الشعور الإنساني كل لا يتجزأ، والتفاعل مع المواقف الإنسانية هو الآخر يجب أن يكون واحدا في كل الأحوال، وهذه الأيام نشهد تعاطفا إعلاميا محليا مستحقا مع العاملة المنزلية الإندونيسية سيتى سلام (22عاما)، التي تعرضت للتعذيب على يد كفيلتها الأرملة (ر.س)، وترقد في أحد مستشفيات المدينة المنورة، وزارتها وزيرة تمكين المرأة وحماية الطفل الإندونيسية ليندا أماليا، ومكثت معها زهاء الساعة.
وتابعنا تصريحات السفير السعودي في إندونيسيا عبد الرحمن خياط، وتطميناته للرأي العام الإندونيسي بإنصاف العاملة وحصولها على حقها.
كل هذا الشعور والتفاعل الإنساني، سواء الإعلامي المحلي أو الرسمي الإندونيسي أو الرسمي السعودي، أمر جميل ومطلوب ورائع، لكننا نريد ذات التفاعل من كافة الأطراف مع الأطفال السعوديين الذين تعرضوا ويتعرضون للتعذيب من العاملات المنزليات، سواء من الجنسية الإندونيسية أو غيرها، خصوصا أن الوزيرة ليندا أماليا التي زارت العاملة المنزلية المعتدى عليها هي وزيرة تمكين المرأة وحماية الطفل، وبالتالي فإنها تدرك جيدا قسوة الاعتداء على طفل بريء وتعذيبه.
لقد تابعنا العديد من حوادث تعذيب الأطفال من قبل العاملات المنزليات، التي تراوحت بين الحرق بماء السخانة وحرق الجلد وكي المناطق الحساسة وإرضاع المواد الحارقة، ورغم أنها حوادث مروعة بعضها موثق بالصور وأشرطة الفيديو، إلا أن التفاعل الإعلامي والرسمي لم يصعد بالشكل الذي حدث مع العاملة المنزلية الإندونيسية التي لا نقبل مطلقا بما حدث لها، ولكننا أيضا لا نقبل مطلقا بأقل من التفاعل الذي تم نحوها مع ضحايا التعذيب من الأطفال الأبرياء، لأن الشعور الإنساني والتفاعل معه لا يفرق بين إنسان وآخر.
بين الحاج كوجي والحرس الوطني
منذ أكثر من عشرين سنة، وتحديدا في يوم الأحد 28 يناير 1990م، عقد الحرس الوطني ندوة صحية عالمية بعنوان الندوة العالمية عن التحصين والعلاج المناعي ضمن نشاطات الحرس الوطني الصحية، ممثلا بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني، فالحرس الوطني ليس ولم يكن قط مقتصرا على الدور العسكري، بل كان وما زال صرحا شامخا يعنى بالثقافة والصحة والتعليم، مثل عنايته بأدواره العسكرية.
في تلك الندوة العالمية، شرفني مدير عام التطوير والتدريب بالحرس الوطني ــ آنذاك ــ الدكتور عبد المحسن بن عبد الله التويجري بمهمة إصدار صحيفة يومية ملونة تنقل أخبار الندوة العالمية بالحرف والصور الملونة في اليوم التالي لحدوثها (تخيل حفلا ليليا ينتهي الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا، ويكون خبره منشورا في الصباح مع الصور الملونة بين أيدي ضيوف الندوة وباللغتين العربية والإنجليزية).
كان التحدي كبيرا تعجز عنه كبريات الصحف، فحتى كبرى الصحف لا تتمكن من نشر خبر متأخر مثل هذا إلا في طبعتها المتأخرة وبدون صور، وقد لا تستطيع، لكننا في الحرس نواجه التحدي بروح العمل الجماعي، فمطابع الحرس الوطني منحتنا طاقما خاصا يسهر حتى الصباح لإنجاز هذه الصحيفة اليومية الملونة التي أسميناها (نشرة)، وما زلت أحتفظ بأعدادها لجميع أيام الندوة.
حسنا، ما الذي ذكرني بهذه الصحيفة اليوم، وبعد أكثر من عشرين سنة؟!، ذكرني بها حج هذا العام، والذي شهد تطورا كبيرا عن العام الماضي، من حيث التوسعات والتسهيلات وتطوير وسائل النقل، خاصة قطار المشاعر، وهي تطويرات تتم كل عام، فيكون مختلفا عن الذي قبله، وهو أمر تفخر به المملكة العربية السعودية، ويحق لها أن تفاخر به، فكنت وما زلت أؤمن بأهمية صورة المقارنة بين الماضي والحاضر لاستشعار عظمة التغيير الذي حدث، ففي تلك الصحيفة التي تحدثت عنها آنفا (النشرة)، قررنا أن نستفيد من هذا الجهد الخارق، فلا نكتفي بنقل أخبار البارحة بالصور الملونة وباللغتين العربية والإنجليزية ليسعد برؤيتها ضيوف المؤتمر، فمن المؤكد أيضا أنهم سيحتفظون بهذه الصحيفة ويحملونها معهم إلى أهلهم وأصدقائهم، ولا سيما أنها تحمل صورا تذكارية لهم، أما كيفية الاستفادة من هذا الجهد الخارق لما يخدم الوطن، فقد كان بوضع زاوية يومية مصورة على أربعة أعمدة تحت عنوان كيف كنا وكيف أصبحنا (how were we & how are we)، وعلى اليمين كنا نضع صورة قديمة للمملكة وعلى اليسار صورة لحاضر هذا الوطن الغالي تعكس حجم التطور. وقد وجدت هذه الزاوية إقبالا كبيرا، وكان لها تأثير عظيم على المتلقي، فقد اختصرت قصة إنجاز عظيم في صورتين (كيف كنا؟ وكيف أصبحنا؟).
كم أتمنى أن نركز على ذات المقارنة في فلم عن الحج أو صور عن الحج تقارن بين الماضي القديم جدا والحاضر اليوم؛ ليعلم المشاهد لهذا الفلم أو تلك الصور حجم الجهد الذي بذلته المملكة العربية السعودية، مقارنة بقصر المدة ليتحول الحج مما كان إلى ما أصبح، فبعض الحجاج الذين يحجون لأكثر من مرة يستشعرون حجم التحول، مثلما فعل الحاج الياباني الإعلامي كوجي عبد العزيز الذي نقلت لنا (واس) مقدار انبهاره بالفارق الإعجازي بين حجه هذا العام وحجته الأولى قبل 42 عاما، لكن العالم أجمع يجب (في نظري) أن يرى المقارنة في فلم وصور كالتي بدأنا فكرتها في نشرة الحرس الوطني، ومن أجل إعطاء كل ذي حق حقه، فقد عمل معي في إصدار تلك الصحيفة اليومية فريق تحرير مكون من رشيد الرشيد، عبدالله الحميد، صبار العنزي، وصالح القبلان، وأخرجها راضي جودة، أما الفضل الكبير في سرعة الطباعة التي هي سر الإنجاز، فقد كان لرجال مطابع الحرس الوطني وبتفهم وحماس من رجل له دور جبار في تطور مطابع الحرس ــ آنذاك ــ وصاحب خطوة توظيف المعوقين في المطابع العميد ناصر العرق الذي تقاعد مؤخرا.
ثم عاد ابن همام عربيا
يبدو أن المسؤول العربي يعاني من نقص في إنزيم خاص بهضم الإعلام، وهذا النقص في الإنزيم ليس عيبا خلقيا يولد المسؤول وهو يعاني منه، بل هو تحول جيني حاد يحدث بعد الحصول على منصب كان للإعلام الدور الأكبر في الوصول إليه، الأمثلة كثيرة، ولعلي سبق أن ذكرت قناعتي بأن بعض المسؤولين يعتبر الإعلام كالسلم يصعد عليه ثم يرفسه ليسقط، فلا يهبط هو من خلاله ولا يصعد غيره باستخدامه.
كنت أتصور أن هذه الأعراض (عسر هضم الإعلام) تحدث للعرب داخليا ضمن مسؤولياتهم المحلية وضد إعلامهم الداخلي، حتى شاهدت منذ يومين حوارا تلفزيونيا مباشرا نقلته الفضائيات باللغة الإنجليزية مع رئيس الاتحاد الآسيوي محمد بن همام، بدأ الحوار مع المحاور الرئيس، ثم أتيحت المداخلات للعدد الكبير من الصحافيين المتواجدين من أنحاء العالم وأكثرهم غربيون، وابن همام بدأ بإجابات جيدة رزينة ودبلوماسية فيما يخص الفساد الذي اكتشف في الاتحاد الدولي (الفيفا)، خصوصا في لجان ترشيحات كأس العالم 2018 و 2022، والذي كشفه الإعلام الإنجليزي، ولم يستجب ابن همام لمحاولات بعض الأسئلة جرجرته لتقمص دور رئيس للفيفا أو النيل من بلاتر، فكان أداء ابن همام جيدا ومقبولا.
فجأة، عاد ابن همام لطباع المسؤول العربي، فانتقد الإعلام إجمالا ودون تحديد، وطلب من الإعلام أن ينظر إلى الإيجابيات ولا يحبط من يعملون ليل نهار، وما إلى ذلك من جمل عربية الطباع، فوقع ابن همام في المحظور، لأن النيل من حرية الإعلام في كشف الفساد أمر محظور لدى جل المتواجدين من الصحافة الغربية، وتقييد الإعلام أو انتقاد دوره الأساس خط أحمر عبره ابن همام بقدم عربية، وهو رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.
بدأ المحاور الرئيس وكذا عدد من الحضور في إفهام ابن همام العربي الهمام أن الإعلام إنما كان يمارس دوره المطلوب، وأن تيار ماء الإعلام الجارف النقي هو الذي يغسل الأوساخ، وليس الماء الراكد المتسخ الآسن.
عندها أدرك ابن همام أنه أخطأ الزمان والمكان، وخصوصا حضور المكان، فحاول ترقيع ما يمكن ترقيعه، لذا فإنني أنصح كل مسؤول عربي وصل إلى العالمية أن يتذكر كل شيء في حواراته الصحفية: دينه، عروبته، انتماءه، قيمه العربية، ومكارم أخلاقه، لكن عليه أن ينسى موقفه كمسؤول عربي من الإعلام (سلم الصعود المرفوس).
وقفات أسبوع الدروس الملكية
** أجمل وأسعد عيدية استقبلناها كانت إطلالة خادم الحرمين الشريفين ــ حفظه الله ــ عبر التلفاز، مطمئنا الجميع على سلامته، وممازحا كعادته بعباراته التلقائية العفوية الصادقة التي تخرج من القلب الكبير، فتدخل بسلاسة الصدق وتأشيرة الحب إلى كل القلوب، وتستقر فيها مطمئنة ومطمئنة على صحة ملك الإنسانية وسلامته.
** من شدة رابطة الحب المتبادل التي تربط الملك المفدى خادم الحرمين الشريفين بأبنائه، حرص ــ حفظه الله ــ على طمأنة أبناء شعبه وإسعادهم بأن وعكة الظهر لم تؤثر عليه، وأوصل ذلك بطريقة المحب المحبوب، عندما عمد إلى الممازحة والعبارات الطريفة حول مسمى الإصابة وروح الدعابة والضحك، وهكذا يطمئن المحب المخلص محبيه.
** الشفافية العالية والوضوح هما من أسرار علاقة الحب العظيمة التي تربط خادم الحرمين الشريفين بأبناء شعبه، أما طريقة التعبير عنها فتجلت في تكراره ــ يحفظه الله ــ عبارة (أخص بالشكر أبناء الشعب السعودي) عندما شكر كل من اهتم بحالته الصحية، لقد شعر واستشعر حرص أبناء شعبه عليه ودعاءهم الله له بالسلامة، فرغب في طمأنتهم ثم قدر حبهم بتخصيص الشكر لهم وتكرار ذلك، وهذه خصال المحب المحبوب.. شعور متبادل وتعبير شفاف عن الشعور.
** ذات الملك المتواضع الذي لا يقبل الفوارق والذي منع تقبيل اليد، يعتذر لمن جاءوا للاطمئنان عليه قائلا: (اعذروني أنني لم أقف)، مع أنهم جميعا يدركون الأسباب ويقدرون الظرف، لكنها أخلاقيات الملك الإنسان صاحب الحس المرهف والتواضع الجم، إنها دروس ملكية ألقاها عبد الله بن عبد العزيز، ويلقيها في كل مناسبة بما يتلاءم معها، وعلى الجميع الاستفادة والاقتداء.
البديل المفقود
من أهم أسباب احترام المنع والانتهاء عن الممنوع إيجاد البديل للسلوك الممنوع، بطبيعة الحال نحن نتحدث هنا عن السلوك الممنوع في مكان ما، ولكنه مسموح في غيره، لكن مشكلتنا أننا نمنع دون أن نوجد البديل وهذا منع تنفيذه يستحيل.
خذ من الأمثلة ما شئت وستجد أننا نجيد المنع ولا نجيد إيجاد البدائل، ولذا فإننا لا نتجرأ على تنفيذ المنع ولا نكون جادين في معاقبة من يخالفه لكوننا ندرك أنه لا يملك خيارا آخر، ولأننا جميعا منطقيون وسوف نتقبل عذر من لا يلتزم بالمنع لانعدام الحلول، وهنا مربط الفرس في معاناتنا مع الفوضى العارمة، فكل منا يستطيع المنع كل في ما يخصه وكل منا لا يوجد البديل كل في ما يخصه، وكل منا يعذر الآخر والمعادلة صعبة جدا لا يمكن أن تتم هكذا وخذ بعض الأمثلة:
أمانة مدينة الرياض أوجدت منتزهات وادي حنيفة وغيره من المنتزهات الداخلية والبرية وسبق أن أشدت بذلك، لكنني أؤكد أنني بحثت في منتزهات وادي حنيفة عن سلة مهملات واحدة لأرمي فيها نفايات جلستي أنا وأحد أصدقائي فلم نجد، وكنا محظوظين عندما مرت علينا قطة (مرت ولا حتى تلتفت) لنقنعها بأكل ما يمكنها أكله فنتخلص من الطعام، أما لماذا مرت ولا حتى تلتفت فلأنها شبعانة من النفايات المتروكة في الأرض، والأمانة تمنع بشدة ترك النفايات لكنها لم توجد البديل، وهي ليست الوحيدة في ذلك فمعظم المدن تفتقد منتزهاتها لأماكن وضع النفايات وبعضها تفتقد للمنتزهات أصلا.
نحن أيضا تطورنا وأصبحنا نعتبر من يقضي حاجته على قارعة الطريق أو حتى على جانب الطرق السريعة سلوكا سيئا وممنوعا ومخالفا، لكننا لم نوجد دورات المياه وأتحدى من يعاتب من يفعل ذلك أن يجد ردا إذا قال له أين البديل؟!، ( وين تبغاني أسويها؟!)، سيغادر فورا مؤيدا منطقية السؤال.
مواقف السيارات مثال آخر، فلا يمكنك منعي من الوقوف أو معاقبتي عليه وأنت لم توجد مواقف ولو بعيدة، ونفس الشيء يقال عن كراسي الجلوس، فإذا لم توجد لي كراسي للجلوس فلا يمكنك منعي من الجلوس على العشب أو أي شيء مناسب آخر.
حتى المدخنون رغم أننا نمقت هذه العادة السيئة ونتمنى أن يقلع عنها من يمارسها، لكنك لا تستطيع تنفيذ المنع دون إيجاد أماكن خاصة بالمدخنين تتوافر فيها التهوية اللازمة لتحمي غيرهم منهم وتحميهم هم أنفسهم من التهوية السيئة.
هذه أمثلة للتوضيح فقط وإلا فالحالات كثيرة ومتعددة الجوانب والأبعاد، وعندما أقول (نحن) فإنما أقصد المسؤولين منا عن أي شأن يستوجب المنع، فالملاحظ هو شيوع ثقافة المنع وتصريحات (منعنا) دون أن يصاحبها (وفرنا البديل)، وفي هذا إجحاف في حق المواطن، أما الإجحاف الأكبر فهو اتهام المواطن بعدم التقيد بالأنظمة أو السلوكيات الراقية وعدم الوعي، ومقارنته بمواطني دول وفرت البدائل والحلول قبل المنع.
درس السكاكين
في مثل هذا اليوم من كل عام تتكرر الأخبار عن استقبال غرف الطوارئ في المستشفيات لعشرات الحالات من الإصابات الناجمة عن سكاكين وسواطير ذبح الضحايا، وهي إصابات تتراوح بين المتوسطة والخطيرة تحدث إما بسبب عدم الخبرة والذبح في المنزل باستئجار الجزار المتجول، أو بسبب دخول صاحب الأضحية ممرات المسالخ الذي يعمل فيه عشرات الجزارين في ممر واحد يعج بالسكاكين والسواطير التي تستخدم بسرعة هائلة يكفي طيران واحدة منها لإحداث اصابات خطيرة قد تودي بالحياة.
أيضا شهدت الأعوام الماضية وفاة أشخاص بسبب أضحيته، فالخروف يكون في قمة هيجانه بحيث يمكن أن يتغدى بصاحبه قبل أن يتعشى به، وقد قرأنا الكثير من الأخبار عن خراف قتلت أصحابها أو تسببت في إصابتهم بإصابات خطيرة، ومشكلتنا أننا نكتفي بالأخبار فقط ولا نتعلم من الدروس المتكررة وكأننا نضحي للمرة الأولى كل عام.
أما أخطر حوادث السكاكين في هذا اليوم من العام فهي تلك الناجمة عن خلاف وشجار بين الجزار وصاحب الأضحية، خصوصا أن الجزار يوم الذبح يكون قد تعود على الذبح وغير قابل للمناقشة وسكاكينه في يده ومسنونة!!.
ويوم عيد الأضحى يشهد إعلان العمالة السائبة عن نفسها، فكل عامل سائب بإمكانه حمل السكاكين وإدعاء الخبرة في الذبح وأكثر من يعاني من هذا السلوك هو الخروف لأنه سيتعرض للتعذيب أثناء ذبحه ونبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا بسن الشفرة وإراحة الذبيحة.
إذا نحن أمام تجربة سنوية تتكرر ولا نستفيد منها إطلاقا، بدليل أننا نكرر ذات الخطأ كل عام، ولو استفدنا من تجربة السكاكين فإننا سنجد أن حوادث الإصابات تكلفنا أهم ما لدينا وهو الإنسان، كما أنها تكلفنا أيضا جهودا كبيرة في الإسعاف وازدحام غرف الطوارئ، والتعامل مع هذه الحالات التي يمكن تلافيها لو صححنا الأخطاء وكثفنا الاحتياطات بمنع الناس من تعريض أنفسهم للخطر عن طريق منع تواجدهم في مواقع الخطر وملاحقة الجزار المتجول والقبض على غير النظامي منهم ومن لا يحملون إقامات نظامية وكثفنا المسالخ ونظمناها بما لا يدع سببا للذبح في المنزل، لكننا لا نفعل ذلك مطلقا ونتركه يتكرر، فمتى نستفيد من تجاربنا ونطور تعاملنا معها كل عام؟!
مقارنة وطنية
احتفظ بالصحف القديمة في مكتبتي، وكلما راجعت بعضها وقرأت الوعود التي يقدمها المسؤولون صحافيا، وقارنتها بالزمن المحدد لتنفيذها فأجده قد انتهى قبل مدة طويلة ولم تنفذ، أتساءل متألما: هل يستحق الوطن منا هذا الجحود وعدم تنفيذ الوعود، ثم أتساءل لو أن 50 في المائة مما يقوله المسؤولون قد نفذ كيف ستكون حالنا، وكيف سيكون هذا الوطن المعطاء، فأجد أنه سيكون البلد المثالي بالمدن المثالية وبالمشاريع المنفذة التي تتناسب مع طموح قيادة هذا الوطن وأمنيات كل مواطن.
هذه الأيام أتواجد في اليونان، حيث المشاكل الاقتصادية الحادة والأزمارت المالية المخيفة، فترى في الوجوه أينما ذهبت أثرا لهذه الأزمات وحزنا واضحا على وجوه كل من تقابلهم، فالجميع تراهم وكأن الواحد منهم يئن من الأزمات الإقتصادية، ليس هذا فقط، فقد تجولت في العاصمة وضواحيها، فرأيت كيف أن بعض المراكز التجارية مغلقة تماما بسبب الأزمة الاقتصادية، وكثيرا من المتاجر التي كان يسترزق منها المواطن اليوناني لم يبق منها إلا بقايا زجاج مكسر ومكان مهجور، ومع ذلك ثمة مشاريع وأعمال مستمرة وتحديثات دائمة، فالحزن على الوجوه يعكس خسارة شخصية، لكن الأمل في بناء الوطن قائم.
أنا أريد أن نعمل من أجل الوطن، خصوصا أننا ــ ولله الحمد ــ لا نعاني من أزمات مالية، بل نحن نعيش أفضل الظروف الاقتصادية التي تؤهل لبناء مشاريع وتحقيق أمانٍ يفترض أن لا تكون على الورق فقط.
وأن كل ما نمنى به ونوعد به، عبر تصريحات المسؤولين في الصحف القديمة والجديدة والتي ستصدر، يجب أن نجعله حقيقة؛ لأن الوطن يستحق منا أكثر من مجرد الوعود.
ظهر الأمة
لا غرابة أن تهتز الأمة أجمع، بل العالم بأسره؛ لأن وعكة طارئة ألمت بظهر عبد الله بن عبد العزيز؛ لأن خادم الحرمين الشريفين هو ظهر الأمة الذي حمل همومها مجتمعة على اختلاف أوزانها وأثقالها وأنواعها وتعقيداتها وتشعب مسالكها واختلاف هوية وأهواء أطرافها بينما عبد الله بن عبد العزيز يحمل هوية واحدة هي هوية المسلم الإنسان وهوى واحدا هو السلام.
هو الظهر الذي حمل هم قضية العالم (القضية الفلسطينية)، وهو الظهر الذي حمل هم العراق، وهو الظهر الذي حمل هم لبنان، وهو الظهر الذي حمل هم حوار الأديان، وهو ذات الظهر الذي جاء مباشرة من نيس إلى جازان ليطمئن على أبنائه من ضحايا حمى الوادي المتصدع، وهو ذات الظهر الذي انحنى ليدخل الأبواب الضيقة منخفضة السقف في بيوت الفقراء، عندما زارهم (لم يكتف بإيكال من يزورهم)، وهو لم يستكثر هذه الانحناءة عليهم لكنه استكثر أن تكون أسقف بيوتهم تستدعي الانحناء، فبادر باستراتيجية محاربة الفقر وتسهيل القروض وبناء المساكن التي لا تستدعي إنحناء الظهر، وذات الظهر الذي انحنى لدخول بيوت الفقراء، انحنى احتراما له وإجلالا لأعماله الإنسانية رئيس الدولة العظمى في العالم لأنه يدرك أنه ظهر الأمة.
ظهرك يا ملك الإنسانية آثر المشي على الوقوف، والوقوف على الجلوس فمشى في أنحاء المعمورة لينشر السلام، ووقف ليقدم الكرسي لمواطن يشتكي له (من غيره إلي أقعد الكرسي لمواطن يشتكي له، من غيره اللي شال هم الناس في صبحه وليله؟) ومثل هذا الظهر لن يرى إلا كل خير فأكف الحجيج سترتفع لتدعو له، وقلوب سكان المعمورة تخفق حبا له وتضخ الأمنيات بسرعة شفائه، وفي هذه العشر المباركة يدعو المصلون ربهم لك بالشفاء العاجل، وفي يوم عرفة يناجي الصائمون ربهم بأن يكشف الضر عنك (اللهم كاشف الضر عن أيوب وراد البصر إلى يعقوب اكشف الضر عمن خدم الحرمين وكفل اليتامى وأنصف المظلومين وهب لنجدة المستنجدين من المرضى والفقراء والمحتاجين وعم خيره وعدله ورعايته القريبين والبعيدين).
فكّونا من توقعاتكم
توقع وزير الزراعة أن ترتفع أسعار الشعير قبل حدوث الارتفاع بعدة أشهر لاعتبارات يراها فحدث الارتفاع الفاحش في أسعار الشعير الذي تبعه صدق توقع آخر بارتفاع أسعار الماشية خاصة الأضاحي فارتفعت ارتفاعاً فاحشاً هي الأخرى.
وكان ارتفاع أسعار الطماطم مسبوقا بتوقعات متكررة نشرتها الصحف ولم تكن مبنية على أسس واضحة منطقية لكن الارتفاع حدث.
وفي سنوات مضت سبق ارتفاع أسعار الأرز تصريحات صحافية بتوقع ارتفاع أسعاره أصدرها مسؤولو وزارة التجارة ووعدوا آنذاك محاسبة التجار الذين يخزنون الأرز وبمتابعة السوق لمنع استغلال الارتفاع المتوقع قبل حدوثه لكن الاستغلال حدث والارتفاع المبكر حدث ولا المراقبة حدثت ولا المحاسبة تمت فدفعنا نحن ثمن التوقعات الصحافية مبكراً ولم نسعد بأية حماية.
الشيء ذاته حدث مع السكر الذي ارتفع وخزن مبكراً بسبب تصريحات مسؤولي التجارة وعدم حصول الحماية.
الحديد واجهنا معه المشكلة ذاتها (تصريحات صحافية مسؤولة بتوقع التخزين والارتفاع مع عدم حصول فعل مسؤول بالدرجة الكافية لمنع التخزين والاستغلال والارتفاع).
بعد هذا كله ألا يحق لنا القول إن تصريحات بعض المسؤولين المبكرة هي أحد أسباب الارتفاع المبكر والاستغلال والتخزين مع عدم فائدتها في الحماية.
هم يريدون بذلك حماية أنفسهم مبكراً لكنهم لا يستطيعون حمايتنا لا مبكراً ولا متأخراً ليس لأنهم غير قادرين، ولكن يقدمون حماية أنفسهم ويجتهدون فيها ولا يفعلون الحماس ذاته لحمايتنا.
ألا يحق لنا إذاً أن نقول دعونا في حالنا لا تصرحوا ولا تتوقعوا طالما أن النتيجة واحدة (استغلالنا وارتفاع الأسعار) وإن توقعاتكم تتيح أرضية مناسبة للاستغلال المبكر.
بإختصار فكونا من توقعاتكم وتصريحاتكم.
«شرهة» مدير الخطوط لهيئة الصحفيين
بعد زيارته الميمونة لهيئة الصحفيين وإجراء حوار مفتوح، أعلن مدير عام الخطوط السعودية منح تسهيلات لأعضاء هيئة الصحفيين، وقبل أن نتحدث عن محاذير هذا الإغراء أو الجسر الذكي الذي أراد مدير الخطوط السعودية مده مع الصحافة، ناسيا أو ربما لا يعلم أن غالبية الكتاب الصحافيين والمراسلين الميدانيين ليسو أعضاء في الهيئة بسبب إقصاء الهيئة لغير المتفرغين وحرمانهم الحقوق التي يتمتع بها العضو كامل العضوية في الهيئة، أقول قبل أن نتطرق للجانب الأخلاقي دعونا نذكر الهيئة أن التسهيلات والتخفيضات التي يحظى بها أي عضو في جمعية أو هيئة أو مؤسسة يفترض أن تحصل عليها تلك الهيئة أو المؤسسة أو الجمعية لأعضائها عن طريق التفاوض مع مانح الخدمة وبإغرائه بقصر تعامل الأعضاء مع هذه الشركة دون غيرها مقابل منح التسهيلات، وهذا هو الأسلوب المحترم الذي تطبقه كل الجمعيات المهنية مثل جمعية الصيادلة وجمعية أطباء العيون وهيئة المحاسبين، لا أن يتم ذلك عن طريق (شرهة) يعلنها مدير الشركة مقدمة الخدمة بمناسبة زيارة أو لقاء مفتوح، فهذا الأسلوب أقرب إلى شراء ذمة الأعضاء منه إلى إغرائهم كعملاء.
لك أن تتخيل لو أن كل مسؤول يعاني من نقد الصحافة جاء في لقاء مفتوح لمحاورته وإحراجه بما يخدم الوطن والمواطن ويعكس نبض الشارع وبادر بطرح إغراءات من هذا النوع، فقام مسؤول الخدمة المدنية بعرض تسهيلات لأعضاء الهيئة في استخراج أوراقهم الثبوتية وتجديد دفتر العائلة، وقام مسؤول النقل بمنحهم مميزات القطار الوحيد، وبادر مسؤول الزراعة بتدبير طماطم مخفضة، ومسؤول التعليم بمنح تسهيلات للطلبة من أبناء أعضاء هيئة الصحافيين.. هل هذا أسلوب يليق بهيئة السلطة الرابعة؟!!، وما هو انعكاس ذلك على تعاطي الأعضاء مع هذه المؤسسات الخدمية، خصوصا أن منهم من يجيز ما ينشر، ومنهم من يحدد من ينتقد ومن يغض عنه الطرف هذا ما قصدت به الجانب الأخلاقي ولا ضرورة لمزيد من التفصيل، لكن الأمر المطمئن للجميع أن غالبية كتاب الرأي والصحافيين الفاعلين ليسو أعضاء في الهيئة، بل إن معظمهم انتقدوا الهيئة بمثل نقدهم للخطوط السعودية، وبعض رؤوساء التحرير يمنحونهم الاستقلالية التامة في آرائهم.
