التصنيف: غير مصنف

طفلي..استودعته الله ثم الحرس

قلتها سابقا و أقولها دوما، كانت الصعوبات كبيرة جدا، ولكن  رجالات  الحرس الوطني السعودي أصعب وأقوى من كل صعوبة، هذا ما أثبته تأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالحرس الوطني عام ١٩٩١م و نجاحه في إنتاج أمصال فعالة بعد ست سنوات فقط من التأسيس، مع أنها أدوية تحقن وريديا ويبرز حجم الإنجاز عندما نعلم أن أدوية الحقن الوريدي من منتج بيولوجي هي أكثر الأشكال الصيدلانية تعقيدا وصعوبة  فهي  يجب أن تكون عالية التعقيم  و لا يمكن تعقيمها بالحرارة.

عندما لا حظنا في أواخر الثمانينيات الميلادية، ونحن مجموعة أكاديميين متخصصين في علم الأدوية والسموم أن الأمصال المستوردة لا تعادل سموم ثعابين وعقارب شبه الجزيرة االعربية و أن الملدوغين يتوفون رغم وصولهم للمستشفى و إعطاء المصل المستورد في الوقت المناسب وبالجرعة المناسبة، عقدنا عدة اجتماعات ومؤتمرات علمية جميعها أكدت أن وقف الوفيات من عضات الثعابين ولدغات العقارب لن يتحقق إلا بإنتاج مصل محلي مستخلص من سموم الثعابين والعقارب التي تعيش في بيئة شبه الجزيرة العربية، قمنا بإعداد مشروع مقترح لإنشاء مركز أمصال وطني، وعرضنا المشروع على أكثر الجهات تضررا وهي وزارة الصحة، لكن معالي الوزير (آنذاك) فيصل الحجيلان (رحمه الله) اعتذر عن تبني المشروع لصعوبته، عندها قمت بعرض الفكرة على المغفور له بإذن الله الدكتور عبدالمحسن بن عبدالله التويجري وكان آنذاك مدير التطوير الطبي بالحرس الوطني، فتبنى مشروع مركز الأمصال و عرضه على المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز وكان آنذاك وليا للعهد ورئيسا للحرس الوطني فوافق على الفور و منحنا كل الدعم ماديا ومعنويا.

تمكن المركز في منتصف عام ١٩٩٧م من الإنتاج وهو زمن قياسي مقارنة بكون المنتج دواء حقن وريدي و بدأت المملكة الإعتماد على المنتج عام ١٩٩٨م و بدأ المركز في عام ١٩٩٩م تلبية جميع احتياج الشراء الموحد لدول مجلس التعاون إلى هذا اليوم، بل غطى احتياج الأردن و صدر لأمريكا ودول أوربية احتياجاتها لأمصال لسموم ثعابين وعقارب الجزيرة العربية  لفرق التنقيب عن البترول والتدريبات العسكرية في المنطقة  و أصبح مصنعا متميزا وحيدا من نوعة في الشرق الأوسط وتمكن منذ بداية عام ٢٠٠٠م من إخراج المصل  المستورد من المنطقة العربية، وتم خفض نسبة الوفيات من الثعابين والعقارب إلى صفر( باستثناء من لم  يصل المستشفى ولم يحقن بالمصل)، ولم يسجل للمصل حتى اليوم أي أثار جانبية ولم تفشل منه تشغيلة واحدة ولله الحمد.

بدعم خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز و اهتمامه حقق  المركز الوطني لانتاج الأمصال واللقاحات بوزارة الحرس الوطني نجاحا باهرا  في جودة و فاعلية المنتجات ومباشرة حالات اللدغ في الطوارئ  و تثقيف الأطباء وتوعية  العامة و أكد المركز الوطني، منذ  ٢٨ سنة، مقولة اليوم  الخالدة لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ( لدينا شعب بهمة جبل طويق) وقد كان لي شرف تنفيذ الرغبة الملكية الكريمة بتأسيسه و إدارته منذ التأسيس وحتى أول رجب لهذا العام حيث تقاعدت وودعت المركز وقد حقق نسبة سعودة تفوق ٦٠٪ من الكيميائيين والصيادلة وسياس الخيل والفنيين وفنيي الأجهزة والإداريين وجميعهم  بخبرة نادرة وهامة، إلى جانب أشقاء عرب متخصصين و مخلصين فلم تكن لدينا عقدة (الخواجة) ولم نحتج قط لخبرات غربية، بل هم من احتاج للمركز حيث أصبح مرجعية لمنظمة الصحة العالمية في مجال أمصال سموم الثعابين والعقارب، ومصدر للأمن الدوائي في مجال الأمصال للمملكة ودول الخليج والدول المجاورة، ينتج حسب الطلب، ومن دواعي فخره أنه لبى احتياجات الحد الجنوبي فوريا عدة مرات بتعاون جميع الجهات .

لقد ودعت علما نافعا وإنجازا وطنيا شهدت ولادته كطفلي بل أعتبره أهم من أبنائي و استودعته الله ثم وطن قدم للعالم كل عمل نافع، واستودعه الحرس الوطني الذي تبناه و تبنى منجزات عدة ثقافية وتعليمية  وعلمية  وصحية، وأجزم أنه سيحقق المزيد من النجاح.              

خطاب توديعي لزملائي بمركز الأمصال بعد تقاعدي

رسالة توديع لزملائي موظفي مركز الأمصال:

٢٨ سنة من النجاح بلا عقدة خواجة، والفشل الوحيد أنني لم أمنحكم ما تستحقون و بجهودكم أنقذنا أرواحا وأخرجنا المصل المستورد غير الفعال من السوق العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

الزملاء والزميلات موظفو المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات الأفاضل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بمناسبة إنتهاء علاقتي العملية مديرا عاما للمركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالتقاعد أود أن أتقدم لكم جميعا بجزيل الشكر ووافر الامتنان لجهودكم التي هي أساس ما حقق هذا المركز الإنساني من نجاح مستمر في إنقاذ أرواح ضحايا عضات الثعابين ولدغات العقارب في المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول المجاورة، وما حققه من توعية للعامة و تثقيف لجميع الممارسين الصحيين حول هذا العلم الذي يعتبر تخصص نادر و يعد المتخصصين فيه خبرات نادرة على مستوى العالم.

لقد تمكنا أنتم و أنا من إنتاج أمصال عالية الفاعلية والنقاء تعادل جميع سموم ثعابين و عقارب شبه الجزيرة العربية قاطبة بكفاءة عالية حافظت على نجاحها و جودتها طوال ٢٨ سنة، هي عمر هذا المركز العريق منذ تأسيسه عام ١٩٩١م بدعم من المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبد العزيز و استمر الدعم والتشجيع من ملك الحزم والعزم الملك سلمان بن عبد العزيز أمد الله في عمره، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان قائد التحول الإيجابي و الرؤية الثاقبة و كافة رجالات الحرس الوطني على مدى تاريخه الحافل بالنجاحات في كل المجالات.

لقد نجحتم أنتم و أنا في انتاج أحد أعتى و أصعب الأشكال والمنتجات الصيدلانية حسب تصنيف دساتير الأدوية فهو منتج بيولوجي لا يعقم بالحرارة و يحقن وريديا ويجب أن يكون عالي التعقيم والنقاء ويحقق كفاءة عالية، وتلك أصعب معادلة صيدلانية، لكننا بهمة المخلصين و أمانة المؤمنين تغلبنا على كل الصعاب و نجحنا في إنتاج منتجات عالية الجودة تغطي احتياجات دول المنطقة دون تأخر أو تأخير و دخلت أسواق أمريكا و أوروبا رغم تشددها في شروط الجودة  و أصبح المركز الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط  و مرجع علمي لمنظمة الصحة العالمية في هذا المجال النادر.

نحمد الله أننا لم نعاني قط من عقدة (الخواجة) أو الخبير الغربي في زمن كانت فيه مصانع الأدوية و الصيدليات والمختبرات تعج بالأمريكيين و الكنديين والأوروبيين، بينما اعتمدنا نحن على خبرات وطنية و عربية شقيقة و عمالة من دول إسلامية، و أحمد الله أن انتهت علاقتي بالمركز ولم أحنث في وعدي لكم جميعا بالاستقرار الوظيفي للجميع دون تمييز ولا تصنيف ولم يغادر المركز، ولله الحمد، موظف واحد إلا بطوعه و اختياره  وبسبب ظروفه الخاصة ورغبته الخالصة.

كما لا يفوتني أن أعتذر لكم فرداً  فردا إن كنت في يوم ما أزعجت أحدا منكم أو كدرت عليه يومه فذلك إن حدث فإنه حث الأخ لأخيه أو أخته، و بسبب ثقة في علو هممكم و طموحكم، كما أعتذر لكل من لم تساعدني الظروف الطارئة حديثا على تحقيق طموحاته ورغباته و حقه الوظيفي، ويؤسفني أن أرحل وفي ذمتي لكثير منكم وعد بتوزيع حوافز لم تصرف منذ ٣ سنوات أو وعد بفتح سقف الرواتب المتوقفة، لم يتحقق رغم محاولاتي و إلحاحي، التي كان أحدثها في اخر اجتماع لمجلس الإدارة، و لعل هذا الأمر أحد أسباب عدم رغبتي في الاستمرار بالتعاقد بعد التقاعد، و كلي أمل في رئيس و أعضاء مجلس الإدارة أن يولوا هذا الأمر جل حرصهم و أن يتحقق قريبا بإذن الله و أرى أن مستقبل المركز مبشر و سيحقق مرونة كبيرة في هذا الصدد بحول الله.

لا وجود لصغير عندي في هذا المركز العملاق، فجميعكم على اختلاف وظائفكم و أدواركم وجنسياتكم على حد سواء و مسافة واحدة من ألإنجار فلكم جميعا فضل في نجاح هذا المصنع الدوائي العظيم وتحقيق أهدافه و أنتم من أنتج هذا الدواء المنقذ للحياة و أنتم من حقق الأمن الدوائي في مجال الأمصال للمملكة ودول الخليج والدول المجاورة والدول المستفيدة، وأنتم من أنقذ المنطقة من المصل المستورد غير الفعال، و أخرج المنتج المستورد غير الفعال من السوق السعودية  ثم الخليجية ثم العربية حتى توقف إنتاجه، و أنتم من أثبت أن المستحيل ممكن إذا وجدت الأمانة و الإخلاص، فوجب علي أن أشكركم أصالة عن نفسي كمواطن و نيابة عن كل أم أو أب أو إبن أنقذت جرعة مما تنتجون حياة غالٍ عليه، ولأننا نتحدث عن علم نافع و لأننا نؤمن بأن (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) دعونا جميعا ندعو للمغفور له بإذن الله الدكتور عبد المحسن بن عبدالله التويجري ، الذي سعى في تبني الحرس الوطني لهذا المشروع الإنساني الجبار، عندما عرضنا عليه الفكرة ونحن فريق بحث من كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود فوافق عليها بعد أن اعتذرت وزارة الصحة آنذاك (عام ١٩٩٠م في عهد معالي الوزير الحجيلان) عن تبني المشروع.

و أكرر رجائي بأن تسامحونني و تدعون لي إن وجدتم أن تقصيري معكم قابل للصفح والدعاء.

أخوكم الصيدلي: محمد بن سليمان الأحيدب   في ٢٨ مارس ٢٠١٩م                      

أقترح حوارات مفتوحة لـ (نزاهة) مع صغار الموظفين

في جانب محاربة الفساد المالي حققنا نجاحاً مميزاً ومتميزاً يدل عليه حالة الرعب الذي هز قلوب الفاسدين وشل أركانهم وهم يرون كائناً من كان يتم إيقافه ومساءلته وأخذ حق الوطن منه بالتسوية العادلة، فقد أحدثت هذه الخطوة الجبارة إصلاحاً عظيماً تلمسه في عيون المذنبين وخوف المخالفين وقلق المقاولين الفاسدين وسعادة الصالحين.

بقي علينا كخطوة هامة جداً محاربة شكل اخر من أشكال الفساد لا يقل خطورة ولا يقل تأثيراً في مسيرتنا التنموية وهو ذلك المسؤول الذي يأخذ كثيراً ولا يعطي إطلاقاً ولا يحرك ساكناً في مجال عمله معتمداً على قاعدة قديمة مفادها (لا تهش ولا تنش فلا تلفت الأنظار ولا تمش) وهذا النوع من المسؤولين لا يستحق راتبه العالي ولا مميزاته وما يحصل عليه من منصبه ولا يتناسب مطلقاً مع روح عصرنا الذي يشهد حراكاً كبيراً إيجابياً.

أرجو أن لا يقول قائل أن ثمة قياساً لأداء الجهات ومنجزاتها وما تحقق من نجاح، فهذا الجانب لا يزال قاصراً، والتقارير السنوية للجهات يتم تلميعها وصياغتها بطريقة توهم بأن ثمة عمل، والحقيقة أن ثمة توقف وسكون وثبات على إنجازات سابقة حققها من كان يعطي ولا يأخذ كثيراً، ثم أن التقرير السنوي يشتمل على فقرات تتعلق بالصعوبات التي تواجه الجهة والمقترحات لحلها، والمسؤول غير المنتج الذي أعنيه لا يرد في التقرير السنوي لجهته أي ذكر للصعوبات التي يواجهها لأنه أصلاً لم يحاول أن يعمل لتواجهه صعوبات!.

هذا النوع من المديرين يحيط نفسه بمجموعة يثق بها من المقربين ويمنح لهم الصلاحيات والحصانة ويتحوصل هو في منصبه، فيزداد الركود في إدارته ويعاني الموظف المخلص من الإحباط والتجاهل ويعاني المستهدف بالخدمة من قصور الخدمات ويعاني الوطن من صرف دون انتاج، واعتقد أن الخطوة القادمة لـ(نزاهة) والمراقبة العامة هي مراجعة ما تحقق من تقدم في الإنجازات ومقارنته بما صرف والسؤال عن السيرة الذاتية للموظفين في المواقع المفصلية للمؤسسة ومؤهلاتهم وكيف تم وصولهم للوظيفة كما أقترح أن تعقد الجهات الرقابية حوارات مفتوحة مع سائر الموظفين صغارهم قبل كبارهم وستخرج بمحصلة كبيرة وصيد ثمين.

وزارة الخدمة تخاطر

أرجو أن لا يستعجل قائل فيقول أن انتقادي للخطوة هو من باب عدم الرغبة في التغيير والركون للواقع، فالأمر ليس كذلك إطلاقاً، فنحن من جيل غير إيجابياً إلى الأفضل، وحقق إنجازات عظيمة قائمة على التغيير المدروس للأفضل، ثم أن وجهة نظري هذه عرضتها على معالي وزير الخدمة المدنية ونوابه ومساعديه في ديوانية الزميل عبدالوهاب الفايز ولم يكن الرد عليها مقنعاً لغالبية الحضور وفق حديثهم بعد ذلك.

وزارة الخدمة المدنية في استراتيجيتها الجديدة، التي تنوي (الاستعجال) في تطبيقها، تريد أن تمنح الوزارات والجهات الحكومية صلاحيات التصرف في شؤون موظفيها دون الرجوع للوزارة وهذا معناه أن الترقيات والتعيين ومنح المراتب وكل ما يتعلق بالموظف ستتولاه الجهة نفسها دون الاحتكام إلى جهة وزارة الخدمة المدنية التي، في وضعها الحالي، لا تعتبر رقيب فقط بل خبير متخصص ومرجعية لضمان حد أدنى من العدالة الوظيفية وعدم  إساءة استخدام سلطة الترشيح والرفع بالأسماء لمقام الوزارة، ومع ذلك وجدت (نزاهة) مخالفات عدة ورواتب إضافية وتعيينات غير مستحقين وترقية غير أكفاء وإحباط شباب متقد مؤهل، فكيف إذا تولى مدير التشغيل ومدير شؤون الموظفين في الجهة كل الصلاحيات للتنفيذ.

قلت لمعالي الوزير أنكم ستمنحون الجهات الثقة والصلاحيات وتضعون لهم الحبل على الغارب  قبل سد ثغرات إساءة الاستخدام الموجودة أصلاً وتتكشف كل يوم، فحبذا لو كانت البداية بأن تكون إدارات الموارد البشرية في الوزارات مرتبطة مباشرة بوزارة الخدمة المدنية، أو على أقل تقدير أن يكون لوزارة الخدمة ممثل فيها، تماماً مثل الممثل المالي التابع لوزارة المالية، وكان رد معاليه أننا سنراقب كل الحركات الوظيفية للجهات بالحاسوب فنعرف كم الترقيات والتعيينات، وهنا قلت لمعاليه أنكم بالحاسوب ستراقبون الكم وليس الكيف وهو الأهم.

مشكلة توجه وزارة الخدمة المدنية الحالي أنه يحاكي أسلوب عمل القطاع الخاص، وثمة فرق كبير جداً يجب أخذه في الحسبان وهو أن المدير في القطاع الخاص محكوم بمعيار نجاح واضح هو تحقيق ربح مالي وهو دافعه للعمل فهو يعلم أن الشركة لو لم تحقق الربح فسيخسر منصبه، لذا فإن لديه دافع  للعمل للوصول لهدف صعب، لن يصل إليه لو عين غير مؤهل أو رقى غير مستحق أو أحبط موظف منتج، بينما المدير في الحكومي دافعه للبقاء مختلف جداً وهو إحاطة نفسه بقريب وصهر ونسيب ومساعدين غير مؤهلين، له عليهم منة ومعروف، يفرض الولاء للمدير لا للمؤسسة!.

إن ما يتلقاه كاتب الرأي من شكاوى الإحباط والظلم الوظيفي والمخالفات الواضحة لأنظمة الخدمة المدنية والالتفاف حولها، يفوق ما وجدته هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) أو ديوان المراقبة العامة، لأن غالبية الموظفون المحبطون يخشون تبليغ الجهات الرقابية أو حتى التحدث مع مندوبهم الزائر.

(فتى البيضة) في نهائي الدوري

في البداية، لابد أن نرسخ في أذهاننا ونحاول دوماً تذكير بعضنا البعض أن (فتى البيضة) ورئيسة وزراء نيوزيلاندا، وكثير من الشعب الأسترالي اللذين تظاهروا احتجاجاً على الجريمة النكراء للإرهابي الأسترالي  قاتل المصلين في مسجدي نيوزيلاندا واللذين أيدوا (فقش) البيضة على رأس السيناتور الاسترالي العنصري فرايزر أنينغ وسخروا منه وتظاهروا مؤيدين للفتى اللذي أهانه بكسر بيضة على رأسه عن قرب، كل هؤلاء يجب أن نرسخ في أذهاننا ونذكر بعضنا أنهم هم من يمثل الأسوياء المنصفين من الشعب النيوزيلندي والأسترالي، وليس ذلك الإرهابي ولا السيناتور العنصري، وهذا الشعور سيريحنا أولا وينصف الأسوياء والمنصفين في العالم وهم الغالبية فالشاذ لا حكم له، وهذا الشعور سيشيع التسامح الفعلي في العالم ويخفف التوتر.

الفتى الأسترالي الملقب بـ(فتى البيضة) أسمه ويل كونولي  ويبلغ من العمر ١٧ عام ، أصبح بطلاً عالمياً وبلغت شهرته عنان السماء بعد ذلك المقطع الذي انتشر، وواضح جداً أن الفتى لم يكن هدفه الشهرة، بل كان هدفه إهانة ذلك العنصري وتصوير البيضة وهي تسيل على رأسه الأصلع الفارغ إلا من الحقد على المسلمين والعنصرية المقيتة ضد الملونين والمهاجرين، ولعل ثبات الفتى ويل كونولي بالرغم من توجيه ذلك الوغد الصفعات له، بل أن فتى البيضة رد عليه بلكمة بيد وجهازه الخلوي يصور في اليد الثانية يؤكد إصراره على النيل من ذلك العنصري بشجاعة واضحة وإصرار.

أقترح استضافة ذلك الفتى والاحتفاء به في المملكة، قبلة المسلمين، ومنبع التسامح، فمثل هذا الاحتفاء سيبرز روح الامتنان لأمثاله ويشجعهم ويلفت مزيد من الأنظار لموقفه الإيجابي في الاعتراض على العنصرية المقيتة، وأتمنى أن نحتفي به في مناسبة جماهيرية كمباراة كرة قدم نهائية، كنهائي كأس خادم الحرمين الشريفين أو نهائي الدوري وينقل هذا التكريم للعالم.

أيضاً أين إعلام العالم، وخصوصاً أمريكا وكندا، مما تعرض له الفتى من الضرب واضطهاد رفاق السيناتور العنصري فرايزر أنينغ، وهو ما لا يحدث لكل متهم دون محاكمة، فأين منظمات حقوق الإنسان من مراهق يطرح أرضاً ويشتم ويضرب ويهينه أكثر من أربعة شداد دون احترام لإنسانيته و حقوقه وصغر سنه؟!

 

تناقضات حكومية

الإجازة المرضية والعذر الطبي للطالب والطالبة في الجامعات وللموظف الحكومي غير مقبولة إذا صدرت من مستشفى خاص!، ولابد من الحصول على العذر الطبي أو الإجازة المرضية من مستشفى حكومي، وهذا أمر لا أعترض عليه مطلقاً كوني أعرف أن مصوغاته مقبولة وهي الخوف من إساءة الاستخدام أو المتاجرة بالتقارير الطبية وتولد سوق سوداء للإجازات المرضية، ولكن عدم الثقة لا تتجزأ، تماماً مثل أن الثقة لا تتجزأ، إما أن أثق فيك أو لا أثق.

كيف أثق في المستشفى الخاص وهو يطلب من المريض إجراء الفحوص المخبرية والإشعاعية المكلفة جداً وأثق فيه وهو يقرر التنويم لعدة أيام بتكلفة عالية ويقرر إجراء جراحة أو أي تدخل مكلف وأنا لا أثق في ما يصدره من تقارير إجازة أو عذر طبي؟!. هذا تناقض واضح و ازدواجية غريبة.

ومن التناقضات العجيبة أننا نركز في مكافحة الفساد على الفساد المالي (رشوة ، اختلاس، وهدر مال عام) ولا نحاسب على فساد سلوكي وظيفي واضح وضوح الشمس وله نتائج وخيمة خطيرة وهدر جهد ومال، مثل المخالفة الواضحة المتمثلة في ترك طبيب حكومي لعمله في المستشفى الحكومي والذهاب أثناء الدوام الرسمي لمستشفى خاص للحصول على كسب غير مشروع، وهذا الفساد ينجم عنه إهمال مريض مستشفى حكومي وإهمال طلبة طب وأطباء تحت التدريب وتعريض المريض لأخطاء طبية نتيجة قيام المتدرب بعمل الاستشاري الغائب وهي أخطاء تدمر المريض صحياً ونفسياً وهذا الأهم، وتعويضاتها المالية تكلف الدولة كثيراً وعلاج نتائجها يكلف الدولة أكثر!.

ومن التناقضات توظيف الفتاة السعودية في بيع قطع غيار السيارات بينما مديرها مستورد!،  ومطالبة المتقدم السعودي بشهادة خبرة بينما الأجنبي يتدرب عندنا!، واشتراط اجتياز اختبار لغة انجليزية على المتقدم داخلياً بينما التعاقد من الخارج يتم مع شخص لا يفك الحرف ولا يتحدث بالانجليزية!.

ومن التناقضات تطبيق بعض الدوائر للتقشف في عناصر أساسية بينما عقد الورود لمكتب المدير ولطاولة اجتماعاته يضيع تقشف سنة!.

علينا أن نعيد النظر في الأمور المتعارضة والمواقف المتناقضة ونعالج الإزدواجية والكيل بمكيالين للكثير من القضايا فالتناقض في حد ذاته يحبط الهمم ويثير التساؤلات و يولد الحجج.

 

يا مذيعة عيب ويا مقدم اركد

لا جدال أن المملكة العربية السعودية محسودة على ما تنعم به من أمن ورخاء ورغد عيش، وهذا ليس بجديد، بل منذ عقود من الزمن، وعلى صور متعددة ومواقف متنوعة ومن أطراف عديدة.

كل محسود مرزوق، والعجوز الحكيمة اختصرت دعاءها لإبنها بالقول (اللهم اجعله من المحسودين)، فكل ذي نعمة محسود، وطبيعي جداً أن كل حاسد لابد أن يتصيد ويتحين الفرص للنيل من هدفه فيستهدفه، لذا فقد كان علينا دوماً أن نحرص أكثر من غيرنا على تفادي كل سلوك يسيء للوطن أو حتى قول يمنح الحاسد فرصة وحجة.

في هذا الزمن والظرف تحديداً، فإننا يجب أن نكون أكثر حرصاً وتفادياً لما يسيء لنا ولوطننا، فنحن نعيش حالة حرب على جبهات عدة ونديرها باقتدار وحزم وعزم ونضحي بأغلى ما نملك وهي أرواح أبطالنا على حدود الوطن، فكيف لا يضحي البعض بأتفه وأرخص ما يملك وهو مناكفة الآخر والتشفي منه؟!.

الإعلامية والإعلامي، المذيعة والمذيع، حري به أن يكون الأكثر إدراكاً لهذه الحقيقة والأكثر حرصاً على أن يكون واجهة مشرفة وقدوة حسنة، لكن ما حدث مؤخراً لا يدل على أدنى شعور بالمسئولية، بل ولا أدنى احترام للآخر ناهيك عن احترام المشاهد في الداخل والخارج!.

مذيعة تتلفظ بما لا يليق وتستفز الآخر بعبارات لا تقال في الشوارع ولا في المشاجرات والمشاحنات الهابطة ، ومذيع يشوه سمعة شعب بأكمله بتضخيم حالات شاذة يمكن معالجتها بستر لو أجريت دراسات اجتماعية في الجامعات ومراكز البحث وشخصت مشاكلها وتم اقتراح وسائل العلاج والرفع بها للجهات المختصة لأن مثل هذه السلوكيات الشاذة لا تعالج بنشرها وتعميمها والصراخ والتهديد.

أقول للزميلات والزملاء، المذيعات والمذيعين ومقدمات البرامج، استرونا، فقد أصبح بعضكم معول هدم و تشويه ظالم للوطن وتلفظ بألفاظ نابية لا نريد أن يسمعها المراهقين والشباب والكبار فما بالك بالصغار؟!، سب وشتم واستفزاز وتحد وتهديد ووعيد لا ينم عن حكمة ولا عقل ولا خلق حسن وتربية صالحة، أكرر نحن في حالة حرب تستوجب أن نتكاتف، لكن البعض يتصرف بالميكرفون وكأنه نافخ الكير في نار بيننا.

 

مهزلة (زغبي) وأبحاث الجامعات واحد

فخر كبير جداً أن لدينا حوالي ٣٠ جامعة حكومية و١٢ جامعة أهلية وخاصة، ومؤسف جداً أننا نفتقر للدراسات الاجتماعية والأبحاث والإحصاءات والأرقام الدقيقة التي يمكن أن تسهم بها تلك الجامعات في إمداد جهات التشريع ورسم الاستراتيجيات بأرقام صحيحة للحالات، وتقارير دقيقة عن الممارسات، ونتائج أبحاث علمية محكمة لأسباب مشاكلنا الاجتماعية والغذائية والصحية ليسهل تشخيصها وعلاجها على أساس صحيح.

في جلسة واحدة حافلة بعدد من المتخصصين والأكاديميين وكتّاب الرأي تم طرح أكثر من (تخمين) لأسباب ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع السعودي، وكل يخمن حسب هواه وانطباعه الشخصي!، لم يرد ذكر بحث أو دراسة!.

هل يعقل أن لدينا أكثر من أربعين جامعة وليس لدينا مئات الأبحاث عن أسباب الطلاق وأرقامه ونسبه الصحيحة؟! وليس لدينا إلا دراسة فقر واحدة قديمة!، وليس لدينا رقم صحيح لخط الفقر!، وأن معلوماتنا المتوفرة للمجتمع عن عادات التغذية السيئة وأنواع الأطعمة  الضارة والصبغات المسرطنة والورقيات الملوثة، مصدرها الوحيد شائعات (واتساب) و (تويتر) وسواليف مجالس.

عشت في الجامعة عشرات السنين، طالباً ومعيداً ومحاضراً ورائد لجان نشاط، ورأيت أن الأستاذ المساعد والمشارك والأستاذ لا يجري أبحاثه بنفسه بل يتولاها فني متعاقد أو موظف أجنبي يبحث عن استمرارية  وتجديد عقد!، حتى الأبحاث المطلوبة للترقية بين درجات الأستاذية يجريها صغار فنيين ومساعد باحث لا يهمه تزوير و(فبركة) أرقامها طالما أنه يمسك الأستاذ السعودي من أذن فاسدة تؤلمه!.

لم نكن قط في حاجة لأن تتسابق الجامعات لتصحيح مرتبتها عالمياً عبر عدد زيارات مواقع إلكترونية، بل كنا ولانزال في أمس الحاجة لأن تتسابق الجامعات في إجراء أبحاث ودراسات محلية نعتمد عليها في اتخاذ قرارات ورسم استراتيجيات  مصيرية!.

إذا ساورك أدنى شك، عزيزي القارئ، في ما ورد أعلاه، وفي أن جامعاتنا مقصرة في إجراء الدراسات الاجتماعية والإحصاءات، فتذكر أن أتفه دراسة إحصائية، عن جماهيرية الأندية الكروية، لم تجريها جامعة أو كلية دراسات بل دفع لـ (زغبي) لتخرجها بالاستغفال (المصلحجي) الذي خرجت به، ودعك من تعصب كرة القدم وتذكر أنه إذا لم يتم التقصي عن الفساد وتغليب المصالح الشخصية في أبحاث الجامعات فإنها لن تختلف عن دراسة زغبي.

 

معيار الاختيار طار

هذا الوقت تحديداً، بما فيه من جدية المحاسبة ومحاربة الفساد هو أنسب وقت لمراجعة معيار الترشيح والاختيار للأشخاص والمحاسبة عليه بشدة، فيفترض أن يبنى كل اختيار، أو ترشيح لشخص، على معيار أو مجموعة عناصر (معايير) معروفة يجب توفرها لدى من يتم ترشيحه أو ترشيحها لوظيفة أو إنجاز مهمة.

لم يسبقنا الغرب في الاهتمام  بمعيار اختيار الأشخاص  للمهام ووضع مقاييس أو معايير أو صفات لابد أن تتوفر في من يتم اختياره لإنجاز المهام، بل نحن سبقناهم، بدليل أننا من قال في هذا الخصوص (للحروب رجال يعرفون بها وللدواوين حساب وكتاب)، لكن الغرب تفوق علينا في استمرارية التطبيق ودقته والمحاسبة عليه.

والفرنجة يطلقون على المعيار لفض (كريتيريا) بالانجليزية وهي مفردة دقيقة وبليغة وذات معنى شامل ويحاسبون عليها بشدة وحزم، فسؤالهم الدائم: ماهي الكرتيريا التي بني عليها اختيار ذلك الشخص أو الأشخاص، وإذا لم تنطبق (الكريتيريا) بدأ البحث عن فساد أو هوى تحكم في الاختيار.

في وزاراتنا وهيئاتنا ومؤسساتنا نفتقد كثيراً لمعايير الاختيار والترشيح ونفتقد أكثر للسؤال عنها والمحاسبة عليها، وفي أغلب الأحيان نركز على الشخص دون التركيز على مؤهلاته و سيرته الذاتية ومواصفاته التي هي جزء من خصائص ومعايير يفترض أن تطبق للحكم على استحقاقه دون غيره لتولي مهمة أو وظيفة.

عندما تعمل لسنوات طويلة في جهة حكومية أو عدة جهات، تشهد مواقف تشعرك بأن معيار الاختيار طار في كثير من الاختيارات، أو أنه معيار خاطئ سيطر عليه الهوى،  فقد ترى شخص  رشح لأنه صهر أو قريب أو عديل (زوج أخت الزوجة) أو صديق وهذه جميعها معايير لا علاقة لها بالوظيفة أو المهمة المرشح لها، وقد شهدت مسؤولاً يسيطر عليه التحيز للمهنة دون الكفاءة فلا يختار لأي وظيفة إلا طبيباً حتى لو كانت الوظيفة تتعلق بالشأن الاجتماعي الذي يتطلب أخصائية اجتماعية أو شأن هندسي أو وظيفة  فنية لا علاقة لها بالطب، إلى درجة أننا قلنا: من الطبيب الذي سيشرف على قسم الصيانة والنظافة؟!.

سألت أحدهم: ما هي المعايير التي تعتمدونها في اختيار رجال ونساء يمثلوننا في المؤتمرات والحوارات الخارجية غير إجادة اللغة الانجليزية؟! فوجدت من الإجابة أن الكوادر المتخصصة ذات الإطلاع والإلمام والحجة والقناعة الذاتية بتوجه الوطن لم تمنح الفرصة ومنحت لمن لا يمتلك الحد الأدنى من المقومات ومعايير الاختيار.

وزارة الصنعتين عذاب

حضرنا ككتّاب رأي اجتماعين مع وزيري عمل وتنمية اجتماعية، السابق معالي الدكتور علي الغفيص والحالي معالي المهندس أحمد الراجحي في تاريخين مختلفين وفي ذات القاعة بمبنى وزارة العمل، وفي الاجتماعين كان التركيز منحصراً على العمل، دون التطرق لشق الوزارة الثاني المهم عن النواحي الاجتماعية!.

ككاتب رأي، وموظف حكومي في ذات الوقت، كنت أضطر لأخذ إجازة يوم من عملي لألبي الدعوة للاجتماع وأحضر وأنا أحمل ملفات قضايا اجتماعية لمعاناة ذوي الدخل المحدود والمعلقات والمطلقات ونزلاء دور العجزة ودور اليتامى وذوي الاحتياجات الخاصة ودور الرعاية الاجتماعية، وقضايا العنف الأسري وغياب التخصص في شؤون الحماية الأسرية وإهمال دور الأخصائية الاجتماعية في الوقوف مع المتعرض للعنف أو أقارب المتوفى في حادث أو المتعرض لمصائب الدهر وهو النهج الأنجع لمجتمع سليم، لكن المفاجأة تكون بأن النقاش سيدور حول العمل فقط!، مما يعطي شعوراً على أقل تقدير (شعور) بأن الوزارة مشغولة بالعمل عن التنمية الاجتماعية.

وعندما تتابع أنشطة وتصريحات وحوارات وزير التجارة والاستثمار تجد أن الاستثمار يطغى على كل شيء في وقت يحتاج فيه شق التجارة لوقت أكبر وجهد مضاعف.

ولأن التجار أذكياء بالفطرة فقد استفادوا كثيراً من برود جانب حماية المستهلك ورقابة الأسعار والتأكد من صحة إعلانات التخفيضات وتنفيذ بنود الضمان والصيانة ناهيك عن تخلي الوزارة عن الخلافات التعاقدية بين العميل ووكلاء السيارات وإحالتها لمحاكم تستغرق وقتاً وجهداً وتكاليف محاماة تجعل مالك السيارة يعزف عن المطالبة بحقوقه كما أشرت سابقاً.

حتى وزارة التعليم منذ أن جمعت بين التعليم العام والتعليم العالي تركزت جهودها على المشاكل الكبيرة للتعليم العام و باتت الجامعات كل يغني على ليلاه!.

إذا كان المثل الشعبي يقول أن صاحب صنعتين كذاب، بصرف النظر عن صواب وجهة نظر المثل من عدمه فإن المؤكد أن  الوزارة ذات الصنعتين تعاني عذاب التحكم في كل صنعة وأداء واجباتها خصوصاً أن الكوادر لم تزد ولم تتنوع ولم تتطور.