الكذبة على «خشة» كهل

بيت الشعر يقول (أسهل من الكذبة على شف الطفل) كناية عن جمالها، ولابد أن عكسها هو أقبح من الكذبة على (خشة) كهل، فليس في الكذاب صفة جميلة، وليس في الكذب ما يستهوي السامع ما دام يدرك أنه يسمع كذبا أو كلاما غير قابل للتصديق، قياسا بمعرفة السامع بطبع المتحدث الذي ديدنه الكذب أو استنادا إلى علم السامع بعدم صحة ما قيل.
أجمل ما في الكذاب (والكذاب قبيح كله) هو اعتقاده أنك تصدقه، فلا يزال الكذاب يكذب ويكذب حتى يصدق نفسه ويعتقد أنه مقنع وإذا وصل إلى هذه المرحلة المتقدمة جدا يصبح حديثه فيه لمحة متعة، وهذا ما قصدت به (أجمل) ما في الكذاب لأنك تكون أمام شخص يتحدث عن شيء أنت تعلم عكسه وتدرك عدم صحته وهو يظنك تصدقه فيغريه تصديقك للمزيد من استغفالك (هو يعتقد أنه استغفلك) وأنت لم تصدقه ولم تستغفل فتصبح أمام مغفل يتحدث وأنت تضحك عليه في داخلك حتى الثمالة ولكن دون أن تبدو نواجذك، وهذا ممتع جدا.
أنت هنا كذبت عليه بإيهامه أنك تصدقه، لكن البادئ أظلم ومثل هذه النوعية يستحق ما يحدث له (من قال له يكذب؟!).
هذا (السيناريو)، الكذب والإيهام بالتصديق والاستمتاع بالضحك داخليا على الكذاب أمر مقبول على مستوى المجالس والاستراحات وروايات البطولات الخيالية على وزن (فرفعت رجل الأسد)، لكنها غير مقبولة على مستوى المسؤولية نحو الوظيفة، ونحو ما يخص مصالح الناس، ومعاملاتهم وغير لائقة أن تمارس في تصريحات تنشر أو أخبار تكتب أو ادعاءات غير قابلة للتصديق تعلن عنها شركات الخدمات المدفوعة أو المتاجر على لسان القائمين عليها، وعلينا هنا تحديدا أن نوقف من يمارسها عند حده ونشعره بعدم تصديقنا لرواياته لأن المسؤولية فوق كل اعتبارات المجاملة فمن غير المقبول أن تتحول تعاملاتنا وأحاديثنا وتصريحاتنا من مصداقية المجتمع المسلم إلى التحايل والكذب وأن نتحول وبسرعة من المجتمع الذي يعتمد الثقة في تعاملاته إلى المجتمع المتوجس من كل شيء، وعلى الإعلام تقع مسؤولية كبرى في الحد من هذا السلوك بعدم تشجيعه، وبالتأكد من مصداقية ما يقال وما يعلن لأن الإعلام يستغل أحيانا.

وقفات أسبوع ضياع الحقوق

** يوما بعد يوم، تثبت هيئة الاتصالات أنها لا تعير حقوق المشترك أدنى اهتمام، وأنها أحرص على ربح شركات الاتصالات من أكبر المساهمين فيها ومن الشركات نفسها، وأوضح دليل على ذلك ــ لا مجال فيه للجدال والتشكيك ــ هو عدم تدخل الهيئة في غزو رسائل الإعلانات لجوالات المشتركين ممن هب ودب، رغم الشكوى المستمرة من خرق خصوصية الهاتف النقال ومنح الأرقام لكل من أراد أن يعلن. أما التخفيضات ومجانية التجوال فإنها تستطيع منعه، حتى أصبحنا لا نعلم هل الهيئة هي الشركات أم أن شركات الاتصالات هي الهيئة؟!!.
** يبدو أن جدول الضرب الذي كنا ندرسه في جيلنا بكل هدوء وراحة أعصاب، تحول إلى جدول ضرب جسدي في المدارس ومراكز التأهيل والمعاهد وقد ينتقل للجامعات، لا بد من دراسة أسباب شيوع العنف في المجتمع؛ هل هو من شحن نفسي يواجهه الجميع أم مشاكل اجتماعية ومالية تسيطر على نفسيات الناس، أم غياب الرادع وسرعة التقاضي وإعطاء كل ذي حق حقه.. المهم أن العنف في مجتمعنا ارتفع بشكل كبير ونحن ندرس ونبحث ظواهر اجتماعية غير أساسية.
** ليت وزير العمل يركز في تصريحاته على الأمور التي هي في صلب عمل الوزارة وتحت اختصاصها بلا أدنى شك ودون نقاش أو خلاف؛ مثل البطالة والسعودة والتأشيرات والاستقدام الجائر بدلا من الهروب إلى الأمام بتصريحات في المتشابهات ومواقع الخلاف، قوموا بدوركم الصريح أولا في وزارة العمل.
** تقول شركات الاتصالات ردا على تصريحات صدرت من مجلس الشورى إن هيئة الاتصالات هي المسؤولة عن ارتفاع قيمة المكالمات وإن الشركات موافقة على تخفيضها، ألا تلاحظون أن الهيئة ليست في صف المشترك حتى بتصريح الشركات نفسها، بل ألا تلاحظون أن الشركات تمون على الهيئة في التصريحات، وهيئة الاتصالات سعيدة بهذه الميانة، كل هذا يؤكد ما جاء في الفقرة الأولى.

ما لكم وبقايا غلام أحدث

لا أدري لماذا يصر بعضنا على الاستجابة لاستفزاز الصغار، مع أننا كبار وقدر الكبير أن يدوم كبيرا، والأصل أن يحتوي الكبار الصغار ويتحملون أذاهم بتجاهلهم.
الكتاب الصحافيون أكثر من يدرك أن الإعلامي المغمور إذا كان مريضا مستعجلا للشهرة يريد أن يشتهر حتى لو لبس رأس بغل أو ذكر اسمه ضمن قائمة شاذة، المهم أن يردد اسمه ولو مشتوما مهانا، وما دمنا ندرك ذلك فما بالنا نردد اسما مغمورا لا يمثل الكويت لمجرد أنه أخرج من فمه كلمة عفنة.
كان يفترض بنا أن نكتفي بشتم العقلاء من جماعته له واستنقاصهم لقدره ووضعه في المكان الذي يعرفونه له ولأمثاله وأن لا نعطي ما قاله أدنى اهتمام أو ذكر يحقق له ما يريد خصوصا أننا وأشقاءنا في الكويت نشترك في ترديد المثل الشعبي (اضحك للصبي) ونشترك أيضا في كوننا لا نريد رؤية أي لون أحمر في دورة الخليج غير الكرت الأحمر لإخراج كل من يريد أن يثير الخلاف بين أبناء منطقة الخليج لخدمة من لا يسعدهم الوفاق الذي يجمع أبناءها .
كم كنت أتمنى لو أن مواقع الإنترنت لم تستجب لرغبة هذا المريض بتكرار اسمه لأنها مدعاة لاستمراء هذا السلوك الصبياني الاستفزازي ومدعاة لأن يقلده غيره من المرضى النفسيين الذين يتلذذون بمحاولة استفزاز الكبار ولفت انتباههم إلى درجة أن بعضهم تصفعه ويضحك، وتدفعه ويعود حتى يأتي أهله ويسحبونه معتذرين وهذا ما حدث فكان يفترض بمواقع الإنترنت والكتاب الأفاضل الاكتفاء باعتذار الشيخ أحمد الفهد نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي ورئيس المجلس الأولمبي الآسيوي الذي قدم اعتذاره للسعوديين خلال مؤتمر صحافي يوم الأحد الماضي قائلا (امسحوها بوجهي) وهي كلمة يدرك معناها الرجال في دول الخليج ممن يدركون أبعاد الكلمة ومعانيها ووزنها وهؤلاء بالمناسبة هم أكثر من يعاني من سقطات الصبية وزلات ألسن من ابتلوا بانتمائهم لهم قديما أو حديثا.
كنت أتمنى لو أن بعض الزملاء الكتاب لم يستعجلوا تناول بعض السلوكيات الاجتماعية الشاذة بمناسبة ما ذكره ذلك الأحمق لأنه لم يثر الموضوع ناصحا أو حتى ناقدا إنما أثاره حاقدا وراغبا في الشهرة والاستفزاز ومثل هذا الصبي المجهول النكرة إذا نطق فكأنما أحدث، وفعله هذا لا يليق أن يبنى عليه رأي ولا مقال لكاتب عملاق، وكان الأولى تأجيل التناول الاجتماعي لمناسبة أجدر وأكثر احتراما، وقد يقال إنني وقعت فيما نهيت عنه لكنني أكتب راجيا التوقف عن الاستشهاد بما قال أو ترديده ومتجاهلا اسمه وغير مؤيد لربط وقاحته بالأخطاء نادرة الحدوث في مجتمعنا المترابط في عمومه.

الخطوط السعودية تتبنى الافتراش

في الوقت الذي نجحت فيه جهود وزارة الداخلية ولجنة الحج العليا في الحد من الافتراش في حج هذا العام واختفائه تماما في مواقع كثيرة، أصرت الخطوط السعودية على نقل صورة الافتراش إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة من خلال تأخر رحلات العودة أكثر من 12 ساعة لرحلات الحملات المحجوزة بالكامل وأكثر من ذلك للرحلات الأخرى. الصورة كما نقلها حجاج الداخل العائدون مخيفة للغاية ومخجلة إلى أبعد الحدود، ولا ألوم مصوري الصحف حينما لم يلتقطوا الصور المعبرة لهذا الافتراش لحجاج الداخل الذين افترشوا (بلاط) وممرات صالات المطار، لأن شيم المصورين وأخلاقياتهم منعتهم من التقاط صور لعائلات (نساء وبنات وأطفال ينامون على البلاطة حول رب الأسرة)، منعتهم من تصوير زوجة تتوسد ذراع زوجها والزوج يتوسد حذاءه، لكن إدارة الخطوط السعودية لم تسعفهم لمنع حدوث هذه الحالات غير الإنسانية، والتي لا تتناسب مع الجهود التي يبذلها هذا الوطن والمبالغ التي يصرفها والإمكانات التي يسخرها، والتي يبدو أنها لم تجد من يديرها. بعد أن عاد حجاج الداخل واستراحوا والتقطوا أنفاسهم واستعادوا نشاطهم أصبحت معاناتهم ــ بسبب تأخير الرحلات وانتظارهم في المطار يوما كاملا وأكثر ــ كابوسا يلاحقهم وهو حديث المجالس والمناسبات والسؤال واحد لماذا يحدث هذا؟! طائرات رحلات الحملات محجوزة بالكامل ومدفوعة الثمن مقدما، فلماذا لم تقلع في وقتها؟! والرحلات العادية هي الأخرى قام المسافرون عليها بكل واجباتهم من حجز وتأكيد وشراء تذاكر، فمن المسؤول عن بقائهم لعدة أيام ولماذا يحدث هذا وأين الخلل؟! أقول إن المعاناة إنسانية، لأن طوابير انتظار دورات المياه وصلت أكثر من مائة متر، ولأن النساء والأطفال والكبار وحتى الشباب واجهوا إحراجا بالغا في قضاء حاجاتهم الإنسانية، حتى في الحصول على الوجبات كان الانتظار والتلهف والتوسل لا يختلف عن حال كل الكوارث الإنسانية، وحقيقة استغرب أن هيئة وجمعية حقوق الإنسان لم تحرك ساكنا، غير أن الأخيرة تطرقت للمشكلة وصورت جانبا منها وحسب، أما الأولى فربما انشغلت بشأن العاملة المنزلية المعذبة عن آلاف المعذبين بسبب فوضى الخطوط السعودية. يقول أحد حجاج الداخل من الرتب العسكرية العليا والمركز الاجتماعي المرموق إن غياب الشفافية من قبل الخطوط السعودية وعدم مصارحتها المسافرين بأية معلومات عما يحدث وكم سيستمر التأخير فاقم المشكلة، فمن ضمن المتأخرين من بإمكانه استئجار فندق والبقاء حتى موعد إقلاع محدد ولو بعد أيام، ومنهم من يستطيع استئجار سيارة أو استدعاء (صالون) لنقله ونقل غيره معه كعمل خيري، إلا أننا بقينا نتفرج على حجاج الإمارات والكويت الذين أرسلت الطائرات من بلدانهم لحل مشكلتهم، بينما نحن ننتظر تحرك طائرات صرفت بلادنا الغالية أموالا لشرائها، لكنها لم تجد من يدير تحركها بفكر إداري واع ومخلص ومهتم أصلا.

اصرف من بند الفقراء

لا خير فينا إذا لم نوظف خبرتنا في تجارب فاشلة سابقة لمنع حدوث مزيد من الفشل لتجارب مشابهة مستقبلية، فمن المهم أن لا نكون متشائمين ولا معارضين لأي فكرة جديدة، ولكن الأهم أن نستفيد من الأخطاء السابقة ونتلافاها.
وزارة الشؤون الاجتماعية تنوي استثمار الأموال المرصودة للضمان الاجتماعي حسب ما نشر على صدر الصفحة الأولى لـ «عكاظ» وتناولته «عكاظ» في افتتاحيتها (رأي) وعرضت أراء بعض المتخصصين (عضو مجلس الشورى الدكتور أحمد الزيلعي والاقتصادي الدكتور فهد بن جمعة) حول الفكرة في الصفحة 20 في ذات العدد ضمن أسلوب «عكاظ» المهني في تناول مثل هذه القضايا شديدة الحساسية.
أجمع كل من رأي عكاظ وآراء عضو لجنة الشؤون الاجتماعية والأسرة والشباب والاقتصادي على ضرورة توخي الحذر من المخاطرة بهذه الأموال وضرورة التأكد من أن يكون الاستثمار آمنا ومدروسا ولا يعرض هذه الأموال لمخاطر.
أنا لست خبيرا اقتصاديا، لكنني أزعم أن لدي خبرة في رصد تعاطي بعض الجهات الحكومية مع الأرباح أو التبرعات أو الأموال الزائدة عن ما تخصصه وزارة المالية وتتابع عملية صرفه وتدققه الجهات الرقابية، وقبل أن أخوض في مشاهداتي في هذا الجانب دعونا أولا نتساءل عن الجزء من أموال الضمان الاجتماعي الذي تنوي وزارة الشؤون الاجتماعية استثماره كيف بقي وأصبح متاحا للاستثمار، فالمعروف من تصريحات مسؤولي الوزارة أنفسهم أن أموال الضمان محددة حسب عدد المستحقين المسجلين في الضمان، بل إننا مررنا بسنوات عجاف لم يكن خلالها المبلغ يغطي كل المحتاجين، ثم وبفضل من الله ونعمة منه ثم توفيق وسداد من خادم الحرمين الشريفين تمت زيادة الأموال المخصصة للضمان أكثر من مرة، وإذا كان هذا هو ما خلق فائضا من الأموال تنوي الوزارة استثماره فإن ذلك يؤكد أن الوزارة بطيئة جدا في تسجيل المزيد من الحالات المستحقة بحكم البيروقراطية، وأنها لا تدرس الوضع الاجتماعي ميدانيا بالطريقة الصحيحة وتعتمد على تقديم طلبات الاستجداء والرد عليها بطلبات تعجيزية، أي أن الأموال المرصودة للضمان تزداد مع ثبات عدد المستفيدين وهو ما ذكرته سابقا في أكثر من مقال في هذه الزاوية.
إذاً فوجود الفائض غير مبرر أصلا ويجب أن تستثمر الوزارة الأموال المخصصة في الفقراء أنفسهم أولا قبل أن تستثمرها لتحقيق أرباح لبعضهم، فتحقيق التغطية لأكبر عدد ممكن من المستحقين هو الاستثمار الحقيقي للوطن في مجالات عدة منها على سبيل المثال تحسن صحة المجتمع نفسيا واجتماعيا ورفاهية أبنائه وانخفاض مستوى الجرائم والسلوكيات السلبية وارتفاع الروح المعنوية الاجتماعية وترسيخ الولاء واتقاد حميميته.
أما التجارب السابقة في استثمار بعض الجهات الحكومية لبعض مرافقها وخدماتها وتحقيقها مبالغ إضافية لا تخضع لذات الرقابة التي تطبق على ما تقدمه وزارة المالية من مبالغ، فقد شهدت صورا من التساهل أو الصرف في أوجه غير ذات أولوية أو غير نظامية، خصوصا بند التلميع والصرف على الفلاشات الإعلامية التي تستهدف إبراز الأشخاص على حساب المؤسسات، فهذه الأرباح ينطبق عليها تعريف المال السائب الذي يشجع على السرقة أو قل سوء الاستخدام، ونحن لا نريد أن يأتي يوم ولو بعد حين يقال فيه اصرف من بند أرباح أموال الفقراء.

مؤتمر صحفي راق ومراسل أقل

مشكلة بعض الصحف والقنوات الفضائية أنهم يعتمدون في تمثيلهم في المؤتمرات الصحفية على نهج قديم ممعن في السلبية؛ وهو إرسال مراسل هو أقرب للمعقب منه للمراسل وكان دوره في ذلك الزمن هو إحضار صور الكلمات الخطابية التي تلقى في مناسبة افتتاح أو وضع حجر أساس، وكان قمة الإنجاز الصحفي الذي يحققه المراسل هو خطف الكلمة من على المنصة أو من يد المتحدث بعد انتهائه دون أن يحصل عليها غيره ليحقق بذلك سبقا صحفيا، ومثل هذا المراسل أو المرسول لا يحتاج إلى مواصفات صحفية أو تأهيل صحفي عال.
يبدو أن بعض الصحف لا زالت تعتمد على هذه النوعية من المراسلين في تمثيلها في مؤتمرات صحفية مهمة وحساسة، وهذه إساءة للصحافة والمجتمع ولأهمية الحدث والمتحدث، وهذا يحدث كثيرا وتنجم عنه أسئلة سطحية ضحلة لا تتناسب وأهمية المناسبة.
المؤتمر الصحفي المهم جدا الذي تحدث من خلاله المتحدث الرسمي في وزارة الداخلية اللواء منصور التركي يوم الجمعة الماضي عن انتصار وطني جديد على قوى الغدر والظلام وإنجاز أمني متميز أحبط مخططات لاغتيال رجال أمن ومسؤولين وإعلاميين وأسقط 19 خلية إرهابية تضم 149 ضالا كانوا يخططون لزعزعة أمن هذا الوطن الغالي وسفك دماء الأبرياء. هذا المؤتمر الشفاف كعادة وزارة الداخلية كان راقيا في كل شيء، في لغته وفي صراحته وشفافيته وفي شموله وعمق أهدافه التي توضح للجميع حجم الخطر ودرجة اليقظة له وعظم الإنجاز وتفاصيله المسموحة أمنيا.
في المقابل، فإن بعض الصحف والفضائيات كانت ممثلة بمراسلين من النوع الذي ذكرت آنفا والذي لا يرقى في مهنيته وربما درجة تعليمه إلى مستوى الحدث والمتحدث، فجاءت الأسئلة سطحية وضحلة وبعضها غير لائق أمنيا مثل كيف اكتشفتموهم؟! وكيف قبضتم عليهم؟! ومتى قبضتم عليهم؟
أنا لا ألوم المراسل ولكن ألوم من أرسله ومن رشحه وكلفه بالحضور، فمثل هذا المؤتمر الصحفي الوطني المهم يجب أن يكون المرشح له على درجة عالية من الاطلاع والتخصص والحكمة، بحيث يسأل السؤال الذي من خلال إجابته تتحقق التوعية والتنبيه للعامة من مستمعي الإجابة أو التحذير لمن تسول له نفسه عملا مشابها أو الخروج بإجابة تفتح آفاقا جديدة لترسيخ جعل المواطن (أبا أو أما أو أخا أو أختا أو جارا) جزءا من المكافحة أو على الأقل تذكير المتحدث بجانب ربما فات عليه ذكره وهو مهم.
على كل حال، فإن الشكوى من ضحالة وبساطة أسئلة بعض المراسلين أو بشكل أعم وأهم تدني التمثيل الصحفي لكثير من الصحف في المؤتمرات الصحفية المهمة، هي شكوى تكررت وأصبحت شكوى عامة.
أتمنى أن تفرق الصحف بين مؤتمر صحفي مهم وحساس ومفصلي، ومؤتمر صحفي للتلميع وادعاء الإنجازات فهذا الأخير رشحوا له سائق الصحيفة فهو أرقى من المؤتمر التلميعي، أما الأول فرشحوا له خير من يمثل الوطن ويمثلكم.

عدالة المقارنة

يساورني شعور أننا ما دمنا غير قادرين على إصلاح حال الخدمات فإننا يجب أن نغير القوانين والأنظمة التي وضعت مقارنة بدول تتوفر فيها كافة الخدمات وتتطور سنويا بما يكفل الاستجابة مع الأنظمة.
دعونا نستشهد بأمثلة للتوضيح فقط فليس أفضل للتوضيح والفهم الصحيح من الاستشهاد بمثال أو أكثر فمثلا نظام عقوبات الغياب في الجامعات والذي يصل حد الفصل أو الحرمان من فصل دراسي لمن تصل نسبة غيابه حدا محددا وضع اقتداء بجامعات عالمية فيقال نحن نطبق النظام المعتمد في جامعة أمريكية أو بريطانية، هذا النظام لا يمكن الاستمرار في تطبيقه على طالب يدرس في جامعة في الرياض أو جدة وهو من سكان أبها في ظل الوضع الحالي السيئ للنقل الجوي والمتمثل في تأخر رحلات الخطوط السعودية المعتاد لأكثر من أربع ساعات مع عدم توفر البديل فلا ناقل آخر موثوق ولا غير موثوق، فمجرد تكرار تأخر رحلة العودة من المدينة التي يقيم بها أهل الطالب بعد قضائه إجازة نهاية الأسبوع معهم إلى المدينة التي يدرس بها كفيل بفقدانه فرصة تعليمه الجامعي لمجرد أننا نطبق عليه نظام مطبق في دول لديها أكثر من ناقل جوي ولا تعاني من التأخير وتمتلك أدوات لا نمتلكها بعد أو نمتلكها ناقصة.
ذات الشيء يقال عن تعيين معلمة في منطقة نائية أو حتى تبعد عن مقر سكن أسرتها ولو مائة كيلومتر، لا يمكن التعاطي مع غيابها أو تأخرها أو حتى رفضها للمباشرة مقارنة بأنظمة مطبقة في ظل توفر شبكة قطارات تغطي جميع القرى والهجر والمدن وبرحلات متتالية لا يفرقها سوى بضع دقائق وحافلات ووسائل نقل أخرى منتظمة ومنظمة.
أريد أن أقول إننا طالما يئسنا من تطور بعض الخدمات لتصبح أدوات مناسبة لتطبيق الأنظمة، وطال انتظارنا لتحسن كثير من هذه الخدمات، بل منينا بتراجع بعضها وتحديدا الناقل الجوي فإننا يجب أن نعيد النظر في التشدد في تطبيق الأنظمة التي لا تتوفر أدوات التقيد بتعليماتها، ولا تتحقق فيها الإدانة لتقصير طالب أو موظف أو موظفة من ذات نفسه وإنما لافتقاده للوسائل التي تعينه على أن يصبح مثل طالب أو موظف أو موظفة في بلد آخر وفر هذه الوسائل.

وقفات أسبوع اتحاد الإحصاءات

** أكرر التذكير بأن متحف دار القرآن الكريم بالمدينة المنورة التابع لوزارة الشؤون الإسلامية يحتاج إلى التفاتة متخصصة تعنى بإعادة صياغة المتحف بالكامل، خصوصا في طريقة حفظ مقتنياته والتعاطي معه كمعلم ومزار سياحي مهم، فالمقتنيات نادرة وثمينة بينما جهود المحافظة عليها، جهود ذاتية واجتهادات أفراد غيورين لكن الوزارة غير متخصصة في مجالات التعامل مع هذه المقتنيات وطرق عرضها فأصبح المتحف أشبه بمستودع مقتنياته مهددة بالتلف وعدم جلب الأنظار.
**ألا تلاحظون أننا أصبحنا مجتمع إعلان إحصاءات صحافية دون أدنى عمل فعلي يستجيب لهذه الإحصاءات، نحن نقول 33 % من المجتمع السعودي بدناء، و50 % من الأطفال عرضة للسمنة المفرطة و34 % من البنات مدخنات، لكننا لم نقل قط كم نسبة الجهود التي بذلت لمواجهة هذه الأرقام الإحصائية، فالمؤكد أننا لا نتحرك لمواجهة المشكلات وأصبحنا فقط ندرسها ونحصيها لنعذب أنفسنا بالأرقام وأخشى أن يصل الخطر إلى نسبة 100 % والتحرك صفر.
** من ضمن الإحصاءات المؤلمة قالت هيئة التحقيق والادعاء العام أن قضايا العرض والأخلاق وصلت إلى 38 ألف حالة خلال عام واحد، هذا مع أننا مجتمع يحرص على إخفاء حالات العرض والأخلاق ومعالجتها ذاتيا، ومع ذلك يأتي من يطالب بترك (الدرعى) ترعى، يبدو أنهم يريدون الوصول للرقم 100 ألف في عام.
** على طاري الإحصاءات، الاتحاد الدولي للتأريخ والإحصاءات في مجال كرة القدم (مجهول الموقع والهوية) والذي كشف برنامج خط الستة أن هاتفه لا يرد عليه سوى (شغالة) أعلن أمس إحصاءات جديدة أغرب من سابقتها يبدو أنهم غيروا (الشغالة) أو أنهم يعتقدون أن السعودية التي عذبت العاملة المنزلية نصراوية، فالواضح أن هذا المكتب المجهول يحاول الكسب من حماس وكثرة الجماهير الرياضية السعودية ونسي أن السعودي ليس مغفلا ولن يكون مغفلا وأن من كشف زيفه هم رجالات إعلام سعوديون.

أخوكم متعب بن عبد الله

عندما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لمن بالغ في امتداحه «والله إني أقل مما قلت وأعظم مما في قلبك» كان كرم الله وجهه قد كشف مبالغة في الثناء تخالف ما في القلب، بل إنه قصد أنني أعظم من أن أصدق ما قلت عني.
أنا لا أؤيد مقالات إطراء الأشخاص والتعبير عن حبهم لأن أجمل مكان للحب هو القلب، وأشهد الله أنني أحب متعب بن عبدالله لسببين الأول أنني أحب كل من يمت لعبدالله بن عبدالعزيز بصلة، ومتعب بن عبدالله ترى فيه صفات والده في حلمه وفي تواضعه وفي عفويته وفي قربه من الناس، والسبب الثاني لأنني جربت مكارم أخلاق متعب بن عبدالله فغمرتني في لحظة تخلق مكارم الأخلاق فيها الفارق الكبير بين مواقف الرجال، ومع شدة هذا الحب وعمق مبرراته لم يسبق أن عبرت عنه في مقال لأن الحب مكانه القلب.
لا أؤيد مقالات إطراء الأشخاص، لكنني أؤيد وبشدة إطراء مواقفهم، لأنني أؤمن أن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال فالحق معروف وموقف صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالله في أول لقاء له بمنسوبي الحرس الوطني بعد تعيينه وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء ورئيسا للحرس الوطني يستحق التسجيل، ليس من أجل أن أمتدح متعب بن عبدالله فهو ليس في حاجة لإطرائي له وأنا في غنى عن أن يساء فهم ما أكتب، ولم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكنني أؤمن أن تسجيل مواقف الرجال مدعاة للاقتداء وشيوع روح العمل السامي المخلص الرفيع.
استهل متعب بن عبدالله حديثه لرجال الحرس الوطني معيدا تعريف نفسه (وهو معروف) قائلا: أنا أخوكم متعب بن عبدالله الملازم في الحرس الوطني كما عرفتموني منذ 39 سنة، لا يغيرني المنصب ولن أتغير (انتهى). هنا لا يسجل القائد موقف ثقته بنفسه فقط بل ثقته المطلقة في المتلقي، وتأكيده على أهمية اللبنة الأساسية لهذا الكيان وهي الرتب العسكرية الأولى (ولا أقول الدنيا) في سلم البناء، لقد ذكرهم بأنه (الملازم) ولم يتطرق للمرتبة المهيبة (الوزير) أو الرئيس، وفي عمرنا الوظيفي والصحفي المديد عايشنا أناسا تحولوا خلال 24 ساعة هي الزمن الفاصل بين حالة ما قبل المنصب وما بعد إعلانه، وبدأوا يومهم الأول بالتهديد والوعيد والتلميح والتصريح بالقوة الجديدة، رافضين أي ذكر أو تذكير بما كانوا عليه.
قال متعب بن عبدالله، وكان ملحا: يا إخوان أنا بشر يمكن أن أخطئ بمثل ما يمكن أن أصيب وأرجوكم إذا أخطأت نبهوني، فصديقك من يصدق معك، أرجوكم إذا وجد لديكم نصيحة فلا تؤخروها ثانية واحدة فبابي مفتوح وأنا أريد أن تكون الشورى بيننا في كل ما يخدم هذا الكيان (انتهى).
دخلت ذات مرة مكتب سمو الأمير متعب بن عبدالله حاملا وجهة نظر وطنية حددت لها على ساعتي ثلاث دقائق ومتوقعا المقاطعة والنقاش وأقسم بالله غير حانث أنني أمضيت ساعة كاملة وتحدثت دون مقاطعة لأكثر من عشر دقائق متصلة، لم أر في حياتي شخصا ينصت بمثل إنصات الأمير ولو كان حديثي معه هاتفيا لظننت أن الخط قد انقطع من شدة الإنصات، ثم سمعت منه كلمات هادئة مخلصة شفافة كل كلمة منها تكشف لك شيئا في شخصية الرجل، احترام الآخر، الثقة في الآخر، الصدق مع الآخر، التواضع الجم، نبل الأخلاق والرغبة الجامحة في الإصلاح وقبول النصيحة.
عندما نسرد مثل هذا الموقف فإننا إنما نربط بين القول والعمل، فنحن أيضا كموظفين وكصحفيين سمعنا كثيرا من يطالبنا بالمناصحة وعندما تأتي للمناصحة تشعر أنك أمام إنسان يريد أن يقول للباب (افتح يا سمسم واخرج يا ناصح) إنسان دعاك ليقول لك اسمع ما عندي لا قل ما عندك.
كان وقع كلمات متعب بن عبدالله في حفل الاستقبال مؤثرا كثيرا في نفسي لأن كل كلمة كانت تعبر عن موقف عايشته واقعا لا كلاما عابرا وبالتأكيد أنني لست الوحيد في الحرس الوطني الذي سمع الكلمة وعاش الواقع، لكنني أحد من يرون أن نشر المواقف الحسنة سبيل للاقتداء وخلاف ذلك فلم يبق في العمر مثل ما مضى حتى نمتدح أو نتزلف ولو بقي ضعفه ما فعلنا.

لعبة أعجبت مدير الخطوط

في خضم التراجع الذي منيت به الخطوط السعودية والتدني في أدائها، وتوالي أمثلة القصور الإداري، ومع تعالي الأصوات الغاضبة من أحوال الناقل الوطني، وتعدد الشكاوى من التأخير والإلغاء.
وبعد أن أصبحت الخطوط السعودية عائقاً في نجاح موسم السياحة وتنكيد متعة الاصطياف بشهادة العديد من الأطراف.
وبعد أن كدرت الخطوط السعودية على الحجاج جمال ويسر وهناء موسم حج هذا العام فكانت الشكوى الوحيدة في ختام موسم حج ناجح هي تأخير عودة حجاج الداخل وحجاج الإمارات وحجاج الكويت وغيرهم ممن لم يلتفت لهم إعلامهم، وطول انتظار في المطار وأزمة التزام بالمواعيد خدش جمال نجاح بذل من أجله المال والجهد والغالي والنفيس.
أقول في خضم كل ما حدث يخرج علينا مدير عام الخطوط السعودية بعد صمت لا ليعتذر، ولا ليوضح ولا ليبدي أسفه، ولكن ليقول شيئا لا علاقة له مطلقا بحديث الساعة، ليقول لنا سوف نوظف نساء سعوديات في بيع التذاكر؛ ولأننا نحترم إنسانية ومكانة مدير الخطوط فإننا نرجوه أن يحترم عقولنا، فالهدف من هذا التصريح في هذا الوقت واضح ومفهوم.
ألم أقل لكم أن كل من شاع تقصيره يحاول أن يشغل الشارع في شأن مثل هذا ليلهي الناس بالأخذ والرد حوله ويبعدهم عن الموضوع الأساس وهو القصور الإداري؟!.
ما علاقة بيع التذاكر، الذي أصبح من الماضي بعد تقنية شراء التذكرة عبر (النت) واستخراج بطاقة صعود الطائرة ذاتيا ما علاقته بالصعوبات الجمة التي جعلت ناقلنا الوطني متخلفا عن غيره سبعين خريفا؟!.
صدقوني أرجوكم عندما قلت في مقال (مدير الكاشيرة) أن القطاع الخاص غير جاد في السعودة ويريد أن يشغلنا بتوظيف (الكاشيرة) عن توظيف مديرها وكافة التخصصات الأخرى، وصدقوني الآن أرجوكم عندما أقول لكم أن هذه اللعبة استهوت كل من قصر وأراد أن يشغلنا عن تقصيره.
لاحظوا التوقيت، نحن نعاني من عدم إقلاع وتأخر في الإقلاع وارتباك ما بعد البيع وما قبل الإقلاع وهو يتحدث عن توظيف بائعات والطريف في الأمر أن إدارة الخطوط التي فرطت في طيارين سعوديين وموظفين أرضيين وإداريين أفذاذ وتسببت في ما يحدث من إرباك هي ذاتها تختار وقت التقصير للحديث عن توظيف بائعات تذاكر.
هو أسلوب ذكي نجح سابقا لذا فإنني أرجو من الإعلام أن لا يتيح له النجاح هذه المرة، دعونا نعيده للمربع الذي يريد أن يخرجنا منه ونسأله متى ستحلق الخطوط السعودية في وقتها؟! متى سيزول حجر العثرة من طريق النجاح؟! ولا يهمنا ذكرا وظفت أم أنثى.