عين المسؤول ضد الكسر

والعين المكسورة هي تلك العين التي ارتكب صاحبها خطأ فعرفه بعض الناس أو كل الناس، فيصبح صاحبها غير قادر على مواجهة من اطلع على ما ارتكب ناهيك عن القدرة على توجيهه أو زجره عن ممارسة مثل ما ارتكب أو ما يشبهه.
وعندما تنكسر عين المدير أو أي مسؤول فإنه يفقد القدرة على السيطرة على موظفيه أو حتى إقناعهم، لذا فإن من متطلبات القيادة الناجحة أن تكون مثلا أعلى يقتدى به في خلو السجل مما يكسر العين قبل تولي المسؤولية والمحافظة عليه خاليا خلالها.
المسؤول الذي يعلم الناس أنه بنى مجده على أكتاف الآخرين يجب أن لا يتوقع أن أحدا سيعينه على بناء مجد في أية مسؤولية يتولاها، والمدير الذي لا يخلص لعمله لا بد أن يدرك أن موظفيه يكتشفون ذلك وقد يخلصون بحكم أمانتهم ووطنيتهم لكن عينه لا تستطيع مواجهة من لايخلص منهم، ومن يسرق إنجازات موظفيه وينسبها لنفسه يخطئ إذا اعتقد أن أمره لا يكتشف وأن كل من يتعامل معه في أي موقع يوكل إليه لا يعلمون عن طبيعته، فالموظفون في أي مكان لديهم شغف شديد لمعرفة كل شيء عن من يتولى قيادة مركبهم حتى وإن كانوا غير قادرين على فعل شيء حياله، فهم قادرون على التكيف مع واقعهم الجديد بما يليق به.
المسؤول الذي يمارس أي نوع من الفساد الإداري أو المالي هو مسؤول مكسور العين أمام موظفيه صغارا وكبارا، والعين المكسورة لا تقود صاحبها إلى الطريق الصحيح، لأنه لايملك القوة والشجاعة والقدرة على المواجهة التي تؤهله لتصحيح العيوب أو حتى مجرد التحدث عنها.
نفس الشيء يقال عن أستاذ الجامعة والمعلم والأب والأم والمسؤول عن الرقابة والمراقب والقاضي والمحامي وغيرهم ممن تضعف قدرته على المواجهة لأنه ارتكب ما قد ينهى عنه وعلم به من يفترض به أن ينهاهم.
المشكلة الكبرى أننا نعنى كثيرا بفحص البصر وسلامة العين من قصر النظر أو طول النظر لكننا لا نعير اهتماما بفحص العين من آثار الكسر وهو بالمناسبة كسر لا يظهر في فحوصات العين والعين منه براء؛ لأن الأصل هو كسر في الشخصية ووهن في القلب وضعف نفسي نابع من سوابق يعلمها الناس وما العين إلا أداة تعبير مجازي عن عدم القدرة على المواجهة الذي من علاماته طأطأة الرأس وخفض النظر وغض البصر عن كل منكر.
نحن في أمس الحاجة إلى إدخال عنصر فحص العين من الكسر ضمن أولوياتنا في الاختيار؛ لأن من الخطورة بمكان أن يقود جماعة من الموظفين قائد لا يستطيع المواجهة ولا التوجيه.

خطر الصلاحية المطلقة

تمتع المسؤول (وزير أو محافظ أو مدير) بالصلاحية المطلقة في التعامل مع موظفيه فيما يخص شأنهم الوظيفي مع غياب آلية مراقبة هذه الصلاحية والتأكد من حسن استغلالها ومع وجود بطء شديد في التعاطي مع قضايا التظلم الوظيفي تحديدا، أمر أقل ما يقال عنه أنه باب مشرع لاستغلال السلطة ودخول هوى النفس وخروج أعداد من المحبطين المظلومين الذين ربما كانوا من أكثر المخلصين.
كثير من الدول عانت من جور هذه الصلاحية والسلطة المطلقة ولم تنعكس فقط على سلوكيات بعض أفرادها بل أثرت في المجتمع ككل؛ في تعاملاته وطموحه وعدم تطوره بل تخلفه وتحوله إلى مجتمع يتعاطى بأسلوب من أنت؟! بدلا من ما هو مؤهلك وعلمك ومستوى تفكيرك؟ ومن أنت هنا؟ تعني من تعرف وما هي علاقاتك وسلطتك ونفوذك.
نحن وطن طموح تواق للتقدم والنمو وعلينا أن لا نكرر تجارب مدارس فشلت بسبب استفراد المدير أو حتى الوزير بمصير موظفيه، بحيث يمثل الموظف الإنسان الكادح الزارع والمدير أو الوزير قاطف كل الثمار ثم ما يلبث الموظف أن يلقى شبه جزاء سنمار دون أن يعلم عنه أحد، ودون أن نوجد له قناة الشكوى السالكة ولمديره وسائل فضح ممارساته ومنع تسلطه.
لا يمكننا أن نغلق الباب على مسؤول ومجموعة موظفين يمارس في حقهم ما يشاء، فيحبط هذا، ويسرق أفكار ذاك، ويستغل الثالث في مصالحه الخاصة، ويهين رابعا ثم نطمح في مؤسسة منتجة.
المسؤول أخذ ما يستحق على تحمل مسؤولياته وقيامه بدوره القيادي لمجموعة موظفيه، لكن القيادة لا تعني الانقياد والإذعان فلا بد من الاهتمام بالموظف، ذلك العنصر الفعال الذي هو لبنة البناء الأساسية وحفظ حقوقه وكرامته وفرصة بروزه بأفكاره وإبداعاته واستقلال شخصيته، وهذا لا يمكن أن يتم دون أن يسند ظهره بقناة شكوى تتيح له مقاضاة من يستغل سلطته ضده.
وإحقاقا للحق فإننا في هذا العهد الميمون نشهد اهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ بأمر استغلال السلطة وسوء استخدام الصلاحيات وتوجيهاته الدائمة بمحاربتها وتغليظ عقوباتها في أكثر من مثال وهي واحدة من خطوات مليونية نحو مجتمع صحيح نفسيا قادر على تحقيق طموحات قادته.

مدير «الكاشيرة»

قلت أكثر من مرة إنني لا أقبل استغفال المواطن السعودي، لأن المواطن السعودي ليس مغفلا ولم يكن قط مغفلا، لذا فإنني أرجو أن نمعن النظر في التناقض الحاصل في مواقف القطاع الخاص من السعودة بين مقاومة شديدة لكافة الوظائف ذات الإقبال الشديد وأعداد الخريجين الكبيرة مثل وظائف المعلمة والممرضة والطبيبة والصيدلانية والمحاسبة وإدارة الأعمال وحماس شديد لوظيفة الكاشيرة.
أنت وأنا لا نختلف على أهمية عمل المرأة وضرورة توفير كل فرص العمل للسعوديين والسعوديات ولا نقلل من شأن عمل المرأة وكسبها للرزق بما يحفظ كرامتها ويصونها، وأنت وأنا لدينا عقل لا نحب أن يستغفل ونميز بين تباين مواقف القطاع الخاص من مطالباتنا هذه.
هل يخفى على كل ذي لب وعقل راجح أن القطاع الخاص إنما يمارس إشغال الإعلام بوظيفة (الكاشيرة) ليلهيهم عن ما هو أكبر وأهم وهو المطالبة بالسعودة في المجالات ذات الإقبال والقبول من الجميع؟!، بل هل وظف ذات التاجر شبابا سعوديين في ذات الوظيفة (كاشير) بنسبة السعودة المطلوبة والراتب المعقول؟!.
أنا مع أهمية وظيفة محصل النقود لامرأة أو لرجل وضد أن توكل هذه الوظائف لأجانب، وبناتنا وأبناؤنا يعانون البطالة ولكنني جازم أيضا بعدم جدية القطاع الخاص في سعودة هذه الوظيفة وإعطائها الراتب المجزي اللائق وأن التجار إنما يمارسون إشغال إعلامنا الوطني في قضايا (الكاشيرة) عن ما هو أهم وأكبر وأكثر حلا للبطالة وهو نسبة السعودة في الوظائف الأساسية!!.
تقارير بعض الفضائيات عن قضية (الكاشيرة) وانحيازها نحو ضرورة توظيف المرأة في هذه الوظيفة بتصريحات إعلاميين سعوديين، وموسيقى حزينة مثيرة للشفقة وتساؤلات حول مصير المرأة إذا لم تمارس هذا العمل وأنها ربما تلجأ لكسب رزقها بما هو أخطر وأكثر حرمة، لو دققت في تلك التقارير في الفضائيات هل ستجد أن كل من تحدث من المشرفين (المديرين) في تلك المتاجر التي تتحسر على عدم توظيف (الكاشيرة) هم مشرفون ومديرون غير سعوديين من الإخوة العرب!!، وهل تعلم أن ذات المراكز التجارية لا توظف السعودي مشرفا ولا مديرا (مانيجر) حتى لو كان أعلى تأهيلا من الأخ العربي وخبراته في التسويق وإدارة الأعمال أكثر، وهنا سؤال هام هو لماذا لم تجد وظيفة (مدير الكاشيرة) ذات الحماس الذي تجده وظيفة (الكاشيرة)؟!، لماذا لم يوظف السعودي (مانيجر) على وزن السعودية (كاشيرة) ولماذا الشخص الذي يتحدث بأسى عن عدم توظيف السعودية هو مدير وظيفته لم تسعود؟!.
أما الأمر الأكثر إيلاما وإهانة للمرأة فهو أن يفترض إنسان يعتقد أنه عاقل أن المرأة إذا حرمت من وظيفة (كاشيرة) ستعمد للحرام ويعلن ذلك عبر التلفاز؟!.
إنها الإهانة الكبرى التي يجب أن ترفضها المرأة سواء كانت كاتبة صحافية أو (كاشيرة) مرخصة.

وقفات أسبوع أفكـار

• مجلس الشورى يدرس مقترحا يهدف لمنع بيع الخدمات الطبية على المواطنين في المستشفيات الحكومية، والمقترح لا يخدم سوى تجار المستشفيات الخاصة فهو يحميهم من منافسة المستشفيات الحكومية في تقديم الخدمة بسعر معقول ولا يتضرر منه إلا المواطن الذي سيصبح فريسة لاحتكار المستشفيات الخاصة، فلا هو حصل على الرعاية الصحية مجانا ولا سمح له بالحصول عليها من مستشفى حكومي موثوق ومعقول السعر فحذار يا لجنة الشورى. فأنتم تمثلون جميع المواطنين وليس التجار فقط.
• مجموعة من الطلاب اتفقوا على تكوين جمعية فيما بينهم وتوفير مبلغ بسيط من دخلهم الذي يحصلون عليه كمصروف يومي، وبعد أن جمعوا مبلغا لا بأس به اشتروا هدايا عيد للأطفال المرضى وقاموا بتسليم هذه الهدايا بأنفسهم في عيد الفطر ويستعدون لعمل الشيء نفسه في عيد الأضحى المبارك، يقول الطلاب وهم من صغار السن إنهم استفادوا كثيرا من هذه التجربة، فبعض المستشفيات تعاملت معهم بطريقة راقية فأوضحت لهم ما يمكن إهداؤه وما هو ممنوع على بعض المرضى خصوصا الحلوى للأطفال المصابين بالسكر وخلافه، قلت إن لدينا شبابا صالحا خلاقا صاحب مبادرات، وفي المستشفيات أخصائيات اجتماعيات وأخصائيون غاية في الإخلاص وحب العمل.
• عبارات «الوزارة تحقق في فضيحة ..» و(ندرس بجدية) و(إحالة موظف للتحقيق) و(تكليف لجنة عاجلة بدراسة قضية) و(سنعاقب) و(لا نسمح مطلقا)، كلها عبارات إعلامية بديلة لتلافي الرد على ما ينشر بطريقة تفصيلية تشتمل على حقائق وأعمال لا أقوال حيال ما يطرحه الإعلام من قضايا، وهذه العبارات ضرب من ضروب التخدير، فكل شيء يتوقف بعد نشرها، والمشكلة أن تلك العبارات بمثابة مخدرات مسموحة، لكنها المخدر الوحيد الذي يسبب إدمان بائعه ومروجه وليس من يشتريه.
• مللنا من حرب الرأي والرأي الآخر حول عمل المرأة (كاشيرة) وكأن طوابير المتقدمات بالآلاف وكأن القطاع الخاص جهز وظائفه لاستيعاب الجميع وبرواتب مغرية وتحقق الاكتفاء، يا عقلاء لديكم قطاع خاص يرفض توظيف المرأة معلمة براتب يفوق 1500ريال فكيف تريده أن يوظف (كاشيرة) براتب يغطي قيمة (الليموزين) ووجبة الغداء.. إنه مجرد تناحر على سراب يذكرني بصاحب أمنية قطيع الغنم وصديقه الذي تمنى قطيع ذئاب أما من كسر جرة العسل فهو الإعلام.
• ليقم كاتب باقتراح السماح للمرأة بالعمل (سباكة) وستجد مائة مقال يؤيد ويطالب ويتهم وألف موقع إنترنت يعارض ثم فتوى توضح الحكم، كل هذا مع أن المرأة نفسها لو سألتها ماذا تفعلين بـ (أبو جلمبو) ستقول أقليه أو أشويه وأقدمه مقشرا، هي تعرف (أبو جلمبو) البحر ولا رغبة لها في عدة السباكة.

ثروة هدرة

ذهلت وأنا أتجول في متحف دار القرآن الكريم في المدينة المنورة والتابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالقيمة الأثرية وندرة مقتنيات هذا المتحف من المصاحف القديمة النادرة متعددة الأحجام والأشكال والعمر الزمني وطريقة الكتابة وفنون الخط والتصميم الإعجازي لأشكال وألوان إطارات صفحات المخطوطات القرآنية المرسومة يدويا بزخارف مذهبة وملونة تحكي جهدا عظيما وقدرات خارقة وفنا ودقة تعجز أعلى تقنيات العصر الحديث في فن الطباعة عن تقليده.
أما ما أذهلني أكثر أو صدمني فهو عدم إعطاء هذه المقتنيات الثمينة ما تستحقه من طرق الحفظ التي تحقق بقاءها وصيانتها وحفظها من التلف، ناهيك عن عدم الاهتمام بعرضها العرض السليم وإتاحتها للزوار والمهتمين، والدعاية للمتحف كمزار ومقصد يجتذب كل من علم بوجوده. فثمة متاحف ومعارض لمقتنيات لا تقارن مطلقا بندرة وأهمية وقدم مقتنيات هذا المتحف، ومع ذلك يتم الترويج لها في الدول التي تحتضنها بأكثر مما تستحق ويتم استثمارها كمعلم سياحي ومزار يتزاحم الناس لدخوله وتتوافد عليه جحافل الزوار. ما رأيته في متحف القرآن الكريم بالمدينة المنورة مجرد جهود ذاتية للعاملين في المتحف من أساتذة جامعات ومتخصصين يدركون أهمية ما تحتويه صناديق بدائية يعلوها الزجاج، ويعلمون الطرق الصحيحة لحفظ ما بداخلها ويشعرون بالأهمية التاريخية لما تحتويه من مقتنيات، ويدركون الخطورة التي تكتنف حفظها بهذه الطريقة البدائية، وأنها تتعرض للتلف، لكنهم لا يملكون القرار ولا الاعتماد المالي في تحويل هذا المستودع البدائي إلى متحف يليق بما فيه.
هم يدركون أن الإضاءة العادية كفيلة بإتلاف الورق الثمين وأن آفة الخشب و(الأرضة) تهدد محتويات الصناديق الخشبية البدائية، وأن الغبار والعثة تخترق ثغرات صناديق الحفظ الحالية، ويعرفون طرق الرش والتعقيم والتعفير الدوري الذي يجب أن يتم لصيانة هذه التحف النفيسة، لكنهم على ما يبدو دب فيهم اليأس والإحباط فاكتفوا بجهود ذاتية واجتهادات و(فزعات) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يحتوي المتحف على أكبر مصحف (حوالي 2 متر طولا ومتر ونصف عرضا) وأصغر خط كتب به مصحف آخر، بحيث أصبح كل جزء من القرآن في صفحة واحدة، ومخطوطات قديمة مصممة بزخارف إعجازية وخطوط غاية في الجمال، ولست هنا لأعدد محتويات صالة بدائية عشوائية، لكنني أجزم أن وزارة الشؤون الإسلامية لا تملك فكرا (متحفيا)، فهي تقدر هذه الثروة ولكن لا تعرف كيف تحافظ عليها أو تستثمرها.

تكتيك وزير العدل

حضرت محاضرة وزير العدل الدكتور محمد العيسى في الجامعة الإسلامية، واستمتعت بالحوار الشفاف المباشر الذي تلى المحاضرة واستمر لساعة متأخرة من الليل، ولست هنا لأقيّم وجاهة الأسئلة أو دقة الإجابة فمن أساسيات الحوار أن من حقك أن تسأل ومن حقي أن أجيب على سؤالك بما لدي من معلومات ضمن صلاحياتي في التصريح بها ووفق علاقتي بموضوع السؤال وهل أنا منفرد بالمسؤولية عن الشأن الذي تسأل فيه أم أن أحدا أو أكثر يشاركني التعاطي مع هذا الشأن فأجيب على ما يخصني وفق حساسية الموضوع وأترك لك أن تسأل غيري فيما يخصه.
أنا هنا لأشهد بأن الحوار كان مباشرا لا يفصل بين السائل والمسؤول إلا (الميكروفون) وهذه الأداة لا تفرض رقابة على ما يمر خلالها وهذا مما يحسب للجامعة وللضيف بمنح الثقة للرقابة الذاتية، وهي ثقة في السائل واحتراما لمكانته، وقد عشنا وشاهدنا حوارات لا تحترم حق السائل في التعبير المباشر وتفرض أسلوب الأسئلة المكتوبة، وجربنا ضيوفا ومسؤولين يشترط بعضهم أسئلة محددة ويمتنع عن إجابة أخرى، بل جربنا من يقصي إعلاميا بعينه خشية أن يحرجه بسؤال وطني إجابته حق للوطن والمواطن، وهذا ما لم يحدث من وزير العدل ولا مدير الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجدير بالانتباه والتنبيه أن وزير العدل لم ينهج أسلوب الإطالة في الإجابة وهو (تكتيك) معروف يلجأ له من يريد أن يلعب في الوقت الضائع فيضيع الوقت المتاح للأسئلة بإطالة الإجابة وهو ما لم يفعله الوزير العيسى، بل فعله بعض من سألوه وذلك بمقدمات تقليدية ليست ضرورية ولا يستوجبها الظرف وتحتسب من وقت سائل آخر وليس أدل على هذا النوع من سؤال إحدى السيدات عندما استلمت (الميكرفون) من القسم النسوي مباشرة وبدأت بمقدمة طويلة هي أشبه بمقدمات خطب الاحتفالات الرسمية في السبعينيات.
ومع أن مداخلتي كانت الأخيرة وكاد الحوار أن ينتهي قبل الوصول إليها إلا أنني أشهد بأن الدور كان هو الحكم إلى درجة أن أحد المحامين شعر بأن دوره لن يصل فرفع الصوت مطالبا بحقه في السؤال وأخبر بأن دوره قادم وأخذ الدور رغم أن نبرة مطالبته كانت عالية توحي بسؤال من شخص غاضب قد يتردد كثر في منحه الميكرفون في تلك اللحظة وذاك الظرف.
أعتقد أن إدارة الحوار كانت رائعة ومنحت الفرص للجميع حتى القسم النسائي عندما تعطل التواصل المباشر معهم منحوا حلا بديلا سريعا عن طريق الفاكس وعلينا أن لا نجهض هذه المبادرات في مهدها فنحن في أمس الحاجة للتحاور مع مسؤول صريح لا يمارس تكتيكا ضد سؤال عاقل وفي حاجة للقاءات المفتوحة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة التي تحسب لهذه الجامعة رغم أنني أراها ترهق مديرها المخلص المتابع الحريص معالي الدكتور محمد العقلا؛ لكنه وعلى ما يبدو من الرجال الذين يتلذذون بالتعب من أجل الوطن والمواطن أكثر الله من أمثالهم.

الوزارة والإسقاط

تباهت وزارة الشؤون الاجتماعية في «عكاظ» يوم الجمعة الماضي بإتمام ارتباطها آليا مع الأحوال المدنية والتأمينات الاجتماعية والتقاعد والجوازات لمعرفة معلومات عن المشمولين بالضمان الاجتماعي وحدوث تغيرات على أحوالهم تخرجهم من دائرة الضمان، والأمثلة التي أوردها الخبر -حسب ترتيب الجهات المذكورة أعلاه- هي نقص عدد أفراد أسرة المستفيد بزواج البنات أو بلوغ الأبناء السن النظامي واكتشاف أن المستفيد ما زال على رأس العمل أو وجود دخل شهري من التقاعد يفوق الحد المانع لمعاش الضمان الاجتماعي أو وجود عمالة على كفالته بمهن تجارية، واستدركت الوزارة فأشارت إلى أن نظام الضمان الاجتماعي يعتمد في شمول المواطنين على البحث الميداني للتأكد من أحقية المستفيد من خدمات الضمان إضافة إلى نظام الربط الآلي المذكور.
وواضح جدا أن هذه الوزارة ترى أن دورها يقتصر على إسقاط غير المستحقين للضمان والتأكد من أحقية المشمولين حاليا، فرغم دقتها في صياغة الخبر وحذرها الشديد إلا أنها لم تتطرق مطلقا لأي نظام بحث، لا آلي ولا يدوي، عن المستحق الذي لا يسأل الناس إلحافا، ولا ذلك المستحق الذي تقدم ورفض وجلس يحتسب إلى الله في بيته وربما تغيرت ظروفه وزال سبب رفضه، فهؤلاء لا يهم الوزارة تغير أحوالهم وزيادة أعبائهم وزيادة أفراد أسرهم وطلاق المتزوجات من بناتهم وفصل الموظف من أبنائهم.
متى تشعر هذه الوزارة أن صميم عملها هو أن تكون في صف المجتمع وأفراده وشؤونه، لا مجرد خصم يضع العراقيل أمام حصوله على حق كفلته له الدولة -أعزها الله- وأن الأصل هو أن الفقير مستحق للضمان إلى أن يثبت العكس وليس محروما منه إلى أن يتوسل أو يتوسط أو يعلم عنه أهل الخير فيعيش على صدقاتهم؟!.
نحن لا نعترض على تطوير آلية كشف غير المستحق وإسقاطه، ولكن نجزم أن الأهم منها هو تطوير آلية معرفة المستحق وشموله بالضمان وهذه غير متوفرة حاليا، بل إن الآلية الحالية معقدة وبيروقراطية بطيئة ومذلة.
وغني عن القول إن بلوغ الابن لا يعني الوظيفة، وزواج البنت لا ينفي عدم التعليق أو التطليق وبقاءها عبئا على أسرتها، ووجود معاش تقاعد لا يعني أنه كاف حسب عدد أفراد الأسرة وحالتها وسكنها بإيجار مرتفع، فهلا طورت هذه الوزارة آلياتها الإلكترونية ووضعت حساسات شم كيميائية لتثبت لها أن بعض البيوت لا يطبخ فيها الزاد أياما عديدة ليس لأنها تطلب من مطاعم فاخرة، لكن لأنها لا تجد ما تشتري به قوت يومها.

جربوع سمر وضب الفساد

تذكرت قصة طريفة جدا سأرويها لكم في آخر المقال ذكرني بها اكتشاف الفساد المالي أو الإداري في بعض مؤسساتنا بطريق الصدفة أو بعد التحقيق في حادثة غير ذات علاقة أو عند وقوع مشكلة تثيرها الصحافة، فتحاول الجهة المعنية تقصيها لإيجاد ثغرة للرد أو النفي فتكتشف فسادا أكبر من أصل المشكلة ثم تكبر المشكلة وتتدخل هيئة الرقابة والتحقيق فتجد فسادا أكبر وأكبر مما يدل على أن الرقابة يجب أن تكون تلقائية، دورية، مستمرة ودائمة بدون مناسبة وبدون سبب لا صغير ولا كبير.
أقصد أن الجهات الرقابية لو مارست البحث والتقصي بشكل دوري ومفاجئ على جميع الجهات في جميع الأوقات وبدون مناسبات لكانت اكتشفت الفساد في جمعية حماية الأسرة مثلا دون أن تهرب سمر بدوي، بل إن وزارة الشؤون الاجتماعية نفسها، لو كانت جادة في الرقابة على المؤسسات التي تتبع لها بمثل جديتها في إسقاط المستحقين للضمان الاجتماعي إلكترونيا بمجرد ملاحظة أي تحسن طارئ ومؤقت في معيشتهم، لكانت اكتشفت إلكترونيا أيضا أمر مشاريع التنفيع في جمعية حماية الأسرة وغيرها من المؤسسات والأقسام التابعة لها دون حدوث حادثة هرب سمر بدوي.
أما القصة الطريفة التي ذكرتني إياها سمر (الله يذكرها الشهادة) عندما هربت ليتسبب هربها في خروج فضائح أكبر فهي موقف واقعي حدث لمجموعة من الأصدقاء في زمن شبابنا، حيث كانوا من هواة صيد (الجرابيع) ليلا عن طريق ملاحقة الجربوع تحت ضوء السيارة ثم الإمساك به برمي الشماغ ــ وأحيانا الثوب ــ عليه واعتقاله ثم إطلاقه في الغد، فالأمر مجرد لعبة مسلية وأثناء ملاحقتهم لأحد الجرابيع دخل الجربوع صدفة في جحر كبير وما هي إلا لحظات وإذا بعكرة ضب تخرج ببطء من الجحر ويستمر الضب في الخروج متراجعا للوراء (ريوس) حتى اكتملت عكرته (العكرة هي الذيل) فأمسكوا بالعكرة المتينة (الراهية) وأخرجوا ضبا سمينا غافلا ما كان ليخرج أو يعلموا عنه لولا دخول الجربوع ثم سلطوا الضوء على الجحر فخرج الجربوع (الضب لا يطيق دخول القوارض لجحره فيخرج والجربوع يخرج بمجرد مشاهدة الضوء)، يقول: عدنا بصيد ثمين غير متوقع فصيد ضب بهذا الحجم يحتاج إلى حفر قد يستغرق أياما، ووضعنا الضب والجربوع في كرتون محكم كبير ويحلف غير حانث أن الضب يكون هاجدا والجربوع كذلك ثم كلما تذكر الضب أنه كان آمنا في جحره وأن الجربوع هو السبب في القبض عليه ضرب الجربوع بعكرته ضربة تقذفه بعيدا وتهز (الكرتون) فنضحك حتى الاستلقاء.

فساد حماية الأسرة ليس فسادا!

من وجهة نظري فإن تهم الفساد التي تحقق فيها هيئة الرقابة والتحقيق فيما يخص جمعية حماية الأسرة بناء على 21 ملاحظة رصدتها لجنة التحقيق حسب (عكاظ) أول أمس الخميس ستنتهي بالبراءة، أما لماذا فلأن الملاحظات تشتمل على تعميد مؤسسة إعلامية بإنتاج فيلم بمبلغ 300 ألف ريال لصالح زوج ابنة رئيسة الجمعية وإسناد ترميم المبنى لشركة مقاولات دون مناقصة بـ 500 ألف ريال لصالح زوج الرئيسة، وهذا لا يعتبر فسادا بل هو من صميم عمل جمعية (حماية الأسرة) فالرئيسة (إذا ثبت ذلك) قامت بحماية أسرتها فنفعت زوج ابنتها وزوجها وهذا من (الحماية الأسرية) فليس أهم في الأسرة من الزوج وزوج البنت فبحمايتهما وضمان مستقبلهما تحمي أجيالا من الأسرة، إذا وعلى وزن (الخلل ليس خللا) فإن هذا الفساد ليس فسادا!!.
أيضا، أداة الفساد أو المشروع الذي أسند بطريقة فاسدة هل كان من الصعب اكتشافه أو حتى التساؤل عنه والريبة حوله؟!، فبعض الترسيات بطرق (تنفيعية) تنتهي بحصيلة أو بثمرة، صحيح أنها مكلفة لكنها تبقى ضمن البنية التحتية، ولكن ذلك (الفيلم) الذي كلف 300 ألف (وبالمناسبة نحن في عصر موضة الصرف على إنتاج أفلام تلميعية سبق أن حذرت منها) ما عساه أن يصور في جمعية حماية الأسرة هل صور كيفية هروب نزيلة الدار سمر بدوي ولماذا هربت؟! أم أنه صور كل شيء على أنه (تمام) أم أنه لم يصور أصلا؟!، لأن الأصل في عمل مثل هذه الجمعية هو السرية التامة فليس ثمة ما يمكن تصويره حتى على مستوى الإنجازات إن وجدت، ومشروع الترميم ماذا حقق؟! هل جعل المبنى أكثر ملاءمة وتحقيقا لأبسط المتطلبات الإنسانية؟!، لو فعل لما هربت سمر وقبلها الكثيرات.
أي أن السؤال الأهم هو هل كان من الضروري أن تهرب سمر لتكتشف وزارة الشؤون أو غيرها فسادا في إحدى مؤسساتها؟!، لماذا نحن دائما غافلون أو صامتون أو ساكتون (هذه بالمناسبة بندقية كنا نصيد بها العصافير) أو للطرف غاضون إلى أن تحدث فضيحة إنسانية لنبدأ النبش في مشاريع إنتاج الأفلام والترميم وغيرها من الفرص الملائمة للفساد، عفوا أقصد خطوات حماية أسرة المسؤول، فمثل هذه المشاريع التنفيعية يجب أن تكتشف برقابة صارمة ودون حدوث مصيبة ولو فعلنا لوجدنا أن من يمارسون حماية أسرهم كثر.

وقفات أسبوع الإجهاض بكرة طائشة

** يدعي أن شريحة من المجتمع تحاكم النوايا وتعتمد على الشك والريبة ثم يخرج بعد ساعات بتصريحات غريبة مدعيا أن كل الجهات تعيق إصدار ما يمنع زواج القاصرات لأن القائمين عليها أغلبهم من تيار لا يريد المنع، فمجلس الشورى في نظره يسيطر عليه ذات التيار وهم لا يريدون صدور النظام، والقضاء كذلك وحقوق الإنسان يغلب عليها ذات التيار ويتعمدون إعاقة الموضوع، أي أنه حكم على نوايا ثلاث جهات مستقلة مدعيا أنها تدار بالأهواء والنوايا، هذا المتعطش للأضواء ألا يحتفظ بسجل لتصريحاته بحيث لا تتعارض، وهل فات عليه ــ وهو المؤرخ ــ أن يمر على المقولة التاريخية (لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ،، عار عليك إذا فعلت عظيم).
** سبق أن حذرت من أن مضمار المشي الرئيس في الرياض والمسمى (شارع الحوامل) سيشهد حالة إجهاض سببها كرة طائشة من الشباب، الذين رغم أن أمانة مدينة الرياض وفرت لهم الملاعب النظامية داخل الأحياء إلا أنهم يصرون على لعب الكرة وسط المضمار وبين المارة، لكن الكرة الطائشة خالفت ظني فقد ضربت منطقة أسفل الحوض لرجل ممن يمارسون المشي فسقط يتلوى، وأعتقد أنه لا فرق في النتيجة بين ضرب الكرة لامرأة أو رجل، ففي الأولى إجهاض وفي الثانية عقم!!، والمهم هو من هي الجهة المسؤولة عن وقف السلوكيات المخالفة للغرض من مثل هذه المنشآت؟! أم أن من أنجز شيئا يجب أن يراقب سلوكيات الناس فيه؟! مع عدم منطقية ذلك ماليا لأن الاعتمادات المالية للمشروع لا تشتمل على مبلغ مخصص لرقابة حسن استغلاله سلوكيا وإن كانت تشمل الصيانة أحيانا.