يعرفون بها وللدواوين حساب وكتاب)، لكن الغرب تفوق علينا في استمرارية التطبيق ودقته والمحاسبة عليه.

والفرنجة يطلقون على المعيار لفض (كريتيريا) بالانجليزية وهي مفردة دقيقة وبليغة وذات معنى شامل ويحاسبون عليها بشدة وحزم، فسؤالهم الدائم: ماهي الكرتيريا التي بني عليها اختيار ذلك الشخص أو الأشخاص، وإذا لم تنطبق (الكريتيريا) بدأ البحث عن فساد أو هوى تحكم في الاختيار.

في وزاراتنا وهيئاتنا ومؤسساتنا نفتقد كثيراً لمعايير الاختيار والترشيح ونفتقد أكثر للسؤال عنها والمحاسبة عليها، وفي أغلب الأحيان نركز على الشخص دون التركيز على مؤهلاته و سيرته الذاتية ومواصفاته التي هي جزء من خصائص ومعايير يفترض أن تطبق للحكم على استحقاقه دون غيره لتولي مهمة أو وظيفة.

عندما تعمل لسنوات طويلة في جهة حكومية أو عدة جهات، تشهد مواقف تشعرك بأن معيار الاختيار طار في كثير من الاختيارات، أو أنه معيار خاطئ سيطر عليه الهوى،  فقد ترى شخص  رشح لأنه صهر أو قريب أو عديل (زوج أخت الزوجة) أو صديق وهذه جميعها معايير لا علاقة لها بالوظيفة أو المهمة المرشح لها، وقد شهدت مسؤولاً يسيطر عليه التحيز للمهنة دون الكفاءة فلا يختار لأي وظيفة إلا طبيباً حتى لو كانت الوظيفة تتعلق بالشأن الاجتماعي الذي يتطلب أخصائية اجتماعية أو شأن هندسي أو وظيفة  فنية لا علاقة لها بالطب، إلى درجة أننا قلنا: من الطبيب الذي سيشرف على قسم الصيانة والنظافة؟!.

سألت أحدهم: ما هي المعايير التي تعتمدونها في اختيار رجال ونساء يمثلوننا في المؤتمرات والحوارات الخارجية غير إجادة اللغة الانجليزية؟! فوجدت من الإجابة أن الكوادر المتخصصة ذات الإطلاع والإلمام والحجة والقناعة الذاتية بتوجه الوطن لم تمنح الفرصة ومنحت لمن لا يمتلك الحد الأدنى من المقومات ومعايير الاختيار.

وزارة الصنعتين عذاب

حضرنا ككتّاب رأي اجتماعين مع وزيري عمل وتنمية اجتماعية، السابق معالي الدكتور علي الغفيص والحالي معالي المهندس أحمد الراجحي في تاريخين مختلفين وفي ذات القاعة بمبنى وزارة العمل، وفي الاجتماعين كان التركيز منحصراً على العمل، دون التطرق لشق الوزارة الثاني المهم عن النواحي الاجتماعية!.

ككاتب رأي، وموظف حكومي في ذات الوقت، كنت أضطر لأخذ إجازة يوم من عملي لألبي الدعوة للاجتماع وأحضر وأنا أحمل ملفات قضايا اجتماعية لمعاناة ذوي الدخل المحدود والمعلقات والمطلقات ونزلاء دور العجزة ودور اليتامى وذوي الاحتياجات الخاصة ودور الرعاية الاجتماعية، وقضايا العنف الأسري وغياب التخصص في شؤون الحماية الأسرية وإهمال دور الأخصائية الاجتماعية في الوقوف مع المتعرض للعنف أو أقارب المتوفى في حادث أو المتعرض لمصائب الدهر وهو النهج الأنجع لمجتمع سليم، لكن المفاجأة تكون بأن النقاش سيدور حول العمل فقط!، مما يعطي شعوراً على أقل تقدير (شعور) بأن الوزارة مشغولة بالعمل عن التنمية الاجتماعية.

وعندما تتابع أنشطة وتصريحات وحوارات وزير التجارة والاستثمار تجد أن الاستثمار يطغى على كل شيء في وقت يحتاج فيه شق التجارة لوقت أكبر وجهد مضاعف.

ولأن التجار أذكياء بالفطرة فقد استفادوا كثيراً من برود جانب حماية المستهلك ورقابة الأسعار والتأكد من صحة إعلانات التخفيضات وتنفيذ بنود الضمان والصيانة ناهيك عن تخلي الوزارة عن الخلافات التعاقدية بين العميل ووكلاء السيارات وإحالتها لمحاكم تستغرق وقتاً وجهداً وتكاليف محاماة تجعل مالك السيارة يعزف عن المطالبة بحقوقه كما أشرت سابقاً.

حتى وزارة التعليم منذ أن جمعت بين التعليم العام والتعليم العالي تركزت جهودها على المشاكل الكبيرة للتعليم العام و باتت الجامعات كل يغني على ليلاه!.

إذا كان المثل الشعبي يقول أن صاحب صنعتين كذاب، بصرف النظر عن صواب وجهة نظر المثل من عدمه فإن المؤكد أن  الوزارة ذات الصنعتين تعاني عذاب التحكم في كل صنعة وأداء واجباتها خصوصاً أن الكوادر لم تزد ولم تتنوع ولم تتطور.

“تعسير” فاتورة كهرباء أم سالم

وأم سالم عجوز عصامية عرفتها منذ عشرات السنين تبيع في بسطة في سوق العويس بالرياض، وعرفتها لأنني كنت وما زلت أحب التحدث لكبيرات السن اللاتي يبعن في الأسواق، قبل قرار إيكال البيع للفتيات، ويعملن بجد ومثابرة لكسب العيش وإعاشة أسر كاملة (لا لشحن جوال أو لشراء شنطة ماركة أو جوال جديد)، وحديثي معهن لا يشمله قانون التحرش، لأنه حديث للتعلم لا للتحرش فمن أم سالم وزميلاتها تعرفت (سابقاً) على معاناتهن من قسوة مراقبي البلديات بسحب البضاعة والطرد (مع أنها ملابس لا غذاء ولا دواء)، حتى رحمهن ربي بالدكتورة ليلى الهلالي في أمانة مدينة الرياض، التي تبنت مشروع الأسر المنتجة والبساطات، فسمح لهن وانبسطن البساطات ولم تنبسط ليلى بتكريم، إلا بنجاح إنجازها الإنساني، فلم تشكر وتدعم بعد ذلك.

ما علينا، أم سالم أرملة تولت أسرة تزيد عن عشرة أولاد وبنات، أهلت الأولاد للدخول لدورات ومعاهد عسكرية وسيخدمون هذا الوطن الحب، وعلمت بناتها الكسب عبر العمل مع مواصلة الدراسة ثم زوجتهن بشهادة تربية عليا وكفاح أعلى، وبلغت أم سالم اليوم من الكبر عتيا وأرهق قلبها المرض وهم الدنيا ولا زالت تبيع في العويس بعد عملية صمام قلب!.

قابلتها الأسبوع المنصرم وسألتها عن الحال، فحمدت الله وشكرت وطناً وفر لها تقاعد زوجها المتوفى وضمان اجتماعي وحساب مواطن ووفر لها فرصة تيسير البيع وكسب الرزق بعد عسر مضى، لكنها تشتكي من شركة الكهرباء (ومن لا يشتكي من شركة الكهرباء؟!)، تقول أم سالم: خدعونا ببرنامج (تيسير) واكتشفنا أنه (تعسير)، تقول عودونا على قسط لا يتجاوز ١٣٧ ريال شهرياً، ثم فجأة قالوا أن عليك فاتورة ب ١٥٠٠ ريال وذهبت وسددت ثم قالوا عليك ١٥٠٠ ريال مرة ثانية، وعندما جمعت المبلغ وذهبت للتسديد قالوا: عليك تسديد ٣٥٠٠ ريال كاملة، وطبعاً لا أملك هذا المبلغ دفعة واحدة فرجعت، والآن فصلوا الكهرباء ويطالبونني بمبلغ ٤٤٠٠ ريال! فأين التيسير؟!، هذا تعسير!!.

أعرض لشركة الكهرباء حالة أم سالم وهي بالمناسبة تمثل حالة شريحة كبرى من ذوي الدخل المحدود اللذين (وهقتهم) الشركة بنظام (تيسير) الذي اعترض عليه النقاد ولم يشرح للمشتركين بطريقة توضح سلبياته ونتائجه الوخيمة إذا تراكم على المشترك مبلغ كبير.

أطالب شركة الكهرباء أن تتحمل أخطاء توريطها لذوي الدخل المحدود بنظام التقسيط هذا (تيسير) الذي ثبت أنه (تعسير) وتعيد لأم سالم وغيرها من المشتركين خدمة الكهرباء وتقوم بتسوية المبالغ المتراكمة كديون غير مرجوة (غير محصلة) ولا تربطها بفصل التيار، و(خلوا حيلكم على الي ما يسدد واستهلاكه الشهري يدل على أنه قادر).

 

تعددت العقليات والصندوق العقاري جامد

تلقيت عدة شكاوى من مراجعي صندوق التنمية العقارية من مستفيدين ومتقاعدين، فوقفت عليه بنفسي ووجدت تخلفاً، مقارنة بتعامل بنك التنمية الاجتماعية، وسوء تعامل مع المراجعين وعدم إلتزام بفتح الأبواب لهم بعد أوقات الصلاة مقارنة بإلتزام جارته وزارة التجارة والاستثمار.

لا أدري لماذا عندما يتعلق الأمر بالإسكان و العقار فإن التعامل مع المواطن ينطوي على غطرسة و تعالٍ وتأخير وعدم التيسير على الناس بتفعيل الخدمات الالكترونية؟!.

عندما يوشك الموظف على التقاعد يطلب منه إخلاء طرف من بنك التنمية الاجتماعية وإخلاء طرف من صندوق التنمية العقارية، ومع بنك التنمية الاجتماعية يحصل على خطاب إخلاء الطرف إلكترونياً عن طريق موقع البنك وهو في منزله يتناول فنجان قهوة وكل ما يحتاج إليه هو طابعة ويتم ذلك خلال ثواني معدودة بكل رقي، بينما نفس الخطاب من صندوق التنمية العقارية يستوجب أخذ موعد إلكترونياً ومراجعة الصندوق حضورياً حسب الموعد، وبالرغم من أن لديك موعد فإن عليك سحب رقم مع طابور طويل من المراجعين لأغراض أخرى كطلب قرض أو تسديد أو إعفاء.

ليست هذه هي المشكلة الوحيدة بل أن الأدهى والأمر أن جهة عملك، وكذا خارطة قوقل، توجهك لموقع الصندوق في حي الصحافة بالرياض والذي يعتبر الوصول إليه عبر تحويلات شارع العليا رحلة شاقة، ثم ما أن تصل للصندوق يخبرك الموظف أن إخلاء الطرف انتقل لموقع الصندوق في طريق أبي بكر الصديق في حي التعاون، وكان بالإمكان إعلان ذلك للجميع أو وضع تنويه في موقع الصندوق العقاري على الشبكة العنكبوتية حيث تستخرج الموعد، لكن هذا الإجراء السهل جداً لم يكلف الصندوق نفسه ويطبقه!، ألم أقل أن ثمة تعالٍ وعدم تيسير؟!.

لاحظت أيضاً، ووثقت بالفيديو، أن أبواب الصندوق لا تفتح بعد الصلاة مباشرة بل تتأخر حوالي عشر دقائق في حين أن وزارة التجارة المجاورة للصندوق فتحت أبوابها واستقبلت المراجعين فور انتهاء الصلاة، وهذا ما لاحظته ووقفت عليه بنفسي، وساءني أن موظفي الصندوق يتجمعون خارج الباب الخلفي للمبنى يدخنون قبل وأثناء وبعد الصلاة في منظر يستفز المراجع المنتظر.

بعد فتح الأبواب سألت أحد المشرفين: هناك مراجعين لديهم موعد إلكتروني محدد بالدقيقة فلماذا ينتظرون في طابور طويل للحصول على رقم؟! وما فائدة الموعد؟! فأجاب بنفس شينه: بموعد ولا بدون موعد لازم يأخذ رقم.

عدم تطبيق الخدمات الإلكترونية، وعدم الحصول على إخلاء الطرف إلكترونياً في الصندوق العقاري كما يفعل بنك التنمية الاجتماعية، دليل على أن الأنظمة ميسرة لكن تتعدد العقليات والصندوق واحد.

رهف قدمت خدمة وطنية

مهما كان سبب هروب رهف من أسرتها فإنه ما كان ليصل حد الهروب خارج الوطن، وحد طلب اللجوء السياسي لو كان لدينا برنامج أمان أسري جاد يقوم عليه متخصصة اجتماعياً أو نفسياً كما كنا نطالب على مدى ١٣ سنة ضاعت في عبث غير مختصة بالمجال وإنما باحثة عن مجد شخصي.

وعلى أي حال فإن هروب رهف والاستقبال الحافل الذي وجدته من رئيسة وزراء كندا واحتفاء بعض الإعلام الغربي، كان يمثل لنا خدمة وطنية كبيرة ما كانت لتتحقق لو لم تهرب رهف.

لقد جاءت قضية رهف بعد حادثة وفاة الزميل جمال خاشقجي مباشرة لتثبت أن الاهتمام الغربي إعلامياً بقضية خاشقجي لم يكن الهدف منه الانتصار لصحفي فقد ثم اتضح أنه توفي، بل أن ذلك الاهتمام البالغ والمبالغ فيه سببه الوحيد أن المملكة العربية السعودية كانت طرفاً في القضية، وكان كل منصف أو حتى معتدل في تناوله للقضية يذكر شعوب العالم أن صحافيين كثر قتلوا أو خطفوا أو فقدوا ولم تحدث ذات الضجة، بل أن تركيا شهدت اغتيال السفير الروسي أندري كارلوف في مسرح معرض فنون أنقرة على الهواء مباشرة وأمام أعين الجميع دون حماية تذكر ولم يحدث ما حدث مع قضية جمال خاشقجي.

جاء التفاعل المبالغ فيه مع رهف لينبه العالم أن التفاعل مع خاشقجي كان لذات المغزى المشترك (حقداً على السعودية لا حباً لإنسانية رهف أو جمال) بدليل أن قضية رهف عادية عابرة، ومشكلة  خلاف أسري، يمكن أن تمر دون إثارتها إعلامياً ودون أن تلفت انتباهاً أو تحرك في الإعلام الغربي ساكناً أو تحرك في الحكومة الكندية شعرة لو لم تحدث في السعودية وأن كون السعودية طرفاً هو العنصر المهم، وهذا ما أدركته الشعوب بسرعة، فالشعوب الواعية لا تمر عليها التناقضات والازدواجية دون توقف وانتقاد، فهذه مشردة كندية انتشر لها مقطع في (اليوتيوب)  تنتقد فيه مواقف رئيسة الوزراء المتناقضة المتمثلة في موقفها مع رهف وموقف حكومتها من المشردين داخل كندا، ثم خرجت أصوات تذكر أن الكنديين الأصليين يعانون مع حكومة رئيسة الوزراء أكثر من معاناة رهف مع أسرتها!.

الدرس الثاني الذي خدمتنا به رهف من حيث لا تعلم، هو أن نعلم أن خطر من يحرضون النساء  على وطنهم، عبر دس السم في عسل الحرية داخلياً، لا يقلون خطراً عن أولئك اللذين يحرضون الشباب على التكفير والقتل، وعلينا أن نقطع دابر هذا وذاك.

أما الدرس الثالث فهو أن علينا أن نفعل دور الأخصائية الاجتماعية والأخصائية النفسية في برامج حل سريع وفاعل للمشاكل والخلافات الأسرية بعيداً عن اجتهادات غير مختص أو عبث منحل يهوى الصيد في الماء العكر.

ظلموا فعاقبهم سيدني!!

يمهل ولا يهمل، ولابد للمكر السيئ أن يحيق بأهله ولو بعد حين، وهذا ما أثبته سيدني والذي سوف أرويه لكم لاحقاً، ولكن بعد أن أقول بأن الثقة العمياء لم يعد لها ما يبررها اليوم بل لم تعد مقبولة إطلاقاً، لأن الفعل المشين قد يحدث من أي فرد أو جماعة أو كيان مهما كبر والإحتراز من الفعل المشين يكون بالوقاية منه لا بافتراض الثقة في فرد أو جماعة أو كيان.

هذا ما نصحت به وزارة التجارة في حواري مع الزميل جمال المعيقل في برنامج (ياهلا) على قناة روتانا خليجية ونحن نتحدث عن الغش التجاري والتقليد في السلع وقطع الغيار، حيث ذكرت وزير التجارة والاستثمار بأمر هام، ليس من عندي، ولكن من تجارب دول سبقتنا ونشطاء حماية مستهلك أكثر منا خبرة، بأن الحماية من الغش والتقليد تكون بإخضاع السلعة للفحص المخبري وليس بالاعتماد على سمعة المنتج واسم الشركة المنتجة أو اسم الوكيل فيجب أن نفترض إمكانية الغش أو بيع السلع المقلدة ولا نستبعد ذلك إلا بنجاح السلعة في اجتياز الفحص والتمحيص في المختبر.

استشهدت لمعالي وزير التجارة والاستثمار بكتاب عرضت إهداءه إلى معاليه، رغم قدم نسخته الأولى الصادرة في عام ١٩٨١م  وقد قرأته وأنا في المرحلة الأولى من كلية الصيدلة، ويتحدث الكتاب عن فضيحة عشرين شركة من كبريات شركات صناعة الأدوية في العالم وأكثرها شهرة، تنتج أدوية مغشوشة غير فعالة وبعضها لا يحتوي مادة فعالة إطلاقاً وبالتالي فإنها أدوية أو أقراص لا تعمل وتخدع المريض، ولم تمنع شهرة الشركات وأسمائها الرائجة من ارتكاب هذا الغش، وتصدير أدويتهم خارج الولايات المتحدة الأمريكية لدول فقيرة أو تحت النمو ليس لديها مختبرات تحليل، لكن الله سلط عليهم من عاقبهم وشهر بهم عندما ألّف هذا الكتاب تحت عنوان (الأقراص التي لا تعمل) لمؤلفه سيدني وولف بمشاركة كريستوفر كولي وفريق البحث الصحي المشارك، ومنذ صدور ذلك الكتاب اهتزت الثقة في تلك الشركات الكبرى، وأصبحنا نحن الصيادلة في كل موقع لا نعتمد على الاسم والشهرة إنما على التحليل المكثف ولا غيره.

والمقهور كروياً مسئوليتنا

بعض الأحبة يلوم كاتب الرأي في الشأن العام ويغار عليه و(يشره) عندما يكتب عن كرة القدم، وهذا الشعور يفترض خطأ أن الرياضة و قضايا كرة القدم تحديداً أمر دون، لا يليق بكاتب الرأي العام ولا الأديب أن يخوض فيه وإلا نقص قدره، وهذا في ظني غير واقعي و تقليل من شأن الرياضة، فالرياضة مثل كل شأن، ما يحدد العيب في تناوله هو الأسلوب والمفردات والتعصب، لكن وللأمانة فإن لهذا الشعور مسبباته ومنها أننا مررنا قديماً بفترة كان فيها الأديب يفاخر بجهله بكرة القدم، رغم شعبيتها، تعبيراً عن انشغاله بالأدب، ومن المسببات أنه مر زمن كان فيه الإعلام الرياضي مجالاً يفتح ذراعيه  لمتعصبين وغير مؤهلين دراسياً.

كاتب الشأن العام، وحتى الأديب اليوم، يفترض أن يلم بشيء عن كل شيء إضافة إلى كل شيء في مجال تخصصه ما أمكن ذلك، ثم أن كرة القدم أصبحت عامل مؤثر في الغالبية على مستوى الشعوب والمجتمعات والدول والعالم أجمع، ولها أثر بالغ في نفسيات الناس وأحاديثهم وسعادتهم وحزنهم وتفاؤلهم وإحباطهم، وثقتهم في الآخرين وعلاقتهم فيما بينهم بل وأثرت في علاقات دول، ويكابر من ينكر ذلك.

وللأحبة الغيورين أقول: ألسنا نكتب بحرقة عن قضايا أفراد؟، سواءً امرأة مطلقة أو معلقة أو رجل مفصول تعسفياً أو ضحية فساد إداري أو إهمال طبي، أو غير ذلك من قضايا الجور أو الظلم أو الفساد؟!، إذا فمن باب أولى أن نتفاعل مع مشاعر الآلاف من جماهير ناد قهرهم حكم أو لجنة أو متعصب كائن من كان، لأن الظلم حينما يقع على ناد مدينة أو منطقة أو ناد جماهيري لصالح خصمه أو منافسه يحبط آلاف من أهل المدينة أو المنطقة أو جماهير النادي، ويخل بعدالة المنافسة في هذا الشأن المؤثر في النفوس.

ليس أدل من قوة تأثير كرة القدم (شئنا أم أبينا) من حالات الوفيات المفاجئة التي حدثت وتحدث ومن حالات الحزن أو الفرح الهستيري وما يحدث في الشوارع وأماكن العمل من مشاحنات بسبب شعبية هذه اللعبة وتأثيرها، الذي يتجاهله من يسلب الآخرين حقوقهم.

شخصياً أتعاطف مع كل مظلوم مقهور قهره مستغل للسلطة، ورياضياً أكتب فقط عن الحالات الإنسانية التي تستبيحها أحياناً تجاوزات كرة القدم، فقد كتبت منتقداً بشدة الاعتداء على الخصوصية الصحية لأحد اللاعبين عندما ذكرت صحيفة أنه مصاب بالسكر لأنه رفض الانتقال لناديها المفضل، وانتقدت التطفل على الملف الطبي لوالد اللاعب خالد عزيز لتبرير أن حالته لا تحتاج لمرافق، وانتقدت وسأنتقد الهتافات العنصرية في كل مكان.